انتفاضة الشعب العراقي وإرادة التغيير: تقرير توثيقي عن التظاهرات والاحتجاجات الشعبية في العراق – القسم الثاني

7 أغسطس, 2021

إعداد: وحدة الرصد والتوثيق في مركز الأمة

تميّزت المظاهرات العراقية بأنها سبقت جميع الثورات العربية القريبة في انطلاقتها لكنها تختلف عنها في الزخم الجماهيري نتيجة القمع الإجرامي الحكومي ضد المتظاهرين، ونتيجة للتعتيم الإعلامي الذي تمارسه حكومة الاحتلال الخامسة ضد المتظاهرين في إخفائهم قسريّاً مع ممارسة أبشع جرائم الاعتقال التعسفي ضدهم، فإن العالم قد لا يعرف حقيقة ما يتعرض له المتظاهرون من إجرام ووحشية حكومة الاحتلال وأجهزتها القمعية، كما أن أجهزة الإعلام العربية والعالمية لا تسلط الضوء على ما يجري في العراق لأنها خاضعة للإرادة الأمريكية التي تضع خطوطاً حمراء عن كل ما يجري في العراق من جرائم وحشية يندى لها جبين الإنسانية.

ولو كان هنالك ذرة من إنصاف للثورات والمضحين من أجل حريتهم وخلاص بلدانهم من الاحتلال والتبعية ومصادرة الحريات ونهب الموارد لكان جدير بالعالم أن يدعم الشعب العراقي بأفضل ما يكون في الوقت الذي يطالب فيه العراقيون بحريتهم واستقلال بلدهم من وحشية الاحتلال الأمريكي وجرائم مستأجريه وخدمه المرتزقة.

وفي ذات الوقت ثبت للعالم أجمع حقيقة الإجرام والفساد والقتل والإبادة والتعذيب الوحشي والاعتقال التعسفي الذي تمارسه حكومة انسلخت عن كل ما هو إنساني ضد شعبها، فإن العالم يتعامل مع العراق وثورته وفق الإملاءات الأمريكية التي تأمر كل الخانعين بعدم التعامل مع العراقيين الشرفاء المطالبين بتحرير بلدهم واستقلاله، وعدم طرح قضايا الشعب العراقي في جميع المنابر الدولية والمؤتمرات والملتقيات الدولية.

التظاهرات السابقة:

نشرت مجلة حضارة في عددها السابق (العاشر) القسم الأول من التقرير التوثيقي للتظاهرات في العراق وكان من إعداد الدكتور ناصر خليف، وللتّذكير بما ورد فيه نورد عناوين تلك التظاهرات التي ورد ذكرها في ذلك التقرير.

كانت التظاهرات في العراق في أيام الجمع الماضية قد حملت تسميات (جمعة البداية -جمعة الغضب) بتاريخ: 25/2/2011) و(جمعة الشهداء: 4/3/2011) و(يوم الندم كان في يوم الاثنين بمناسبة عام على المشاركة في الانتخابات التي لم يجن منها العراقيون سوى الويلات والتفجيرات ومزيد من الضحايا والتعذيب الإجرامي في السجون السرية والمعلنة فاختار العراقيون هذا اليوم لإعلان ندمهم على المشاركة في الانتخابات بتاريخ: 7/3/2011) و(جمعة الحق: 11/3/2011) و(جمعة المعتقل العراقي: 18/3/2011) و(جمعة الرباط: 25/3/2011) و(جمعة ربيع الكرامة:1/4/2011).

التظاهرات في ساحة التحرير بعد جمعة (ربيع الكرامة):

سنحاول في هذا القسم أن نكمل الجزء الثاني من رصد تلك الاحتجاجات الشعبية، فقد كانت التظاهرات التي شهدتها محافظات العراق وساحة التحرير بعد جمعة ربيع الكرامة كالآتي:

8/4/2011 حملت التظاهرات في هذه الجمعة أسماءً عدة (داخل العراق وخارجه)نظراً لتعدد الدول التي انطلقت فيها التظاهرات، لأنها توافقت مع الذكرى الثامنة لاحتلال العراق، حيث سميت (جمعة الغضب ـ جمعة الرحيل ـ جمعة الأحرار ـ جمعة يوم النصر الأكبر)، وعمت المظاهرات في عموم محافظات العراق بلا استثناء من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. وارتفع سقف المطالبات عند المتظاهرين، وهذا يدلّ على مراعاتهم لسمات التدرج في المطالب، لإسقاط جميع الذرائع التي تتذرع بها الحكومة الفاسدة، ومن خلال صبرهم وثباتهم أوصلوا الحكومة وعلى رأسها المالكي إلى قناعات تامة بأنها حكومة فاشلة وعاجزة عن أن تقدّم أية شيء، وعندما رأى المتظاهرون أن الحكومة عاجزة من أن تنظر لأي مطلب جماهيري، عندها رفع المتظاهرون سقف مطالبهم للمطالبة بإسقاط حكومة المالكي وإخراج الاحتلال ومحاسبة الفاسدين الذين أجرموا ضد الشعب العراقي. وفي اليوم التالي من المظاهرات اعتقلت القوات الحكومية أحد المشرفين على تنظيم المظاهرات في محافظة واسط.

جمعة (الأحرار أو جمعة التحدي) بتاريخ:  15/4/2011  خرج الآلاف من المتظاهرين في هذا اليوم وبزخم مقارب للزخم الذي خرج به المتظاهرون يوم 8/4/2011، وفي هذا اليوم كانت المطالبة واضحة وصريحة لتعلن الجماهير الغاضبة أن ولاء الحكومة لإيران والتدخلات الواضحة لإيران في القرار الحكومي وفسادها هو السبب الرئيس لجميع الأحداث الجارية في العراق، وأصله استقواء الفاسدين بالتأييد الإيراني وتأييد الاحتلال، وبالتالي لا يستجيبون لمطالب الجماهير وهنا تكررت المطالبة بخروج الاحتلال الأمريكي باعتباره السبب الرئيس لما يجري من ويلات للشعب العراقي والمطالبة بخروج الاحتلال الإيراني للقرار الحكومي وطرد التواجد الإيراني في البلاد.

جمعة (الوحدة الوطنية) بتاريخ: 22/4/2011 ـ كانت هذه الجمعة سدّاً لجميع المحاولات التي أرادت أن تفرق بين صفوف المتظاهرين من خلال بث روح التفرقة الطائفية بين أطياف وقوميات المتظاهرين، وتم تسمية هذه الجمعة بهذا الاسم "الوحدة الوطنية" لإرسال رسالة مفادها أن الشعب العراقي تجاوز ألاعيب الاحتلال ودسائسه وألاعيب حكومته المتهالكة التي لعبت على وتر الطائفية السياسية لتزيد من عمر الاحتلال وتزيد من استمرار تسلطها على رقاب الشعب العراقي.

جمعة ( الصمود ) بتاريخ: 29/4/2011 في هذا اليوم خرج المتظاهرون في عدد المحافظات لتأكيد المطالب بخروج الاحتلال والإفراج عن المعتقلين وفضح الوعود الكاذبة للحكومة وعجزها عن تقديم أبسط الخدمات للمواطنين العراقيين. كما طالب عدد كبير من عوائل المعتقلين وأبنائهم بالكشف عن مصير المعتقلين ووضع حد لمآسي أبنائهم وذويهم.

جمعة( الكرامة .. والثبات) بتاريخ: 6/5/2011 شهدت مدن عراقية عديدة في هذا اليوم مظاهرات للمطالبة بإنهاء الاحتلال الأمريكي ومحاربة الفساد، خرجوا بمظاهرة في ساحة التحرير وسائر محافظات العراق، كما عززت في هذا اليوم قوات الأمن وجودها بمدينة الموصل التي دخلت على خط الغليان الشعبي ضد الاحتلال والمطالبة بإسقاط الحكومة ومنع التدخل الإيراني في العراق وعلى الرغم من الإجراءات الحكومية القمعية التي مارستها قوات الفرقة الثانية التابعة للجيش الحكومي بقيادة اللواء الركن "ناصر الغنام" ـ سيء الصيت ـ الذي ارتكب جرائم قتل بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين بأوامر مباشرة صدرت له من المالكي لمنع وصول المتظاهرين إلى (ساحة الأحرار) وسط مدينة الموصل إلاّ أن العدد كان كبيراً وحاشداً تمثّل بجماهير العراق، معهم طيف واسع من أساتذة وطلبة الجامعات ومحامين وأطباء ومهندسين وشيوخ عشائر وأبناء عشائرهم وجموع كبيرة من النساء اللائي كان لهن الحضور الفاعل والمتميز للمطالبة بالإفراج عن ذويهن المعتقلين وكان الحضور من مختلف محافظات العراق.

كما تجمع مئات المتظاهرين في ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية بغداد للمطالبة برحيل كامل قوات الاحتلال الأمريكية، وإطلاق سراح المعتقلين، ومحاسبة الفاسدين وإسقاط الحكومة الفاشلة. وفي الرمادي غرب بغداد، انضم مئات العراقيين إلى المعتصمين في ساحة التحرير عند المدخل الشمالي للمدينة لأداء صلاة الجمعة هناك والتظاهر للمطالبة بخروج الاحتلال الأمريكي وإسقاط حكومة المالكي الفاسدة والمطالبة بإنهاء التدخل الإيراني في العراق وإطلاق سراح المعتقلين ومحاسبة المجرمين الفاسدين.

جمعة ( الوفاء ) وكانت بتاريخ: 13/5/2011 وتظاهر في هذا اليوم الآلاف من العراقيين في ساحة التحرير وسط بغداد مطالبين بإطلاق سراح المعتقلين وإسقاط حكومة المالكي ومكافحة الفساد وتوفير الخدمات العامة وإخراج الاحتلال وطرد الاحتلال الإيراني.

وشهدت ساحة التحرير وسط بغداد تجمع آلاف العراقيين وسط إجراءات أمنية مشددة لكن الطرقات حولها لم تغلق رافعين الأعلام العراقية وصور المعتقلين ولافتات تدعو لإطلاق سراحهم وطالبوا برحيل قوات الاحتلال الأمريكية واستقالة الحكومة. وقد شارك في هذه التظاهرة التي رفعت شعار (جمعة الوفاء) مواطنون من محافظتي (واسط، والأنبار) تضامناً مع مطالب متظاهري بغداد.

جمعة (العد التنازلي) بتاريخ: 20/5/2011 تظاهر المئات من العراقيين الجمعة في (بغداد في ساحة التحرير، والناصرية، والموصل في ساحة الأحرار، وصلاح الدين، والأنبار في ساحة التحرير، والسليمانية في ساحة آزادي، وواسط، وبابل، والنجف، والقادسية، والبصرة) فيما أطلق عليها "جمعة العد التنازلي"، في إشارة إلى قرب انتهاء مهلة المائة يوم التي وعد بها المالكي لتحسين الواقع الخدمي في العراق.

وطالب المتظاهرون الذين توافدوا على ساحة التحرير وسط بغداد بخروج القوات الأميركية من البلاد في الموعد المحدد وبإسقاط الحكومة التي قالوا إنها لن تستطيع تنفيذ مطالبهم بعد انتهاء مهلة المائة يوم.

وردد المتظاهرون هتافات تنادي بإسقاط الحكومة مثل "الشعب يريد إسقاط النظام"، وقدم بعضهم فعاليات مسرحية هزلية تنتقد أداء هذه الحكومة، وانضم إلى المتظاهرين في ساحة التحرير عدد من المواطنين من محافظات أخرى مثل (نينوى، وواسط، والأنبار) لدعم المطالب التي رفعوها.

وفي محافظة الناصرية / 350 كلم جنوب بغداد، توجه المئات في مظاهرة انطلقت من شارع الحَبّوبي باتجاه مبنى المحافظة، رددوا خلالها هتافات نددت بالاحتلال وطالبت برحيله، وطالبت بإسقاط الحكومة كما طالبت باستقالة وزير الكهرباء ومحافظ الناصرية. ونددوا في هتافاتهم بحزب الدعوة الذي يتزعمه نوري المالكي، ومنها "والله وملينة منك حزب الدعوة" و "يا دولة الفافون وين الكهرباء" و"اليوم سلمية وباجر قتالية".

وفي محافظة نينوى توجه متظاهرون بعد صلاة الجمعة إلى منطقة باب جديد، التي طوقتها قوات الفرقة الثانية للجيش العراقي، ومنعتهم من الوصول إلى ساحة الأحرار، وندد المتظاهرون بالاحتلال وطالبوا بخروجه فورا، وبتغيير العملية السياسية تغييراً جذرياً عبر إسقاطها واعتبروها سبب تردي الوضع الأمني في البلاد.

جمعة (الوعد الكاذب) بتاريخ: 27/5/2011 تميّزت التظاهرات في هذا اليوم بحضور أعداد كبيرة ينتمون إلى منظمات المجتمع المدني منها منظمة (أين حقي) ومنظمة (كفى) وتجمّع (الشباب الحر) وغيرها، إضافة إلى حشود جماهيرية تجمّعوا في ساحة التحرير وسط بغداد، واعتقلت القوات الحكومية القمعية أربعة نشطاء منهم على طريقة المنظمات السرية الإرهابية؛ من قبل قوات أمنية ترتدي الزي المدني وتستقل سيارات إسعاف واعتقلت أربعة من المتظاهرين الشباب وهم (علي عبد الخالق الجاف، ومؤيد فيصل الطيب، وإياد خليل جهاد، وأحمد علاء البغدادي) من ساحة التحرير؛ اتهمتهم  بأنهم يحملون وثائق مزورة وتبيّن فيما بعد أكاذيب الحكومة وأجهزتها الأمنية، وكانت ساحة التحرير مكتظة بعدد كبير من عناصر القوات الأمنية الحكومية التي لم تحرك ساكناً إزاء هذه العمليات المافيوية "المليشياتية".

جمعة( الرحيل ) بتاريخ: 3/6/2011 ، وسط انتشار كثيف للقوات الحكومية وإجراءات أمنية مشددة تظاهر المئات من المواطنين في ساحة التحرير، وانطلقت مظاهرة كبرى من أجل المطالبة بإنهاء وجود الاحتلال وإسقاط الحكومة الحالية وإجراء إصلاحات عامة وشاملة، ورفع المتظاهرون شعارات سلمية، وطالبوا أيضًا بإطلاق سراح أربعة من النشطاء كانت القوات الحكومية قد اعتقلتهم. وقامت قوات خاصة تابعة للمالكي باعتقال الناشطة السياسية (سحر الموسوي) من ساحة الفردوس واقتادتها إلى جهة مجهولة، و"سحر الموسوي" ناشطة سياسية ولها دور في تنظيم التظاهرات الشعبية ضد حكومة المالكي.

جمعة (القرار والرحيل ) بتاريخ: 10/6/2011 .. بعد أن عجز المالكي من مساومة المتظاهرين لترك المظاهرات تارة عن طريق الإغراءات والوعود الكاذبة وعن طريق الاعتقال والتعذيب والتهديدات تارة أخرى، وفي هذه الجمعة فوجأ المتظاهرون فاجأ المتظاهرين بجلب بلاطجة النظام "الشقاوات السرسرية" ((وفق المصطلح البغدادي الأصيل الذي يصم كل مرتزق بالمشاغبة الفارغة ويستقوي بغيره خدمة لدخيل فإنه سرسري منبطح للدخلاء)) من محافظات قريبة ودخلت الحافلات التي تقلهم إلى أقرب نقطة لساحة التحرير دون أن تمنعهم الحواجز الأمنية بل قدمت لهم الخدمات والتسهيلات والأطعمة والماء البارد، في الوقت الذي تمنع فيه حركة المواطنين المتظاهرين ضد حكومة الاحتلال المطالبين بإسقاطها وإخراج الاحتلال وتمنعهم من حمل قنينة صغيرة من الماء وتجبرهم على السير لمسافات طويلة تصل إلى عشرات الكيلو مترات للوصول إلى ساحات التظاهر مع شدة حرارة الصيف الملتهبة في العراق.

وردّد (سرسرية المالكي) هتافات بحياة المالكي، وشعارات (لا بعثية ولا تكفير كلنا نطالب بالتغيير)تحذف واعتدوا بالضرب على المتظاهرين بالعصي الكهربائية والسكاكين والآلات الجارحة، ووقفت الأجهزة الأمنية لمراقبة ما يجري مع اعتقال عدد من المتظاهرين على الرغم من الإصابات التي لحقت بهم جراء الهجمات التي شنها (سرسرية المالكي) عليهم، وقد انسحبت منظمات المجتمع المدني من ساحة "التحرير" على إثر الاشتباكات، وبعدها بقليل غادرت عصابات المالكي.

وفي محافظة البصرة انطلقت تظاهرة أطلقوا عليها" جمعة القصاص" من السياسيين، طالب فيها المتظاهرون إسقاط حكومة المحاصصة الطائفية السياسية وخروج الاحتلال ومحاسبة المفسدين في المحافظة.

وخرجت تظاهرة جمعت أهالي مدينة كركوك الذين تظاهروا في ساحة القلعة وسط المدينة مركز محافظة التأميم، طالبوا فيها بإخراج الاحتلال ورحيل حكومة المالكي والإفراج عن المعتقلين وإخراج مليشيات الأحزاب الكردية الحاكمة في كردستان العراق من محافظة التأميم. كما تظاهر المئات من الناشطين هذا اليوم في مدينة النجف مركز المحافظة، من أجل المطالبة بإسقاط الحكومة الحالية، وإنهاء حالات الفساد المستشري في مؤسسات الدولة كافة.

جمعة (العزم العراقي) بتاريخ: 17/6/2011، وفي هذه الجمعة وللمرة الثانية على التوالي يزج المالكي بمرتزقته المستأجرين، وللمرة الثانية على التوالي تشهد ساحة التحرير مظاهرتين الأولى مطالبة بإسقاط حكومة المالكي ومحاسبة الفاسدين المجرمين، والأخرى مظاهرة مؤيدة للمالكي تهتف بحياته وتقصي جميع المتظاهرين في الساحة وتعتدي عليهم بالعصي والسكاكين؛ وادعى منظموها أنها خرجت لتأييد أحكام الإعدام التي صدرت ضد مدانين بما يسمى "جريمة عرس الدجيل" لكنها في الوقت ذاته تطلق شعارات مؤيدة للمالكي وحكومته.

جمعة (الأصل الثابت) بتاريخ: 24/6/2011 أعلن منظمو التظاهرات أن هذه التسمية تأتي لفضح زيف كل الأوراق السياسية وغيرها التي تتبعها حكومة المالكي من أجل إيقاف الحراك الشبابي الهادر، ولترفض المحاولات البائسة، وتعلن بأن الزحف الجماهيري: أصيل وثابت، وأنه يأبى أن يتوقف إلا بعد تحقيق أهدافه الكاملة في التغيير نحو عراق حر ومستقل وشعب آمن وموفور العزة والكرامة وفي ظل حياة كريمة هانئة.

هذه الجمعة لم تتجرأ حكومة الاحتلال الخامسة من زج شقاواتها (السرسرية) لعجزها من تكرار محاولتها اليائسة من النيل من عزائم الجماهير التي تسير تجاه تحقيق أهدافها المنشودة من التظاهرات في السعي المتواصل للتغيير الجذري المنشود، ويوم شعر المالكي و(سرسريته) أنهم لا يمكن أن ينالوا من عزم المتظاهرين أو يمنعوا خروجهم للتظاهر، وظهرت خيبة واضحة للمالكي من خلال عجزه في هذه الجمعة من لَـمْلَمْة (سرسريته) لتكرار محاولتهم المخزية، وقد رأوا قناعات المتظاهرين التي لا تتزلزل رغم القمع الحكومي والإجرام المليشياتي.

جمعة(أحفاد الثوار..والعراق الموحد): بتاريخ 1/7/2011، قُـرِّر لهذه الجمعة في باديء الأمر أن تسمى بجمعة (أحفاد الثوار) لتحمل اسماً مستقلاًّ ومميزاً عن باقي الجمع الأخرى، لمجيئها مع الذكرى الحادية والتسعين لثورة العشرين الجهادية المباركة، وبعد الإعلان الذي صدر عن رئيس مجلس النواب الحالي"أسامة النجيفي" بأن أهل السنة قد يلجؤون إلى إعلان الإقليم السني لما يعانون من إقصاء سياسي، فقرّر المتظاهرون أن يضيفوا لها اسماً آخر وهو جمعة (العراق الموحّد) وهذه التسمية كانت من سمات ثورة العشرين لتحمل التظاهرات اثنين من أبرز سمات الثورة. وقامت القوات الحكومية بمصادرة مكبرات الصوت واللافتات التي يحملها المتظاهرون وأجهزة الاتصال العائدة لهم وأجهزة التصوير لمنعهم من توثيق الممارسات القمعية التي ترتكبها الأجهزة الحكومية المجرمة ضد المتظاهرين. وطالب المتظاهرون بإسقاط حكومة المالكي وإخراج الاحتلال ومحاسبة الفاسدين المجرمين.

المواجهة الحكومية للتظاهرات:

تتهيأ القوات الحكومية القمعية قبل يوم من انطلاق التظاهرات في محافظات العراق وتتلقى أوامر مباشرة من المالكي لتنتشر في شوارع المدن والأحياء وتعتقل كل من تظن أنه من منظمي التظاهرات، لإضعاف مظهريتها وتقليل شأنها أمام الرأي العام العالمي الذي اعتاد السكوت عن كل ما يجري في العراق، وتقوم هذه القوات منذ فجر اليوم الثاني وهو اليوم المحدد لانطلاقة التظاهرات بقطع الطرق والجسور ونشر الحواجز الأمنية لمنع حركة المواطنين ومنع تجوال مركباتهم للحيلولة دون وصول أعداد كبيرة من المواطنين إلى أماكن تجمعاتهم للتظاهر، وتمنعهم من حمل مواد غذائية حتى لا يطول مكوث من يصل إلى الساحات بعد أن يشتد به الجوع، وتمنعهم من حمل قناني الماء حتى وإن كانت صغيرة وتمنعهم من أجهزة الاتصال التي قد يوثقون فيها الجرائم التي ترتكبها القوات الأمينة. وتقوم بالاعتداء على كل من يتحرك من المواطنين ويحاول الانتقال من منطقة إلى أخرى خوفاً من مشاركته في التظاهرات.

وقال أحد الناشطين أن مكتب ما يسمى القائد العام للقوات المسلحة قد كلّف اللواء "قاسم المكصوصي" الناطق باسم قيادة عمليات بغداد وبالتعاون مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية إعداد قائمة بأسماء الصحافيين والناشطين الذين ينظمون التظاهرات التي تشهدها بغداد وباقي المدن العراقية منذ الخامس والعشرين من شباط (فبراير) الماضي والتي أطلق عليها الانتفاضة الأولى، والثورة العراقية الكبرى.

وتضم هذه القائمة حوالي 250 صحافياً وناشطاً سيجرى التعامل معهم أمنياً، إما بإلقاء القبض عليهم مثلما حدث لرئيس حركة 15 شباط الناشط "حسن جمعة" أو تهديدهم بالاعتداء عليهم كما واجه "كمال جبار" عضو حركة (كفى)، من أجل الحيلولة دون انتشار تظاهرات الاحتجاج في عموم محافظات البلاد مثلما حدث في جمعة الغضب العراقي في شباط الماضي.

ووجه المتظاهرون ضربة مدوّية عندما أفشلوا مخطط المالكي عبر توجيهاته التي وجهها إلى قيادة عمليات بغداد لحصر التظاهرات في  ملعبين؛ في جانب الكرخ (ملعب الزوراء) والرصافة (ملعب الشعب) بدلاً عن ساحتي التحرير والفردوس بحجة شكاوى تقدم بها أصحاب المحال التجارية القريبة من الساحتين، إلا أن المتظاهرين رفضوا المكانين البديلين واستمروا بالتظاهر في ساحة التحرير وباءت هذه المؤامرة بالفشل الذريع.

وفي محافظات شمال العراق أعلن المتحدث باسم قوات الاحتلال الأمريكية في العراق"" جيفري بيوكانن": أن السلطات في كردستان العراق طلبت من القوات الأمريكية بناءً على خلفية الأحداث الأخيرة في السليمانية وضواحيها، تدريب قوات (البيشمركة) على كيفية التصدي للتظاهرات.

مطالب المتظاهرين:

أثبت المتظاهرون خلال تظاهراتهم نضجاً وثقافة وسلوكاً عبّروا فيه عن سموهم الفكري والتنظيمي لقيادة حراك شعبي جماهيري وسياسي ناضج، لا تملك حكومة الاحتلال وأجهزتها القمعية منه شيئاً لتقارن بين من يسعى لانتشال الإنسانية من واقعها النكد وبين من يعيش على فتات الاحتلال ليكون تابعاً ذليلاً منقاداً لمشروعه خادماً متصاغراً أمام أعطياته التافهة.

واستخدم المالكي الألاعيب والأكاذيب والوعود الزائفة فأعلن عن مبادرة الـ(مائة اليوم) لإثبات نجاح وزارته مع هذه المهلة، ومع اقتراب انتهاء عدة المائة يوم التي ألزمت الحكومة نفسها بها كعهد للشعب ووعد بتقديم الخدمات وفرض الأمن ومعاقبة المفسدين سرّاق المال العام وتقديم المسؤولين عن كافة الجرائم التي ارتكبت ضد الشعب العراقي إلى العدالة كان المتظاهرون في العراق يعرفون نتائج هذه الوعود الكاذبة من خلال الشعارات المشهورة التي كان يرددها المتظاهرون في العراق: [ كذاب كذاب نوري المالكي ] واتفق العالم على أنه حاز هذا اللقب بجدارة إضافة إلى الألقاب التي كان الأمريكان يصفونه بها بأنه [فاسد، وفاشل].

وفي الوقت الذي راهن فيه المالكي على عدته المئوية فإن الجماهير الغاضبة تقرر عندهم أن العدة هي ليست حكم على حكومة المالكي فقط والتي ستواجه قرار الشعب لا محالة بسحب الثقة عنها ولكنها حكم على جميع أعضاء البرلمان ورؤساء كتلهم، فالعلة هي ليست وعود المالكي فحسب - والتي يعرف الشعب زيفها - وإنما هي تندرج ضمن وعود كل النخب الحاكمة والمشاركة في العملية السياسية التي لا تخرج عن كونها أكاذيب ووسائل للاستحواذ على المزيد من الامتيازات وتقاسم السلطة بهذا الشكل الذي أنجب حكومة فاسدة وفاشلة ولا هم لها سوى نهب ثروات الشعب العراقي، وليست هي حكومة مهنية تخدم العراق وتعيد إعماره وفق المواصفات العالمية.

وانتهت عدة المالكي وأكد المتظاهرون على ضرورة الاستمرار بالخروج وتحويل المظاهرات إلى اعتصامات مفتوحة إذا لم يكشف للشعب العراقي: (مصير المفقودين الأبرياء، ومصير أموال الشعب العراقي التي ضاعت في جيوب السياسيين الفاشلين وتحويلها القسم الأكبر منها للمصارف الأجنبية، ومشاريع الخدمات، ومشروع الأمن وضياعه في العراق، إضافة إلى المطالبة بإنهاء وجود المليشيات على أرض العراق مهما كانت عناوينها وارتباطاتها).

وكان المالكي قد حدد في السابع والعشرين من شباط الماضي من العام 2011 وبعد يومين من احتجاجات عارمة عمت مدن العراق مدة مائة يوم للوزارات والمؤسسات الحكومية لتحسين أدائها وإثبات نجاحها لتطوير الخدمات في البلاد ولوّح المالكي بالمطالبة بإقالة الحكومة في حال عجزها عن تحقيق المشاريع بعد مهلة المائة يوم مؤكداً أن المهلة تشمل مجلس النواب أيضاً موضحاً أن رئيس الوزراء من حقه المطالبة بإجراء انتخابات مبكرة، ولكنه سرعان ما تنصل عن كلامه كعادته في أكاذيبه التي أهلته لينال منصب[كذاب العراق]، كما هدد رئيس مجلس النواب الحالي أسامة النجيفي عقب تلك التظاهرات التي شهدتها البلاد بسحب الثقة من الحكومة الحالية وإسقاطها ما لم تلبّ مطالب المواطنين فضلاً عن سحب الثقة من كل وزير لا يستطيع تنفيذ نسبة 75% من البرامج الموضوعة لوزارته. ويوم جلس المالكي مع وزرائه لاستعراض منجزات المائة يوم وكم بدا متفاخراً ومزهوّاً بها وهي لا تعدو أن تكون انجازات أبسط دائرة في ناحية.

ومن خلال الشعارات التي رفعها المتظاهرون يبدوا إصرارهم على المضي حتى تتحقق أهدافهم التي خرجوا من أجلها، وكان من ضمن الشعارات التي أطلقها المتظاهرون خلال أيام الجمع الماضية منها:

(الشعب يريد إسقاط النظام) و ( إيران برّه يرّه.. بغداد تبقى حرّة ) و (الخايب خل يتكتر عدنا طلابة ويه أمريكا) و (كذاب كذاب نوري المالكي) وكانت هتافات أهالي الناصرية منددة بحزب الدعوة الذي يتزعمه نوري المالكي، ومنها: (والله وملينة منك حزب الدعوة) و (يا دولة الفافون وين الكهرباء) و (اليوم سلمية وباجر قتالية).

كما يردد المتظاهرون الذين يتوافدون أسبوعياً وفي كل جمعة في ساحة التحرير شعاراً بات الأبرز بين الشعارات التي يطلقها المتظاهرون وهو "عمره خسارة.. المْـايزور التحرير".

أثر المظاهرات في الحراك السياسي العراقي والساحة العراقية:

على الرغم من القبضة الأمنية الوحشية للأجهزة الأمنية الحكومية، وقمع المتظاهرين والتحكم الأمني بالعاصمة وسائر المحافظات الأخرى بتوجيه مباشر من المالكي، مما يمنع الكثيرين من النزول إلى الشوارع والتعبير عن آرائهم، فإن الحراك الشعبي سوف لن يقتصر في ساحة التحرير فقط وعلى آلاف من المتظاهرين، وإنما ستتاح له الفرصة القريبة لتوسع دائرة الحراك الجماهيري في التظاهر وفي مبادرات سياسية أخرى ستتبلور خلال الأشهر القليلة القادمة، وهذا ناتج من خلال ثبات المتظاهرين وصمودهم وصبرهم.

استمرار التظاهرات في العراق سيحرج أصحاب القرار وجميع الصامتين من أن يقفوا مع العراق وقضاياه العادلة، وسيتولّد حراك سياسي منظم كلما تقدّمت فترة التظاهر للوصول إلى مرحلة النضج المنشود بين قيادات الائتلافات الجماهيرية ومنظمات المجتمع المدني والقوى الفاعلة في الساحة العراقية.

حكومة الاحتلال التي استخدمت بعض العشائر العراقية وجعلتها طيعة للمشروع الأمريكي عبّرت عن إهانتها لمكانة العشائر وأنها لا تقيم لشيوخ العشائر أي احترام أو وزن في مشروعها إلاّ إذا كان شيخ العشيرة وعشيرته يقبل أن يتلطخ بعار الحكومة ويكون خادماً لرغباتها لا لأنه شيخ عشيرة بل لأنه أصبح خادماً يطمع بدولارات المالكي، ونتيجة لتخبط الحكومة فإنها قامت باعتقال عدد كبير من شيوخ العشائر وأبناء عشائرهم الأمر الذي سيؤدي إلى ثورة عشائرية قريبة لأن العشائر تنبهت لخطر منظومة الحكومة التي لا تمنع شرّها إلاّ على من سقط معها في مشروع الخيانة. ومن جانبها نددت عشائر كربلاء المحاولات الرخيصة من حكومة المالكي لخداع أبناء العشائر وإنزالهم قسراً إلى الساحة وأنه تجاوز على دستور حكومته وانتهاك لحقوق الإنسان، وأعلنت أنها ستطالب “بالحقوق العشائرية سواء كانت رسمية أو شخصية، لما تمثله من إهانة غير مسبوقة لمكانة العشائر.

رؤية قادمة للثورة العراقية الكبرى في ظل بعض المتغيرات:

أخذت التظاهرات تنحى منحى جديداً لتأخذ طابع الإصرار من المتظاهرين على المضي قدماً في مواصلة التظاهر مهما كانت التكاليف ومهما كانت التحديات، ونتيجة للقمع الحكومي للتظاهرات في محافظات العراق كلها وقطع الطرق أمام المواطنين والتعتيم الإعلامي الذي تمارسه المؤسسات الإعلامية الخاضعة للاحتلال وحكومته لكان المشهد العراقي مختلفاً تماماً عما نراه اليوم، فجميع العراقيين يملكون الدوافع القوية للخروج في تظاهرات احتجاج غاضبة ضد معاناتهم ومآسيهم التي يتجهم لها القريب والبعيد.

وسيتجه المتظاهرون إلى تكثيف عقد الندوات الجماهيرية وتوسيع مبادرات وميادين العمل الجماهيري لتعبئة المواطنين كافة للنزول إلى ميادين التظاهرات لزيادة الضغط الشعبي الغاضب ضد حكومة الاحتلال الخامسة التي ظهرت عاجزة عن أن تقدم أبسط متطلبات الحياة العادية.

الحكومة تعمل وبشكل متواصل على ممارسة أبشع الأساليب في قمع المتظاهرين الأمر الذي تراهن عليه الحكومة الإجرامية من خلال تلك الوسائل على إيقاف الزحف الشعبي الذي يزلزل القابعين في المنطقة الخضراء.

وحقيقة الحال في العراق أن ملايينه كلها تعد خارجة في التظاهرات لأنها لا تعوّل على حكومة ثبت فشلها وفسادها وإجرامها ضد الشعب العراقي للعالم أجمع، ويوم يغادر العالم الخاضع للإرادة الأمريكية ازدواجية المعايير ويقدّم الحماية الحقيقة للعراقيين؛ لرأى العالم بأسره الشعب العراقي بملايينه كلها يخرج بتظاهرات ينشد الخلاص وتحرير البلاد والشعور بكرامته المنتهكة وإنسانيته المسلوبة من الاحتلال الأمريكي وجلاّديه المستأجرين.

مقالات اخرى

Melbourne Web Design & Development
menu-circlecross-circle linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram