

أبناء شعبنا الأبي الصابر المرابط، أينما كنتم في ربوع الوطن أو أصقاع الدنيا، في مساكنكم الآمنة أو في مخيمات نزوحكم وهجرتكم المؤلمة. الإخوة والأخوات الحضور السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أتحدث إليكم اليوم في منعطف مهم من منعطفات طريقنا الطويل اللاهب بعد الاحتلال، ومع ازدياد الأذى وبلوغه حداً لا يطاق، واجتماع الأعداء من كل أصقاع العالم علينا؛ لابد لنا من التحلي بالأمل وتجنب اليأس؛ لأن الله سبحانه وتعالى، نهانا عن القنوط، ومادام الإيمان مستقرا في قلوبنا، والالتزام بعدالة قضيتنا قائم؛ فوعد الله آتٍ لا محالة. أيها الإخوة والأخوات إن المبدئية والثبات على الحق، هي السمة العامة لهيئة علماء المسلمين في العراق، وهي سمة يجمع عليها أنصارها والخصوم السياسيون، على حد سواء، وقد أثبتت الهيئة _بغض النظر عن وجهات النظر القاصرة أو الظالمة_ قدرتها على إبداء المرونة الكافية في العمل السياسي بما لا يخل بثوابت الموقف الشرعي ومتطلبات التحرك السياسي، معتمدة في ذلك على فقهي الموازنات والأولويات ومعالم السياسة الشرعية، التي تجنبها كثيرون فوقعوا فيما لا يرضاه الله ولا يفيد الناس. ونحن في الهيئة لسنا مضطرين لإبداء رأينا في أي طارىء يظهر على الساحة العراقية، ولسنا ملزمين بتبيان موقفنا من كل شيء، فقد تساوى العدو والصديق في معرفة مسالك الهيئة وسياستها ومواقفها وآليات تحركها، ولاسيما أن هذه المرحلة، هي مرحلة عرض المشاريع والمقترحات، وهذا ما اعتدنا عليه قبل كل متغيّر سياسي مهم، أو انتخابات أمريكية، وكما تقول القاعدة: (لا ينسب لساكت قول). وقد درجنا في الهيئة على سياسة قديمة مفادها: ألا نختلق المواقف، ولا نتفاعل مع كل المواقف، فنحن لا نلتزم بتبيان وتوضيح كل تصريح له علاقة بالهيئة، قصدت به وعنيت أو جرى ذكرها فيه ذكرا عارضا، أو إشارة، أو تمنيا، أو بيان نوايا، وما إلى ذلك، وإن هذه الأمور متوقع صدورها من هنا أو هناك؛ لما يعلمه الجميع من مكانة الهيئة وأثرها المهم في خارطة المشهد العراقي. وأسجل هنا تمسك الهيئة بمنهجها بعدم الاشتراك في أيّ جهد أو تحرك سياسي مع أيّ جهة لها علاقة بالعملية السياسية المفروضة على رقاب العراقيين، وأن بابها مفتوح للحوار مع الجميع، من أجل الحل الشامل والكامل والناجز والحقيقي والمجدي، وليس مع المشاريع المتسرعة غير المجدية، وتجارب الهيئة في هذا الصدد تثبت أنها تستطيع التجاوب مع المتغيرات المهمة والمفصلية برؤية سياسية منضبطة. وأنبِّه أيضا على أنه لن يكون هناك أثر حقيقي لأي تحرّك في الساحة وبأي وصف ما لم تتوفر له ظروف موضوعية وذاتية، فضلا عن الإرادات الخارجية المتحكمة في العراق والمنطقة، ولا مؤشرات حقيقية على تلك الإرادة حتى اللحظة؛ بل المؤشرات تفيد خلاف ذلك، وهو رغبة قوى الهيمنة في بقاء الأوضاع غير المستقرة في العراق، واستمرار العملية السياسية بمدخلاتها ومخرجاتها نفسها، وبلا تغيير جوهري يطال ساقيها التي تقوم عليهما، وهما: ابتنائها على الطائفية وإقصاء وتهميش مكوّن كبير بعينه؛ لإطالة عمر مخطط الفتنة والقتل. وبالنسبة للهيئة فإنها ملتزمة بنهجها المحافظ على قيم الحق والعدل والخير والمقاومة، والحرص على مصالح العراق والعراقيين، ونصحها الصادق للشعب العراقي، ولديها مشروعها العام الذي عرفت به منذ سنين، وتنافح من أجله، ولديها مبادرتها الخاصة (العراق الجامع) التي أعلنت عنها قبل أشهر، وتدعو لها، وهي مستعدة للتحاور والتشاور من منطلق أسسها ومحدداتها مع أي طرف يقبل بذلك؛ من أجل التفاهم على أساسيات عمل مشترك؛ توحيدا للجهود وجمعا لشتات العمل المتفرق؛ وسعيا لتقديم شيء لأبناء العراق الضائعين بين ضغوط الاحتلالين، ومنافي الغربة ومخيمات النزوح في وطنهم. واعلموا أيها الإخوة أن ما نقوم به في الهيئة ومعنا إخوتنا الناشطين في مجال العمل الوطني؛ إنما هو من باب القيام بالواجب، والسعي من أجل تقديم ما يمكن تقديمه، وتقليل الضرر ما أمكن، والتخفيف قدر المستطاع من آلام العراقيين، وبعث الهمة في تطلعاتهم لعراق حر يعيشون فيه بأمان وكرامة، على الرغم من الواقع الصعب الذي نعيشه، والإرادات المتحكمة في العالم، ولاسيما في منطقتنا التي نعيش. ومع ذلك فإن هذا لن يثنينا عما نقوم به، وسيرنا الصادق والمـُجدّ نحو خيار خلاص مقاومٍ ثابت واعٍ، غير مفرطٍ بحقوق شعبنا، طال الطريق أو قصر، امتد الزمان أم انحسر. أيها الإخوة والأخوات إن هناك حاجة ماسة للإسراع في تحقيق عمل جامع مشترك؛ مع مراعاة التحركات على الساحة العراقية، وضرورة الالتزام بالثوابت الوطنية لضمان نجاح أي مشروع، والتشديد على عدم دخول شخصيات مشاركة في العملية السياسية أو داعمة لها؛ حيث ينبغي لنا إيصال رسالة واضحة لكل من يهمه الأمر، مفادها أن دخول هؤلاء سيضر بمصداقية المشروع، ومن الخير لنا أن نخرج بمشروع يكتب له النجاح ويكون أداة لإنقاذ العراقيين مما هم فيه، ويتم فيه الالتزام بوثيقة أو ورقة أساسية لمشروع عراقي، تتضمن البنود الآتية: (هوية العراق، وحدة العراق، العملية السياسية، الدستور، دين الدولة، السلطات، القضية الكردية، القوات المسلحة، ثروات العراق، المرأة). إن الالتزام بما تقدم يعني: الموقف السليم والصحيح والمطلوب، في مقابل عروض: الرضا بواقع العملية السياسية وطلب إصلاحها فقط، والقبول بالدستور والاكتفاء بطلب تعديلات عليه، أو مشاريع المصالحة الوهمية وذات الاشتراطات والمحددات الحكومية. ومن هنا؛ فيسرني إعلامكم بأن الأمانة العامة للهيئة؛ قد وافقت في جلستها المنعقدةِ يوم أمس؛ على انطلاق المرحلة الثانية من مبادرة (مشروع العراق الجامع) وستشهد الأسابيع المقبلة _بعون الله_ إعلانا مهما من الهيئة بهذا الصدد. أيها الإخوة والأخوات هذا هو موقف الهيئة، وهذه رؤيتها، وهذه هي طريقة التعبير عنها، ولسنا مسؤولين عن أي وجهة نظر هنا أو هناك، قربية أو بعيدة منا؛ فمشروع الهيئة كان وما يزال غير خاضع لحسابات شخصية أو مصالح دنيوية، أو علاقات خاصة، وإنما في حساباتنا كهيئة، أننا ننظر إلى المصلحة العامة، التي نراها من خلال التشاور مع من هو قريب منا بالموقف، وشريك لنا في العمل السياسي العام منذ بداية الاحتلال وحتى الآن. وإذ أعلن هذا الآن؛ فهو من باب تثبيت الحقائق العامة، وإبراء الذمة أمام الله تعالى وأمامكم؛ مؤكدا على أن عدم اكتمال أي عمل وطني ما، في مرحلة ما؛ هو دافع قوي للعمل والمثابرة من أجل المستقبل، وليس عائقا في وجهة المشروع العراقي العام، الذي نعمل من أجله جميعا، وإنما هو صفحة على جانب الطريق فتحناها من أجل الصالح العام، ولم يكتب لها التوفيق، وتم تجاوزُها، ولن تؤثر بعون الله على مسيرة العمل الجاد من أجل الخلاص الحقيقي لا الخلاص الموهوم. وأخيرا: أغتنم هذه الفرصة أيضا لأبيّن الآتي: 1. إننا في الهيئة لا نتبع أساليب التدليس واللف والدوران، فالهيئة واضحة وصريحة، وتعتمد سياسة اللين والرفق في التعامل، مع التمسك الثابت بالحق الذي تعتقده والصواب الذي تراه، وهذه هي عوامل بقائها واستمرارها، وقبل ذلك سر قوتها. 2. الهيئة بيت وخيمة لكل عراقي، وأن طبيعة علاقتها بالجهات والشخصيات السياسية هي علاقة أب بأبنائه، وعطف الأب يسع كل ابن بار وغير بار، أو علاقة الأخ مع إخوانه، وأن أي طرف يخلص النية لله، ويعاهد الشعب على العمل له؛ سيكون مرحبا به، وسيجدنا متسامين على كل جراح الماضي، ومستعدين للتعاون والسير معا في ركب العمل الوطني، وكذلك نقولها لكل من اجتهد في إطار مسيرة العمل ضد أعداء العراق، فاقترب منها قليلا أو كثيرا، عن غير قصد؛ فإننا نرحب به على قاعدة الاعتذار والاعتراف بالخطأ. وإني إذ أبيّن هذا؛ فهو من باب النصح للجميع، ومعذرة إلى الله عز وجلّ وشهادة للتاريخ في هذه المرحلة الحساسة والمصيرية من تأريخنا العراقي. 3. إن رمزية الشيخ حارث الضاري (رحمه الله) ليست قاصرة على هيئة علماء المسلمين، وإنما هي لجميع العراقيين الصادقين والمخلصين، ومن حق كل عراقي يحسن الظن بنا. ومن باب أولى فهي ليست قاصرة أيضا على عائلته وعشيرته وقبيلته _وإن كان هذا من أعز ما تعتز به القبيلة والعشيرة والعائلة_ ولكني أقول: إن هذا الاعتزاز لا يكون إلا بما خطه الشيخ (رحمه الله) من نهج وما ارتضاه من إطار مؤسسي يعمل من خلاله ويتشرف بحمل اسمه، وهو (هيئة علماء المسلمين)، وما يحيط بها ويلتف حولها ويساندها ويناصرها من مؤسسات، أو يتعاون معها من قوى وحركات وجهات وشخصيات، وأن هذه الرمزية ليست متعلقة بوجود الشيخ (رحمه الله) أو وجود الهيئة أو وجودي، فالنهج ثابت والأمل قائم، والراية مُشرعة، والتوفيق من الله تعالى. وختاما لابد لي هنا من وقفة استذكار واعتزاز بشهداء العراق وفلسطين وسوريا واليمن، وغيرها من ساحات المحنة التي تعيشها الأمة، وأخص بالذكر هنا: بعض أعضاء شورى الهيئة الذين ترجلوا في الميدان: قتلا أو اغتيالا، منذ آخر مؤتمر عام للهيئة في (2008) وهم: الشيخ الشهيد _بإذن الله_عبد الكريم جمعة (رئيس فرع جلولاء) والشيخ الشهيد _بإذن الله_ ثروي الشمري (نائب رئيس فرع الموصل) والشيخ الشهيد _بإذن الله_ أحمد القيسي (عضو فرع بيجي) والشهيد – بإذن الله - . ونترحم في هذه المناسبة أيضا على الشهيد _ بإذن الله _ محمد زهران علوش في سوريا؛ رحم الله الجميع وتقبل جهدهم وجهادهم، وأحسن ختامنا وألحقنا بهم على طريق الشهادة. وأوجه شكري هنا للأردن الشقيق (ملكاً وحكومة وشعبا) على اتاحته هذه الفرصة لنا لتحقيق هذا اللقاء. وأسال الله عز وجل التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين.