

نيسان 2017 – نيسان 2018 خلفية عامـة شهد العراق خلال الأشهر الاثني عشر الماضية أوضاعًا مضطربة؛ بسبب ما شهدته البلاد من عمليات استعادة السيطرة على مدينة الموصل في محافظة نينوى ومناطق أعالي الفرات في محافظة الأنبار، وتخللتها أعمال عسكرية واسعة وقصف عشوائي عنيف لم يستثنِ حجرًا ولا شجرًا فضلًا عن بشر، حيث قُتل وجُرح في العمليات العسكرية والغارات الجوية عشرات آلاف المدنيين، ودمرت الحرب أعدادًا كبيرة من منازل المواطنين في محافظات نينوى والأنبار والتأميم وديالى، فقريرضلًا عن المباني والمنشآت الخدمية العامة بما فيها المشافي والمراكز الصحية والمدارس والجامعات، والطرق والجسور، فضلًا عن المساجد والعديد من دور العبادة الأخرى، والمجمعات والمحال التجارية الأهلية. * التقرير صادر عن قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق(بتصرف). صورة بواسطة الأقمار الصناعية تُظهر أحياء كاملة مدمرة في مدينة الموصل، شمالي العراق - تموز 2017م وليس من المبالغة القول إن أوضاع حقوق الإنسان في العراق انحدرت إلى أدنى المراتب بفعل الانتهاكات الواسعة والممنهجة التي مارستها القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها في وضح النهار وفي كنف الإفلات من العقاب والتواطؤ الواضح من الأطراف الدولية التي يفترض بها أن تكون ضامنة ورادعة؛ حيث يشهد العراق أحوالًا صعبة ومعقدة؛ كرست الكبت والظلم وواصلت العقاب الجماعي لقسم كبير من السكان، وجعلت الحكومة التي سوقت للعالم ذريعة أن محاربة الإرهاب تقتضي التضييق على الأهالي وانتهاك الحقوق والتنكيل بأصحابها، أكثر شراسة وعنجهية. وقد زادت مباركة العمليات العسكرية المتواصلة منذ أربع سنوات من قبل الدول المتنفذة أو غضها للطرف في أحسن الأحوال؛ من اتساع دائرة الخروقات المسجلة في حقوق الإنسان، التي مست أقدسها وهو (الحق في الحياة) لعشرات الآلاف من المدنيين، من خلال جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية البشعة المرتكبة من قبل القوات الحكومية وحلفائها بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. إن أي مُطلع على حالة حقوق الإنسان في العراق ترتسم أمامه صورة قاتمة عن حجم هذه الانتهاكات خاصة في محافظات: (نينوى والتأميم والأنبار وبابل وديالى، فضلًا عن العاصمة بغداد)، التي اختارت فيها الحكومة الخيار العسكري دون غيره ليكون نهجًا لحسم الأمور؛ مما تسبب في تدمير المدن ونكبتها واستباحة دماء أهلها في سياق حرب ضروس شرّدت نحو مليوني عراقي خلال المدة من نيسان/أبريل 2017م حتى نيسان/أبريل 2018م. ناهيك عما تم توثيقه من مجازر وعمليات إعدام بإجراءات سريعة وتعذيب وحشي للرجال رهن الاحتجاز وحالات الإخفاء القسري وتشويه للجثث على يد القوات الحكومية أثناء عملية استعادة مدينة الموصل. وينبغي الإشارة في بداية هذا التقرير إلى أن الأرقام الواردة فيه، والمأخوذة من المصادر التي سيتم ذكرها؛ ليست دقيقة بالضرورة؛ وإنما هو ما تسمح بالإعلان عنه المصادر الحكومية، أو بحسب تقديرات قسم حقوق الإنسان في الهيئة بناءً على قاعدة معلوماته ومصادره الخاصة، ونؤكد هنا ما وثقته منظمات دولية معتبرة بأن الأرقام الحقيقية للضحايا أضعاف ما يتم إعلانه من قبل الجانب الحكومي في العراق. وفي عرض موجز لحالة حقوق الإنسان في العراق، ولبعض انتهاكات وجرائم بحق المواطن العراقي في نفسه وماله وبيئته، وعلى ذات السياق المتبع في تقاريرنا السابقة؛ نقدم تقريرنا عن السنة الخامسة عشرة للاحتلال المستمر، على وفق المحاور الآتية: القتل والإصابة خارج القانون وماتزال عمليات القتل والاغتيالات والتفجيرات مستمرة في العراق حتى بعد تنازل وتيرة العمليات العسكرية التي تشنها القوات الحكومية وحلفاؤها في محافظات عدة من البلاد، فحسب مشروع إحصاء ضحايا الحرب في العراق فإنه قُتل خلال الأشهر الثمانية التي تلت إعلان انتهاء العمليات العسكرية في الموصل؛ أكثر من (3400) مدني، سقطوا بسبب تواصل التفجيرات والاغتيالات وأعمال العنف الأخرى، فضلًا عن حوالي 67 جثة مجهولة الهوية تم العثور على معظمها في مناطق شرقي العاصمة بغداد، التي تسيطر عليها الميليشيات بشكل مطلق. ورصد قسم حقوق الإنسان في الهيئة في تقاريره خلال الأشهر الاثني عشر الماضية (245) حالة قتل قامت بها الأجهزة الأمنية الحكومية أثناء حملات الدهم والاعتقال في مدن العراق المختلفة. القصف المتعمد والعشوائي للمدن العراقية تسببت حرب الموصل، وما راقفها من عمليات عسكرية في مناطق أعالي الفرات غربي محافظة الأنبار، بمقتل ما لا يقل عن (14000) مدني، بحسب مصادر حكومية وطبية محلية، ووثقت منظمة العفو الدولية مقتل (12000) بالأسماء؛ منتقدة المصادر الرسمية الحكومية وقيادة التحالف الدولي، التي لم تعترف سوى بعُشر هذه الأرقام فقط، ونشر موقع (ضد الحرب) الأمريكي أنه ما لا يقل عن (36.898) عراقيًا قتلوا، وأصيب أكثر من (8,753) آخرين؛ في حصيلة سنوية لعام 2017 على أقل التقديرات، لكن تقارير أخرى تشير إلى مقتل (40) ألف شخص في مدينة الموصل وحدها، التي شهدت تنفيذ أكثر من 30 ألف غارة جوية من قبل الطيران الأميركي والفرنسي والأسترالي والبريطاني، فضلًا عن الحكومي. ولا يعلم أحد على وجه اليقين الأعداد الحقيقية لضحايا الحرب في العراق ولاسيما في الموصل؛ إذ لا توجد تحقيقات بهذا الشأن مما يدلل على تنصل الحكومة وحلفائها من مسؤولية قتل المدنيين أثناء العمليات العسكرية وخلال القصف البري والجوي على وجه الخصوص. مصادر صحفية وطبيّة: مقتل (26) شخصًا على الأقل، وجرح نحو (100) آخرين؛ نتيجة انفجار مزدوج ضرب (ساحة الطيران) وسط العاصمة بغداد وقد أفادت تحقيقات صحفية غربية أن القيادة المركزية الأمريكية تقوم بتضليل الرأي العام في تقييمها للحرب بعدم إدراج آلاف الضربات الجوية للتحالف في العراق؛ وأكدت المنظمات الدولية أن البنتاغون لم يكشف سوى عن 10٪ فقط من الأعداد الفعلية للقتلى من المدنيين جراء الغارات الجوية للتحالف في العراق([2]). ورداً على تقارير وكالة (أسوشيتيد برس) بشأن المدنيين الذين قُتلوا في معركة الموصل، قالت مديرة البحوث للشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية (لين معلوف): ((لقد أرعبتنا الأرقام الجديدة، وإنْ لم تفاجئنا؛ إذ إنها تتسق مع النتائج التي توصلنا إليها سابقًا والتي أفادت بأن آلاف المدنيين قُتلوا في الموصل)).([3]) وفيما يتعلق بالقصف الجوي والمدفعي؛ قالت المنظمة أيضًا: ((إن قوات التحالف والقوات الحكومية في العراق، باستخدامها الأسلحة المتفجرة ذات التأثير الواسع النطاق، والضربات الجوية غير المتناسبة، في مناطق ذات كثافة سكانية عالية، قد تقاعست عن واجبها في تكييف أساليبها القتالية لتتناسب مع الواقع على الأرض))([4]). وقد توصل تحليل منظمة (هيومن رايتس ووتش) لصور بالأقمار الصناعية لغربي الموصل لوجود أكثر من 380 موقع انفجار واضح في حي (التنك)، وتبين أن الانفجارات ناتجة عن ذخائر كبيرة ملقاة جوًا للمدة ما بين 8 مارس/آذار و26 أبريل/نيسان/2017، مؤكدة أن الذخائر بهذا الحجم تمثل خطرًا مفرطًا على المدنيين عند استخدامها بمناطق مأهولة، نظرًا لاتساع نطاقها الانفجاري وشظاياها.([5]) وقالت منظمة العفو الدولية: ((إن عدم اعتراف قوات الحكومة في العراق وقوات التحالف بأعداد القتلى المدنيين في الموصل وعدم التحقيق فيها يُعتبر تخلياً صارخاً عن المسؤولية. وإننا نطالب بتوخي الشفافية وتقديم كشف صادق وعلني بالثمن الحقيقي الذي تكبَّده المدنيون في هذه الحرب، بالإضافة إلى إجراء تحقيق فوري من قبل التحالف بقيادة الولايات المتحدة في الانتهاكات والهجمات غير القانونية التي وثَّقتها العفو الدولية وغيرها من المنظمات المستقلة أثناء حرب الموصل)).([6]) وبحسب مصادر محلية؛ لا تزال فرق الدفاع المدني تُعلن انتشال المزيد من الجثث التي تعود لمدنيين قضوا بفعل القصف الذي تعرّضت له المدينة القديمة غربي الموصل، رغم مرور أكثر من تسعة أشهر على إعلان انتهاء العمليات العسكرية. والحكومة تحاول التنصل من مسؤولية جرائم القتل بالتعتيم الإعلامي والتقليل من فداحة الخسائر البشرية في الحرب. ومن جانبه أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)؛ أن الوفيات والإصابات الناجمة عن المتفجرات، وتدمير البنية التحتية المدنية المتعمّد؛ أصبحت تشكّل جزءًا من الواقع الیومي للأُسر والأفراد في العراق، ولاسيما أولئك الذين يعيشون في المناطق المتضررة من جرّاء الصراع. وفي ظل الانفلات الأمني الذي ترزح تحت وطأته المدن العراقية ولاسيما العاصمة بغداد؛ شهدت شوارع العاصمة سلسلة من التفجيرات الدامية التي ضربت مناطق آهلة بالسكان ومفاصل حيوية فيها، حيث سُجلت خروقات أمنية عديدة خلال الأشهر الاثني عشر الماضية؛ ما يشكل مؤشرًا خطيرًا ينذر باتساع أعمال العنف في البلاد مع قرب الانتخابات وتصاعد حدة الصراعات السياسية بين الأحزاب المشاركة في العملية السياسية الجارية، والفساد المتجذر في جميع الدوائر الحكومية، ولاسيما الأمنية منها، وعلقت بعض وسائل الإعلام قائلة: إن الفساد المستشري في المؤسسات الحكومية بالعراق؛ أحد أهم أسباب عودة التفجيرات الدامية؛ في محاولة للعودة إلى المربع الأمني الأول؛ ردًا على مزاعم (محاربة الفاسدين) التي ادعى رئيس الحكومة الحالي تبنيها([7]). وقد اتهمت منظمة (هيومن رايتس ووتش) قوات (الأسايش) الكردية بتنفيذ إعدامات جماعية، ليلة تلو الأخرى لمدة أسبوع، بحق عشرات الأشخاص الذين كانوا رهن الاحتجاز في سجونها على أساس الاشتباه بهم، وقالت المنظمة: ((كانت قوات البيشمركة التابعة لحكومة كردستان، تحتجز عشرات الرجال، في مدرسة بقرية (سهل الملحة)، 70 كيلومترًا شمال غرب الموصل. بحسب عنصر أمني متقاعد حاليًا، نقلتهم قوات الأسايش إلى سجن شليكية، قرية تبعد 45 كيلومترًا، ثم إلى موقعين في بلدة زُمّار المجاورة، حيث أعدمتهم)). وحدّدت المنظمة ما بدت أنها مقبرة جماعية دفنت فيها قوات الأسايش عددًا من الجثث بعد الإعدام، بحسب ما قاله العنصر الأمني المتقاعد و6 من سكان القرية المجاورة. وطالبت المنظمة السلطات القضائية التابعة لحكومة كردستان بفتح تحقيق سريع وشفاف فيما بدت أنها جرائم حرب، ومحاكمة المتورطين، حتى من هم في أعلى درجات المسؤولية([8]). الاعتقال والاحتجاز التعسفي والخطف والإعدام تحقيق صحفي: دون وجود أدلة حقيقية ولا قرائن قطعية؛ وزارة العدل في العراق تعتقل نحو (28000) شخص، لمجرد الاشتباه في انتمائهم لـ(تنظيم الدولة)، وتحكم على أكثر من (3000) منهم بالإعدام، وهناك (11000) معتقل آخرين قد تصدر بحقهم أحكام مماثلة. لم يتمكن أحد من الحصول على أرقام دقيقة للمعتقلين في العراق لقلة المعلومات المعلنة رسميًا بهذا الشأن؛ وهذا ما أكدته وكالة (أسوشييتد برس) التي قامت مؤخرًا بتحليل بيانات تمكنت من الوصول إليها لأشخاص يقبعون داخل سجون وزارة العدل الحكومية، بلغت أعدادهم (27،849) شخصًا، وتعتقد الوكالة أن آلافًا آخرين محتجزون في سجون جهات أخرى مثل: الشرطة الاتحادية والمخابرات العسكرية والقوات الكردية، وقد شهدت الوكالة محاكمات لآلاف (المشتبه بهم) في العراق، لم تستغرق الواحدة منها سوى دقائق، أُدين المتهمون خلالها وفق قانون (مكافحة الإرهاب) الذي تشوبه انتقادات واسعة النطاق.([9]) وقد بلغت أعداد المعتقلين وفق إحصائية قسم حقوق الإنسان في الهيئة منذ بداية نيسان 2017 وإلى نهاية آذار 2018، المعتمدة على رصد البيانات الرسمية التي أعلنت عنها وزارتا الداخلية والدفاع الحاليتان؛ (9244) معتقلًا، وهذا الرقم غير متضمن للاعتقالات العشوائية غير الموثقة، التي تقوم بها الأجهزة الأمنية، والميليشيات الحزبية في مدن ومحافظات العراق. مصادر صحفية: القوات الحكومية تواصل شن حملات دهم واعتقال في المدن والبلدات المستعادة بحجة البحث عمّن تصفهم بـ(المطلوبين) حصيلة أعداد المعتقلين العراقيين خلال العام 2017 بلغت (8144) معتقلًا تم إلقاء القبض عليهم في (855) حملة دهم واعتقال معلنة نفذتها القوات الحكومية، فضلًا عن (215) حالة قتل رافقت تلك الحملات من جهتها؛ قالت (هيومن رايتس ووتش): ((إن قوات "البشمركة" التابعة لحكومة كردستان توقف آلاف المدنيين الفارين من الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة (داعش)، لما يصل إلى 3 أشهر عند نقاط التفتيش، حتى في مناطق الاشتباكات على أساس مخاوف أمنية عامة على ما يبدو. وتمنع هذه القوات وصول المساعدات الإنسانية للفارين في كثير من الحالات. وعلى حكومة كردستان الالتزام بتيسير تقديم المساعدات الإنسانية سريعًا ودون إعاقة إلى جميع المدنيين المحتاجين لها، والسماح للفارين بالوصول إلى بر الأمان)).([10]) وقالت (هيومن رايتس ووتش): ((إن هناك ما يشير إلى ارتكاب القوات الحكومية في العراق الضرب والقتل غير المشروع بحق آلاف الرجال والفتيان الفارّين من الموصل، ولاسيما في المرحلة الأخيرة من الحرب ضد تنظيم الدولة)).([11]) وقالت المنظمة في مناسبة أخرى: ((كيف يمكن للعراق الادعاء بأنه طوى صفحة الماضي وأنه يدعم المصالحة بينما تقوم قواته بعقاب جماعي للمدنيين؟؛ لا يمكن أن يؤدي تواطؤ الحكومة إلا إلى تعميق انقسام المجتمع العراقي)).([12]) وبشأن عمليات الإعدام الجماعية؛ قال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: ((إن المفوض السامي يشعر بالجزع الشديد والصدمة من أن (42) شخصًا قد شنقوا في يوم واحد فقط في العراق، لا سيما وأن نظام العدالة العراقي هو من أكثر الأنظمة خللًا في العالم، وهناك خطر كبير جدًا من أن يرقى هذا الأمر إلى إخفاق جسيم للعدالة)).([13])وقال المكتب في مناسبة أخرى: ((يجب أن تتوقف جميع عمليات الإعدام في العراق، ولا يجوز فرض عقوبة الإعدام في ظل غياب الشفافية لإجراءات التحقيق وانعدام المعلومات بشأن المتهمين، ...، نحن لا نعرف أصلًا ما أدين به هؤلاء الرجال الذين تم تنفيذ عقوبة الإعدام بحقهم)).([14]) الأمم المتحدة: محاكمات المشتبه بهم في العراق تفتقر لأبسط مقومات المحاكمة العادلة، وتضع الحكومات الغربية الداعمة للحكومة في بغداد أمام معضلات أخلاقية وسياسية، ولاسيما أن تلك المحاكمات تنتهي بعقوبة الإعدام الهجرة والتهجير والنزوح القسري نسبة العودة لنازحي الموصل البالغة أعدادهم نحو (2.7) مليون شخص لا تتجاوز 20%، في حين تنعدم العودة لنازحي جرف الصخر في بابل تسببت العمليات العسكرية المتواصلة في شمالي العراق وغربه وشرقه؛ بمعدل نزوح قسري لنحو (120 ألف) عراقي شهريًا خلال السنوات الأربع الماضية، ليصل مجموع النازحين داخل الوطن إلى أكثر من خمسة ملايين وسبعمائة وخمسين ألف شخص -ما يزيد على مليون عائلة-، بحسب بيانات وزارة الهجرة والمهجرين في الحكومة الحالية، حوالي 35% منهم جرى تهجيرهم خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، أي ما يقارب مليون وثمانمائة ألف نسمة، في موجات نزوح وعودة ونزوح متكرر من وإلى المدن التي تم استهدافها في العمليات العسكرية؛ اضطروا لترك منازلهم وممتلكاتهم والهرب بحياتهم وحياة ذويهم من جحيم القصف العنيف المدمر الذي أحال مناطق واسعة في العراق إلى أطلال، حيث وصلت نسبة التدمير في بعض المدن المستهدفة إلى (90 %). وقد اعترفت وزارة الهجرة والمهجرين في الحكومة الحالية؛ بأن (3,385,185) شخصًا ما زالوا نازحين عن مناطقهم، ولا يمكنهم العودة إليها. ومع دخول أزمة النزوح عامها الخامس في العراق؛ لا تزال الحلول الحقيقية غائبة، والأمل بالعودة متلاشٍ لدى معظم النازحين؛ بسبب الدمار الذي لحق بمنازلهم وممتلكاتهم؛ إذ طال أكثر من (170 ألف) منزل في محافظات نينوى والأنبار والتأميم وديالى وبابل، فضلًا عن مناطق حزام بغداد، ولاسيما في منطقتي (الطارمية) و(اللطيفية). وبحسب أعداد المنازل المستهدفة، تكون حصة محافظة نينوى هي الأكبر، حيث تشير التقديرات إلى تدمير أكثر من (140 ألف) منزل في الموصل وحدها بشكل كامل أو جزئي، والأنبار بالمرتبة الثانية من حيث أعداد المنازل المدمرة مع ما يزيد على (20 ألف) منزل، ولاسيما في أحياء واسعة من مدينة الرمادي، وأكدت المنظمة الدولية للهجرة أن (2,3 مليون) من العراقيين ما يزالون مشردين ونازحين، ونحو (3,5 مليون) آخرين ممن عادوا إلى مناطقهم؛ يواجهون ظروفًا سيئة في المأوى والسكن؛ بسبب عدم وجود البنية التحتية والرعاية الصحية وانعدام مظاهر الحياة بشكل واضح في المناطق التي يقطنون فيها. لقد ترك الصراع الدائر في العراق ثلث السكان بحاجة إلى المساعدة الإنسانية العاجلة. ويشكل الأطفال أكثر من نصف عدد العراقيين الذين شردتهم الحرب. فالكثير من مخيمات النزوح في العراق مهملة وتعمل فوق طاقتها، وتعيش الأسر في ظروف اكتظاظ سكاني وضيق الخيم ومعاناة متفاقمة يتعرض خلالها النازحون ولاسيما الأطفال منهم، لخطر الانفصال عن أسرهم والاختطاف والتجنيد والعنف الجنسي من قبل الميليشيات الحزبية الموالية للحكومة، فضلًا عن التعرض إلى لخطر الموت والإصابة، الذي يهدد الصحة العقلية على المدى الطويل والتنمية المستقبلية. في الوقت نفسه، فإن تواضع المساعدات وغياب الخدمات في المخيمات المكتظة أصلًا بالنازحين وانعدام الرعاية الصحية في معظمها والضعيفة جدًا إن وجدت؛ تضع حياة نسبة كبيرة من النازحين على المحك ولاسيما الفئات المجتمعية الضعيفة كالنساء والأطفال والمرضى والمسنين، ناهيك عن الحرمان من حق التعليم الذي يطال النازح والمقيم على حد سواء في المناطق المتضررة من الحروب في العراق، وفي الخامس من يناير الماضي؛ قالت المنظمة الدولية للهجرة: ((إن البنى التحتية لمدن النازحين داخل العراق؛ تضررت بسبب العمليات العسكرية وأعمال العنف المتواصلة، والأحياء السكنية التي عاد إليها بعضهم؛ لا تتوفر فيها حتى الآن خدمات الكهرباء وماء الشرب)). إن تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة للعائلات النازحة يظل هاجسًا لدى منظمات الإغاثة في ظل التقاعس الحكومي أو عدم الرغبة في التعاون بهذا المجال، والعراقيل الكبيرة التي تشكلها الإجراءات الرسمية، فضلًا عن الابتزاز الذي تمارسه الأجهزة الأمنية -قبل وأثناء وبعد- حملات الإغاثة التي تستهدف النازحين لتوفير المقومات الضرورية للحياة لهم، وما أمكن من الخدمات والصحية ومقتضيات العيش، لمساعدة من تهجروا من ديارهم على التعامل مع المحن التي مروا وما زالوا يمرون بها. ومع دخول أزمة النزوح عامًا جديدًا؛ تتفاقم الأوضاع الإنسانية المتفاقمة أصلًا، وسط تكرار النزوح لدى مئات العائلات شهريًا، وتفشي الأمراض المعدية وسوء التغذية ووقوع حالات وفاة في أوساط النازحين، والذي يزيد الطين بلة والداء علة هو انشغال المنظمات الإغاثية ولاسيما الأمم المتحدة بمعالجة الأعراض وليس الأسباب لأزمة النزوح في العراق، ناسية أو متناسية أن إنشاء المخيمات وتوسيعها يشكل في أحسن الأحوال حلًا مؤقتًا للنازحين، وليس الحل الذي ينتظره النازحون في إعادة إعمار مدنهم وبلداتهم التي دمرتها الحرب ليعودوا إليها آمنين مطمئنين. صورة تُبيّن جانبًا من المآسي التي يعانيها نحو (2.8 مليون) مدني في غياهب النزوح داخل العراق، ممن اُجبروا على الفرار من منازلهم ومدنهم هربًا من جحيم الحرب؛ فباتوا يعيشون حياة التشرد في مخيمات مهملة، حيث الظروف الإنسانية سيئة للغاية ولا يمكن للحياة أن تستمر في ظلها وفي فصل جديد من فصول معاناة النازحين؛ تقوم القوات الحكومية في العراق بإرغام النازحين المقيمين في مخيمات اللاجئين على العودة إلى مناطق غير آمنة في محافظة الأنبار، وهو أمر يعرضهم للموت جراء انفجار مخلفات الحرب، أو تصرفات الميليشيات. ويعد إجبار النازحين على العودة مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي الإنساني، وانتهاك بالغ الخطورة لحقوق الإنسان، وخاصة حياة النازحين العائدين قسرًا التي ستكون في خطر مستمر؛ بسبب تدمير المنازل بشكل كامل أو جزئي، وسرقة محتوياتها، مع وجود الألغام الأرضية التي زرعت فيها، فضلًا عن عدم توفير الخدمات الأساسية وأبسط المقومات الحياتية. المجلس الدنماركي للاجئين: ما زال هناك نحو 3 ملايين نازح شردتهم الحرب في العراق، والحكومة ماضية في ترحيل الأزمات الإنسانية المتفاقمة في البلاد وأكدت مصادر محليّة أن آلاف الأسر النازحة من القرى والنواحي القريبة من مدينة (طوزخورماتو)، ولاسيما مناطقها الغربية؛ تتعذر عليها العودة، بسبب تجريف منازلها وتدمير بناها التحتية نتيجة الصراع الذي شهدته المنطقة في الأشهر الماضية. وفي الوقت الذي أكدت فيه مصادر مطلعة أن (قيادة عمليات بغداد) تُجبر أكثر من (400) نازح من أهالي محافظتي نينوى والأنبار، يقيمون في مخيم (الجامعة) غربي العاصمة؛ على الرجوع القسري إلى مناطقهم التي ما تزال غير مؤهلة، ولا مقوّمات للعيش فيها؛ قالت (وكالة الأناضول): إن نحو (500) عائلة في محافظة نينوى غادرت مناطقها ونزحت مجددًا إلى المخيمات ومناطق أخرى في مطلع العام الجاري؛ بسبب انعدام الخدمات اللازمة لديمومة الحياة؛ من قبيل الماء، والكهرباء، والطرق، والمراكز الصحية والتعليمية، الحكومة في بغداد لا تبالي بما وصل إليه حال مدينة الموصل من دمار وخراب، ولا تكترث حيال الوضع الإنساني المتدهور الذي يعاني منه أهلها. وفي الوقت الذي أكدت فيه مصادر محليّة أن وزارة التجارة الحالية ترفض تسليم مفردات البطاقة التموينية لمدن وبلدات تمت استعادتها بمحافظة الأنبار، وتمتنع من مساعدتهم على تخطي المحن التي عاشوها وما زالوا يعيشوها، تأسيًا بنظيرتها وزارة النفط التي لم تزود المدن بالمشتقات النفطية؛ هروبًا من المسؤولية واستغلالًا لواقع الفساد المتجذر في نفوس وعقول القائمين عليها؛ قال المفوض الأوروبي للمساعدات الإنسانية وإدارة الأزمات: الاحتياجات الإنسانية في العراق ما تزال قائمة؛ إذ يوجد ما يقارب ثلاثة ملايين نازح مشردين، وغير قادرين على العودة إلى ديارهم. ولم تكتف السلطات الحكومية بحجم الدمار الهائل الذي حلّ بمدينة الموصل جراء الحرب؛ فقد أكدت مصادر محليّة، أن مجموعات من أفراد ميليشيات (الحشد الشعبي) التابعة للحكومة، تواصل أعمالها الانتقامية تجاه المدينة وتقوم بإحراق المنازل والمحال التجارية هناك؛ ومن هذه الحوادث تم إحراق تسعة منازل على يد عناصر تلك الميليشيات في منطقتي (الفاروق) و(السرجخانة) وسط الموصل، في 14 يناير الماضي. وفيما يتعلق بالأوضاع الإنسانية المتفاقمة التي يعاني منها النازحون؛ نقل موقع (الهيئة نت) عن التقرير العالمي لأزمات الغذاء الصادر عن برنامج الأغذية في الأمم المتحدة (الفاو) أن وضع النازحين في العراق يتدهور، لاسيما وأن نسبة كبيرة منهم ليس لديهم دخل، فضلًا عن أن (37%) منهم يعيشون الآن تحت خط الفقر، ولاسيما مع ظاهرة (النزوح الجديد) في العراق التي تزايدت مؤخرًا؛ نتيجة التهديدات التي يتعرض لها النازحون العائدون إلى مناطقهم وجرائم التصفية التي تطالهم؛ من قبل ميليشيات (الحشد الشعبي)، الأمر الذي يضطرهم للعودة إلى المخيمات، وهذا ما أكدته التقارير الصحفية المحليّة والدوليّة. وفي محافظة ديالى؛ قالت مصادر محليّة: إن تراكم أنقاض المنازل المهدمة جرّاء العمليات العسكرية في العديد من مناطق المحافظة؛ يعيق عودة نحو عشرة آلاف أسرة نازحة ما تزال مأساتها الإنسانية تتفاقم، وقامت ميليشيات الحشد الطائفي، بتهديد عشرات العائلات في القرى التابعة لقضائي (بعقوبة والمقدادية) في المحافظة بالتهجير القسري بعد اقتحامها لتلك القرى بذريعة البحث عن مسلحين. ونقلت الأنباء الصحفية عن مصادر محلية بالمحافظة قولها: إن الميليشيات المسلحة أقدمت قبل أيام على اغتيال أحد وجهاء العشائر واختطاف آخر في ديالى بحجة انتماء المختطف إلى (تنظيم الدولة)، مؤكدة أن معظم قرى المحافظة تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في جرائم الخطف والقتل على الهوية بعد عودة النازحين إليها. مصادر محليّة: النازحون في مخيم (معسكر سعد) بمحافظة ديالى؛ يرزحون تحت وطأة وضع إنساني بائس، في ظل عدم امتلاكهم للمال، مع انعدام تام للحاجات الأساسية للحياة اليونيسيف: لا يزال نحو 2.7 مليون نازح داخل العراق، نصفهم أطفال، يعيشون حياة التشرد في المخيمات ويعانون ندوبًا نفسية مزمنة وعلى الرغم من أن قانون الأحوال الشخصية العراقي من أكثر القوانين تقدمًا في المنطقة؛ إلا أن محاولات تغييره مستمرة في ظل سطوة الميليشيات الشيعية على الساحة السياسية، وليس آخرها موافقة البرلمان الحالي في العراق، في تشرين الثاني الماضي، مبدئيًا على إجراء تعديلات على الدستور أثرت بشكل جوهري على الحقوق القانونية للمرأة العراقية. وتشمل التعديلات قوانين طائفية انفرادية مخالفة للقانون الحالي القائم في العراق، الذي يعد الإطار القانوني لتنظيم الأسرة، والذي يجمع معظم الحقوق القانونية للمرأة في مسائل الزواج أو الطلاق أو الحضانة أو النفقة أو الميراث. واعتبر نشطاء حقوقيون وناشطات حقوقيات هذه الاقتراحات ضربة في صميم أساس الحقوق القانونية للمرأة في العراق، ودعوا إلى إجراء إصلاحات تدريجية في قانون الأحوال الشخصية بدلاً من طرح الأسئلة على أساس تنازلي. بدأت حملة دولية - أطلقها أكاديميون وناشطون وأفراد - تطالب رئيس البرلمان والنواب الحاليين في العراق، برفض هذه التغييرات. ومنذ عام 2003؛ تسيطر الأحزاب الشيعية على الحكومة في بغداد، وسط هيمنة الميليشيات الطائفية المسلحة في العراق، التي تسعى إلى تمزيق البلاد والإجهاز على كل مقومات الوحدة الوطنية وجميع مظاهرها؛ وبالتالي جاءت المقترحات -التي تحظى بتأييد الأحزاب الشيعية- تتبع المبدأ الذي استند إليه النظام السياسي القائم في العراق منذ الغزو والاحتلال، من أجل نسف مبدأ الوسطية الشامل، الذي يتضمنه قانون الأحوال الشخصية الحالي، الذي يوحّد جميع المسلمين في إطار قانوني واحد، ويمنح النساء حقوقًا أساسية، مثل الحق في الطلاق في حالات العنف المنزلي وسوء المعاملة. وأكّدت الهيئة في بيان أصدرته بتأريخ 22/11/2017، حمل الرقم (1290)، على أن التعديلات المقترحة لتعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم (188) لسنة (1959) المعدل، هي إحدى وسائل ترسيخ النزعة الطائفية وتمزيق للنسيج الاجتماعي، مبينة أن تشريع قانون الأحوال الشخصية العراقي منتصف القرن الماضي، سلك في ذلك مسلكاً وسطاً جامعاً بين آراء المذاهب الإسلامية المختلفة، ومراعياً المخاطبين به على مختلف مذاهبهم، مذكرة الجميع بأن واضعيه اجتهدوا على أن يكون جامعاً للمسائل المشتركة بين هذه المذاهب. وأشارت الهيئة في بيانها إلى أن هدف المشرّع العراقي من ذلك، أن يكون هذا القانون موحّدًا للغالبية العظمى من العراقيين أولاً، وأن يمنع تعدد المحاكم وتنوع الاختصاصات ثانياً؛ لأن الغالب على العراق والدول العربية هو العمل بوحدة الاختصاص القضائي. وتعقيباً على ما جرى من مناقشة مقترحات لتعديل القانون قدمت لمجلس النواب الحالي، بيّنت الهيئة أن فيها تجاوزاً وإبطالاً للهدفين السابقين، وترسيخاً للنزعة الطائفية وتمزيقاً للنسيج الاجتماعي العراقي، التي حاول المشرع العراقي حين أقرَّ قانون (188) وتعديلاته، أن يتجنبها بكل ما أوتي من صلاحيات تشريعية، مستفيدًا من آراء المذاهب الإسلامية، التي تحتمل الوسطية والتقارب في الفروع الفقهية، ولاسيما في الأحوال الشخصية، وما تشكله هذه الحالة من مقومات أساسية لحالة تماسك المجتمع وتلاحم مكوناته. 80% من نازحي الموصل البالغ عددهم 2.6 مليون نسمة، معظمهم نساء وأطفال، لا يستطيعون العودة على الرغم من انتهاء الحرب قبل ثمانية أشهر واختتمت الهيئة بيانها بالقول: (إن سلوك هكذا طرق لتمرير قوانين وإجراءات وسياقات ذات طبائع خاصة، ولأهداف لا تخدم مصلحة العراقيين جميعاً أو غالبهم الأعم، يخلق واقعًا مضطربًا، لا يستفيد منه المواطنون، ويسبب حالة إرباك وبلبلة نحن في غنىً تام عنها، في مثل ظروف العراق المضطربة على كل الصعد، ويؤدي إلى نتائج غير محمودة العواقب تضر بمصلحة العراق وشعبه). ويأتي الخلاف حول القانون الجديد في عدة نقاط جاءت في المادتين الثالثة والخامسة من القانون، اللتان كرستا الطائفية والتمايز المجتمعي بشكل غير مسبوق. وقد أثار تصويت البرلمان على الموافقة من حيث المبدأ على مقترح قانون تعديل مشروع قانون الأحوال الشخصية، ردود أفعال واسعة بين الأوساط السياسية التي انتقدت القرار ووصفته بأنه نكسة جديدة للمرأة العراقية. وأكدت المفوض في اللجنة البرلمانية لحقوق الإنسان، وحدة الجميلي، أن قانون الأحوال الشخصية المعدل يتعارض مع المواد القانونية التي تحفظ للمرأة كرامتها وتحفظ للمواطن حقوقه من منطلق إنسانيته وتحافظ على هويته الوطنية، بحسب تعبيرها. وتعاني حقوق المرأة بشكل كبير منذ غزو العراق واحتلاله، حيث فرضت المحاصصة الطائفية كأداة سياسية لتدعيم قوة الأحزاب الحاكمة منذ 2003؛ الأمر الذي أدى ذلك إلى تراجع ملحوظ في العديد من أوجه التقدم في وضع النساء والفتيات في المجتمع العراقي. ومنذ ذلك الحين، تواجه النساء العراقيات تمييزًا متزايدًا ويعانين بشكل غير مسبوق من آثار الانفلات الأمني والعمليات العسكرية المتواصلة وأعمال العنف المختلفة الأخرى، غير أن خسائرهن المتراكمة لم يتم الإبلاغ عنها بشكل خطير؛ فقد أدى انعدام الأمن الذي أوجده الاحتلال بقيادة الولايات المتحدة، وتبعه الصراع السياسي الطائفي الذي كرسه الاحتلال في البلاد، إلى تفاقم موقف النساء العراقيات، اللواتي أصبحن يواجهن موجات من العنف والاختطاف الجنسي ولاسيما في بغداد. وفرض انعدام الأمن والخوف من الاغتصاب والاختطاف يبقيهن في منازلهن وخارج المدارس وبعيدًا عن العمل. على الرغم من أن المهاجمين قد خطفوا العديد من الرجال أيضاً، فإن العواقب المترتبة على النساء والفتيات كانت أسوأ. وفي جنوب العراق، تعرضت النساء لهجمات وحشية من قبل الميليشيات ولاسيما في البصرة، الغنية بالنفط. وفي عام 2017، تحدثت تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، عن وجود أكثر من مليوني أرملة في العراق، بعد 2014، فضلًا عن قرابة خمسة ملايين يتيم؛ من جرّاء العمليات العسكرية المستمرة وتصاعد وتيرتها لا سيما في السنوات الأربع الماضية، وما رافقها من حالة فوضى وغياب للقانون وشيوع جرائم القتل والاغتيالات والتفجيرات وأعمال العنف الأخرى، وسلطت تلك التقارير الضوء على محنة الأرامل الشابات، وبيّنت كيف يتم تم الاتجار بهن، وإجبارهن على الزواج، وضربهن ومضايقتهن جنسيًا، وقد وثقت التقارير تورط القوات الحكومية في هذه الانتهاكات، بما في ذلك العنف الجنسي ضد النساء. لكن ثقافة الإفلات من العقاب تحمي مرتكبي العنف ضد المرأة؛ الأمر الذي أدى إلى تعميق الشروخ المجتمعية للنسيج العراقي، الذي عمل على تمزيقه الاحتلال وما جره على البلاد من محن ونكبات وما خلفه من انهيار أوسع للنسيج الاجتماعي في العراق؛ الأمر الذي فسح المجال أمام فرض المزيد من مصادرة حقوق النساء، والحد من حريتهن ودورهن في المجتمع، وتكريس الانتهاكات بالفعل والممارسة. وقد ازدادت نسبة زواج الأطفال في العراق منذ العام 2003، حيث تتزوج 25٪ من الفتيات قبل سن 18 و6٪ قبل سن 15، وفقًا للمكتب الدولي للسكان. وقد أثرت تداعيات الحرب والعمليات العسكرية المتواصلة وما فرضته ظروف استقدام المقاتلين الأجانب لرفد الميليشيات المدعومة من إيران للقتال في العراق وسورية، على وضع المرأة في محافظات جنوب العراق وإكراههن على الزواج المؤقت، ولاسيما في محافظتي النجف وكربلاء، ناهيك عن تأثيرات الحرب والدمار على النساء والأطفال في المحافظات المستهدفة، ولاسيما في محافظتي الأنبار ونينوى، حيث تسببت العمليات العسكرية والقصف العنيف بمقتل عشرات الآلاف من المدنيين وتدمير مقومات العيش الكريم بشكل كامل، إلى جانب احتجاز الآلاف من الرجال والشبان أثناء هروبهم من مناطق القتال، وما أفرزه القتل والاحتجاز والإخفاء القسري من تكريس لحالة غياب المعيل عن آلاف الأسر النازحة التي باتت تعيش شظف العيش وآلام الشتات في مخيمات النزوح، والحكومة لا تحرك ساكنًا بهذا الخصوص غير آبهة بمصير الآلاف من المغيبين. زنازين مظلمة وإساءة مضاعفة محفوفة بالتعذيب والرعب (أهلاً بكم في العراق "المحرر"، حيث "الديمقراطية" المتبرعمة التي نادراً ما يتوقف المسؤولون الأميركيون عن التبجح بها. وليس ثمة إنكار لحقيقة أن الممارسات الوحشية للحكومة في العراق هي استمرار لنفس السياسات التي انتهجتها الإدارة العسكرية الأميركية التي غزت العراق في العام 2003)([15]). هذا ما قالته منظمة (هيومن رايتس ووتش) تعليقًا على أوضاع المرأة في العراق، ولاسيما القابعات منهن في السجون الحكومية المعلنة، في ظل حكومات الاحتلال المتعاقبة المتحكمة بالبلاد منذ 2003 وإلى اليوم. وتتفشى في العراق ظاهرة اعتقال وخطف النساء وتعذيبهن؛ بل وحتى إعدامهن بشكل واسع جداً، ويعد العراق ثاني أسوأ مكان بالنسبة للمرأة في العالم العربي، حسب دراسة نشرتها (مؤسسة ثومسون) التابعة لمؤسسة رويترز للأنباء، التي تناولت جرائم قتل النساء وحالات الاختطاف والإخفاء القسري، وحالات الاعتقال والتعرض للإساءة أو التعذيب في السجون، فضلًا عن تعرضهن للاستغلال والاضطهاد والانتهاكات بأبعاد عرقية أو طائفية، على خلفية النزاع المسلح والعنف الطائفي الذي يشهده العراق على مدى العقد الأخير، والذي أفضى إلى أشكال متعددة من العنف في المجتمع العراق مس جميع أفراده بلا استثناء، إلى درجة تجعل واقع العراقيات مثيراً للصدمة حتى بالنسبة لمعايير سجل البلد البائس في حقوق الإنسان إبان الاحتلال، فدفعت نساء العراق ثمنًا باهظًا لانهيار سيادة القانون وغياب مقتضيات السلم المجتمعي، وأن العنف والافتقار إلى الأمن والأمان قد طال النساء على نطاق واسع؛ بالرغم من أن العراق ضمن البلدان التي صادقت على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التميز ضد المرأة (1979) في عام 1986 ولا يزال العمل يجري ضمن هذه الاتفاقية وعليه حقوق والتزامات في تطبيق هذه الاتفاقية. ولو كانت هذه الحقيقة ماثلة في سياق سياسي مختلف، والجهة المعتدية ليست الولايات المتحدة الأمريكية؛ لكانت الغضبة العالمية تجاهها عميقة جداً، ولذهب الإعلام الغربي تحت ضغط منظمات حقوق المرأة إلى توجيه دعوة من أجل المزيد من التدخل الإنساني، وحتى شن حرب. أما في حالة عراق اليوم، فإن السكوت عن الانتهاكات والفظائع بات أمرًا واقعًا، ولم تلقَ التقارير الدولية سوى القليل من التغطية في أحسن الأحوال، حيث يتم تمييع الموضوع بشكل كبير إلى أن يطويه النسيان في نهاية المطاف. وفي حقيقة الأمر، فإن هناك إساءة معاملة وإذلال وتنكيل فضلًا عن أساليب التعذيب الجسدي والنفسي لآلاف النساء -ناهيك عن عشرات الآلاف من الرجال- في غمرة فراغ سياسي متعمد. وهناك حديث يبدو أنه يظهر على استحياء استجابة لنشر التقارير الحقوقية، يقول بأن إساءة المعاملة تؤكد "ضعف حالة" المنظومة القضائية في العراق. وهكذا يصبح التحدي مجرد مسألة تقوية نظام ضعيف، ربما من خلال محاولات ترقيعية غير جادة إن وجدت. ومن المثير للاستغراب، هو غياب أصوات مجموعات النساء والمفكرين والمدافعين عن المرأة عن المشهد العراقي، الذين يبدون منشغلين باستمرار بممارسات الزواج التقليدي المبكر في اليمن على سبيل المثال، أو بتغطية وجوه النساء في أفغانستان. وثمة القليل من الصرخات والغضب، إن وجدا أصلاً، عندما تعاني النساء السمر على أيدي الرجال والنساء الغربيين أو عملائهم كما هو الحال في العراق، بحسب ما جاء في تقرير منظمة (هيومن رايتس وتش) "لا أحد في مأمن" الذي عبرت فيه عن بعض أفظع مظاهر إساءة معاملة النساء من جانب نظام العدل الجنائي في العراق.([16]) ويظل السؤال المهم فيما يخص واقع القضاء في العراق المحتل وآثار ذلك على ماهية الأطر القانونية التي اعتمد عليها القانون العراقي في إصدار مذكرات التوقيف بحق النساء العراقيات، حيث يوجد هناك كم كبير من النساء المعتقلات لم تعلن عنه الحكومة؛ بل ولم تقدم أي معلومات تخص السجينات أو مكان احتجازهن، ولم تسمح حتى لذويهن بالتواصل معهن، وهناك منظمات حقوقية تتحدث عن وجود أكثر من خمسة آلاف امرأة معتقلة في العراق بجريرة الغير، وهناك إحصاءات تتحدث عن أرقام تتجاوز تسع آلاف امرأة معتقلة. وفي العراق اليوم؛ هناك مخالفات قانونية كثيرة يجري اعتمادها بشكل منظم وبغطاء رسمي، حيث يتم إضفاء شرعية على المخالفات القانونية من قبل رأس الهرم القضائي لصالح السلطة التنفيذية في ظل غياب جل مقتضيات مبدأ العدالة؛ ولكن نقول عندما يكون هناك قضاء عادل، سيكون هناك ملاحقة للمرتكبين وضبطهم وتقديمهم أمام المحاكم المختصة، لأنه سيكون آنذاك قوانين ستحاسب من هم بالسلطة اليوم ورأس القضاء الذي شرعن المخالفات ورضي بوقوع الظلم وأساء لشرف المهنة وسمعة القضاء، ولاسيما أنه بسبب اعتماد هذه المخالفات تقوم السلطات الحكومية باحتجاز آلاف النساء العراقيات بصورة غير قانونية وتعرض الكثيرين للتعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك التهديد بالاعتداء الجنسي. وكثيراً ما يستند قضاء العراق الضعيف، الذي يعاني من الفساد والانحلال، إلى الإدانات المتعلقة باعترافات أُجبرن النساء بالإكراه تحت التعذيب والتهديد على الإدلاء بها، كما أن إجراءات المحاكمة تفتقر تمامًا للشفافية، وسط عدم الوفاء بأبسط المعايير الدولية للمحاكمة العادلة. وقد تم احتجاز العديد من النساء لشهور أو حتى سنوات دون تهمة قبل رؤية القاضي. في العراق اليوم هناك أكثر من خمسة آلاف امرأة معتقلة في السجون الحكومية المعلنة لم يتم إحالتهن للقضاء حتى الآن بينما لم يكن عراق ما بعد الغزو الأميركي واحة للديمقراطية وحقوق الإنسان، فإن "العراق الجديد" قد متّن ثقافة حصانة الجناة وإفلاتهم من العقاب، التي لا تعد أي شيء مقدساً. وقد اتخذ منهج إذلال مجتمعات المدن المستهدفة في الحرب ضد (تنظيم الدولة)؛ تكتيكاً في الحرب التي تشنها الحكومة في العراق. وذكرت وكالة (الأسوشيتد برس) الأمريكية أنه تم احتجاز العديد من النساء العراقيات بسبب نشاطات إرهابية مزعومة ارتكبها أفراد ذكور في العائلة. وقال (جو ستورك)، نائب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة (هيومن رايتس ووتش): إن قوات الأمن والمسؤولين العراقيين يتصرفون وكأن إساءة معاملة النساء بوحشية ستجعل العراق أكثر أمناً. وكان هذا هو نفس المنطق الذي قرر أنه يمكن حمل العراقيين على الخنوع من خلال "الصدمة والترويع". ولم تثبت أي من النظريتين صحتها. وستستمر الحرب والثورة في العراق طالما فهم أولئك الذين يقبضون على مفتاح ذلك السجن العراقي الضخم أن حقوق الإنسان يجب أن تحترم كشرط مسبق لتحقيق السلام الدائم.([17]) 7 ملايين طفل في العراق يعانون الفقر المدقع والحرمان من الدراسة ناهيك عن هول ما شاهده وعايشه ملايين الأطفال خلال السنوات الماضية من ويلات العمليات العسكرية والقصف المدمر وتناثر أشلاء القتلى من أقاربهم وجيرانهم أمام أعينهم وانتشار جثث الضحايا في كل مكان بالمدينة حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية بثمانية أشهر؛ الأمر الذي تسبب بندوب نفسية عميقة لدى الأطفال الذين باتوا يعانون من اختلاجات نفسية وآلام معنوية قد يستغرق علاجها سنوات طويلة إن لم تكن عقودًا من الزمن، ناهيك عن حالة الحرمان التي فرضت عليهم من جراء الحروب والفوضى وغياب المعيل، وبهذا الصدد قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، في 11/2/2018: إن طفلاً من بين كل 4 أطفال في العراق يعيش في فقر مدقع. وقالت (اليونيسيف) أيضًا: إن ذلك يُرغم الأسر على اتخاذ تدابير غير اعتيادية للبقاء على قيد الحياة، فيما أكدت المنظمة أن 4 ملايين طفل عراقي بحاجة للمساعدة العاجلة نتيجة للحرب الدائرة في بلادهم التي تسببت بأزمات إنسانية غير مسبوقة، ولاسيما في السنوات الأربع الماضية. وقالت (اليونيسيف) في بيان: إن الأمم المتحدة تحققت من وقوع ما لا يقل عن 150 هجوماً على مدارس، و60 هجوماً على مستشفيات ومراكز صحية وموظفيها، خلال الحرب ضد (تنظيم الدولة) في العراق، ومنذ عام 2014؛ قُتل 1075 طفلًا، وتشوه من جرّاء الإصابة أكثر من 1100 طفل. وقالت اليونيسف أيضًا إن ما يقرب من خمسة آلاف طفل قد انفصلوا عن أسرهم، وأضافت المنظمة أن نصف مدارس العراق باتت خارج الخدمة -أغلب تلك المدارس في المدن والبلدات والقرى المستعادة- فيما حُرم من حق التعليم أكثر من 3 ملايين طفل، ولاسيما في المناطق المتضررة من جرّاء الحرب. وقال بيان اليونيسف المتقدم الذكر: إن أكثر من ربع الأطفال في العراق يعيشون في فقر، وإن العنف لم يقتل الأطفال فحسب؛ بل دمَّر المدارس والمستشفيات والمنازل والطرق أيضًا، كما حرم الفقر والنزاع حوالي 3 ملايين طفل من دراستهم في جميع أنحاء البلاد، وإن الأطفال يشهدون عنفًا فظيعًا لا يجدر بإنسان أن يشهده، وقد أُجبِروا في بعض الحالات على المشاركة في القتال والعنف، وناشد البيان الحكومة في العراق والمجتمع الدولي العمل على إنهاء جميع أشكال العنف ليتمكن الأطفال والعائلات في العراق من العيش في أمان وكرامة؛ ومواصلة تقديم المساعدات الإنسانية والاستثمار فورًا في التعليم.([18]) يضطر الكثير من الأطفال الفقراء بالعراق إلى التسول في الشوارع العامة، وثلاثة ملايين طفل محرومون من حق التعليم بسبب الحرب وعدم الاستقرار ارتفاع معدل عمالة الأطفال في العراق في مؤشر آخر على إهمال الحكومة في العراق فئة الأطفال، الذين يمثلون الشريحة الأهم في المجتمع؛ لا يزال ﻋﺪﺩ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ ﻓﻲ العراق بازدياد مستمر بسبب ارتفاع معدلات ﺍﻟﻔﻘﺮ والبطالة ﻭﺳﻮﺀ الأوضاع ﺍﻟﻌﺎمة التي تعد من الأسباب الرئيسة لهذه الظاهرة السلبية، التي سجلت حضورها الأكبر هذا العام، ﻭﺑﺮﻏﻢ ﻋﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩ ﺇﺣﺼﺎﺋﻴﺎﺕ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻋﻦ ﻋﺪﺩ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ، ﺇﻻ ﺃﻥ ﻣﻨﻈﻤﺔ (ﺍﻟﻴﻮﻧﻴﺴﻴﻒ) وصفت ارتفاع معدل ﻋﻤﺎﻟﺔ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ دون 15 ﻋﺎﻣًﺎ، بالنسب المرعبة، وقد أدت العمليات العسكرية وموجات النزوح والنزوح المتكرر، فضلًا عن منع الحكومة أهالي عدة مناطق من العودة إلى ديارهم؛ إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الفقر في العراق خلال السنوات الأربع الماضية؛ الأمر الذي أدى إلى زيادة مرعبة في نسبة عمالة الأطفال دون سن 15 سنة. وأفاد تقرير مشترك صادر عن برنامج الأغذية العالمي والحكومة في العراق، بتأريخ 10/4/2017، أن نحو 75 % من الأطفال دون سن 15 عامًا يعملون لمساعدة أسرهم في توفير الطعام بدلًا من الذهاب إلى المدرسة، ويفتقر 3.5 مليون طفل في سن الدراسة إلى التعليم، ليصبحوا أكثر عرضة لعمالة الأطفال والتجنيد من قبل الجماعات المسلحة، وتلخص لنا حكاية الطفل (أمجد سعد)، 13 عامًا، واقع مئات الآلاف من أقرانه الذين دفعهم النزوح مع عائلاتهم للعمل في أعمال شاقة وخطرة طلبًا للقمة العيش، بعد أن حُرموا من الأب والمعيل، حيث تحوّل الأهالي في المناطق المتضررة من أصحاب حق إلى أصحاب حاجة. ولم يكن حال هذا الطفل وأترابه قبل ثلاثة أعوام ونصف العام هكذا؛ فأسرته كانت تقيم في منطقة (يثرب) جنوبي سامراء وتعيش وسط بستان كبير تمتلكه، لكن القصف العنيف وانتشار مشاهد القتل والدمار دفعت هذه العائلة للهروب بحياتها -كحال مئات آلاف العائلات الأخرى- لتكون بداية رحلة شقاء. وترك أمجد المدرسة بسبب ما تعرضوا له أثناء النزوح وما يعايشونه خلال حياة التشرد في ظل الإهمال الحكومي لقضية النازحين في البلاد، ويقول إن أسرته ليس لها معيل سواه بعد أن فقد والده أثناء رحلة الهروب، ولم يبقَ إلا هو وشقيقه الأكبر، 15 عامًا، كي يتدبرا مصاريف أمهما وأخواتهما الثلاث. أوضاع الأقليات مئات آلاف المسيحيين هم من بين ما يقارب خمسة ملايين مهاجر تركوا العراق منذ الاحتلال الأمريكي واستفحال الميليشيات الطائفية في البلاد إذ كان هناك قرابة مليون مسيحي؛ هاجر قسم كبير منهم، بينما أُجبر آخرون على النزوح داخل وطنهم؛ إذ عانت البلاد خلال السنوات الأربع الماضية من تصاعد وتيرة العمليات العسكرية والعنف وما رافقها من موجات نزوح وما تخللها من الانتهاكات والفظائع التي ارتكبت بنطاق واسع غير مسبوق من قبل الميليشيات الطائفية، التي ارتكبت أبشع الجرائم ضد المدنيين في المناطق المستهدفة، ولاسيما الأقليات المجتمعية؛ الأمر الذي أدى إلى المزيد من التمييز والاضطهاد. وقد أصبح العراق إبان الاحتلال دولة ميليشيات تمارس فيها أبشع الفظائع والانتهاكات بحق المدنيين العزل باسم الحرية والديمقراطية، وبعد دمج الميليشيات المدعومة من إيران بالجيش والشرطة، وتحول قوات الاحتلال الأمريكي إلى قوة جوية لخدمة الميليشيات الطائفية في العراق، وهذا باعتراف الجنرال (ديفيد بترايوس)، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، الذي اعترف أيضًا بأن الميليشيات المدعومة من إيران، أصبحت هي القوة الأكبر في البلاد وانتشرت الانتهاكات ضد المدنيين دون حساب أو عقاب. ولميليشيات (الحشد الشعبي) في العراق سجل حافل بانتهاكات ترقى إلى جرائم تطهير عرقي بحق (العرب السُنّة) و(الكُرد) في المدن التي تمت استعادة السيطرة عليها من تنظيم الدولة (داعش)، وذلك بحسب منظمات حقوقية محلية ودولية في مقدمتها الأمم المتحدة، التي طالما اتهمت ميليشيا الحشد بارتكاب جرائم عدة على خلفية طائفية ضد المدنيين خلال المدة ما بين 2014 و2017، تنوعت بين: التعذيب والإخفاء القسري وقتل مدنيين وأسرى تحت التعذيب، ناهيك عن عمليات نهب المدن والبلدات قبل حرق ونسف آلاف المنازل والمحال بها. ولم تسلم حتى المساجد من التدمير والحرق على أيدي ميليشيا الحشد، فضلًا عن تدمير قرى بالكامل، ومنع النازحين من العودة إلى مدنهم وقراهم بهدف تغيير التركيبة السكانية لتلك المدن، ومنذ ذلك الحين، هناك تدفق مستمر من التقارير عن الهجمات التي تنفذها الميليشيات الحكومية ضد الأقليات وتدمير منازلهم والاستيلاء على ممتلكاتهم. وقد نشرت مواقع تابعة للميليشيات نفسها صوراً لعشرات المنازل والممتلكات التي هدمتها واستولت عليها دون وجه حق، بحجة أن تقديس هذه المواقع هرطقة. وجاء في الشكوى أن تصريحات رئيس الوقف الشيعي الحالي طائفية تمت بشق الصف وتمزيق اللحمة الوطنية ونسف مقتضيات السلم الاجتماعي بين مكونات الشعب العراقي، في كافة أديانه وأطيافه. وحملت الوثيقة الموسوي مسؤولية تعرض العوائل المسيحية في بغداد والمحافظات إلى أذى أو ترحيل قسري، مؤكدة أن المكوّن المسيحي مكوّن أصيل في العراق. ويذكر أن الوقف الشيعي قد أصدر بيانًا بشأن الموضوع لم يشكك فيه بصحة المقطع المرئي الذي انتشر، مؤكدًا أنه كان درسًا ألقاه رئيس ديوان الوقف الشيعي قبل ثلاث سنين، لكن المقطع مجتزأ، ونفى أنه تضمن دعوة للقتال أو الاعتداء على أحد من أتباع الديانات الأخرى في البلاد. الدكتور هشام مسكوني المقتول مع أفراد عائلته داخل منزله، شرقي بغداد ويضاف ضحايا هذه الجريمة إلى قائمة طويلة تضم آلاف المدنيين الذين قُتلوا خلال الأشهر الماضية بنيران الميليشيات الموالية للحكومة، وتندرج هذه الجريمة كذلك ضمن الجرائم التي تُنفذ في العراق منذ ٢٠٠٣، والتي تستهدف الأساتذة والكفاءات العلمية في البلد بهدف تفريغه من العقول وقتل العلماء الأكفاء المشهود لهم في مجال اختصاصهم. ترويع الأهالي والسيطرة على المدن وقال المحلل الأميركي (كينيث بولاك): ((إن الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران تسيطر على قوات الأمن المختلفة في العراق، ولكن الحكومة في بغداد لا ترغب في الاعتراف بذلك، وغالبًا ما شكلت تلك الميليشيات العمود الفقري في هجمات القوات الحكومية في محافظات: الأنبار ونينوى وصلاح الدين)). وأضاف (بولاك): ((إن سكان تلك المحافظات يشعرون بالرعب إزاء التقارير التي تفيد بأن القوات والميليشيات الحكومية تقوم بعمليات تطهير عرقي وحشية في المناطق المستعادة، فضلًا عن ضلوع تلك القوات بفظائع ضد العراقيين طوال السنوات الأربع عشرة الماضية. وقد تم توثيق حالات وقضايا كثيرة قُتل فيها مئات المدنيين العزل برصاص الميليشيات الشيعية في قرى ومدن عراقية متعددة بمحافظات: بغداد وبابل وديالى والأنبار وصلاح الدين ونينوى وغيرها)). قالت منظمة (هيومن رايتس ووتش) في 20/10/2017، إن المواجهات التي حصلت في 16 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في قضاء (طوز خورماتو) المتعدد العرقيات بين قوات البيشمركة التابعة لحكومة كردستان وقوات تابعة للحكومة في بغداد، تسبب في مقتل (5) مدنيين على الأقل وجرح ما يقرب من (51) آخرين. وسمحت القوات الحكومية التي سيطرت على قضاء الطوز في وقت لاحق للمدنيين بنهب ممتلكات المواطنين دون عوائق طوال ثلاثة أيام على الأقل قبل التدخل. قوات الأمن الكردية تنسحب من نقطة تفتيش في (ألتون كوبري)، آخر البلدات في محافظة التأميم، التي كانت تحت سيطرة قوات حكومة كردستان إجبار آلاف العائلات على الفرار وقالت منظمة (العفو الدولية) في 24/10/2017: هناك أدلة جديدة على إجبار عشرات الآلاف على الفرار من قضاء (طوزخورماتو) وسط هجمات عشوائية وعمليات نهب وسلب وإحراق للمنازل، وقد قام فريق تابع للمنظمة بتحليل صور للأقمار الصناعية وأشرطة فيديو وصور فوتوغرافية وعشرات الإفادات استهدفت عمليات النهب والسلب وإحراق البيوت وهدمها في المناطق ذات الأغلبية الكردية، التي جمعتها المنظمة، والتي أظهرت أن المدنيين أُجبروا على الفرار من بيوتهم عقب اندلاع اشتباكات شرسة بين قوات الحكومة في بغداد، مدعومة من ميليشيات (الحشد الشعبي)، وبين قوات (البيشمركة) الكردية في المدينة، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2017. الأمم المتحدة تدعو الحكومة لحماية الأقليات دعت الأمم المتحدة الحكومة في العراق لاتخاذ الخطوات اللازمة لدعم وحماية الأقليات، في أعقاب الأعمال الإجرامية والإرهابية الأخيرة التي استهدفت الأقليات في البلاد، وحثتها على إعادتهم إلى مناطقهم بأقرب وقت ممكن، جاء ذلك على لسان الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، (يان كوبيش)، الذي أكد في 12 آذار/مارس 2018، على ضرورة اتخاذ الحكومة خطوات حقيقية وفاعلة لدعم مقومات حماية هذه المجتمعات المهمشة والضعيفة، لضمان عودتهم إلى ديارهم، وعدم تهجيرهم مستقبلًا، وحث المرجعية في النجف على الدفاع عن المواطنين الضعفاء في البلاد. في السنوات الثلاث الأخيرة، عانى المسيحيون تحت حكم تنظيم الدولة، ولاسيما في محافظة نينوى، ولكن معاناة المسيحيين من الأعمال الإجرامية والاضطهاد في أجزاء أخرى من البلاد أكبر، بما في ذلك العاصمة بغداد، حيث يتم تصفية المسيحيين جسديًا وسرقة أموالهم وممتلكاتهم وتزوير المعاملات العقارية لشراء منازلهم بالباطل؛ وفي الماضي القريب قُتلت عائلة مسيحية كاملة متكونة من ثلاثة أفراد تسكن منطقة تسيطر عليها الميليشيات الطائفية بشكل كامل، شرقي العاصمة بغداد، لقوا حتفهم جميعًا بعد اقتحام رجال مسلحون منزلهم وقاموا بقتلهم. وبعد أقل من أسبوع على حادثة مقتل العائلة المسيحية، اختُطف أحد أفراد جماعة صابئة المندائيين من متجره وسط بغداد، وعُثر على جثته في وقت لاحق في أحد الشوارع. وفي الناصرية بالجنوب، وسط استمرار المحاولات لطرد الأقليات من البلاد في ظل حكومات الاحتلال، وهذا ما أكده تقرير جديد لجمعية حقوق الإنسان العراقية بشأن الأقليات في البلاد، مثل المسيحيين واليزيديين والصابئة وغيرهم، حيث قالت الجمعية: إن الأقليات في العراق اليوم هم ضحايا "الإبادة الجماعية البطيئة"؛ إذ يجري تصفية تلك المجتمعات القديمة إلى حد اختفائها، ووفقاً للتقرير، فإن 81٪ من المسيحيين في العراق قد تركوا العراق وهاجروا إلى بلدان أمريكا وأوروبا. وإن 94٪ من الصابئة اختفوا من العراق. ونحو 18٪ من اليزيديين غادروا البلاد. وبدأت قرى مسيحية قليلة في عملية إعادة الإعمار بتمويل من منظمات الإغاثة الدولية والمساعدات القادمة من الخارج، مع وجود احتمالية النزوح المتكرر التي ما تزال قائمة وسط إطلاق وعود كاذبة بمساعدة هؤلاء المسيحيين من قبل هذا المسؤول أو ذاك، ولاسيما أنهم لم يلمسوا خطوات جدية حتى الآن، وظلت الوعود مجرد كلمات. عودة محفوفة بالمخاطر والمخاوف أطفال ونساء يزيديون فروا سابقًا من جبل سنجار، يعودون إلى العراق قادمين من سوريا عند معبر حدودي في بلدة بشخبور في محافظة دهوك وعانى المسيحيون واليزيديون، من أحداث إساءة معاملة وتشريد تحت حكم (تنظيم الدولة) في العراق، الذي استولى على مناطق واسعة من البلاد بعد انسحاب الجيش الحكومي منها، واستمرت معاناتهم أثناء العمليات العسكرية وما رافقها من قصف عنيف واستخدام الأسلحة المحرمة دوليًا في مناطقهم. وما يزال عدد منهم في مخيمات مهملة، لكنهم يخشون العودة بسبب المخاطر الأمنية في الأحياء التي فروا منها بعد سيطرة الميليشيات الموالية للحكومة عليها بشكل كامل. ومع سعيهم للتعافي من آثار القتل والدمار والنزوح، لا يزال مستقبل الأقليات في العراق محفوفًا بالمخاوف، لا سيما مع استمرار الشيعة في الاستحواذ على السلطة في البلاد؛ الأمر الذي يعيق إعادة بناء دولة يمكنها حماية وإدماج الطوائف الدينية والعرقية التي ساعدت في تشكيل شخصية العراق لآلاف السنين. صراعات داخلية تفرضها العملية السياسية الخدمات والبنى التحتية والفساد المالي والإداري امرأة من حي الزنجيلي شرقي الموصل، إلى جانب عدد من الأهالي قرروا مغادرة منازلهم بعد أن طالها القصف العنيف، وبدأوا بالسير وسط الأنقاض - نيسان 2017 حمام الدم واستراتيجية التدمير؛ هذا هو الخيار الوحيد الذي قررت الحكومة في بغداد اعتماده لاستعادة المناطق التي سيطر عليها تنظيم الدولة بعد انسحاب الجيش الحكومي، وترك المدن ومن فيها فريسة سهلة لمقاتليه، وتنقل لنا آلاف الصور والمقاطع المصورة من البر والجو، فضلًا عن شهادات آلاف الأهالي في المناطق المستهدفة، الذين حالفهم الحظ وبقوا على قيد الحياة، والذين شهدوا المأساة التي حلت بديارهم من جرّاء حرب ضروس لم تبقِ ولم تذر، دفع المدنيون -وما زالوا يدفعون- ثمنًا باهظًا للحرب التي يبدو أنها انتهت؛ ولكن من المؤكد أن ما خلفته من خراب غير مسبوق ما زال شاهدًا على الاستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين والبنى التحتية في المدن المستهدفة بالحرب على الإرهاب المزعوم، التي شاركت فيها معظم الدول المتنفذة في العالم ضمن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي وصفت بالحرب الأقل شفافية في التأريخ الأمريكي الحديث. وبحسب التقديرات؛ فقد نفذت الطائرات الحربية للتحالف خلال الأشهر الاثني عشر الماضية نحو (40 ألف) ضربة جوية على مدن عراقية ولاسيما مدينة الموصل؛ ألقيت خلالها ما لا يقل عن (250 ألف) قذيفة وصاروخ، معظمها من النوع الثقيل المحرم استخدامه دوليًا في المناطق الآهلة بالسكان. وتقدر التكلفة المادية للأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والخسائر الاقتصادية في الحرب الدائرة في العراق منذ أربع سنوات بأكثر من مائة مليار دولار حتى الآن، وفقًا لتقارير أولية تسلط الضوء على الجهد اللازم لإعادة بناء البلاد، حيث يعاني نحو نصف السكان من تبعات الحرب، التي قتلت عشرات الآلاف من المدنيين، وشردت أكثر من 5.75 مليون شخص، فضلًا عن التحديات الكبيرة التي باتت تواجه المدن المستعادة، بوجود كميّات هائلة من الأنقاض -أكثر من ثمانية ملايين طن من الأنقاض- الناجمة عن التدمير الواسع بسبب القصف الذي تعرّضت له، لا سيما مع اختلاطها بالمواد غير المنفجرة والجثث التي ما تزال عالقة فيها ولم يتم انتشالها حتى الآن، كما أكد ذلك برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة. وقد تسببت الحرب في كوارث إنسانية غير مسبوقة في بلد يمتلك أكبر احتياطي من النفط والغاز في العالم بعد السعودية وروسيا على التوالي، ويُقدّر فيه الناتج المحلي الإجمالي للفرد بمبلغ (10 آلاف) دولار أمريكي، بحسب تقديرات البنك الدولي في 2013. وتضمنت التقارير الأولية لتقييم الأضرار والاحتياجات نتائج جزئية، تتطور مع مرور الزمن مع توسيع عمليات الكشف على الأضرار، ولاسيما أن العمليات العسكرية لا تزال مستمرة في بعض المناطق، وقد أظهرت عمليات مسح أجرتها وكالات إخبارية غربية، بناءً على تقارير حقوقية أممية ودولية بالشأن ذاته، أنه ما لا يقل عن (170 ألف) منزل تعرض خلال الحرب للأضرار بشكل كلّي أو جزئي في المناطق المستعادة، إلى جانب نحو (45 ألف) مجمع ومحل تجاري خاص طالها القصف المدمر، فضلًا عن حوالي 300 كم من شبكة الطرق في المحافظات المستهدفة وعشرات الجسور والقناطر، ناهيك عن نحو مائة مسجد وما لا يقل عن 12 دار عبادة، إلى جانب عدد من محطات تحلية وتوزيع المياه ومنشآت توليد الطاقة أو نقلها التي طالها القصف في المحافظات المستعادة، معظمها أضحت تالفة وتحتاج إلى إصلاح كامل([19]). وعلى الرغم من مرور أكثر من ثمانية أشهر على انتهاء الحرب في الموصل؛ لا يزال الاستقرار هشًا في الجانب الشرقي منها حيث أصبحت الأحياء السكنية هناك مسرحًا للجريمة المنظمة والخطف والابتزاز من قبل القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها، ويُزاد على ذلك ضعف تمويل الواردات، خاصة الغذاء والوقود، واستغلال الفوضى من قبل الأجهزة الحكومية في تنوع أشكال الفساد وصوره، الذي يتحمل فاتورته المواطن البسيط، ناهيك عن إساءة استخدام أموال الدولة. والمثير للريبة؛ أنه على الرغم من التكلفة الباهظة لحرب استعادة المدن التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة، إلا أننا لم نسمع بإجراءات حكومية لفتح التحقيق في الهجمات الجوية للقوات التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، ولاسيما التي أصابت المدارس والمستشفيات والمساجد، ولم يتم تشكيل أي هيئة أو لجنة للنظر في سقوط آلاف الضحايا من المدنيين. الأموال "المهدورة" بلغت 1126 مليار دولار في 29 آذار المنصرم؛ قالت اللجنة البرلمانية الحالية، في تصريح أدلى به عضو اللجنة رحيم الدراجي، نشر في أكثر وسائل الإعلام المحلية: إن مجموع الأموال العامة "المهدورة" منذ 2003 لغاية الآن؛ بلغت 1126 مليار دولار، مؤكدًا أنه بسبب هدر تلك الأموال لم تكن هناك أي مشاريع جديدة في العراق، فيما أشارت اللجنة إلى أن مصادر القرار السياسي الحالية غير مؤهلة لبناء اقتصاد وطني، وأنهم يمارسون سرقة المال بطرق قانونية تم وضعها لتبرير عمليات نهب الأموال العامة، موضحة أن منهجية عدم المعرفة وغياب التخطيط؛ أدى إلى ضياع هذه الأموال الهائلة، وأن العقلية الموجودة الآن في سدة الحكم لا تصلح لإدارة البلد([20]). وقد تسبب قرار سلطة الاحتلال رقم 38 لعام 2003 بتعطيل النظام الاقتصادي المحلي والقضاء على ما يقارب من 90% من الصناعات المحلية لتكون عاجزة أمام منافسة السلع المستوردة، إلى جانب أكثر من (13000) معمل متوقف عن العمل، ليكون اعتماد العراق في دخله على النفط بنسبة 95% بدلًا عن 51% قبل العام 2003، وقد بلغت إيرادات العراق من بيع النفط خلال السنوات الخمس عشرة الماضية بنحو 700 مليار دولار أهدرت الحكومات المتعاقبة ما نسبته 70% منها في استيراد المحروقات والسلع والمواد الغذائية، حتى بلغت تقديرات تكاليف استيراد المنتوجات النفطية المستوردة بأكثر من 60 مليار دولار، إلى جانب استيراد الاستشارات القانونية والخدمات الطبية للقطاع الحكومي والأفراد بنسبة 30 %، أما في قطاع الزراعة؛ فقد تراجع العراق من حالة الاكتفاء الذاتي عام 2002، إلى استيراد 75% من الاحتياجات، مع تضاؤل مساحة الأراضي الصالحة للزراعة من نحو 50 مليون دونم قبل العام 2003، إلى أقل من 12 مليون دونم العام الحالي، وفق وزارة الزراعة في الحكومة الحالية([21]). وبشأن مشكلات العراق في مجال الطاقة الكهربائية؛ فإن ما يقارب 80% من محطات انتاج الطاقة الكهربائية في العراق لا تعمل، وقطاع الكهرباء في مرحلة انهيار مستمر بسبب غياب الاستراتيجية للنهوض وانعدام التخطيط الحكومي، فضلًا عن الفساد المتجذر في جميع مفاصل الحكومة والفشل الذريع في إدارة الأزمة. يحتاج العراق اليوم إلى أكثر من 24000 ميغاواط من الطاقة الكهربائية إلا أن انتاج المنظومة الحالية لا يتجاوز 10000 ميغا واط، فُقد منها خلال السنوات الأخيرة نحو 6000 ميغاواط بسبب الفساد المتجذر في وزارة الكهرباء التي انفقت خلال السنوات الخمس عشرة الماضية ما يزيد على 46 مليار دولار بحجة اصلاح المحطات الكهربائية وزيادة طاقتها دون أي تقدم ذكر، وتقدر حجم الخسائر الاقتصادية من جراء أزمة الكهرباء بالبلاد بأكثر من 300 مليار دولار، ناهيك عن هدر المليارات سنويًا في سبيل شراء الطاقة الكهربائية من إيران، ومع أن حجم الفساد في وزارة الكهرباء هو الأكبر في العراق؛ ولكن حتى الآن لم يتم مساءلة مسؤول فضلًا عن محاسبته بشأن هذه القضية الاستراتيجية التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر([22]). وقد طالت عمليات النهب كميات كبيرة من الآثار، فضلًا عن تفشي ظاهرة بيع المناصب؛ وملفات الفساد الأخرى في العراق في ظل حكومات الاحتلال أكثر من أن تحصى؛ كل هذا يجري بحماية الميليشيات الحزبية والطائفية السياسية، وراح المالكي وجاء العبادي ولم يستطع العراقيون التخلص من الفساد. انتشار المخدرات في العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 تمت إزالة حكم الإعدام بحق مروجي المخدرات، وشهدت مدن العراق، ولاسيما البصرة وبغداد والعمارة، في ظل الفوضى وغياب القانون، زيادة في تهريب وبيع المخدرات، بما في ذلك عمليات تهريب جديدة شملت مادتي (الحشيش والميثامفيتامين)، وهما مادة بلورية بيضاء تنتج في إيران، ويتم تناولهما عن طريق الاستنشاق أو التدخين أو الحقن. كما ازدهرت تجارة المخدرات في البلاد بعد الاحتلال بسبب الفساد المستشري في أوساط قوات حرس الحدود، حيث يتم إدخال كميات ضخمة من المخدرات بالاتفاق مع المسؤولين في ظل الإفلات من العقاب والتواطؤ الرسمي الواضح للعيان. وتقع مدينة البصرة في صدارة ارتفاع مبيعات المخدرات وتعاطيها على مستوى البلاد، حيث تضاعف عدد حالات الاعتقال منذ أواخر عام 2014 مقارنة بالسنوات العشر السابقة، كما قال أحد كبار ضباط الشرطة في إدارة مكافحة المخدرات في المحافظة لوكالة أسوشييتد برس، ويلقي المسؤولون الحكوميون والناشطون اللوم على حالة الفوضى التي تسود المعابر والنقاط الأمنية على حدود العراق، التي يسهل اختراقها، ويعد الفساد والبطالة وغياب الرادع الأمني كأبرز أسباب هذه الزيادة([23]). مراقبون: لم تكتفِ إيران بالسيطرة على العواصم العربية عسكريًا؛ فراحت تسعى لسرقة الشباب بهدف حرمان الدول العربية من جميع مقومات القوة وقال الدكتور عماد عبد الرزاق، أحد مستشاري وزارة الصحة لشؤون الصحة النفسية، إن المشكلة على مستوى البلاد منخفضة مقارنة بالدول المجاورة، إلا أنها آخذة بالتوسع بنمط مخيف، وأضاف: التقارير التي لدينا تشير إلى أن هناك زيادة ملحوظة في الترويج والتعاطي على حد سواء. وتقع البصرة على الحدود مع إيران والكويت، وتعد المدينة منفذ العراق الوحيد إلى الخليج العربي، الذي تدخل منه البضائع التجارية إلى البلاد، مما يجعلها أكثر عرضة للتهريب. حيث يتم تهريب كميات كبيرة من المخدرات في حاويات البضائع في موانئ البصرة ومعابر الحدود، وتظل عمليات ضبط الشحنات محدودة في ظل التهاون الحكومي في محاسبة ومعاقبة المرتكبين. لا توجد مراكز إعادة تأهيل المدمنين على الرغم من ارتفاع معدلات تعاطي المخدرات إلى نسب غير مسبوقة وصلت إلى أكثر من 7% وفق الإحصاءات الرسمية؛ إلا أن العراق يفتقر إلى مراكز إعادة تأهيل متخصصة للتعامل مع الأشخاص المدمنين، ولا تتوفر الأدوية اللازمة لعلاج مثل هذه الحالات التي تتزايد أعدادها يومًا بعد يوم، فضلًا عن أن البلد يعاني في ظل حكومات الاحتلال من نقص حاد في الأطباء والأخصائيين الاجتماعيين. وقال رئيس قسم الطب النفسي في مستشفى البصرة العام، الدكتور عقيل الصباغ إنه يعتقد أن الإحصاءات الرسمية حول تعاطي المخدرات لا تعكس الواقع في المحافظة. وقال: عندما نحاول التحدث إلى المدمنين لنسأل حول وجود أشخاص آخرين يعرفونهم، فإننا نشعر بأن هناك مناطق كاملة تعاني من هذه الآفة. وقال الصباغ: أنصح المرضى بالبحث عن العلاج في الخارج في بلدان مثل الأردن ومصر؛ لعدم وجود مراكز تأهيل في البلاد فضلًا عن النقص الحاد في الكوادر الطبية والأدوية الضرورية. وأضاف الصباغ: كان المقرر أن يتم في أوائل هذا العام، افتتاح أول مركز متخصص في الصحة النفسية وإعادة التأهيل في العراق، ويكون في البصرة، مع حوالي 40 سريراً، بعد المطالبات التي استمرت لسنوات بضرورة فتح مثل هذا المرفق. ولكننا لم نحصل على موافقة السلطات على توظيف أطباء وأطباء نفسيين من مصر لعلاج المرضى وتدريب الكوادر من العراقيين. وقال الدكتور نزهت نجم، وهو أحد الأطباء في مستشفى البصرة العام: إن مادة (الميث)، الاسم المصغر لمادة (الميثامفيتامين الكريستالية) المصنعة في إيران؛ هي أكثر أنواع المخدرات انتشارًا في محافظة البصرة، حيث 60% من نسبة التعاطي في البلاد، يتبعها مادتا (الترامادول) و(الحشيش). وأوضح نجم أن الفئة العمرية الأكثر تضررًا هم الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 30 عامًا، بينهم 12 % نساء([24]). في ظل حكومات الاحتلال؛ بغداد الأسوأ عالميًا في أحدث مسح سنوي أجرته (شركة ميرسر للاستشارات)، في آذار الماضي، لا تزال العاصمة العراقية بغداد المدينة الأسوأ في العالم من حيث نوعية الحياة ونمط المعيشة، ويشمل المسح 231 مدينة من جميع أنحاء العالم، وفق معايير: الاستقرار السياسي وتأمين الرعاية الصحية ومستوى التعليم ومعدل الجريمة ووسائط الترفيه ووسائل النقل، وكانت بغداد في أسفل القائمة منذ عقد من الزمان؛ من جراء حالة الفوضى السياسية التي تعيشها البلاد، واستمرار الحروب وموجات النزوح وتأجيج العنف الطائفي منذ الغزو عام 2003([25]). محاولة أخرى محكوم عليها بالفشل لإنقاذ البنية التحتية رغم مرور أكثر من ثمانية أشهر على انتهاء الحرب في الموصل؛ لا تزال هناك أكثر من ثمانية ملايين طن من الأنقاض وأكوام الركام في أحياء واسعة من المدينة في محاولة أخرى محكوم عليها بالفشل للمساعدة في إصلاح ما أفسده الاحتلال المستمر عبر حكوماته المتعاقبة، تلقى العراق تعهدات بقيمة 30 مليار دولار من المانحين والمستثمرين الذين يرغبون في إعادة بناء البلد الذي دمرته الحرب. وقد جرى ذلك خلال مؤتمر الكويت الدولي لإعادة إعمار العراق الذي استمر ثلاثة أيام، والذي عقد في مدينة الكويت منتصف شباط فبراير الماضي. وإلى جانب كون هذه الأموال لا ترقى إلى اللازم للتعافي من آثار الحرب التي دامت ثلاث سنوات؛ فإن واقع الفساد المتجذر في جميع دوائر الحكومة والفشل الذريع في إدارة البلاد، يجعل الأمل في نجاح مثل هذه المحاولات أمرًا شبه معدوم. استمرار تهريب النفط العراقي لإيران اتهامات جديدة لجهات حكومية وميليشيات طائفية بتهريب النفط إلى إيران؛ هذه المرة من قبل رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب، حاكم الزاملي، الذي صرح مؤخرًا بقيام جهات حكومية متنفذة وقيادات ميليشياوية معروفة، بتهريب النفط من منطقة (طوزخورماتو) إلى إيران. وأكد الزاملي بأن هذه الجهات محسوبة على حكومة العبادي وقيادات في ميليشيات الحشد الشعبي، مؤكدًا أنها تسعى لاستغلال الوضع الأمني الهش من أجل مصالح شخصية، وقد كشفت مصادر إعلامية أن ميليشيات الحشد الشعبي الطائفية في العراق، تقوم بتهريب ما لا يقل عن 250 ألف برمیل من النفط الخام، الذي يتم إنتاجه من حقول في شمال العراق، بشكل غير قانوني إلى إيران يوميًا، وذلك أمام أعين الأجهزة الحكومية، وذلك بعد استيلاء الميليشيات المذكورة على حقول تحوي 21 بئرًا نفطية في المنطقة الواقعة بين (طوزخورماتو وتكريت). وقالت المصادر إن ميليشيا الحشد تنقل النفط عن طريق صهاريج تابعة لها إلى إيران، تمر عبر نقاط التفتيش والحواجز العسكرية الحكومية بمحافظتي صلاح الدين وديالى، وأكدت أنه يتم شحن عشرات الصهاريج من النفط يومياً إلى إيران وبيعها بثمن دون سعر النفط العالمي بكثير([26]). وطبقًا للمصادر المحلية في العراق، فإن إيرادات تهريب النفط تذهب إلى الجماعات الشيعية المشاركة في الحشد الشعبي والشخصيات السياسية المتنفذة في الحكومة، في حين لم يسجل أي رد من وزارة النفط الحالية حول التقارير المنشورة. وأضاف مصدر عراقي آخر أن إدارة محافظة صلاح الدين ووزارة النفط على علم بالسرقات النفطية، ولكنها تلتزم الصمت لأن ميليشيا الحشد الطائفية هي الحاكم الحقيقي الآن في المحافظة. وفي الشأن نفسه؛ اتهم نائب سابق -قبل أسابيع قليلة- ميليشيا الحشد الشعبي الموالية لطهران بتهريب النفط الخام المستخرج شمالي العراق عبر صهاريج إلى إيران. وقال عضو لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان، شاخوان عبد الله: "إن ميليشيات شيعية وسياسيين متنفذين يقومون بسرقة وتهريب النفط الخام المنتج من حقول محافظة التأميم (260 كم شمال بغداد) إلى إيران بشكل منتظم، ويستخدمون صهاريج تعود ملكيتها إلى 12 شركة نقل خاصة تعود ملكيتها للميليشيات والسياسيين المتورطين في سرقة وتهريب النفط. ولفت النائب عبد الله، إلى أن غرض الميليشيات من تلك التحركات هو السيطرة على 5 آبار نفط تقع ضمن حقل يطلق عليه اسم "بلكانة"، الذي تقدر حكومة كردستان احتياطاته بـ(1.5 مليار) برميل من النفط بغية تهريب إنتاجه إلى إيران، وقد تمكنت من ذلك بعلم الحكومة في بغداد، التي لم تحرك ساكنًا حيال الموضوع([27]). شركات النفط الأجنبية تجلب القتل لشوارع البصرة من الجدير بالذكر هنا أن الأمر في مناطق حقول النفط جنوب العراق أكثر خطورة وبشاعة؛ ففي محافظة البصرة مثلًا؛ هناك مشاكل وتعقيدات لا يمكن حصرها، وجرائم يرتكبها المسؤولون الفاسدون وشركات النفط متعددة الجنسيات، وزعماء القبائل الجشعون؛ الأمر الذي يتسبب بصراعات محلية دموية من أجل المال والقوة، التي يغذيها الجشع العالمي اللامتناهي لأصول النفط الأكثر ربحًا في البلاد، والتي يسقط ضحيتها شهريًا العشرات من أبناء تلك المناطق في مواجهات مسلحة لا ناقة لهم فيها ولا جمل؛ فهناك حالة من التقاتل بين القبائل والشركات متعددة الجنسيات والمسؤولين الفاسدين لجني الملايين وزرع الخوف في المحافظة؛ الأمر الذي تسبب بارتفاع معدل القتل مع نشوء "دولة داخل دولة"، في ظل غياب السيادة الوطنية وضعف الحكومة المركزية وإغراءات الثروة النفطية؛ الأمر الذي يهدد شريان الحياة الاقتصادية للعراق، ولاسيما إذا ما علمنا أن شبكات الابتزاز دفعت لثلاث قبائل فقط مبلغ (105 مليون) دولار أمريكي؛ كرشى مبطنة في صورة تعويضات([28]). السياسات الخاطئة المنتهجة في العراق منذ 2003 وحتى اليوم؛ تركت سبعة ملايين طفل يعانون الفقر المدقع والحرمان من حق التعليم يعاني قطاع التعليم في العراق مشكلات جمة، ازدادت أكثر في السنوات الأخيرة من جراء الحرب والدمار الهائل الذي طال قطاع التعليم في محافظات عديدة من البلاد، إلى جانب موجات النزوح وحياة التشرد في المخيمات التي حرمت نحو ثلاثة ملايين طفل بعمر الدراسة من حق التعليم، إذ وصلت نسبة الأمية إلى 32% من إجمالي السكان بعمر عشرة سنوات فأكثر؛ الأمر الذي حدى الأمم المتحدة بإدراج التعليم في العراق ضمن قوائم التخلف في الشرق الأوسط، ومن جانبها؛ قالت المنظمات الدولية الإنسانية إن الوضع التربوي والتعليمي في العراق يواجه تحديات خطيرة تتمثل بصعوبات التحاق الطلاب بالمدارس ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الأمية بين الأطفال والفئات الضعيفة والمهمشة اجتماعيًا، وقد اجتمعت عوامل سلبية عدة تسببت بتراجع المستوى التعليمي في العراق، منها: استمرار الحروب وتواصل أعمال العنف في البلد، تكريس حالة عدم الاستقرار والمناهج التعليمية وقلة الكادر التدريسي، والنقص الشديد في الكتب المدرسية، وانعدام الوسائل التعليمية، وغياب الدور الحكومي في وضع السياسات التعليمية والإشراف عليها وكذلك تمويل التعليم وتطويره وتنفيذ البرامج التعليمية بكافة مراحلها. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى وجود ما لا يقل عن عشرين ألف شهادة مزورة، يعود بعضها لمسؤولين حاليين في الحكومة وأعضاء في البرلمان الحكومي. وفي العام 2017؛ أصدرت (مؤسسة ويبميتريكس لتصنيف الجامعات) دراستها الأحدث، التي جاءت فيها جامعة بغداد في المرتبة 2356 عالميًا، بعد أن كانت تُصنف قبل 2003 ضمن الجامعات الـ 700 الأولى في العالم، ولم تأخذ قضية التعليم التي تؤثر تأثيرًا مباشرًا على السلوك الإنساني؛ اهتمامًا لدى حكومات الاحتلال المتعاقبة؛ فإلى جانب قلة الأبنية المدرسية والكوادر التعليمية، تعرضت نصف مدارس البلاد للإهمال والهدم والتدمير خلال الحرب؛ الأمر الذي أدى إلى ضعف مركب وخلل متعمد في سياق العملية التربوية في العراق. وفي الحديث عن واقع التعليم في العراق، اعتمادًا على بعض الإحصاءات المتاحة، ودراستها بشكل موضوعي ومقارنتها بالفترات الماضية؛ يتبين لنا أنه وفق المعطيات السياسية والاقتصادية الحالية فإنه من الصعوبة بمكان وضع خطط يمكنها إعادة التعليم في العراق إلى المسار الصحيح؛ فما قبل 2003، كانت تقارير اليونسكو تقول إن العراق يمتلك نظامًا تعليميًا هو من أفضل الأنظمة في المنطقة، حيث تمكن البلد من القضاء على الأميّة منذ العام 1984م، وكانت نسبة الالتحاق 100%. أما بعد 2003 فإن الإحصاءات تشير إلى أن نسبة القادرين على القراءة والكتابة في العراق أصبحت 55% في الذكور و 23% في الإناث، كما أن أعداد المدارس في العراق هي بحدود 14500 مدرسة، نصفها يحتاج إلى إصلاح، إلى جانب وجود نحو ألف مدرسة مبنية من الطين في العراق، وفقًا لوزارة التربية، لكن إحصائيات غير رسمية تتحدث عن وجود من (1500-2000) مدرسة طينية أو مبنية من القصب في محافظات ذي قار والبصرة والعمارة والمثنى والديوانية والنجف. ما تبقى من مكتبة جامعة الموصل، التي كانت تضم آلاف المخطوطات النادرة والخرائط التاريخية والكنوز الأدبية التي لا يمكن تعويضها وتعد الحكومة المسؤول الأول عن التدهور الأمني المستمر، وسوء الأوضاع الإنسانية والظروف الاقتصادية وتفاقمها، وتأثيرات ذلك على تعثر مسيرة التعليم في البلاد؛ فبسبب ما تعانيه ملايين العائلات الفقيرة، انخفضت كثيرًا نسبة إرسال الأطفال إلى المدرسة أو إلى تسرب الأطفال من المدرسة في مرحلة مبكرة، ناهيك عن تفشي ظاهرة عمالة الطلاب لزيادة دخل الأسرة، وازدادت أعداد المدارس التي باتت بحاجة إلى إصلاح بعد الحرب على "الإرهاب"؛ لتصبح أكثر من (7600) مدرسة، إلى جانب العجز الاقتصادي الذي يحول دون تلبية حاجة البلد من المدارس الجديدة، التي تقدر بأكثر من 11000 مدرسة، بحسب وزارة التخطيط الحالية، وما صاحب ذلك من ندرة غير مسبوقة في المكتبات العلمية وانعدامها في أغلب المدن العراقية. مراقبون: التلكؤ في بناء المدارس وراءه الفساد الإداري والمالي والصراعات السياسية وغياب التخطيط، فضلًا عن العنف المتواصل في العراق منذ عقد ونصف وتشير الإحصاءات الرسمية إلى انخفاض معدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية العام الماضي بنسبة (30 %)، وانخفاض معدل الالتحاق بالمدارس الثانوية والمهنية بنسبة (50 %)؛ جراء تصاعد وتيرة المعارك واستمرار موجات النزوح والنزوح المتكرر، وتكريس حالة عدم الاستقرار، ويبقى تأثير استمرار العنف على قطاع التعليم في العراق أقل وضوحًا لأن الإحصاءات الرسمية غير دقيقة، وبالتالي فإنها لا تعكس الواقع. إلى جانب ما تقدم؛ يعاني واقع التعليم في العراق اليوم الكثير من المشاكل التربوية والعلمية والإدارية أيضًا؛ فمن ناحية المدارس نجد أن 80% من عدد المدارس في جميع محافظات العراق غير مؤهلة كمدارس نظامية؛ فنسبة عالية من المدارس في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين مدمرة بفعل الحرب، يزاد على ذلك ما تعانيه مدارس المحافظات الجنوبية من إهمال وتخلف وعدم تطوير ونواقصها الكبيرة، علمًا أن آلاف المرافق المدرسية تفتقر إلى المستلزمات الأساسية اللازمة لتوفير التعليم اللائق لأطفال العراق. ولافتقار العراق في ظل حكومات الاحتلال المتعاقبة لأبسط معايير جودة التعليم؛ يحافظ البلد على خروجه من نطاق التقييم كما أظهر ذلك أحدث تقارير مؤشر جودة التعليم العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي؛ حيث أكد التقرير أن العراق لا تتوفر فيه أبسط معايير الجودة في التعليم؛ ما يجعله غير مؤهل للدخول ضمن إطار التقييم الذي اشتمل على (140) دولة في العالم، ويأتي تقييم المؤشر لجودة التعليم وترتيب الدول استنادًا إلى مؤشر التنافسية المعتمد عالميًا. ويوجد في العراق اليوم ما لا يقل عن (6) ملايين أُميّ، وفق الجهاز التنفيذي لمحو الأميّة، بعد أن أعلن العراق القضاء على الأُميَّة عام 1984، حيث كانت تداعيات الاحتلال الأمريكي - البريطاني وراء التراجع الكبير الذي شهدته البلاد؛ وانعكاسات ذلك على الواقع بمجالاته المختلفة، وقد وصل الأمر في ظل حكومات الاحتلال إلى أن يصل الأمر أن تكون شريحة كبيرة من أبناء العراق هم من الأُميين. وقالت منظمة اليونسكو -التي تقوم بجملة مشاريع لمحو الأُمية وتمكين الأفراد في قطاعي التعليم النظامي أو غير النظامي-: إن المؤشرات الأولية تدل بوضوح إلى أن العراق يواجه حالة من تزايد أعداد الأطفال المتسربين من المدارس والأميين من الكبار، وخصوصًا في المحافظات الجنوبية والمناطق الريفية من البلاد، وفي صفوف الشباب والبالغين، والنساء، والمجموعات المهمشة اجتماعيًا. وكان مجلس النواب الحكومي قد شرع في 2010 قانونًا لمحو الأُمية، شُكلت على إثره هيئة لتنفيذ الحملة وجرى تحديد التخصيص الكفيل بإنجاح الحملة الذي حددته الهيئة بنحو (200) مليار دينار عراقي سنويًا، لكن الموضوع اصطدم بواقع الفساد المستشري في البلاد ولم يصرف سوى أقل من (30 %) من ذلك التخصيص للعام 2011، واستمر التعثر في توفير المستحقات المالية حتى توقفت؛ الأمر الذي تسبب بفشل برنامج محو الأمية في العراق. الوضع الصحي والبيئي أزمة شح المياه في جنوب العراق تهدد بنزوح سكان مئات القرى والبلدات، وتكبد خسائر مادية كبيرة في قطاعات مهمة أبرزها: الزراعة والصناعة والثروة السمكية والحيوانية، كما ستتعطل محطات لتوليد الطاقة الكهربائية، فضلًا عن توقف مياه الشرب الواصلة للمنازل يواجه العراق التحدي المائي الأكبر بسبب انخفاض منسوب مياه الأنهار، بالتزامن مع ارتفاع معدلات التبخر، في الوقت الذي تشهد فيه البلاد شحًا في مستويات المياه العذبة، وهو ما قوّض التوازن الذي كان قائمًا بين المياه العذبة ومياه البحر في منطقة شمال الخليج، ما أدى إلى زحف المياه المالحة شيئًا فشيئًا نحو الداخل وغزوها لمجاري الأنهار؛ الأمر الذي سيكون له آثار مدمّرة على الصعيدين الزراعي والبيئي. وبدأت أزمة شح المياه التي تشهدها البلاد تدق ناقوس الخطر من الجفاف، في ظل عدم وجود أي مؤشرات إيجابية أو إجراءات حكومية لدرء هذا الخطر الداهم والوقاية منه. ووفقًا لمعدلات الانخفاض المتواصل والمؤشرات الحالية لمخزون المياه في العراق، فإن تفاقم هذه الأزمة قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات نقص الغذاء، والنزوح العكسي من الريف إلى المدينة، وازدياد ظاهرة الفقر الذي وصل إلى نسب مخيفة، نظرًا لتداعيات التغير المناخي واحتكار المياه السطحية من قبل دول المصدر وهي سوريا وتركيا وإيران. ومع دخول موسم الصيف؛ تزداد مخاوف العراقيين من حدوث كارثة إنسانية وبيئية بسبب انخفاض منسوب مياه نهر دجلة إلى حد الجفاف، مع الحديث عن بدء سد (أليسو) التركي العمل في منتصف العام الجاري؛ ما يُدخل العراق في حالة من الجفاف غير المسبوقة، حيث يُعد سد (أليسو) ـ الذي بدأت تركيا ببنائه في آب عام 2006 ـ من أكبر السدود المقامة على نهر دجلة، ويستطيع هذا السد الذي تبلغ مساحة بحيرته نحو (300) كيلومتر مربع، تخزين كمية من المياه تقدر بأكثر من (11) مليار متر مكعب. وفي هذا الصدد، توقعت وزارة الزراعة الحالية أن تُلحق شحة الأمطار -التي لم يشهدها العراق مثيلًا لها منذ (70) عامًا- خسائر فادحة بالقطاع الزراعي في حال استمرار أزمة المياه وعدم إيجاد حلول ناجعة لها، فيما أكد عدد من أعضاء مجلس النواب الحالي أن العراق سيخسر 40% من أراضيه الزراعية في فترة قصيرة جدًا، نتيجة الانخفاض الكبير لمناسيب المياه وخاصة في نهر دجلة([29]). وكشف مسؤول حالي أن الحكومة تسعى لوضع معالجات وقتية للأزمة تتمثل في: استحداث برنامج تقنين استخدام المياه وإعادة النظر بتوزيع الحصص للمناطق الزراعية ومعالجة التجاوزات الحاصلة من قبل المصانع والورش وغيرها، لتتم في مرحلة متقدمة مراجعة خزين العراق من المياه الجوفية ومحاولة استخدام بعض الآبار للشرب في بعض المدن في حال وصلت البلاد إلى الجفاف.([30]) العراق استخدم أكثر من 50% من احتياطي المياه في البحيرات والمخزون المائي في السدود وكان وزير الموارد المائية الحالي (حسن الجنابي)، قد قال في تصريح لمحطة تلفزيون محلية: ((من المتوقع أن يشهد الصيف المقبل جفافاً قاسياً نتيجة الحرارة الشديدة المتوقعة وارتفاع نسبة التبخر وكل المؤشرات تدل على ذلك. وأضاف الجنابي: سيلحق الضرر بشكل كبير بالمناطق الريفية والأهوار، وستتضرر الزراعة في هذه المناطق ولن يتمكن السكان من الحصول على مياه الشرب))([31]). وقال (أيهم المعموري)، المهندس في وزارة الزراعة: إن العراق يتعرض لأخطر أزمة في تاريخه منذ آلاف السنين؛ وهي أزمة المياه التي ستصحر مساحات هائلة من الأراضي الزراعية، وعلى الحكومة في العراق عدم تجاهل الموضوع، وعليها أن تتحرك بشكل عاجل لحل هذه الأزمة الخطيرة.([32]) وحذر مراقبون من توقف كافة المشاريع الاستثمارية المتعلقة بتوليد الطاقة -المتعثرة أصلًا- في البلاد نتيجة شح المياه. وتوقع (محمد العمري) مستشار مركز التخطيط الحضري والريفي، أن تبلغ خسائر العراق في مجمل القطاعات المتضررة من الجفاف خلال العام الأول بأكثر من 10 مليارات دولار. وقال العمري إن الخسائر لن تقتصر على الماديات فقط؛ بل ستكون لها آثار وخيمة على المجتمع والتغيير الديمغرافي الذي سيطرأ في مدن الجفاف([33]). وقال متخصصون إن مدنًا عراقية كثيرة ستتعرض لكارثة الجفاف المتوقعة، في مقدمتها العاصمة بغداد، إلى جانب مدن الناصرية وميسان والنجف وكربلاء والمثنى وصولاً إلى البصرة أقصى جنوب البلاد([34]). استمرار تردي القطاع الصحي ونقص الكوادر الطبية لا يخفى على أحد إن النظام الصــحي في العــراق في حالة احتضار؛ فإلى جانب تداعيات انعدام الأمن والفساد المالي والإداري والفساد السياسي على هذا القطاع المهم، التي سنأتي على ذكرها، هناك عوامل أخرى تؤثر على الواقع الفعلي للوضع الصحي في العراق اليوم، التي تعكس الجانب الآخر من حقائق التدهور المستمر في مجمل نشاطات هذا القطاع؛ فمع الزيادة السكانية يبقى عدد المستشفيات أقل من الاحتياج، فضلًا عن قلة المستشفيات التخصصية، التي تتمركز في العاصمة بغداد، والتي لا تستوعب أعداد المرضى المحتاجين لخدماتها، ناهيك عن أن أغلب المستشفيات الشغالة مستهلكة ولم يجر تحديثها؛ الأمر الذي قلل من كفاءتها. ولم يتم إنشاء مستشفيات ذات صفات نوعية متطورة سواء بالبناء أو الأجهزة والمعدات بما يتناسب مع ما يجري في العالم المتقدم. وتظل المستشفيات العراقية تشهد الاختناقات الشديدة، حيث انخفضت الكفالة الصحية إلى سرير واحد لكل ألف مواطن عراقي، وتعاني المباني والمنشآت غياب حملات الإعمار والإدامة والتطوير بسبب الفساد والعبث بالمال العام، إلى جانب محدودية توفر الأجهزة الطبية التشخيصية؛ مما يجعل المرضى ينتظرون دورهم بالفحص والتشخيص أشهر عديدة، وربما تطول مدة الانتظار لأكثر من عام، ناهيك عن أن الغالبية العظمى من المستشفيات تفتقر إلى الحد الأدنى من النظافة، بسبب قلة المتابعة والنقص الحاصل في الكادر الخدمي، وهذا يضيف عبئًا أساسيًا آخر على واقع هذه المرافق الصحية ويزيد تدهوره. وتتمثل أبرز مشاكل القطاع الصحي العراقي اليوم في هجرة الكفاءات الطبية الكبيرة المتميزة في مجال الصحة نتيجة للفوضى التي شهدها العراق بعد الاحتلال، إذ لم تكتفِ الجهات المعتدية بتهجير الأطباء فحسب؛ بل راحت تستهدفهم جسدياً وتبتزهم معنوياً ومادياً، وقد أدى غياب الأمن وفوضى السلاح في العراق ما بعد الغزو الأمريكي إلى مقتل ما لا يقل عن 3000 طبيب عراقي منذ عام 2003، وفق دراسات ميدانية نشرتها مجلة (لانست) الطبية؛ الأمر الذي أدى إلى إبعاد الكفاءات التي تتميز بمهنية كبيرة، وعقول مستنيرة لها خبرة كبيرة في هذا المجال، وسيضطر المزيد من الأطباء إلى مغادرة البلاد وستستمر صحة السكان في التدهور؛ لأن الحكومة في العراق لم تتخذ إجراءات حازمة وفورية لحماية ما تبقى من القوى العاملة في مجال الرعاية الصحية من الإذلال والعنف. هذا من جانــب ومن جانب آخر؛ فقد باشرت المستشفيات الحكومية العراقية بتحصيل رسوم للخدمات الصحية -المتردية أصلًا- من المرضى لأول مرة بعد نحو أربعة عقود من مجانية الرعاية الصحية التي تكفلت الدولة بتأمينها للمواطنين كافة.([35]) يشهد العراق زيادة ملحوظة في عدد حالات الكوليرا، بسبب سوء الصرف الصحي ومياه الشرب غير النظيفة وشبكة الكهرباء المتدهورة في البلاد ويشعر السكان في العراق بالإحباط الشديد بسبب انهيار البنية التحتية وانعدام الخدمات، وانقطاع الكهرباء، وشح المياه، وتهالك شبكة الصرف الصحي، ما يؤدي إلى كوارث صحية مثل تفشي الأمراض المعدية والسارية؛ ففي العراق اليوم هناك أكثر من 39 مرضًا ووباءً منتشر في مناطق مختلفة من البلاد، ولاسيما المخيمات المهملة والسجون المظلمة، فهناك الكوليرا وشلل الأطفال والتهاب الكبد الفايروسي ومرض السل وغيرها. وهذه الأمراض والأوبئة هي تحد حقيقي يهدد حياة العراقيين وتشكل كيفية انتشارها مخاطر جمة يجب تجنبها. وأفاد مسؤولون عراقيون بوجود أكثر من مائة حالة من حالات الكوليرا في العاصمة بغداد، بالقرب من منطقة (أبو غريب)، وفي محافظة النجف، بسبب رداءة نوعية إمدادات المياه المحلية([36]). وقال المحلل في شؤون الشرق الأوسط (جيمس دينسلو) من مركز السياسة الخارجية في لندن لوكالة "صوت أمريكا": إن تفشي وباء الكوليرا هو إخفاق آخر ينضم إلى سلسلة إخفاقات السياسة الخارجية الأمريكية في دول مثل سوريا والعراق. فوضى الأدوية آلة أخرى لقتل العراقيين رغم أن أزمة الفساد في تجارة الأدوية بالعراق يصل عمرها إلى 15 عامًا، إلا أن خلافات الأطراف السياسية بدأت تكشف عن جبل الفساد والجرائم المرتكبة في هذا القطاع الحيوي وخاصة فيما يتعلق بتجارة الأدوية الفاسدة والمزورة لا يخفي مسؤولون حكوميون وبرلمانيون حاليون وجود فوضى شديدة في القطاع الدوائي، ففي تصريحات صحافية سابقة، أعلن رئيس لجنة النزاهة النيابية (طلال الزوبعي) أن لجنته أوقفت شحنة كبيرة من الأدوية الفاسدة تتضمن أدوية أطفال غير صالحة للاستخدام. وأشار الزوبعي إلى أن وزارة الصحة تتعاقد مع شركات تزودها بأدوية غير مطابقة لشروط جهاز السيطرة النوعية، ولم تطابق الحالات العلاجية للمرضى الأطفال. واعتبر عضو لجنة النزاهة البرلمانية النائب (عادل نوري) أن الموانئ العراقية هي منبع للفساد المالي والإداري وإدخال البضائع منتهية الصلاحية. وقال نوري إنه لا يمكن استمرار الوضع على ما هو عليه وإدخال البضائع الفاسدة إلى العراق، هذه السياسة تعد سببًا آخر لإبادة الشعب العراقي. وكشف نوري أن اللجنة بصدد التحقيق في وجود شحنة أدوية فاسدة، موجودة في ميناء أم قصر جنوب البلاد، لافتًا إلى أن اللجنة تتابع عن كثب هذه الشحنة وتجمع الأوراق والأدلة للمباشرة بفتح التحقيق. إن الأدوية الفاسـدة التي تسللت إلى داخل المؤســســات الطبية، تشــكل خطرًا صحيًا كبيرًا. (إذا لم تَمُتْ بالانفجارات والعبوات الناسفة، فإنك ستموت بالأدوية والحقن القاتلة)، هذه الكلمات قالها سالم العبيدي، الذي توفي ابنه إثر حقنه بحقنة منتهية الصلاحية في أحد مستشفيات العاصمة العراقية بغداد، معبراً عن الحال الذي وصل إليه الطب في بلاده. ناهيك عن التــستر على علاقــة الزيادة الهائلة بحــالات الأورام والتشــوهات والإسقاطــات والعــقم ذات العلاقة بقــضية استخدام أســلحة الدمار المحظورة في مختلف مناطق العراق، والمــعادن الثــقيلة والتلــوث البــيئي والمــثبتة بدراســات محلية وعالمــية([37]). بينما تلعب السياسة الدوائية الفاشلة دورًا رئيسًا في فقدان السيطرة وغياب التفتيش على الطب والغذاء وتدهور صناعة الأدوية؛ فإن المأزق الرئيس هو تحويل العمل المهني الطبي إلى معايير الانتماء الطائفي والمحاصصة، وسلوك سياساتها البائسة في استبعاد وتهميش الأطباء الأكفاء والاعتماد على كوادر غير مهنية، وهذا ما يتم اعتماده من قبل السلطة المتحكمة بالعراق اليوم؛ الأمر الذي له تأثير سلبي على واقع قطاع الصحة، وواقع المؤسسات الطبية التي يُعتمد عليها لتوفير ما يحتاجه المريض العراقي من أدوية ورعاية صحية. لا عدالة لأطفال الفلوجة منذ العام 2003، بدأت التشوهات الخلقية بالظهور في الولادات بمدينة الفلوجة، واستمرت بالازدياد لتصل إلى أن وصلت نحو 19٪ من جميع المواليد الجدد في المدينة، لتشمل عيوب القلب الخلقية وهي أعلى نسبة، تليها عيوب الأنبوب العصبي والأطراف وغيرها. ووردت تقارير عن عيوب خلقية مماثلة لدى سكان العراق الآخرين القاطنين في مناطق تعرضت لملوثات الحرب. إن تصاعد معدلات التشوهات الخلقية للمواليد الجدد في مدينة الفلوجة خصوصاً، وفي مدن عراقية أخرى غرب وشمال البلاد وجنوبها؛ جريمة يقف خلفها عامل مشترك واحد هو القصف الأميركي بواسطة الفسفور الأبيض أو النابالم. وسجل العراق أعلى معدل التشوه الخلقي في العالم خلال العقد الماضي، وهي الأعلى بين الدول التي تعرضت للقصف بالأسلحة القذرة خلال الحرب العالمية الثانية. وسجلت الفلوجة وضواحيها النسبة الأعلى بالعراق تليها الرمادي وتلعفر والخالدية ثم بغداد في التشوهات الخلقية، في حين أن تأثير تلك الأسلحة على محافظة البصرة ظهر بارتفاع معدلات السرطان التي غلبت نسب التشوهات لدى حديثي الولادة في المحافظة([38]). وقال مسؤولون في الحكومة الحالية ببغداد: إن التشوهات الخلقية للمواليد الجدد في العراق بازدياد، وهناك ما يسمى بالفوبيا لدى المتزوجين الجدد من الإنجاب بسبب ذلك، مضيفًا أن بعض التشوهات مخيف، مثل الولادة بعين واحدة أو بنصف رأس أو بلا جزء أسفل من الجسم أو بجلد ضفدع أو بلا فم وأذنين. ولفت أحد المسؤولين إلى أن ملوثات الحرب ما زالت عالقة في أنقاض المباني المدمرة والمصانع وهياكل السيارات، وتحتاج إلى مبالغ ضخمة وخبرات وتقنية عالية للتخلص منها. وذكرت اختصاصية الأطفال، وعضوة لجنة متابعة التشوهات الخلقية في مدينة الفلوجة، الدكتورة سميرة العاني، أن أغلب الإحصائيات المتوفرة تعود للسنوات السابقة نظرًا لعدم تمكن الفرق الطبية من إجراء مسح جديد نتيجة ظروف البلاد، لافتة إلى أن الدراسة التي أعدت عام 2011 تشير إلى أن مقابل كل ألف مولود جديد هناك نحو 187 يولدون بتشوهات خلقية، وقالت العاني إنها سجلت بنفسها خلال أقل من عامين 699 حالة من حالات العيوب الخلقية، منها ولادات بشفاه أرنبية، ورؤوس بيضاوية وعين واحدة في منتصف الوجه، وأطراف متضخمة أو منكمشة وآذان وأنوف وأعمدة فقرية مشوهة، وحالات خلل في العظام والقفص الصدري، وإن أغلب تؤدي إلى الوفاة بعد فترة وجيزة من الولادة أو يتم الإجهاض([39]). المواطنة نورية عيسى، من سكان مدينة الفلوجة، أكدت أنها أنجبت مولودها الأول بعد متاعب صحية كثيرة خلال الحمل. وتبين بعد الولادة أنه مشوه، وتوفي بعد أقل من شهر واحد. وقالت: إن مولودها كان يعاني من تشوه في الفك إضافة إلى أمراض في القلب وقصر في الذراعين، وانتفاخات في الوجه. ولفتت عيسى إلى أنها شاهدت عددًا من الولادات في مدينة الفلوجة أثناء تواجدها في مستشفى الفلوجة. أطفال يولدون مشوهين، ولا تتوفر علاجات للكثير من الحالات. ونشر حساب التشوهات الخلقية في مستشفى الفلوجة، على موقع "تويتر"، مئات الحالات خلال الأعوام الـ14 الماضية، منها تشوهات لم يُعرف مثلها من قبل. ويذكر أن كمية اليورانيوم الذي استخدم في العراق بلغت نحو 350 طناً، فضلًا عن القنابل التي تحتوي على الإشعاع النووي والتي انتشرت بشكل واسع في البلاد.([40]) وبيّنت إحصائيات رسمية لوزارة البيئة في العراق وجود 300 موقع ملوث في البلاد يحتاج إلى مليارات من الدولارات وعشرات السنين لمكافحته، إضافة إلى 63 موقعًا عسكريًا ملوثًا نتيجة العمليات العسكرية، فضلًا عن انتشار الملوثات الإشعاعية والعجلات الملوثة في عدة مدن بالبلاد. وسعت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى طمس الحقائق والأدلة التي تؤكد استخدام أسلحة اليورانيوم المنضب من قبل الجيش الأميركي والقوات العسكرية المتحالفة معه في حربي الفلوجة الأولى والثانية، وأثناء العدوان على مدينة الفلوجة عام 2004 خاصة؛ حيث يقدر الخبراء أن اليورانيوم المنضب الذي استعمل في العراق يساوي في ذريته ما يعادل 250 قنبلة ذرية، وأنه أُطلقت على العراق خلال حربي الخليج الأولى والثانية كمية هائلة من ذخائر اليورانيوم خلفت أكثر من 2200 طن متري من اليورانيوم المنضب.([41]) البصرة مدينة منكوبة بيئياً وصحياً تنتج حقول النفط في محافظة البصرة ما يقارب 3.5 مليون برميل يوميًا، أي نحو 70٪ من الإنتاج الوطني العراقي تقع مدينة البصرة في الركن الجنوبي الشرقي من العراق، حيث يعيش فيها نحو مليوني شخص، مع بنية تحتية واقتصاد ترتبط ارتباطًا وثيقًا بصناعة الطاقة. ويعاني أهالي مناطق شمالي البصرة، مثل: (منطقة نهران عمر وأم مسجد والزويني والجراحي)، من تلوث بيئي نتيجة عمليات استخراج النفط البدائية وغير القانونية، فضلًا عن عمليات سرقة النفط وإحراق الغاز، مما سبب مشاكل صحية خطيرة للمواطنين، تمثلت بازدياد ملحوظ في حالات الأمراض السرطانية وكثرة التشوهات الخلقية لحديثي الولادة، وقد حذر ناشطون من "كارثة بيئية وإنسانية" تحيط بمناطق شمال البصرة، وذلك نتيجة عمليات استخراج النفط وحرق الغاز، داعين إلى إيجاد حلول مناسبة تنقذ الأهالي من المخاطر المحدقة بهم، حيث تشير الإحصاءات إلى أن نسبة التلوث تجاوزت الحد المسموح به من التلوث الناجم عن الصناعات النفطية، مما يستدعي التدخل السريع لإنقاذ الوضع الإنساني([42]). مصادر حقوقية: حمايات المسؤولين الحكوميين في العراق -وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الحالي- يعتدون على الصحفيين، ويحتجزونهم، ويهددونهم بالاعتقال وتحطيم كاميراتهم ومعدّاتهم ما يزال العراق في ظل حكومات الاحتلال أكثر بلدان العالم خطورة بالنسبة للصحفيين، حيث تم اختطاف أعداد كبيرة من العاملين في المجال الإعلامي، وقتل كثيرين واعتقال آخرون، وقد أدى الفراغ السياسي في البلاد في أعقاب دخول القوات الأمريكية الغازية، وانتشار الفوضى العارمة، وظهور الميليشيات الطائفية، في ازدياد الانتهاكات التي تعرض وما زال يتعرض إليها الصحفيون في العراق، والتي لم تنجح أي جهة في إيقافها ولا تحجيم أخطارها المستمرة، تماهيًا مع الاستراتيجية الأميركية الكبرى، التي خططت لها إدارة الرئيس (جورج دبليو بوش) ورسمت تفاصيلها بدقة، لتقوم آلة الإعلام الأميركية، التي تعمل بطريقة مخاطبة الآخر بما تراه مناسبًا وفق المخططات المقرة من قبل الجهات التي تتبعها. وتشير الأرقام المتداولة إلى أن الحرب على العراق كانت الأكثر خطورة وقتلًا بالنسبة للصحفيين منذ حرب فيتنام، التي قُتل فيها 63 صحفيًا على مدى عشرين عامًا، إذ لا تزال آلة القتل تطال الصحفيين والإعلاميين في العراق ضمن موجة التقتيل الأكبر التي تطال المدنيين العراقيين دونما أدنى التزام بالمواثيق الدولية أو الشرائع السماوية ودون اعتبار لحقوق رئيسة من حقوق الإنسان، وهي: الحق في الحياة، والحق في الحرية والتنقل والعمل، والحق في الاتصال والإعلام ونقل الحقائق وإيصال المعلومات إلى الرأي العام. وبذلك؛ فإنه لا تزال صورة الحقيقة في العراق تتعرض للتغييب والتحجيم والحجب. وفي الوقت الذي يشكل فيه الصحفيون هدفًا سهلًا للعنف الطائفي والنزاعات المسلحة فإنهم يظلون المصدر الرئيس والمساهم الفاعل في مصادر المعلومات وتفعيل حق الفرد في الحصول على الحقائق والإحاطة بالمعلومات (حق الحصول على المعلومات والوصول إليها) ومن ثم فإن استهدافهم يشكل حجبًا لهذا الحق المكفول قانونًا. وقد عد (الاتحاد الدولي للصحفيين) في تقريره لعام 2017، العراق البلد الأكثر دموية في العالم بالنسبة للصحفيين؛ بسبب مقتل أكثر من (325) صحفيًا فيه، فضلًا عن عشرات العاملين في مجال الإعلام، خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية. فيما تتواصل إجراءات السلطات للحد من حرية الصحافة في البلاد. دمار هائل، ممنوع دخول الصحفيين!! نسبة الدمار في الجانب الغربي لمدينة الموصل أكثر من 85 %، حيث دُمِّرت عشرات آلاف المنازل فضلًا عن آلاف المحال التجارية والمستشفيات والمدارس لا يخفى على أحد أن الحكومة في بغداد وحلفاءها اعتمدوا طريقة الأرض المحروقة والاستخدام المفرط للقوة لاستعادة المناطق الواسعة التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة (داعش)؛ الأمر الذي تسبب بسقوط عشرات آلاف المدنيين قتلى وجرحى فضلًا عن الذين قضوا قصفًا تحت أنقاض منازلهم في الأحياء السكنية الآهلة ولاسيما في الجانب الغربي لمدينة الموصل، وبالتالي في سبيل إخفاء معالم الجريمة والتعتيم قدر الممكن من قبل الحكومة على فظائع قواتها، تقوم القوات الحكومية بمنع دخول الصحفيين إلى معظم المناطق المستعادة حيث تم إبعادهم عند مداخل تلك المناطق من خلال عدم السماح لهم بعبور نقاط التفتيش الحكومية بعد التأكد من هوياتهم من قبل القائمين على تلك النقاط. وينسحب هذا الإجراء على جميع الحواجز التي تقيمها القوات الحكومية قرب المناطق التي يتم استعادتها بدعوى أن المناطق لا تزال غير آمنة وأن هناك بعض الجيوب المسلحة أو المتفجرات غير المنفلقة، على الرغم من إعلان الحكومة استعادة المناطق المعنية بالكامل والسيطرة التامة على كافة الأحياء السكنية التابعة لها. وأكد نشطاء حقوقيون أن القوات الحكومية تمنع دخول الصحفيين إلى المناطق المستعادة كي تخفي دلائل الجرائم التي ترتكبها بحق المدنيين هناك. وبما يدل على أن الحكومة لا تريد توثيق جرائم الحرب التي تتم ضد المدنيين، ولاسيما أن هناك تقارير كثيرة تحدثت عن الانتهاكات والجرائم التي وقعت ضد أهالي المدن المستعادة، وخاصة مدينة الموصل القديمة، علمًا أن جميع الفرق الإعلامية التي استطاعت الاقتراب من المدينة ومنعت من الدخول إليها؛ أكدت أنها شاهدت من بعيد دمارًا هائلًا في المناطق التي حاولت الدخول إليها ولكن حالت القوات الحكومية بينها وبين دخولها والوقوف على ما حل بها. اعتقالات للمدنيين والصحفيين بالجملة ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها نشر في 15 نيسان 2018: يبدو أن كثيرًا من الاعتقالات تعسفية لأنها تتم بسبب ممارسة أشخاص لحقهم في حرية التجمع السلمي، أو بسبب تجاهل حقهم بموجب القانون العراقي في المثول أمام قاض في غضون 24 ساعة. ونقلت المنظمة عن شهود عيان قولهم إن قوات الأمن ضربت عشرات الأشخاص أثناء محاولة احتجازهم خلال المظاهرات في مدن عقرة ودهوك وأربيل، مؤكدة أنها تلقت تقارير عن اعتقالات في مدن أخرى، منها قلعة ديزة وسوران وزاخو. وأضافت المنظمة أن "السلطات الأمنية استخدمت القوة غير القانونية والتهديدات لإجبار بعض المتظاهرين والصحفيين على فتح هواتفهم وتقديم كلمات العبور الخاصة بحساباتهم في "فيسبوك"، واحتجاز المعتقلين لمدة يومين من دون تهم، باستثناء واحد. وتابعت المنظمة أن بعض المعتقلين اضطر إلى التوقيع على تعهد بعدم حضور (الاحتجاجات غير القانونية)، فيما قال أحد الصحفيين إن قوات الأمن أخبرته أنه لم يعد مسموحًا له بتصوير الاحتجاجات إلا أنه رفض التوقيع على التزام بعدم القيام بذلك. من جهتها قالت نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش (لمى فقيه)، "يبدو أن التكتيكات العنيفة التي استخدمتها قوات حكومة كردستان للرد على الاحتجاجات السلمية تهدف إلى إسكات الانتقادات، رغم الادعاء الرسمي باحترام حرية التعبير والتجمع". وأضافت أن "محاولة السلطات إجبار الناس على التخلي عن حقوقهم الأساسية في الاحتجاج هو دليل على القمع". ويذكر أنه في 25 مارس/آذار 2018، بدأ موظفو الخدمة المدنية، ومعظمهم من المدرسين وكوادر الرعاية الصحية، بالاحتجاج في جميع أنحاء كردستان العراق بسبب عدم دفع أجورهم، دفعت حكومة المنطقة لموظفي الخدمة المدنية رواتب شهرية مخفضة كل بضعة أشهر لمدة 3 سنوات، بسبب إجراءات التقشف. استمرار الاعتداءات على الصحفيين وأعلنت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق في 6 كانون الثاني/يناير الماضي، أن حماية رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي قامت باحتجاز مجموعة من الإعلاميين ومنعتهم من دخول مؤتمر حضره الأخير في محافظة النجف، جنوب العراق. وذكر بيان للجمعية أن قوة من حماية العبادي احتجزت عددًا من الكوادر الإعلامية أثناء تغطية زيارته إلى النجف، بعد الاعتداء عليهم ومنعهم من دخول المؤتمر الصحفي وإلحاق أضرار بمعداتهم وكاميراتهم وتهديدهم بالاعتقال. وطالبت العبادي بفتح تحقيق مباشر وفوري مع عناصر حمايته الذين قاموا بالاعتداء كون الأمر مخالفة دستورية؛ حيث يناط برئيس الوزراء تطبيق الدستور والقوانين العراقية. وقد أعلن مكتب رئيس الوزراء، بعد أيام من وقوع الحادثة، فتح تحقيق مع حماية رئيس الحكومة بشأن هذه الاعتداءات، بيد أنه لم تعلن الحكومة نتائج ذلك التحقيق حتى اليوم. التغيير الديموغرافي ميليشيا الحشد الشعبي طردت أهالي (جرف الصخر) من ديارهم ولا تزال ترفض عودتهم إليها، ومجلس محافظة بابل يدعو إلى مقاضاة المطالبين بتمكين نازحي جرف الصخر من العودة إلى منطقتهم التي هُجّروا منها منذ العام 2014 خلف الغزو الأميركي للعراق عام 2003 تغييرات ديموغرافية كبيرة أثرت في التركيبة السكانية لعدد من المدن العراقية، ولاسيما تلك التي تقطنها أقليات عرقية ومذهبية مختلفة. وكان للعملية السياسية المبنية على المحاصصة الطائفية والعرقية، التي فرضها المحتل الأمريكي ورعاها المحتل الإيراني؛ الدور الرئيس في إحداث الفوضى والعنف الطائفي الذي ضلعت فيه القوات الحكومية، التي تشكلت إبان الاحتلال بعدما دُمجت الميليشيات المدعومة من طهران فيها، إلى جانب قوات الأحزاب الكردية؛ الأمر الذي يهدد استقرار العراق على المدى الطويل؛ جرّاء استمرار حالة التشظي والانقسامات السياسية، التي فتحت الباب للمتشددين الإيرانيين للتأثير على الأوضاع، وجعلت طهران تدفع بالأحزاب والميليشيات الموالية لها لتشكيل حكومة طائفية تحقق مصالحها التي تقتضي ضمن جملة ما تقتضيه؛ إحداث تغييرات في التركيبة السكانية لمناطق كثيرة من البلاد، ولاسيما مناطق حزام العاصمة بغداد ومناطق محافظات التأميم وصلاح الدين وديالى، لتأمين الممر البري الذي من شأنه تسهيل حركة المقاتلين المدعومين من طهران، بين إيران والعراق وسوريا ولبنان، فضلًا عن تدفق الأسلحة إلى دمشق وميليشيا حزب الله اللبناني. وكان القصف العنيف والاستخدام غير المبرر للقوة المفرطة، إلى جانب استخدام الأسلحة المحرمة دوليًا، -بحجة محاربة الإرهاب- خلال العمليات العسكرية الحكومية المدعومة من قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية؛ وراء إجبار نحو 6 ملايين عراقي على النزوح الجماعي عن ديارهم الموزعة على المحافظات ذات الأغلبية العربية السنية خلال السنوات الأربع الماضية، عاد حوالي النصف إلى مناطقهم المدمرة بفعل الحرب، ولا يزال هناك ما لا يقل عن 2.8 مليون شخص نازح، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة. وفي مناطق حزام العاصمة بغداد ومحيطها؛ استولت الميليشيات المدعومة إيرانياً على مساحات واسعة من الأراضي، وتقوم بمنع العائلات النازحة –بطريقة أو أخرى- من العودة إلى مناطق استراتيجية بين بغداد والحدود الإيرانية، والمناطق الواقعة بين سامراء ووادي حوران مرورًا بمحافظة الأنبار وامتدادًا باتجاه الحدود السورية، ومناطق أخرى تعتبرها طهران مناطق حيوية. ومع استمرار العنف في العراق، تتسارع وبشكل مخيف عمليات التغيير الديموغرافي في البلاد المعروفة بتنوعها الديني والقومي والثقافي، التي تُنفذ من قبل قادة الميليشيات وأصحاب القرار والأحزاب السياسية المتنفذة. ويأتي التحذير من هذه العمليات بعدما أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً اتهمت فيه القوات الحكومية والميليشيات المساندة لها، بتنفيذ عمليات تطهير في عدد من مناطق البلاد بدوافع طائفية وعرقية متعددة. عشرات المدن والبلدات ممنوع على أهلها العودة إليها ما زال سكان العديد من المناطق المستعادة في العراق، بعضها منذ أكثر من أربعة أعوام، مهجّرين بسبب رفض مليشيات الحشد الشعبي الطائفية الموالية للحكومة في بغداد، أو وضع شروطٍ مستحيلة التحقق أمام عودة أهلها إليها، مع تهديدات بتصفيات تحت يافطة الثأر. واتهمت جهات سياسية ميليشيا الحشد بمنع سكان هذه المناطق من العودة بهدف إجراء تغيير ديمغرافي عليها، واستبدال سكانها الأصليين بآخرين، إلا أن الجهات الحكومية تذرّعت بأن تلك المناطق لا تصلح لعودة أهلها بسبب مخلفات الحرب مع (تنظيم الدولة) من ألغام وعبوات ناسفة، وفي بعض الأحيان تحدثت عما سمّته أمراضًا معدية فيها، فيما وضعت بعض العشائر شروطاً وفرضت غرامات مالية تصل إلى خمسة ملايين دولار، يدفعها الراغبون بالعودة، في صورة توضح ضعف الحكومة في بغداد وانعدام تطبيق القانون. وفقاً لتقارير محلية وبرلمانية، فإن ما لا يقل عن 20 مدينة ونحو 300 بلدة وقرية عراقية شمال وغرب ووسط وشرق البلاد، تعرضت لعمليات تغيير كبيرة في بيئتها السكانية، من قبل فصائل مسلحة موالية لإيران وتابعة لجهات سياسية متنفذة في البلاد، نجحت إلى حد كبير في إحداث عمليات تغيير ديموغرافية عليها، رافقتها جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان وارتكاب فظائع، انتقامًا من سكان تلك المدن والقرى وتنفيذًا لمخططات خارجية. ومن هذه المناطق: وكثيرًا ما تتخذ السلطات الحكومية من مسألة التدقيق الأمني لمنع تسرّب عناصر (تنظيم الدولة) إلى المدن والقرى والبلدات ضمن النازحين العائدين ذريعة لتعطيل عودة الأهالي. لكنّ هذه الذريعة سقطت مع طول المدّة التي انقضت منذ تمّت استعادة تلك المناطق، وتتهم جهات مشاركة بالحكومة رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي الذي عرض عليه موضوع عودة النازحين إلى ديارهم مرات عدة، بعدم تعامله مع هذا الموضوع بجدية، وعدم اتخاذه قرارًا حاسمًا بشأنه، يفضي إلى إنهاء معاناة الآلاف من عائلات النازحين العراقيين، الذين انتهى التدقيق الأمني الذي أجري لهم قبل أكثر من ثلاثة أعوام إلى عدم وجود أي صلة لهم بالتنظيم، والذين طالما قدموا للسلطات المعنية طلبات إعادة إلى مناطقهم؛ ولكن مطالب تلك العائلات تهمل باستمرار. ويؤشر هنا أن مطالبة النواب (السنة) بإعادة النازحين إلى المناطق المستعادة من تنظيم الدولة، تأتي خافتة دائمًا؛ لأنه لا أحد منهم يريد توترًا مع فصيل مسلح محسوب على إيران، بحسب مراقبين. المئات من شبان محافظة البصرة يتظاهرون احتجاجًا على ظاهرة التهجير الطائفي، ويطالبون الحكومة بالتدخل لوقف القتل على الهوية -2014 وتُعد مناطق: ديالى والتأميم وصلاح الدين وبغداد، أبرز المناطق العراقية التي شهدت عمليات التغيير الديموغرافي، التي تنّوعت أساليب تنفيذها من مكان لآخر. تقول النائبة لقاء مهدي وردي: منذ عام 2011 عند تسلمي منصب رئيسة لجنة المهجرين في البرلمان، لاحظت عمليات التغيير الديموغرافي التي تحدث في البلاد، ووثّقنا ذلك بالأدلة التي ما زلنا نملكها، فهناك مدن كاملة مُسخَت وجرى تغيير اسمها، كما في جرف الصخر في بابل، التي غُيّر اسمها إلى (جرف النصر(. وتعاني عدة محافظات عراقية منها ديالى من سيطرة الميليشيات الموالية لإيران عليها، التي تستولي على أغلب مناطق المحافظة، وتعمل وفقًا لمخططات خاصة تقوم على سياسة التغيير الديموغرافي، في ظل الفوضى التي يعيشها البلد؛ حيث لا سلطة لأحد على تلك الميليشيات، التي أصبحت بفعل تغول النفوذ الإيراني في البلاد فوق السلطة والقانون. ويقول (رعد الدهلكي) وهو أحد ممثلي محافظة ديالى في مجلس النواب السابق: نحن كنواب عن ديالى، أوضحنا تفرد الميليشيات بالسلطة مراراً وتكراراً للحكومة ولرئيسها حيدر العبادي، لكننا لم نلمس تحركات جديّة للجم هذه الميليشيات ووقفها عند حدّها. وأكد قائلًا: إن انتهاكات الميليشيات ليست محصورة بمحافظة ديالى؛ بل على شاكلتها تنفّذ في جرف الصخر في بابل وفي مناطق محافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار وغيرها. وما تزال أعمال التغيير الديموغرافي التي تُقدِم على ارتكابها باستمرار الميليشيات الموالية لإيران في مناطق محافظة نينوى، والبيشمركة في مناطق أخرى؛ إذ إن حال محافظة نينوى، كحال محافظات أخرى، تعاني من سطوة قوات البيشمركة وسيطرتها على المناطق التي حرّرتها من (تنظيم الدولة)، والتي ارتكبت انتهاكات كبيرة وتغييراً ديموغرافياً في تلك المناطق، التي تسيطر الميليشيات عليها بحجة محاربة "الإرهاب". وهذا ما أكده النائب عن محافظة نينوى، أحمد الجربا، الذي يلفت إلى أنّ هذه التصرفات تثير الأحقاد والضغائن في نفوس أهالي تلك المناطق، داعياً إلى ترك الأعمال الخارجة عن القانون، وعدم تكرار تلك التصرفات والانتهاكات التي ارتكبت في قبل ثلاث سنوات، والتي أوصلت الحال إلى ما وصل إليه اليوم. وقالت منظمة (هيومن رايتس ووتش) في 20/10/2017، إن المواجهات التي حصلت في 16 أكتوبر/تشرين الأول الماضي في قضاء (طوزخورماتو) المتعددة العرقيات قرب كركوك بين قوات البيشمركة التابعة لحكومة كردستان وقوات تابعة للحكومة في بغداد، تسبب في مقتل 5 مدنيين على الأقل وجرح ما يقرب من 51 آخرين. وسمحت القوات الحكومية التي سيطرت على قضاء الطوز في وقت لاحق للمدنيين بنهب ممتلكات المواطنين دون عوائق طوال ثلاثة أيام على الأقل قبل التدخل. فرار نحو 4000 عائلة كردية من مدينة كركوك في أقل من يوم مع اقتراب القوات الموالية للحكومة في بغداد من المدينة – 16/10/2017 وقالت المنظمة إن على القوات الحكومية وقوات البيشمركة اتخاذ جميع الخطوات الممكنة لتقليل الخسائر بين صفوف المدنيين ومنع أعمال النهب. ونقلت المنظمة أيضًا عن أربعة من سكان (طوزخرماتو): أن الاشتباكات كانت عنيفة في الأحياء التركمانية؛ لقربها من المنشآت العسكرية والأمنية التابعة لقوات الحشد الشعبي وقوات كردستان. وقال عاملا إغاثة تعمل منظمتهما في مخيمات للعائلات النازحة في كركوك: إن اقتتالًا جرى أيضًا قرب مخيم (ليلان 2) على بعد (15) كيلومترًا جنوب شرق كركوك، وأسفر عن مقتل أو إصابة 2 من سكان المخيم. ولم تتمكن (هيومن رايتس ووتش) من الحصول على عدد محدد للضحايا المدنيين في مناطق أخرى في كركوك وما حولها. وذكر جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في (هيومن رايتس ووتش): أنه على القوات الحكومية في العراق حل الأزمة الحالية بطرق تحترم حقوق الإنسان بالكامل، وتجنب إيذاء المدنيين أو ممتلكاتهم. وقالت منظمة العفو الدولية في 24/10/2017: هناك أدلة جديدة على إجبار عشرات الآلاف على الفرار من قضاء (طوزخورماتو) وسط هجمات عشوائية وعمليات نهب وسلب وإحراق للمنازل، وقد قام فريق تابع للمنظمة بتحليل صور للأقمار الصناعية وأشرطة فيديو وصور فوتوغرافية وعشرات الإفادات استهدفت عمليات النهب والسلب وإحراق البيوت وهدمها المناطق ذات الأغلبية الكردية ، التي جمعتها المنظمة، والتي أظهرت أن المدنيين أُجبروا على الفرار من بيوتهم عقب اندلاع اشتباكات شرسة بين قوات الحكومة في بغداد، مدعومة من ميليشيات (الحشد الشعبي)، وبين قوات (البيشمركة) الكردية في المدينة، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2017. ووثّقت المنظمة مقتل ما لا يقل عن 11 مدنياً جراء الهجمات العشوائية من قبل الميليشيات الموالية للحكومة في بغداد، وفقًا لشهادات سكان محليين في المدينة، بينما نُهبت مئات العقارات وأضرمت النار فيها وتم تدميرها، فيما يبدو هجمات موجهة ضد المناطق ذات الأغلبية الكردية في المدينة. وفي هذا السياق، قالت (لين معلوف)، مديرة البحوث للشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية: إن حياة أعداد لا تحصى من الرجال والنساء والأطفال قد دُمرت في (طوزخورماتو) خلال ساعات. وقد فقد الآلاف منازلهم وحوانيتهم، وكل ما يملكون. وهم الآن مشتتون في المخيمات والقرى والمدن القريبة، حائرين فيما إذا كانوا سيتمكنون من العودة إلى ديارهم. صورة التقطتها الأقمار الصناعية لمدينة طوز خورماتو تظهر بعض الأضرار التي لحقت بالمنازل وبالممتلكات المدنية جراء إضرام النار فيها ونهبها من جانبه؛ قال مصدر من مكتب حقوق الإنسان في قضاء (چمچمال) التابع لمحافظة السليمانية: إن نحو (5000) أسرة، أي حوالي (25000) شخص، وصلوا إلى القضاء في يوم واحد قادمين من مدينة كركوك وقضاء الطوز؛ خوفًا من بطش قوات جيش حكومة بغداد والميليشيات الموالية لها يوم الاثنين 16/10/2017. وذكر المكتب أن معظم الذين فرّوا من الأطفال. وقال المكتب: إن النازحين من كركوك بدأوا بالعودة إلى المدينة بعد مرور أيام قليلة على تركها؛ ولكن سيكون من الصعب على النازحين من قضاء الطوز العودة حيث أن المنطقة مازالت غير مستقرة، فضلًا عن حجم الدمار الذي لحق بمنازل المواطنين الأكراد هناك. وتعرّضت قرى وبلدات في مناطق سهل نينوى إلى التغيير من قبل تنظيم (داعش) بعد طرد التنظيم الآلاف من المسيحيين. وهناك قرى عربية سيطرت عليها القوات الكردية، وأخرى يزيدية وتركمانية مُسِحتْ عن الخريطة، وهناك بلدات متاخمة لمحافظة التأميم نفّذت ميليشيا الحشد فيها جرائم دموية بقيت بعيدة عن الإعلام كونها نائية. ويؤكد القيادي في حركة "نينوى الغد"، سنان الفضلي، أن "اللاعبين على وتر التغيير الديموغرافي هم ميليشيا الحشد والبيشمركة وداعش، وأنه لا يجب أن نتوقّع بقاء صورة العراق التاريخي المطبوعة بالأذهان في حال عدم إيقاف عمليات التغيير التي تجري ضمن مخططات لتقسيم العراق مستقبلاً وفقاً لأسس قومية وطائفية معروفة، وطالب الفضلي بتدخّل غير خجول وصريح للأمم المتحدة لتصحيح الأوضاع وإعادتها إلى ما كانت عليها قبل الاحتلال. واتهمت جهات سياسية عراقية "الحشد الشعبي" بمنع سكان هذه المناطق من العودة بهدف إجراء تغيير ديمغرافي عليها، واستبدال سكانها الأصليين بآخرين، إلا أن الميليشيات تذرّعت بأن تلك المناطق لا تصلح لعودة أهلها بسبب مخلفات "داعش" من ألغام وعبوات ناسفة، وفي بعض الأحيان تحدثت عما سمّته أمراضًا معدية فيها، فيما وضعت بعض العشائر شروطاً وفرضت غرامات مالية كبيرة بعملة الدولار، يدفعها أهل المدينة لعودة سكانها في صورة توضح ضعف الحكومة في بغداد وانعدام تطبيق القانون. الإفلات من العقاب وعمليات التعذيب على الرغم من تكرار مشاهد الجرائم البشعة التي تستهدف المدنيين في المحافظات غربي البلاد وشمالها وشرقها، إلا أن الجناة باتوا يشعرون بأنهم في مأمن من العقاب؛ فما يزال الإفلات من العقاب هو السائد في العراق، إلى الحد الذي يقوم فيه الجناة بتوثيق الجرائم التي يرتكبونها دون أن تتم محاسبتهم فضلًا عن معاقبتهم، وسط وعود حكومية بفتح تحقيقات للوقوف على الحقائق، لكنها لم ترَ النور بسبب التورط المباشر للأحزاب المتنفذة والميليشيات المدعومة من إيران والمسيطرة على المشهدين العسكري والسياسي في البلاد. وقد أكدت تقارير دولية عديدة أن الانتهاكات الواسعة التي مارستها القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها في العراق وفي كنف الدعم الذي تقدمه الأطراف الدولية التي يفترض بها أن تكون ضامنة ورادعة؛ كرست الظلم وواصلت العقاب الجماعي لملايين العراقيين، بذريعة محاربة الإرهاب. وقد زاد الإسناد الدولي المعلن للعمليات العسكرية التي تشنها القوات الحكومية وحلفاؤها منذ أكثر من أربع سنوات؛ في عدم متابعة الانتهاكات والفظائع المسجلة في حقوق الإنسان، التي مست أقدسها وهو (الحق في الحياة) لعشرات الآلاف من المدنيين، وما رافق ذلك من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبتها القوات الحكومية وحلفاؤها بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. والآن أصبحت الميليشيات المدعومة من إيران والمتحالفة مع الحكومة في بغداد، تشكل رسميًا ما يسمى وحدات الحشد الشعبي الطائفية، مع اعتراف الأطراف الغربية الداعمة بأنها ميليشيات ضالعة بجرائم خطف وقتل عشرات الآلاف من العرب السنة في ذروة أعمال العنف الطائفية في العراق بين عامي 2006 و 2007. وتتهم منظمات حقوق الإنسان الدولية تلك الميليشيات بمواصلة ارتكاب جرائم الخطف والقتل بحق المدنيين في المناطق المستهدفة خلال الحرب على الإرهاب. إلا أن بعض قادة ميليشيا الحشد ينفون هذه التهم، والذي يزيد الطين بلة هو أن تلك الميليشيات تقاتل على نفس الجانب الذي يقوده التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم الدولة (داعش)؛ الأمر الذي يؤكد أنها حليف للولايات المتحدة، على الرغم من تصنيف عدد كبير من تلك الميليشيات بأنها إرهابية وفق العقيدة العسكرية الأمريكية، لذا نجد أن الميليشيات تتمادى في تقويض الأمن الهش أصلًا في محافظات العراق ولاسيما العاصمة بغداد، في ظل غياب الرقابة على ما ترتكب من انتهاكات وفظائع بحق العراقيين؛ الأمر الذي يؤكد الشعور المتزايد بأنه لا أحد في العراق اليوم يمكنه كبح جماح هذه الميليشيات الطائفية. القتل خطة الميليشيات في العراق ما بعد داعش إن انهزام الجيش الحكومي أمام مقاتلي تنظيم داعش، تطلب اتحاد الميليشيات الطائفية مع بعض لتكوين ما بات يعرف بـ(وحدات الحشد الشعبي)، التي باتت تتألف من 100.000-120.000 عنصر يعملون لصالح ميليشيات (شيعية) عدة. وأظهرت المعارك التي خاضتها بحجة مكافحة داعش، أهدافًا طائفية واضحة، وهذا ما حصل في تكريت، حيث تم اختطاف 200 مدني على أيدي عناصر تلك الميليشيات، إلى جانب هدم مئات المنازل التابعة للسكان هناك من قبل كتائب (حزب الله)، فضلًا عن التقارير التي تحدثت عن استهداف المدنيين بشكل عشوائي في الرمادي، مركز محافظة الأنبار، وفي الفلوجة، حيث قامت تلك الميليشيات بتعذيب أكثر من ألف مدني، ناهيك عن الانتهاكات الفظيعة التي حدثت في حرب الموصل ومحيطها، ومعارك استعادة مدن أعالي الفرات. ويقول أحد قادة الميليشيات إن "80٪" من العرب السنة هم جزء من داعش([43])، لتبرير عمليات القتل والتنكيل المرتكبة من قبل تلك الميليشيات بحق المدنيين العزل، وقالت النائب فيان دخيل في مقابلة تلفزيونية بتأريخ 23/7/2017: إن أهالي الموصل سيبقون دواعش بأفكارهم وإن تحرروا عسكريًا([44])، بحسب تعبيرها؛ الأمر الذي ينسف بقايا مقتضيات الأمن القومي في العراق. بحسب محامين، توجد الكثير من حالات استيلاء قوات الأمن الحكومية على ممتلكات أقارب أفراد يشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش في الموصل وعلى الرغم من أن الميليشيات محظورة بموجب الدستور الحالي في العراق، فقد تبنى رئيس الحكومة حيدر العبادي، تقنين تلك الميليشيات لتصبح جزءًا من القوات المسلحة الحكومية في العام الماضي، من أجل تكريس عدم مساءلة آلاف من مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان من عناصر تلك الميليشيات، فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ لا تزال جرائم تعذيب ما لا يقل عن 700 مدني خلال هجوم الفلوجة على أيدي عناصر ميليشيا كتائب حزب الله، دون محاسبة؛ لأن الواقع هو أن الحكومة تقوم بالتغطية على مثل هذه الجرائم، مما يجعل من المستحيل العثور على أدلة أو شهود، ومن ثم تقوم الميليشيات الموالية للحكومة بارتكاب الكثير من الانتهاكات والجرائم؛ لثقتها بإمكانية الإفلات من العقاب في كل مرة. وقد أعلن العبادي منتصف 2016، أنه أمر بإجراء تحقيق في مزاعم وقوع جرائم خلال عمليات استعادة مدينة الفلوجة، وبعد ثلاثة أيام تم الإعلان عن اعتقال أربعة عناصر فقط من تلك الميليشيات. وحتى يومنا هذا، لم يستجب المسؤولون الحكوميون لطلبات الحصول على مزيد من المعلومات عن وضع التحقيق، ومن هي الجهة التي أجرت التحقيق، أو ما طبيعة الخطوات التي اتخذت. وفي حرب الموصل، أصبح المدنيون أول ضحايا العدوان على المدينة، ابتداءً بتعرضهم للاحتجاز التعسفي والتعذيب الوحشي والقتل عند الحواجز التي تقيمها القوات الحكومية بحجة إجراء الفحص الأمني للنازحين الذين يفرون من جحيم الحرب، مرورًا باعتقال عشرات الآلاف من الرجال والشبان والصبيان تعسفيًا بشبهة انتمائهم لـ (تنظيم الدولة)، بعد فرز عشرات آلاف الأسر، وتعرض كثير منهم للقتل رميًا بالرصاص في أماكن التوقيف، ومن نجا منهم تعرض للضرب المبرح والتعذيب والاحتجاز لأشهر عديدة بشكل تعسفي كجزء من عملية الفرز، وإلى يومنا هذا لم تعرف أُسر المعتقلين أماكن احتجاز أبنائهم وذويهم، ولا إلى متى سيظلون محتجزين، أو سبب احتجازهم أصلًا. إن حوادث القتل والتعذيب والسرقة وجرائم الإبادة الجماعية ليست مجرد "قضايا" فقط؛ بل هي مخططات خارجية لإبقاء العراق على ما هو عليه من حالة السقوط المستمر. وفي ظل تعطيل نظام العدالة، يمكن للميليشيات الطائفية أن تعرض حياة أي مدني لخطر الموت. واليوم بعد هزيمة داعش تهيمن ميليشيات الحشد الشعبي على الساحة السياسية إلى جانب القوات العسكرية في العراق، وهي تستعرض قوتها في شوارع بغداد والمحافظات بشكل استفزازي غير مسبوق؛ الأمر الذي يهدد بالمزيد من تمزيق البلد على أسس طائفية؛ بفعل الحروب المدعومة من قبل المجتمع الدولي، التي أدت إلى هدم كثير من أسس ومقومات المجتمع وهيمنة قوى لا تحترم حقوق الإنسان عليه؛ لذا لن تكون هناك نهاية للحروب لأن ما جرى تسبب بخراب كل شيء. الولايات المتحدة تواصل دعم الميليشيات في العراق؛ قامت الولايات المتحدة بتسليح الميليشيات الطائفية التابعة لإيران بأفضل الدبابات الأمريكية، من طراز: أبرامز أم ون (M1 Abrams) إن الواقع المرير الذي فرضه الاحتلال والفوضى العارمة أتيا على مؤسسات الدولة وأركانها، وقد فرض هذا الواقع اختراق المؤسسة العسكرية في العراق من قبل الميليشيات الطائفية التي باتت متربعة عليها، وتداعيات ذلك على ما يجري على الأرض من خلال دراسة لبعض الحالات وبعض الممارسات التي تم رصدها مؤخرًا بشأن ما باتت تسيطر على المؤسسة العسكرية من العقيدة المذهبية الطائفية منذ 2003؛ الأمر الذي أدى إلى غياب مفهوم المهنية ومبدأ الوطنية عن أغلب التشكيلات التي تم إيجادها إبان الاحتلال، وبهذا سادت الفوضى البلاد وانتشرت الانتهاكات والفظائع، فضلًا عن الجرائم بأنواعها. وفي مؤشر جديد على دعم الولايات المتحدة الأمريكية للميليشيات الطائفية التي لا تدين بولاء للعراق؛ قال تقرير حديث نشرته صحيفة (واشنطن فري بيكون)، وقدمه (آدم كريدو)، الكاتب والباحث في السياسة الخارجية والأمن القومي الأمريكي: ((بدأ كبار المشرعين وغيرهم في تقديم أدلة تثبت أن وزارة الخارجية الأمريكية تواصل تقديم دعم واسع للميليشيات المدعومة من إيران في العراق، ضمن برنامج بدأ لأول مرة في عهد أوباما)). وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض للصحيفة: ((لقد رأينا بعض الأسلحة والمعدات العسكرية الأميركية الصنع تستخدمها ميليشيات طائفية في العراق، لم تكن في قائمة المستخدمين النهائيين المعتمدين لتلك المعدات والأسلحة وفقًا لعقود بيع السلاح المبرمة بين واشنطن وبغداد)). ونقلت الصحيفة عن عضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب (رون ديسانتيس) قوله: ((إن الكونغرس يحتاج الآن إلى الحصول على الحقائق حول وزارة الخارجية الأمريكية وعلاقتها مع هذه الجهات الشائنة)). ويقصد بها الميليشيات الطائفية المدعومة من إيران في العراق. [1] * التقرير صادر عن قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق(بتصرف). ([2]) https://goo.gl/zsmFJv ([3]) https://goo.gl/SngLQK ([4]) https://goo.gl/DNrGTh ([5]) https://www.hrw.org/ar/news/2017/06/06/304640 ([6]) https://goo.gl/vCGHYk في تقريرها الذي نشرته في 16/1/2018. صحيفة الشرق الأوسط([7]) قدرت وكالة أسوشيتدبرس في تحقيق نشرته بتأريخ 20/12/2017؛ أن التكلفة البشرية لحرب الموصل تقدر ما بين (9.000 - 11.000) مدني قتيل، وهو معدل أعلى بنحو 10 أضعاف مما تم الإبلاغ عنه سابقًا من قبل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والحكومة في العراق، ونشرت الوكالة في التحقيق أسماء (9606) مدنيين قتلوا خلال حرب الموصل؛ وثقتها تقارير منظمة العفو الدولية ومشروع إحصاء ضحايا الحرب في العراق ومكاتب الأمم المتحدة المتواجدة في العراق. ([8]) ([9]) https://goo.gl/yQdsao ([10]) https://www.hrw.org/ar/news/2017/06/21/305518 ([11]) https://www.hrw.org/ar/news/2017/06/30/306015 ([12]) https://www.hrw.org/ar/news/2018/02/04/314456 ([13]) https://news.un.org/ar/story/2017/09/283112 ([14]) http://www.un.org/arabic/news//ar/print.asp?newsid=29896 ([15]) https://goo.gl/Dp2Dw ([16]) https://goo.gl/Dp2Dw ([17]) https://goo.gl/Dp2Dw ([18]) https://goo.gl/mYY4k ([19]) https://www.daeshdaily.com/page/11/ ([20]) http://alistenhadh.com/news/472416 ([21]) https://goo.gl/wajAjz ([22]) https://goo.gl/957oQ1 ([23]) https://goo.gl/poLvtv ([24]) https://goo.gl/7WpSdU ([25]) https://goo.gl/d2mRHs ([26]) https://goo.gl/aii5RC ([27]) https://goo.gl/75wyq9 ([28]) https://goo.gl/EW8UY8 ([29]) http://www.iraq-amsi.net/ar/99825 ([30]) http://www.albadeeliraq.com/node/890 ([31]) https://goo.gl/L9Km4t ([32]) https://goo.gl/Bx7LiC ([33]) https://goo.gl/Bx7LiC ([34]) https://goo.gl/Bx7LiC ([35]) https://goo.gl/fzu4zG ([36]) http://www.iqtp.org/?p=9074 ([37]) https://goo.gl/z33GT4 ([38]) https://goo.gl/ViTi9F ([39]) https://goo.gl/ViTi9F ([40]) https://goo.gl/ViTi9F ([41]) https://goo.gl/kAHrCi ([42]) https://goo.gl/A9tSWZ http://rawabetcenter.com/archives/28625 ([43]) ([44]) https://goo.gl/DXHvRd