عالمنا العربي ثورات تغيير داخلية أم مشاريع تقسيم خارجية

7 أغسطس, 2021

بشير ناظر الجحيشي/ كاتب من العراق

عند الكلام عن ثورات التغيير في العالم العربي، لا بد من استرجاع ما حدث في عام 1968 والذي يعد منعطفاً في تاريخ الغرب والعالم، حسب الكاتب والصحافي الأمريكي مارك كورلانسكي من خلال كتابة (1968 السنة التي هزت العالم)، وهو يقصد ثورة الطلاب والعمال في فرنسا التي هزت النظام الديغولي وكادت أن تسقطه، فقد هبت رياح الثورة من فرنسا وانتقلت إلى عواصم الغرب والجامعات من روما إلى برلين ولندن ومدريد وطوكيو، وكانت ثورة ضد المجتمع وتقاليده العتيقة الموروثة عن القرن التاسع عشر، وضد التسلط والكبرياء، ومع أنها فشلت وتم إحباطها إلا أنها كانت مفيدة ولم تذهب تضحيات الطلبة والعمال سدى، فقد انتعش بعدها المجتمع الفرنسي وغيرت حياته في العمق من جميع النواحي الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والثقافية والتحررية.

وبعد احتلال العراق أصبحت النظم السياسية العربية مهددة في عقر دارها، حيث لم تعد القوات الأجنبية المتواجدة في المنطقة العربية هي قوات صديقة، أو نتيجة اتفاقيات مع بعض الدول أو بعض النظم، بل تحولت لقوات غزو واحتلال، كما أن احتلال العراق لم يكن نتيجة قرار دولي وإنما جاء نتيجة لتخطيط أمريكي بريطاني بامتياز( لم أقرأ يوماً، أن أمريكا وقفت إلى جانب الإسلام والمسلمين سوا ما شاهدته في فلم Behind Enemy Lines ) وقد تطورت الأمور فيما بعد باستصدار قرار من مجلس الأمن اعتبر العراق دولة محتلة، إن هذا الاحتلال محاولة لفرض الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية، وتغيير بعض النظم السياسية التي لا تسير في فلك السياسة الأمريكية.

         إن رياح التغير التي هزت العالم وشهدها الغرب في عام 1968، هي اليوم تعتبر من أخطر التحديات التي تواجه النظم العربية، نعم هي ثورات التغيير التي تعم عالمنا العربي ضد الأنظمة المزمنة، بعضها سقط، والآخر يجري الإصلاحات، والبقية تترقب. إن هذه التحديات هي لحظات تاريخية غيرت وستغير بعض الوجوه بالكامل، فقطار التغيير انطلق من تونس ومر بمصر، وما زال يجول بين اليمن وليبيا وغيرها, ولكن أرى كمتابع أن القطار سيعجز عن التغيير في بعض البلدان ويرجع إلى المغرب العربي من جديد، أو من حيث انطلق. ولكن يا ترى هل أن هذه الثورات هي ثورات تغيير تقوم بها الشعوب المحرومة من الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية نتيجة الفقر والبطالة والتسلط وسوء التوزيع واتساع الفوارق الطبقية، أو هي مشاريع تقسيم بأيادٍ خارجية من أجل إعادة تقسيم أكثر ملائمة وبمقاييس تماشي مخططات الدول الداعمة لها؟ وهل يا ترى لهذه الثورات علاقة بوثائق WikiLeaks، أو أنها صدفة القدر ونهاية للماركة العربية الوحيدة التي كانت الأنظمة تفتخر وتتباهى بها(ماركة التمليك والتوريث والحكم مدى الحياة).

         إن لفظ الثورة لا يتعب أحد بسبب ما يتضمنه من معان متعددة لدى الشعوب، فالثورة تعني التغيير، الانقلاب، نهاية عصر الخوف، الخروج عن القانون لتحقيق أهداف وغايات مختلفة، ولكن النتيجة السياسية التي لا بد منها هي بروز صفوة سياسية جديدة وهبوط أخرى، وإن كانت هذه الصفوة الجديد هي بعضها وجوه قديمة ولكن بـ (لون مختلف)، ولا يخفى على أحد أن الكثير من الشعوب العربية متذمرة وغاضبة وتنتظر لحظة الفرج، فملامح الفساد والظلم تختلف من بلد إلى آخر، بعضها قبلي والأخر طائفي وهذا مناطقي وذاك طبقي. إذاً لابد من هذه الثورات، ولابد من التغيير، فإلى وقت قريب لم أستطع أن أفسر الثورات التي قادتها النخب العربية قبل عقدين أو أكثر بنظريات علم الاجتماع التي تؤكد كما يرى هيربرت ماركيوز أن من يقوم بالثورة الفئات التي لم ينجح النظام في إدماجها كالعاطلين عن العمل، واليوم من الممكن أن تصح هذه النظريات على الثورات العربية التي يقودها الشعب من أجل التغيير، لأنه كما نرى أن من يقود الثورات فئات المجتمع المختلفة التي أوصلها النظام لهذه المرحلة نتيجة الظلم والضغط والحرمان، وإن تخللت بين هذه بعض فئات المعارضة، وبعض الأيادي الخارجية في مرحلة من مراحل الثورة، وحتى بعض التوجيه أحياناً. ولا أحد يستطيع أن ينكر دور طارق الطيب والمعروف محمد البو عزيزي الذي استطاع من خلال إحراق نفسه أن يشعل الشرارة التي أشعلت الثورات في ديار العرب، وإجبار حكام الغرب على إعادة النظر بخططهم وطريقة تعاملهم مع الأنظمة العربية.

لحد الآن أمامنا ثلاث أو أربع ثورات في عدة دول عربية مختلفة السيناريو متشابهة الأهداف، فما حدث في سيدي بو زيد بتونس، غير الذي حدث في ميدان التحرير بمصر، وما حدث في تونس ومصر مختلف بالتمام عما يحدث في بنغازي بليبيا، وإن تشابهت بعض صورة مع اليمن، حتى أن ردود الأفعال جاءت مختلفة ومتباينة ما بين الأنظمة العربية والغربية، وهنا لعبت العلاقات الشخصية للحكام دورا كبيرا سواء بدعمهم علانية أو بالسر، وكذلك قنواتنا الفضائية العربية جاءت تغطيتها مختلفة، واختلفت وتشابهت حسب علاقاتها المصلحية بتلك الدول. والملفت للنظر أن عنوان هذه الثورات لم يكن من أجل رغيف الخبز، أو بعض المطالب الحياتية للقضاء على الفقر والجهل، ولم يكن حتى إصلاح النظام، ولكنه مطلب مرعب ومخيف ( الشعب يريد تغيير النظام ). فهي ثورات شعبية شاركت فيها كل شرائح المجتمع وأدواتها ليست عسكرية وإنما إلكترونية معرفية تحررية، هدفها بناء نظام سياسي متحرر من التبعية، ولكنها لم تخل من الدماء.

هنا وبمنطق علم الاجتماع لا بد من إثارة تساؤل هو: لماذا قامت هذه الثورات في بلداننا العربية، هل هي ثورات داخلية، أو مشاريع تقسيم خارجية؟ مع الأخذ في الاعتبار أن هناك الكثير من البلدان الإفريقية والأمريكية الجنوبية تتشابه ظروفها مع بلداننا العربية ؟ يحضرني في هذا المجال موقفان: الأول قرأته في بحث للدكتور أحمد أبو زيد ويتحدث فيه عن مقال ظهر في عام 1998 في مجلة "فورن أفيرز" كتبه آرثر شلزنجر، وكان المستشار السياسي للرئيس الأمريكي كنيدي وهو لا يزال يمارس عمله في جامعة هارفارد، وكتب المقال بعنوان "هل للديمقراطية من مستقبل ؟ " وفي هذا المقال الصريح شرح لنا المجتمع الأمريكي، وكيف أن هذا المجتمع يتألف من مجموعة كبيرة جداً من الأقليات العرقية والثقافية والدينية يتآكل من داخله نتيجة للصراعات بين هذه الأقليات. ولكي يحافظ المجتمع الأمريكي على كيانه وتماسكه لابد أن يخلق له مجتمعاً خارجياً معادياً مما يدفعه إلى التماسك ضد هذا العدو، إذن هو يختلق هذا العدو لكي يتماسك داخل المجتمع الأمريكي، وأعتقد أن هذا وراء فكرة هنتنجتون وفوكوياما. والثاني ما قرأته في كتاب Decision Points لمؤلفه George W. Bush، حيث كتب نصاً في مذكراته أن " الرئيس المصري حسني مبارك أطلع الجنرال تومي فرانكس على أن العراق لدية أسلحة بيولوجية وأنه سيقوم باستخدامها ضد قواتنا بكل تأكيد"، وأنه كذلك طلب أن يكون الأمر سراً خوفاً من ثورة الشعب المصري.

في الموقف الأول يظهر المجتمع الأمريكي شأنه شأن أي مجتمع عربي غير متجانس قومياً وعرقياً ودينياً، وهذا ليس بخاف على أحد، ولكنه يستطيع أن يحافظ على توازنه من خلال تصديره لمشكلاته إلى الخارج، وخلق عدو خارجي لكي يتماسك الداخل. وأما الموقف الثاني فإن ما كُتب في نقاط اتخاذ القرار من الممكن أنه يحتوي على تلميح بأن دور الرئيس المصري السابق حسني مبارك قد انتهى، وحان وقت التغيير، وهذه رسالة لم يقرأها مبكرا الرئيس المصري السابق حسني مبارك. هذا من جانب، أما الجانب الآخر فيلاحظ أن اندلاع ثورات التغيير هو نتيجة للتناقضات الموجودة في النسيج الاجتماعي – السياسي - الاقتصادي، والذي ساعد على إثارة النزاعات والخلافات بين أفراد المجتمع بشأن النظام، بعضهم مؤيد والآخر معارض، مع التأكيد على أهمية العامل الخارجي، إلا أنه لا يمكن للمتغيرات الخارجية ـ مهما كانت قوتها ـ أن تخلق الثورات ما لم تكن المتغيرات الداخلية تساعد على ذلك. من هذا نستطيع أن نفهم بأنه كلما زاد تماسك وصلابة البناء الاجتماعي بين المكونات الاجتماعية المختلفة، وفي مجتمعات غير متجانسة أو حتى المتجانسة أحياناً، كلما قل تأثير العوامل الخارجية على هذه المجتمعات، أو انعدم، ولكن للأسف فالمجتمعات العربية بيئة مناسبة للتدخل الخارجي، وذلك لضعف نظمنا العربية وفسادها وتحللها وتبعيتها.

إن التغيير مهما اختلفت صوره وأدواته وعوامله داخلية كانت أم خارجية، ولكن في بلداننا العربية يعتبر تجربة تستحق المغامرة، وتستحق أن تخاض، وكذلك تستحق التضحيات، من أجل أن يستطيع الناس تقرير مصيرهم من دون إقصاء وتهميش واجتثاث أو وصاية، ولكن هناك ما يدعو إلى التساؤل وربما الشك والخوف من حركات التغيير هذه، فهي بحاجة إلى المزيد من التحليل والتفكيك لشفرتها وبتعبير آخر المزيد من التشريح، حتى نستطيع أن نرى بعض الخيوط الخفية، التي تكاد لا ترى بالعين المجردة، إلا أنها تعد لاعبا قويا في تسونامي التغيير العربي. وهنا ما يثير الدهشة والاستغراب والتساؤل بلغة العربي عن سر عودة قطار التغيير من الجزائر باتجاه ليبيا ومن دون أن يحدث التغيير، بعد أن كان الجميع يترقب ما سيحدث في الجزائر بعد مصر، ولم يكن أحد يفكر حتى في ليبيا. مع التأكيد على حق جميع الشعوب العربية في الثورة وتغيير الكثير من الأنظمة الفاسدة التي لم تعرف على يدها الشعوب العربية سوى الفقر والتخلف والتبعية، وأنا كمواطن عربي عرفت على يد هذه الأنظمة وبمباركتها وبدعمها وبتوافقها احتلالين لبلدي العراق، أحدهما متعدد جنسيات وبقيادة أمريكية، وثانيهما إيراني، ولكل منهما مصالحه في ما يحدث في عالمنا العربي اليوم من ثورات تغيير.

نتمنى أن تمر هذه الثورات على خير، ويكون التغيير بشير خير لجميع الشعوب العربية، وأن يحمل معه هذا التغيير حلولا لمشاكلنا وقضايانا المصيرية كتحرير العراق وفلسطين. وأن تترك أنظمتنا العربية دورها كقاصر وتنتقل من التبعية والتخلف والفساد إلى الاستقلال والتحديث والشفافية والنهوض بمجتمعاتنا العربية على أساس الديمقراطية الحقيقة والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الجميع. والأهم أن يكون هذا التغيير بالتدريج، فلا يمكن أن تحقق الثورة كل شيء بين ليلة وضحاها، فالتغيير المفاجئ في المجتمعات العربية غير مناسب، ولا يخدم مصالح الشعوب العربية، لأن أي بلد عاش أهله لعقود طويلة تحت الاستبداد والقمع والفساد، في ظل حكم نظام شمولي، لا يمكن أن يستوعب تغييرا مفاجئا عنيفاً وسريعاً، وقد أشار علم الاجتماع إلى هكذا مجتمعات عاشت الهوامش المتاحة، فإنها بحاجة إلى تغيير هادئ علمي مدروس، بحيث يستفيد من كل عملية لتوسيع هذه الهوامش. فنحن بحاجة إلى إصلاح النظام الاجتماعي، وبنائه على أساس المساواة والعدالة وتحقيق الرفاهية الاجتماعية.

         أخيراً أقول كما قالت نظيرة زين الدين: السفور والحجاب-1928- يا أيها المسيطر؟ يا منتحل الوكالة علينا ! إن الله جل جلاله لم يوكلك علينا، ورسوله – صلى الله عليه وسلم- لم يوكلك، ونحن لم نوكلك، فمن أين لك هذه الوكالة ؟

مقالات اخرى

Melbourne Web Design & Development
menu-circlecross-circle linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram