

وليد الزبيدي تضافرت العديد من العوامل في حياة العراقيين بعد الغزو الأميركي لصناعة أرضية هشة وخصبة لاستهلاك ما تبثه الدعاية الأميركية المباشرة ومن خلال ادواتها المحلية، فتحت مسمى الديمقراطية اطلقت المؤسسات الأميركية “الخلفية” مئات الصحف وعشرات الإذاعات وبعد ذلك الكثير من الفضائيات ومواقع الإنترنت، وتسابق الناس لافتتاح “محال بقالة صغيرة” اسموها احزابا وتنظيمات سياسية وهناك من اطلق التجمعات العشائرية والمناطقية، وقد حظيت جميعها إن لم تكن الغالبية العظمى منها بدعم من القوات الأميركية أو المؤسسات التي دخلت بعد الغزو مباشرة. بالنسبة للصحف التي مولتها قوات الاحتلال الأميركي يقدم الدعم المادي الشهري السخي، كما أن الصحف تنشر أخبارا من مكتب بول بريمر مقابل ثمن مدفوع سلفا، وبعد أن اصبحت المقاومة العراقية عائقا حقيقيا ومهددا للمشروع الأميركي فقد أنشأت ادارة الاحتلال داخل المنطقة الخضراء مكتبا خاصا مهمته كتابة المقالات الخاصة لتشويه سمعة المقاومة، ووصل مبلغ نشر المقال الواحد – كما يقول احد الصحفيين من العاملين في تلك الصحف – إلى عشرة الاف دولار لنشرة واحدة، كما أن الترويج قد اخذ مديات واسعة لإغراق العراقيين بهوس الديمقراطية التي اعمت الكثير من العراقيين لدرجة أنهم تصوروا أنها “جنة أميركا على أرض الرافدين”، فأخذ السياسيون وكتاب الاحتلال ومثقفوه يروجون لكل شيء يحمل شعارات الحرية والديمقراطية والرفاهية الاجتماعية، والتبشير على نطاق واسع بـ “السيادة” المرتقبة، وهنا نتحدث عن الاشهر الاولى للاحتلال. للأسف الشديد تمكنت آلة الغزاة الدعائية وبمساعدة عراقيين معروفين للقاصي والداني من قلب الحقائق، فقد رحب البعض بالغزاة وادواتهم واصبح حضور هؤلاء في الاماكن العامة والخاصة مثار ترحيب واستقبال، ووصل الامر درجة الانبهار بهؤلاء، وشجع البعض حملات التشويه المنظمة التي رسمتها ادارة الاحتلال ضد المقاومة والمقاومين وضد الذين تصدوا للمشروع الأميركي بالكلمة والموقف والتحليل والذين حذروا بشدة من خطورة مشاريع الغزاة عبر التاريخ، ورغم أن هذا يحصل في جميع الاحتلالات وفي مختلف ارجاء العالم، إلا أن المرء يشعر بغصة حقيقية عندما يشاهد عناوين تتهاوى وقامات تنحني للغزاة واخرى تتسابق لتقديم الخدمات لمحتلين يرتكبون ابشع الجرائم بحق أبناء بلدهم. ساهمت نخب عراقية من اكاديميين ومثقفين وصحفيين وفنانيين وإعلاميين ورجال دين وشيوخ عشائر في تقديم الدعم للغزاة لتحقيق اهدافهم واحداث خروقات كبيرة في البنية المجتمعية العراقية، وقد تسلل ذلك إلى مواقع ومفاصل كثيرة في المجتمع، واصبحت الأرضية خصبة وهشة، لكن على الجانب الاخر كان الجهد المقابل يتواصل بامكانات بسيطة وإيمان عميق بالنصر في نهاية المطاف. مدونة الكاتب