

توطئة يمرُّ العراق اليوم بمنعطف فاصل في تاريخه المعاصر، ويشهد وضعاً بالغ الخطورة يحتاج إلى وعي تام بمجريات الأمور وتداعياتها ومآلاتها، وأثرها الكبير على حاضر العراق والعراقيين ومستقبلهم القريب والبعيد. ومن منطلق المسؤولية الشرعية لهيئة علماء المسلمين في العراق، وأثرها في الجهد الوطني في السنوات الماضية من عمر العراق في ظل الاحتلال، والثقة الكبيرة التي منحت لها من قبل كثير من العراقيين، واستجابةً للمناشدات التي تصلها بين حين وآخر؛ قامت الهيئة خلال الأشهر الثلاثة الماضية بالتواصل مع القوى المناهضة للمشروع السياسي القائم في العراق وللهيمنة الأجنبية عليه بمختلف توجهاتها؛ لتدارس ظروف المرحلة الحالية ومتطلباتها، والسعي الجاد والحثيث لإرساء أسس التوافق معها من أجل العمل على إحداث التغيير في العراق، الذي ينهي مأساة شعبه وينقذه من واقعه المأساوي المؤلم، ويعيد البلاد إلى وضعها الطبيعي. وقد سبق للهيئة السعي في سنوات ماضية وحتى عام (٢٠٠٩)؛ لتتويج جهدها بعقد مؤتمر تتمخض عنه جبهة واسعة النطاق، تستظل تحت خيمتها كل القوى الخيرة من أبناء العراق لتشكل بداية الانطلاق لهذا المشروع المهم، وقدمت الهيئة بهذا الصدد طلبات لعدد من الدول العربية، وطرقت أبواب الجامعة العربية أكثر من مرة لإقناعها باستضافة مثل هذا المؤتمر، ولكن دون جدوى. وعلى الرغم من وعينا بصعوبة إقامة جبهة وطنية عراقية عريضة في الظروف الصعبة والقاتمة التي مرت بالعراق في السنوات السابقة وفي ظروفنا الحالية؛ نتيجة كثير من العوامل الموضوعية الخارجة عن إرادتنا، والوقائع على الأرض التي تقف عائقاً دون ذلك. وحيث إنه لابد لكل عمل من هذا القبيل -حتى يكتب له النجاح- من تأمين لوازم عديدة، في مقدمتها توفر الظرف الدولي والإقليمي المناسب؛ ترى الهيئة أن الفرصة قائمة الآن لإعادة هذا الجهد بطريقة أو بأخرى، والاستفادة من الأوضاع الجارية على الساحتين العربية والدولية، واغتنام فرصة انسداد الأفق في وجه العراقيين، وفشل النظام السياسي القائم فشلاً ذريعاً في تحقيق الحد الأدنى لهم من الأمن والاستقرار والعيش الرغيد ، وتأمين الحاجات الضرورية للحياة. دواعي المبادرة أولاً: بعد معاناة طويلة من تغول الحكومات المتعاقبة وأجهزتها القمعية ومصادرتها لحق الشعب في المطالبة بحقوقه واحتجاجه على السياسات الفاسدة والظالمة؛ اضطر الشعب العراقي بتاريخ (25/2/2011) إلى القيام بثورة سلمية ضد حكومته انطلقت في ست عشرة محافظة عراقية من أصل ثماني عشرة، منددة بسياسة القتل والاعتقال والفساد التي طالت مؤسسات الدولة جميعها. وكانت تلك الثورة ثورة شعب بكل مكوناته، تعرض لظلم شديد لما يقرب من عقد، وصور الظلم التي تعرض لها الشعب العراقي كله معروفة، تتلخص في أمور كثيرة منها: الإسراف في القتل والاعتقال والتعذيب والاغتصاب، والتطهير والإقصاء والتهميش، والفساد المالي والإداري، والإذلال الممنهج مع سبق الإصرار والتعمد، وسرقة المال العام، وغياب الخدمات؛ والأرقام والإحصائيات الدولية بهذا الصدد مروعة ومعروفة، وما خفي كان أعظم. ثم انطلقت مرحلة ثانية من الثورة الشعبية وذلك من خلال المظاهرات والاعتصامات، التي بدأت بتاريخ (23/12/2012) وقمعت بالحديد والنار أيضأ، وسقط المئات من المتظاهرين السلميين في ساحات الاعتصام بين قتيل وجريح، الأمر الذي اضطر الناس إلى الدفاع عن أنفسهم في مواجهة مسلحة، وتم فيما بعد تحريف مقاصدها والالتفاف على غاياتها. واليوم نشهد معالم مرحلة ثالثة من مراحل الثورة الشعبية؛ بدأت في محافظاتنا الجنوبية وانتقلت إلى العاصمة بغداد، بعد بروز حالة الإفلاس التي كان يحذر منها المتخصصون بسبب الفساد المستشري، وتداعياتها التي أتت على ما تبقى من جسد البلاد المتعب، الذي أنهكته السرقات وتهريب الأموال، وتحكم أمراء الحرب فيه بمصائر الناس ومستقبلهم. وفي هذا كله دلالات واضحة على أن شعبنا العظيم سئم هذه الأوضاع وما عاد قادراً على تحمل وطأتها، وأنه اليوم يتطلع إلى الخلاص. ثانياً: بعد توريط الشعب العراقي في حرب دموية لا ناقة له فيها ولا جمل، ينزف خلالها أبناؤه دماً عزيزاً، ويفقد في أوارها قوته يوما بعد يوم، ولا أحد يدري لم هذه الحرب؟ ومن المستفيد منها؟ وإلى أين ستنتهي؟ ولماذا يلقي أبناء العراق فلذات أكبادهم في أتون صراع لا يعدو أن يكون صراعا بالوكالة، تؤججه أطراف دولية من الخارج لا تريد للعراق وشعبه خيراً؟ ولمصلحة من يهجر الملايين من أبنائه بيوتهم ومدنهم ليتفرقوا في طول البلاد وعرضها، ما بين الصحارى والسكن في أماكن أخرى تزيد من معاناتهم ومعاناة الذين يحتضنونهم؟ بعد ذلك كله كان لزاماً أن ينبري الحكماء لفعل شيء من أجل وقف نزيف الدماء، ودفع عوامل الفرقة والتمزيق، وإعادة اللحمة الوطنية لشعب لم يعرف التجزئة على مدار تاريخه، وإعادة كل عراقي إلى موطنه وبيته آمنا مطمئنا. ثالثاً: أصبح من المسلمات أن النظام السياسي القائم في بغداد لا يمثل العراقيين جميعاً؛ وأنه مصمم لخدمة مصالح أحزاب وجهات محددة بعيداً عن مصالح الشعب، ووفقاً للدستور الذي تمخض عنه النظام السياسي وشكل حجر الزاوية في الفشل الخطير والمتلاحق لهذا النظام وعمليته السياسية. الأمر الذي يعرب عن حقيقة أن تغيير أسس النظام السياسي القائم في العراق بأي صيغة مرضية تضمن بقاء مقومات كيان العراق الرئيسة وتحفظ وحدته وسيادته الحرة؛ من شأنه أن يعطي فرصة حقيقية لبناء عراق جديد، يستطيع القضاء على بؤر الصراع في أرضه، ويوفر الحياة الآمنة لأبنائه، ولا يسمح باتخاذه معبراً لإلحاق الأذى بدول المنطقة والعالم. رابعاً: إن تجربة مداها أكثر من ثلاث عشرة سنة فشلت فيها وجوه العملية السياسية المختلفة: مبدأ وأشخاصاً وتطبيقات، في إدارة شؤون العراق وجلب الاستقرار له، والمحافظة على عناصر القوة فيه، حتى استحق عن جدارة وصفاً أطلقته بحقه منظمات دولية متخصصة، وهو: "الدولة الفاشلة"؛ لا يمكن بعد هذه التجربة المرة إقناع العالم بأن هذه الوجوه نفسها ستنجح هذه المرة، إذا قدم لها المزيد من الدعم الدولي؛ فتجربة المجرب عقيمة. وأي حل ترقيعي يبقي قواعد اللعبة السياسية القائمة الآن كما هي، ويبقي السياسيين على خطاياهم وأخطائهم لن يكون ناجعاً بالمرة؛ وسيقود العراق والمنطقة إلى مزيد من الهاوية، وهذا ما يستدعي البحث عن مخرج سليم يضع الأمور في سياقها الطبيعي والحقوق في أنصبتها، ويقطع دابر الفساد والدمار. خامساً: اندلاع الصراع بين مكونات العملية السياسية نفسها -كنتيجة طبيعية لما ارتكبته بحق العراق والعراقيين- ينذر بتداعيات أشد خطورة، ومستقبل يفتح على الشعب أبواباً أخرى من الجحيم. وسبق لنا أن نبهنا مراراً وتكراراً على ذلك، وحذرنا من تداعياته ومخاطره، وهذا ما انكشف الآن وبان لكل ذي عينين، وقطع حجج كثيرين ممن كانوا يجادلون في ذلك، مما يتطلب استدراك الأوضاع قبل بلوغها المرحلة التي لا عودة فيها، والدخول في نفق مظلم آخر يأتي على ما تبقى من مقومات الشعب والبلاد. سادساً: فشل كل المحاولات الدولية لتخفيف الأضرار وإصلاح الخلل وعقد المصالحات، بما في ذلك جهود الأمم المتحدة التي أرسلت خلال السنوات الماضية عدداً من المبعوثين الخاصين لأمينها العام دون إنجاز يذكر، حتى غدا المجتمع الدولي وسط حيرة كبيرة في كيفية التعاطي مع الشأن العراقي وتداعياته المستمرة، وتقديرنا أن من الأسباب الرئيسة لذلك هو تغييب القوى العراقية الكفؤة عن المشهد، وتسليم مقاليد الأمور لغير أهلها. فحوى المبادرة بناءً على ما تقدم ذكره؛ ترى الهيئة أن المرحلة الحالية بحاجة ماسة جداً لصيغة ما لعمل عراقي مشترك قائم على الوضوح، يتيح الجمع بين الرؤى والتوجهات والأفكار المشتركة، من أجل إيجاد حلول ناجعة وحاسمة قدر الإمكان؛ وهي لذلك تعلن -عبر هذا اللقاء- عن إطلاق مبادرتها في هذه السبيل؛ تحت عنوان: "مشروع العراق الجامع: الحل المناسب لإنقاذ العراق والمنطقة". وتتضمن المبادرة ما يأتي: أ- الدعوة إلى لقاءات تشاورية موسعة بين القوى العراقية المناهضة للمشروع السياسي القائم في العراق؛ لغرض الاتفاق والتنسيق على مبادئ وثوابت مشروع العراق الجامع وتفعيلها. ب- الدعوة إلى عقد سلسلة من الندوات الموسعة بين كفاءات ونخب المجتمع وقواه المدنية الفاعلة، وقادة الرأي والواجهات الاجتماعية؛ لتقريب وجهات النظر والوصول إلى رؤى متقاربة ما أمكن. ج- الدعوة إلى اجتماع شرائح وفئات مجتمعية مهمة في كيانات وعناوين؛ تمهيداً لمشاركتها في أي جهد عراقي جمعي قادم، ودعم رأي عام عراقي وتوسعته نحو حركة جماهيرية ناشطة. د- الدعوة إلى عقد مؤتمر عام لتأسيس إطار عراقي جامع، يكون عنواناً واحداً ينظم أفكار ومنطلقات القوى العراقية السالفة الذكر من خلال ميثاق للعمل المشترك، يقوم على أسس الوحدة واستقلال القرار العراقي ورفض التبعية للخارج القريب والبعيد وتعزيز السلم المجتمعي، ويقطع الطريق على محاولات الانفراد ببعض القوى وسحبها لتنازلات انفرادية أو فخاخ معدة هنا وهناك، وتحضيراً لحل مناسب يحول دون وقوع العراق فريسة الفراغ القاتل. وبعد ما سلف لابد من البيان هنا أن الهدف الأسمى للعراقيين جميعا لا ينحصر في الضرب على أيدي المفسدين فحسب، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء مشروع عراقي حقيقي يضع رؤية مستقبلية شاملة؛ تضمن بناء إرادة حرة للشعب العراقي، وتنقله من واقعه الحالي إلى واقع العمل السياسي الحر والمستقل عبر انتخابات حرة، بشروط تضمن نزاهتها ومشاركة العراقيين جميعاً فيها، وتفرز ممثلين حقيقيين عنهم؛ لكتابة دستور يحقق آمال أبناء الشعب العراقي جميعاً ويلبي طموحاتهم، ويضمن لهم التداول السلمي للسلطة بعيداً عن الأثرة والأنانية والإقصاء؛ ليتجاوزوا النفق المظلم الذي يعيشون فيه، والمستقبل المجهول. وحيث نتبنى ما تقدم ذكره ونعتمد إستراتيجية الإنقاذ والتغيير نحو عراقٍ جامع؛ فإننا نعلم أن هذه المهمة ليست سهلة، ونعلم كذلك ونعي تماما أن واقع العراق اليوم يعاني تدخلاً إيرانياً ضاراً بمصالحه كل الضرر ونفوذا متناميا، واحتلالا غير معلن أدى إلى إرباك المنطقة وإثارة مخاوف دولها، وهذا ما يشي بأن أي عملية لإيجاد صيغة تفاهم بين العراقيين وتأسيس دولة عراقية مستقرة، ثمة من سيضع دونها العقبات. ولابد من تذكير المجتمع الدولي هنا وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية بأن الإصرار على حصر المشهد العراقي في الصراع بين طرفين تقوم الحرب بينهما الآن، وتجاهل الأسباب الحقيقية الكامنة في الأسس الخاطئة التي قامت عليها العملية السياسية في العراق، والدستور البائس الذي استند إليها، والاعتماد على الفاسدين في إدارة البلاد، وإقصاء القوى الوطنية بكل الوسائل؛ غير مجدٍ، فهذه طريق جربت لعقد كامل من الزمن وبان فشلها، وارتفعت فاتورة خسائرها على الصعيد البشري والمادي بشكل لا يكاد يصدقه عاقل مع أنه واقع فعلاً، وهي لن تؤدي إلى أي نتيجة وستُبقي المنطقة في اضطراب. إن دول العالم -ولاسيما الإقليمية منها- أمامها فرصة تاريخية لتكون طرفاً عادلاً وفاعلاً في إقناع المجتمع الدولي ورعاة العملية السياسية بتصحيح المسار الخاطئ في العراق وعدم الإصرار عليه، واعتماد سياسة جديدة تكون من أولوياتها عدم الوقوف في طريق القوى العراقية التي تم تجاهلها من قبلُ عن عمد وعزلها والإيحاء للعالم بأنها غير موجودة، وهي القادرة على إنقاذ بلدها وبنائه بشكل صحيح وتحقيق المعالجة الناجعة والدائمة، بعد أن تجاوزت الأوضاع فيه الهاوية لتستقر في الحضيض، فضلاً عن أن اجتماع الإرادات العراقية والعربية والإقليمية والدولية على إيجاد قناعات بحلول واقعية وشاملة كفيل بإنهاء مشاكل العراق الخطيرة، بعد التوكل على الله وحده وصدق النوايا والعمل الجاد من أجلها. ومن دون شك فإن بروز هذه القوى كجسم شاخص للعيان ضمن إطار عراقي جامع، يجعل منها طرفاً شرعياً لتمثيل القوى العراقية المغيبة في أي سعيٍ دولي جاد لحل الأزمة العراقية. إن مشروع العراق الجامع الذي ندعو إليه كفيل بالقضاء على الصراع في العراق ومبرراته، وكف يد كل القوى والجهات التي لا تريد للمنطقة أن تهدأ، وذلك بواسطة برامج حقيقية تمنح الجميع فرصا متساوية، وتقضي على الفوضى وتبسط الأمن. وإرساء قواعد هذا المشروع المبارك تضمن تحقيق الآتي: ١ـ إزالة المخاوف التي تراود بعض أطياف وتنوعات المجتمع العراقي من الآثار التي قد تنتج عن التغيير. ٢ـ توسيع رقعة المشاركة الجماهيرية في مقاومة التدخل والنفوذ الخارجي الضار بالعراق ومواطنيه، وإقناعها بإمكانية توفير البديل. ٣ـ استقطاب قادة الرأي والشخصيات الفاعلة والمؤثرة في المجتمع العراقي للمشاركة في التغيير الحقيقي. ٤ـ توحيد جهود القوى العراقية وتوسيع دائرة القوى المشاركة في مشروع التغيير، تحت مظلة جامعة تتبنى مسؤولية تحديد المسار وتوزيع المهام. محددات المبادرة وأطرها العامة ينبغي لنا أخيراً التنبيه على أن ما تقدم ذكره من تفاصيل المبادرة؛ يأتي في إطار المحددات والأمور الآتية: 1- التمسك باستقلال العراق التام ووحدة أراضيه والمحافظة على هويته، واستناد سياساته في التنمية على المصالح المشتركة لمواطنيه، وبناء الدولة الحديثة وفق الأسس اللازمة لذلك: دستورياً وقانونياً واقتصادياً وأمنياً واجتماعياً وثقافياً. 2- الالتزام بالنهج التعددي وحرية الرأي وفق آليات تحترم قيمنا وأعرافنا وتقاليدنا ولا تتعارض معها. 3- استبعاد آليات الانتقام السياسي وفسح المجال للعدالة -وفق صيغة توافقية بين العراقيين- لتأخذ مجراها لحفظ الحقوق وصون الأعراض والدماء، والحؤول دون تكرار ما حصل ويحصل الآن. 4- الوعي بأن مأساتنا في العراق ليست مأساة طيف أو عرق أو منطقة أو محافظة أو مكان بعينه وإنما هي مأساة وطن وشعب، وأن الاهتمام الآني بالمشاكل الجزئية هنا أو هناك لا ينبغي أن يؤثر على الصورة الكاملة للمأساة. 5- إن الحقوق لا تعطى وإنما تكتسب بفعل مؤثر وجهود مضنية وتضحيات كبيرة غير منقطعة، والهوية وليدة الاعتزاز بالموقف والمهمة والتكليف، وليست منة من أحد أو نتيجة لتأثر بواقع حال وردة فعل وإن كان مؤلماً وقاسياً وطويلاً. 6- استلهام روح المقاومة والانتفاضات والاعتصامات والثورات الشعبية مهم وضروري في تحديد مسار طريقنا نحو التغيير والخلاص. وتعلن الهيئة أخيراً فتح أبوابها لجميع أبناء الشعب العراقي ومن كل المكونات والأطياف للتواصل، وتسخير قدراتها كافة في سبيل تحقيق أهداف هذه المبادرة، وبما يضمن وضع العمل الناجع في بداية الطريق من جديد قياماً منها بواجبها، مع تعهدها بأن تكون جزءاً فاعلا في أي جهد، وعاملاً مساعداً ومنتجاً وناصحاً ومسدداً؛ فهمنا الأول هو تيسير السبل وفسح المجال لعجلة العمل بأن تمضي في طريقها بالتعاون بين الجميع ووفق صيغة التعاون المشترك؛ اقتناعاً منا بأن نقاط قوة المشروع العراقي الجامع هي في اجتماع كلمة أطرافه وتعاونها وتوافقها. والله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل. من أصداء المبادرة حارث الأزدي رئيس تحرير صحيفة البصائر العراقية لعل أولى خطوات الفهم الصحيح في إدراك ما يُلقى إليك من أفكار أو مشاريع تكمن في التعرف إلى المرسِل ومن ثم فهم محتوى الرسالة ثم البحث عن جمهورها المستهدف (المرسَل إليه) وآلية تنفيذها وهل هي قابلة للنماء والبناء عليها؟. أم أنها نقش على ماء أو استهلاك إعلامي يُراد به الإلهاء، ولا شك أن من يصدِّر مبادرته أو مشروعه برفض العملية السياسية الجارية في العراق التي أسس لها المحتل ورعاها ما بعد 2003م، لا يرمي من ورائها غايات خادعة ولا مشاريع وهمية لأنه ببساطة شديدة وضع نفسه أمام مشروع يريد سحقه فهو بهذا الطرح يتصدى له متدرعا بتجميع العراقيين على مشروع جامع؛ إنه يبادر إلى طرح الحل بتجرد من المصالح إلا المصلحة العراقية لتعود على كل العراقيين بالخير والصلاح ومحاربة الفساد وكشف الفاسدين. ولعلي أستقي من توطئة مبادرة الهيئة ودواعيها التي وردت في نصها فهما فأقول: لو استقبل العراقيون من أمورهم ما استدبروه لما وجدوا أحكم ولا أصدق ولا أثبت من الثوابت التي أطلقتها هيئة علماء المسلمين منذ بداية انطلاقتها وحتى اليوم، فهي التي نادت بإخراج المحتل وكان يومها من يقول عن هذا الطلب إنه محض خيال لا نحلم بالوصول اليه ويطرحون كاذبين هرطقات التعامل والتعاون فيما كان آخرون يسمون الاحتلال بالحضاري وانه سيضع العراق في مصاف اليابان. ألا وقد تحقق ما نادت به الهيئة بفضل الله ثم بضربات المقاومة العراقية التي أنهكت قوات الاحتلال فراحت مراكز قراره تبحث في ثنايا قوانينها عن الأسلوب الأمثل للخروج من ساحة القتل العراقية، ثم بدأ بعدها المدّعون بتغيير التسميات من قوات التحالف إلى قوات الاحتلال. وتميزت الهيئة عن غيرها بجرأة الحكم على الأشياء وتسميتها بما هي عليه فكان بيانها السياسي المتميز عن مجلس الحكم ووصفته بما يستحق وكيف لا وهو المجلس التحاصصي الأول المعين من بول بريمر الحاكم الأمريكي المدني المنتدب لممارسة الحكم على مجموعة الأحزاب والشخصيات والجماعات التي ارتضت أن تكون أدوات في مشروع الاحتلال. ولموقف الهيئة إزاء الدستور وكشفها عن مواطن ألغامه مفصل آخر يجب التوقف عنده فقد كانت أول من وضع النقاط على الحروف وطبعت في ذلك وثيقة أطلقت عليها مآخذ هيئة علماء المسلمين على الدستور وقد كان وقتها السوق السياسي والإعلامي يسير باتجاه مواصلة الخداع لإقراره وأنه سيكون فاتحة الخير على العراقيين وإذا به يأتي على وفق ما رأت الهيئة من نتائجه. ألا وقد تبين للقاصي والداني ما فعله الدستور وما أسس له من مشكلات حتى بات مقروه يصيحون منه الغوث فضلا عن كاتبيه أنفسهم الذين باتوا يدعون لتغييره بعد أن أحكموا غلق التعديل بموانع يستحيل معها تحقيق أي تعديل. المواقف كثيرة وهي بحق تستحق الوقوف عندها وتبيانها، لكننا اليوم أمام مفصل لانطلاقة جديدة بمرتكزات معروفة للعراقيين في وقت وصل فيه العراقيون جميعا إلى قناعة تامة وبوعي كامل أن العملية السياسية التي أنتجها الاحتلال الأمريكي وسيطر عليها الاحتلال الايراني ما هي إلا دوامة تحاول محركاتها المتمثلة بالأحزاب والميليشيات والتجمعات إدامة الصراع وصولا إلى ابتلاع العراق وإنهائه. حين طالعت بنود المبادرة بعنوانها الكبير الأثير وجدت إجادة المُجيد في استخدام الألفاظ وتأثيث معانيها بأسلوب يجعلها في متناول القارئ العميق والمواطن الباحث عن حل في خضم أمواج متلاطمة من أجندات تتقاذفه بعيدا عن بر الأمان. نعم لن يصل العراقيون إن تفكروا في المبادرة منفردين أو مجموعات إلى غير هذا الحل الذي جعل العراق هو الحل الجامع، فضلا عن تحديد وتحييد السبب في دمار العراق والعراقيين وهو أن هذا المشروع سيكون حصرا للعراقيين ممن لم ينخرطوا في عملية سياسية أنشأها المحتل أو من توابعها. إن المبادرة حددت الجو العام الذي يملي على كل عراقي التفكر بحاله وحال العراق بعد أن وصل المدّعون أنفسهم ممن دخلوا مشروع الاحتلال بصفحته السياسية إلى انسداد الأفق السياسي وظهرت للعيان جبال مفاسدهم ودب الصراع فيما بينهم بعد أن أوصلوا العراق إلى الانهيار التام والإفلاس حتى اجتاحت التظاهرات المطالبة بالخدمات أولا وصعّدت مطالبها لتصل إلى إلغاء الدستور وإنهاء عمل مجلس النواب والهتافات الصريحة بالإطاحة بالطائفيين وكشف الفاسدين والمطالبة بمحاسبتهم. من المؤكد أن المبادرة ليست انعكاسا سريعا لما حدث في الشارع العراقي اليوم فهي قد أعلن عنها قبل أكثر من شهرين وجرت خلال هذه المدة لقاءات وحوارات حتى تبلورت هذه المبادرة في شكلها الذي أعلنت فيه، والشارع انتفض قبيل إعلان المبادرة وهذا يؤكد أن القائمين على المبادرة على دراية تامة بما يجري على الشعب من مخططات وأن الشعب قد ضاق بمن تصدى للحكم وأورثه القتل والتهجير والإفلاس وانهيار الدولة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على وحدة الشعب العراقي نُخبه وعامته وأن العراق همّ العراقيين جميعا بكل أطيافهم وشرائحهم، وهذ الفهم المشترك يبعث رسالة إلى العالم الساكت على جرائم هذه العملية السياسية بتلك العصابات التي استحوذت على مقاليد الأمور أن سكوته إمعان في قتل العراقيين وأن الدفع بمواصلة دعم هذه العملية وإسنادها بعد كل هذه الجرائم لن يزيد الشعب العراقي إلا إصرارا في مواصلة ثورته على من سلبه حق الحياة بعد نهب ثرواته. فالإصرار على حصر الصراع بين قوتين تتصارعان على أرض العراق والدفع بالعراقيين على خوض حروب عبثية بالوكالة لن يكتب له النجاح فهل بعد هذه السنوات العجاف التي دفع فاتورة القتل فيها أبناء العراق يُراد منهم المضي في الطريق المجرب الذي بانت فخاخه لكل المراقبين مع سلبهم ابسط مقومات الحياة. إن مبادرة العراق الجامع كفيلة في منع وكف ووأد الصراع بين أبناء البلد الواحد بما تتيحه من برامج تضمن للجميع الاشتراك في بناء بلده وليس بأسلوب تحاصصي ظاهره الدفاع عن الطائفة والمذهب والمكون وباطنه بناء إقطاعيات حزبية وفئوية تعبّ من أموال العراق فيما لا يصيب المواطن البسيط غير مزيد من المآسي والآلام. لو استعرضنا المحددات التي رسمتها مبادرة الهيئة بدءا من التمسك باستقلال العراق التام ووحدة أراضيه والمحافظة على هويته، و الالتزام بالنهج التعددي وحرية الرأي وفق آليات تحترم القيم والأعراف والتقاليد العراقية ولا تتعارض معها، ومن ثم استبعاد آليات الانتقام السياسي وفسح المجال للعدالة مع نشر الوعي بأن مأساة العراق ليست مأساة طيف أو عرق أو منطقة أو محافظة أو مكان بعينه والتذكير بأن الهوية العراقية وليدة الاعتزاز بالموقف والمهمة والتكليف، وليست منة من أحد أو نتيجة لتأثر بواقع حال أو ردة فعل ومن ثم تتويج هذه المحددات بفخر العراقيين باستلهام روح المقاومة، والانتفاضات والاعتصامات والثورات الشعبية؛ كل ذلك سيشكل تحديدا واضحا لمسار طريق العراقيين نحو التغيير والخلاص، تلك المحددات التي لم يكن لمنصف التوقف عندها إلا ويعدها دستورا هو محل توافق لدى جميع العراقيين. ولعل توافق توقيت انطلاق مبادرة العراق الجامع مع تصاعد الغضب الشعبي العراقي يشكل نقطة انطلاق لطالما اشتاقها العراقيون بعد أن سئموا من المخططات والمشاريع الفئوية والتحاصصية التي تعد بشيء وتطبق خلافه فمن خلال محدداته التي لو كتب الله تعالى للقوى العراقية المعنية بهذه المبادرة أن تلتئم في إطارها الجمعي التنسيقي الذي قد يصل في بعض فقراته حد الانصهار في بوتقة عراقية من المؤكد سينبثق عنها خطاب جامع يجري على لسان حتى المواطن البسيط، فتكون ثقافة عامة ورأيا جامعا لكل العراقيين، بعد زوال المخاوف التي تراود بعض أطياف وتنوعات المجتمع العراقي من الآثار التي قد تنتج عن التغيير، فيقتنع الجميع بوجود البديل الذي كانت تشيطنه الإدارة الأمريكية وتولت كبرها فيه الحكومات المتعاقبة لهذا الاحتلال. قدحت الهيئة بمبادرتها هذه الشرارة التي كان ينتظرها الكثيرون لاسيما أن هذه الرسالة تحمل في مقدمتها ووسطها وخاتمتها تطمينات من المرسِل وهو هنا ممثل بالهيئة والمرسَل إليه وهم جميع القوى الوطنية المناهضة لمشروع الاحتلال فرسمت بذلك طريقا لا يحيد عنه كل غيور على وطنه، وكل شريف يؤلمه ما يصيب أبناء بلده. ولن تقف هذه الرسالة المرسلة من الهيئة عند حدود من أُرسِلت إليهم، وهم هنا القوى المناهضة للعملية السياسية، بل ستتعداهم إلى مساحة واسعة بوسع العراق إلى كل أبنائه بعد أن تتبلور هذه الأفكار وتنصهر لتخرج خطابا عراقيا يشمل العراقيين جميعا. الأمل اللامع في مشروع العراق الجامع جهاد بشير كاتب وباحث من العراق أمواج الظلم والاضطهاد التي عصفت بالعراقيين لثلاث عشرة سنة حملت بين أحداثها عوارض خطر تهدد الأمّة على مستوى كيانها وعقيدتها وما تقتضيه هذه العقيدة من سلوك وآثار، وطال العبث تاريخها وتراثها وإرثها الفريد، بل وأمسى مستقبلها حبيس مخططات دُرِست بعناية غايتها التشويه والانحدار والتيه. وقد كان العراق وما يزال نقطة الانطلاق المُثلى وفق المنظور الغربي المتمثل بمشاريع قوى الاحتلال الذي أعدّها في سبيل تحويل العوارض المذكورة آنفًا وغيرها مما يأتي ضمن منهجية غارة الغرب على العالم الإسلامي؛ إلى حقائق ووقائع ملموسة، فأخذ الاحتلال يرسم الخارطة مصغرة داخل العراق، تعمل ببطء نعم، لكنها قابلة للاتساع والانتشار السريع بمجرد اكتمال نصابها فيه لتشمل المنطقة كلها ثم تتعدى القطرية والإقليم حتى تطال الأمة أجمع. وليست بخافية على أحد مجريات الأحداث التي ازدحم بها المشهد العراقي طوال العقد الماضي، والمقام هنا لا يسمح بإعادة الخوض في تفاصيلها، لأنها أصبحت من البداهة بمكان ما يجعلها من معالم المرحلة التي لا يعجز عن الإفصاح عن إدراكها إلا عدو يعمل على تفاقمها، أو منافق يصطنع الغفلة عنها. وفي وقت مبكّر جدًا من ولادة الأزمة، برز في العراق صوت قوي الوقع صادق القول ينطلق من ثوابت شرعية بتفرعاتها الأخرى من الوطنية والإنسانية والأخلاقية وغيرها؛ فكشف عن حقيقة ما يجري في ظل الاحتلال وخاصة ماهيّة العملية السياسية، واستشرف مستقبلها مستشهدًا بالنصوص تارة وبأحداث التاريخ تارة أخرى وبالواقع الشاهد الذي لا يغطى بغربال في الثالثة، كان هذا الصوت هو هيئة علماء المسلمين التي تبنّت مشروعًا للخلاص، بقيت ثابتة عليه على الرغم من كل المتغيرات التي عصفت بالساحة، وصمدت بوجه كل أنواع الهجمات التي جوبهت بها، فرسمت به خطوط الحل والخلاص في أكثر من مناسبة، حتى بذلت في سبيل ذلك كثيرًا مما هو غالٍ من الأرواح والطاقات، وأفنى جهابذة علمائها أعمارهم وصحّتهم في سبيل قضية آمنوا بها وهم في هذا الجهاد المتواصل، ولعل الشيخ طيّب الذكر الدكتور حارث الضاري -رحمه الله- في طليعة هذه النخبة، والتاريخ والضمير لا يجابهان عناءً لدى أولي الألباب في إثبات ذلك والشهادة عليه. وعلى الرغم من أن كثيرًا من المشتغلين في السياسة من أفراد أو أحزاب أو برامج ممن ناصبوا العداء للهيئة بسبب تقاطع مشروعها المخلص مع مصالحهم الهامشية التي وعدهم بها الاحتلال أو ألقى له بشيء من فتاتها؛ باتوا يدركون جيدًا أن الهيئة لم تحد عن الحق مطلقًا في طروحاتها، ولاسيما بعدما ركلتهم العملية السياسية بعيدًا بسبب نفاد صلاحياتهم فأخذوا ينادون بما كانت تعلنه الهيئة قبل عقد من الزمان، فضلاً عن ثلة من المحللين المنصفين الذين اهتموا بالشأن العراقي من داخل البلاد أو خارجها وحكموا على مشرع هيئة العلماء بالصواب؛ إلا أن أحدًا لم يجرؤ على الاعتراف مؤخرًا وبشكل صريح بأن خلاص العراق الذي ينعكس بالضرورة على خلاص الأمة يمر عبر هذا المشروع. فرأت الهيئة فيما يبدو -وهي التي زخر تاريخها ومناقب علمائها بالتواضع ورفض الشهرة والتباهي- أن تعيد الكرّة بشكل جديد وثوب آخر، فأطلقت مبادرتها الأخيرة (مشروع العراق الجامع) لإيقاد جذوة في طريق الخلاص. جاء مشروع (العراق الجامع) باعتباره الحل المناسب لإنقاذ العراق والمنطقة، في وقت مهم للغاية، بعدما تأكد لدى الجميع أن رؤية الهيئة الفذة للأحداث تختلف بالكلية عمّا يراه غيرها، إلى جانب أحقية موقفها - تاريخيًا - الذي ثبتت عليه منذ احتلال البلاد في 2003م وحتى الآن في أن يُسمع وأن يُعمل به، لاسيما وأن هيئة العلماء كانت في تلك المدة تكافح بجميع طاقاتها في طرح مشروعها مغتنمة أية فرصة لا تتقاطع وثوابتها، على الرغم من التضييق الإعلامي الشديد المصاحب لموجة الهجوم الواسع عليها والرامي إلى إسقاطها. إن مبادرة مشروع العراق الجامع؛ جديرة بأن تُدرس بعناية ودقّة ووعي لكل مصطلح يرد فيها، ذلك أنها تتضمن خلاصة رؤية هيئة علماء المسلمين للأحداث من جهة، وتعطي فرص انتشال البلاد مما فيها زخمًا له تأثر واضح على المنطقة من جهة ثانية، وبالتالي فإن تجاهل هذه المبادرة من قبل الأطراف المعنية بها يعد بمثابة انتحار يودي بالأمة كلها قبل أن ينتهي من إزهاق العراق . استعرضت المبادرة واقع العراق المر، وسلطت الأضواء على مراحل الثورات الثلاث التي أطلقها العراقيون تجاه العملية السياسية، مذكرة الجميع بالمشروع المقاوم الذي يعد الرقم الأصعب في القضية العراقية، وذلك لغاية تريدها، تتلخص في أن أي طرح للحل بعيدًا عن إرادة الجماهير سيكون فئويًا ومحدودًا إن لم يكن سلبيًا، ومن هنا يمكن القول إن الخطوة الأولى من المبادرة كانت تتمثل في رسم معالم الأرضية التي ينبغي أن تتم فيها. ثم تناولت الواقع العراقي الجاري اليوم في ظل حرب ضروس ليس للشعب العراقي فيها أية مصلحة، بل العكس؛ فهو المتضرر الوحيد منها، ثم ربطت ذلك بطبيعة النظام السياسي القائم في العراق والذي يتحرك بمنظومة إيرانية أمريكية لا تمثل العراقيين بأي شكل من الأشكال، مؤكدة أن اجتثاث العملية السياسية التي تعد السبب الأساس في نشوب الحرب آنفة الذكر من شأنه أن يعطي فرصة حقيقية لبناء جديد كياناته محفوظة ووحدته وسيادته مصونة، فضلاً عن القضاء على بؤر الصراع التي تفاقمت في أرضه.. إن مدخل المبادرة بهذه الصيغة بحد ذاته، يُعد مشروعًا كبيرًا له آثار إصلاحية لخطوات واسعة المدى في طريق الخلاص ومسار البناء المنشود. إن القارئ الحصيف لفحوى المبادرة ودواعيها؛ يدرك أنها تبلورت حول نقطة أساسية شخّصت فيها العلة الرئيسة للمشكلة العراقية، ألا وهي العملية السياسية وما يتعلق بها من دستور وحكومات ومشاريع ما انفكت معاولها تضرب بعنف فيما تبقى من أنقاض بناء العراق، إذ لم تكتفِ بتهديمه بل أحالت هذه الأنقاض ترابًا، وجعلت من بلاد الرافدين ذات الخيرات المشهود لها أرضًا يبابًا. وحين تدرك العلة، يُفهم نوع العلاج الذي وصف لإزالتها، ومن هنا، أكّد مشروع العراق الجامع أنه لا يجد في أي طرف من أطراف هذه العملية شيئًا يؤهله ليكون جزءًا من الحل، وفي هذا السياق تقول المبادرة ما نصّه: "إن تجربة مداها أكثر من ثلاث عشرة سنة فشلت فيها وجوه العملية السياسية المختلفة: مبدأ وأشخاصا وتطبيقات، في إدارة شؤون العراق، وجلب الاستقرار له، والمحافظة على عناصر القوة فيه، حتى استحق عن جدارة وصفًا أطلقته بحقه منظمات دولية متخصصة، وهو: (الدولة الفاشلة)؛ لا يمكن بعد هذه التجربة المرة إقناع العالم أن هذه الوجوه نفسها ستنجح هذه المرة، إذا قدم لها المزيد من الدعم الدولي؛ فتجربة المجرب عقيمة، وأي حل ترقيعي يبقي قواعد اللعبة السياسية القائمة الآن كما هي، ويبقي السياسيين على خطاياهم وأخطائهم لن يكون ناجعاً بالمرة؛ وسيقود العراق والمنطقة إلى مزيد من الهاوية، وهذا ما يستدعي البحث عن مخرج سليم يضع الأمور في سياقها الطبيعي، والحقوق في أنصبتها، ويقطع دابر الفساد والدمار". ولعل النص المقتبس من مبادرة الهيئة كفيل بتلخيص مطالبها، لكنه لا يغني عن الغوص في أعماقها، لأنها ليست مهمة فحسب، بل تتضمن قضايا كبرى ليست بيسيرة، وركزت على أن المهمة غير سهلة بالمرة بل تتطلب جهودًا متواصلة وآليات عمل رصينة الأمر الذي يوحي بأنها موجهة إلى المعنيين بمزاولة تفاصيلها بثوب جاد وهادف ميزته التجرد والحرص على الحق، لا كما يتصوره نفر من الذين أخضعوا عقولهم للهوى فأصبحوا حيارى بين ضياع القضية وتيه الأفكار. وبعدما أفصحت هيئة علماء المسلمين عن داوعي مبادرتها؛ أخذت تفصّل في فحواها ومضمونها الذي يتألف من أربعة محاور رئيسة، وتسعى فيها إلى تحقيق أربعة أهداف أساسية، وذلك في إطار محددات رسمتها مستوحاة من ثوابتها الرصينة ورؤيتها المستندة إلى الواقع الذي يقاسيه العراق وترتد آثاره إلى عموم المنطقة، معربة عن أن "الهدف الأسمى للعراقيين جميعًا لا ينحصر في الضرب على أيدي المفسدين فحسب، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء مشروع عراقي حقيقي، يضع رؤية مستقبلية شاملة؛ تضمن بناء إرادة حرة للشعب العراقي، وتنقله من واقعه الحالي إلى واقع العمل السياسي الحر والمستقل..". ولأن هيئة علماء المسلمين اتخذت من الصدق منهجا في طروحاتها سواء أثناء خطابها للشعب العراقي، أو في حال تقديم صيغة لإحدى بنود مشروعها على مدى العقد الماضي؛ فإنها لم تتجاوز منهجيتها وهي تطرح مبادرتها، لتكون بذلك شفّافة وواضحة أمام الجميع، بحيث لا يبقى عذر لمتحامل يبث حسده وغيظ قلبه، أو فاشل ليس له من حياته سوى الطرح الفوضوي والنقد غير المنهجي؛ لتؤكد مجددا بأن مهمة تطبيق المبادرة ليست سهلة، مذكرة بأن واقع العراق الحالي يعاني من احتلال إيراني غير معلن ناجم عن تدخل سافر وضار بمصالح البلد، ومسببا إرباكا للمنطقة، وإثارة لمخاوف دولها في الوقت نفسه، ووفقا لذلك حذرت مبادرة العراق الجامع من أي عملية لإيجاد صيغة تفاهم بين العراقيين، وتأسيس دولة عراقية مستقرة، فإن ثمة من سيضع دون إتمامها العقبات. وبعد أن أوفت هيئة علماء المسلمين بعهدها لأهلها في العراق وإخوتها من أبناء الأمة جميعا، انطلاقا من المسؤولية الشرعية التي حملتها على عاتقها، تبقى للتاريخ كلمة من اللازم قولها؛ إن لم تحظَ هذه المبادرة باستجابة وتطبيق - بعد فشل كل الطروحات التي جيء بها بعناية دولية تسير بمحاذاة مشروع الاحتلال في العراق - فإن مستقر الهاوية سيكون المكان الأكثر ملائمة للأمة كلها، ليس لأنها تستحق ذلك، بل لأن نكوص أبنائها هو من قادها إلى هناك. كلمة الأمين العام للهيئة الدكتور مثنى حارث الضاري في افتتاح مؤتمر الهيئة العام الثاني (1-2) كانون الثاني 2016 أبناء شعبنا الأبي الصابر المرابط، أينما كنتم في ربوع الوطن أو أصقاع الدنيا، في مساكنكم الآمنة أو في مخيمات نزوحكم وهجرتكم المؤلمة. الإخوة والأخوات الحضور السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أتحدث إليكم اليوم في منعطف مهم من منعطفات طريقنا الطويل اللاهب بعد الاحتلال، ومع ازدياد الأذى وبلوغه حداً لا يطاق، واجتماع الأعداء من كل أصقاع العالم علينا؛ لابد لنا من التحلي بالأمل وتجنب اليأس؛ لأن الله سبحانه وتعالى، نهانا عن القنوط، ومادام الإيمان مستقرا في قلوبنا، والالتزام بعدالة قضيتنا قائم؛ فوعد الله آتٍ لا محالة. أيها الإخوة والأخوات إن المبدئية والثبات على الحق، هي السمة العامة لهيئة علماء المسلمين في العراق، وهي سمة يجمع عليها أنصارها والخصوم السياسيون، على حد سواء، وقد أثبتت الهيئة _بغض النظر عن وجهات النظر القاصرة أو الظالمة_ قدرتها على إبداء المرونة الكافية في العمل السياسي بما لا يخل بثوابت الموقف الشرعي ومتطلبات التحرك السياسي، معتمدة في ذلك على فقهي الموازنات والأولويات ومعالم السياسة الشرعية، التي تجنبها كثيرون فوقعوا فيما لا يرضاه الله ولا يفيد الناس. ونحن في الهيئة لسنا مضطرين لإبداء رأينا في أي طارىء يظهر على الساحة العراقية، ولسنا ملزمين بتبيان موقفنا من كل شيء، فقد تساوى العدو والصديق في معرفة مسالك الهيئة وسياستها ومواقفها وآليات تحركها، ولاسيما أن هذه المرحلة، هي مرحلة عرض المشاريع والمقترحات، وهذا ما اعتدنا عليه قبل كل متغيّر سياسي مهم، أو انتخابات أمريكية، وكما تقول القاعدة: (لا ينسب لساكت قول). وقد درجنا في الهيئة على سياسة قديمة مفادها: ألا نختلق المواقف، ولا نتفاعل مع كل المواقف، فنحن لا نلتزم بتبيان وتوضيح كل تصريح له علاقة بالهيئة، قصدت به وعنيت أو جرى ذكرها فيه ذكرا عارضا، أو إشارة، أو تمنيا، أو بيان نوايا، وما إلى ذلك، وإن هذه الأمور متوقع صدورها من هنا أو هناك؛ لما يعلمه الجميع من مكانة الهيئة وأثرها المهم في خارطة المشهد العراقي. وأسجل هنا تمسك الهيئة بمنهجها بعدم الاشتراك في أيّ جهد أو تحرك سياسي مع أيّ جهة لها علاقة بالعملية السياسية المفروضة على رقاب العراقيين، وأن بابها مفتوح للحوار مع الجميع، من أجل الحل الشامل والكامل والناجز والحقيقي والمجدي، وليس مع المشاريع المتسرعة غير المجدية، وتجارب الهيئة في هذا الصدد تثبت أنها تستطيع التجاوب مع المتغيرات المهمة والمفصلية برؤية سياسية منضبطة. وأنبِّه أيضا على أنه لن يكون هناك أثر حقيقي لأي تحرّك في الساحة وبأي وصف ما لم تتوفر له ظروف موضوعية وذاتية، فضلا عن الإرادات الخارجية المتحكمة في العراق والمنطقة، ولا مؤشرات حقيقية على تلك الإرادة حتى اللحظة؛ بل المؤشرات تفيد خلاف ذلك، وهو رغبة قوى الهيمنة في بقاء الأوضاع غير المستقرة في العراق، واستمرار العملية السياسية بمدخلاتها ومخرجاتها نفسها، وبلا تغيير جوهري يطال ساقيها التي تقوم عليهما، وهما: ابتنائها على الطائفية وإقصاء وتهميش مكوّن كبير بعينه؛ لإطالة عمر مخطط الفتنة والقتل. وبالنسبة للهيئة فإنها ملتزمة بنهجها المحافظ على قيم الحق والعدل والخير والمقاومة، والحرص على مصالح العراق والعراقيين، ونصحها الصادق للشعب العراقي، ولديها مشروعها العام الذي عرفت به منذ سنين، وتنافح من أجله، ولديها مبادرتها الخاصة (العراق الجامع) التي أعلنت عنها قبل أشهر، وتدعو لها، وهي مستعدة للتحاور والتشاور من منطلق أسسها ومحدداتها مع أي طرف يقبل بذلك؛ من أجل التفاهم على أساسيات عمل مشترك؛ توحيدا للجهود وجمعا لشتات العمل المتفرق؛ وسعيا لتقديم شيء لأبناء العراق الضائعين بين ضغوط الاحتلالين، ومنافي الغربة ومخيمات النزوح في وطنهم. ومع ذلك فإن هذا لن يثنينا عما نقوم به، وسيرنا الصادق والمـُجدّ نحو خيار خلاص مقاومٍ ثابت واعٍ، غير مفرطٍ بحقوق شعبنا، طال الطريق أو قصر، امتد الزمان أم انحسر. أيها الإخوة والأخوات إن هناك حاجة ماسة للإسراع في تحقيق عمل جامع مشترك؛ مع مراعاة التحركات على الساحة العراقية، وضرورة الالتزام بالثوابت الوطنية لضمان نجاح أي مشروع، والتشديد على عدم دخول شخصيات مشاركة في العملية السياسية أو داعمة لها؛ حيث ينبغي لنا إيصال رسالة واضحة لكل من يهمه الأمر، مفادها أن دخول هؤلاء سيضر بمصداقية المشروع، ومن الخير لنا أن نخرج بمشروع يكتب له النجاح ويكون أداة لإنقاذ العراقيين مما هم فيه، ويتم فيه الالتزام بوثيقة أو ورقة أساسية لمشروع عراقي، تتضمن البنود الآتية: (هوية العراق، وحدة العراق، العملية السياسية، الدستور، دين الدولة، السلطات، القضية الكردية، القوات المسلحة، ثروات العراق، المرأة). إن الالتزام بما تقدم يعني: الموقف السليم والصحيح والمطلوب، في مقابل عروض: الرضا بواقع العملية السياسية وطلب إصلاحها فقط، والقبول بالدستور والاكتفاء بطلب تعديلات عليه، أو مشاريع المصالحة الوهمية وذات الاشتراطات والمحددات الحكومية. ومن هنا؛ فيسرني إعلامكم بأن الأمانة العامة للهيئة؛ قد وافقت في جلستها المنعقدةِ يوم أمس؛ على انطلاق المرحلة الثانية من مبادرة (مشروع العراق الجامع) وستشهد الأسابيع المقبلة _بعون الله_ إعلانا مهما من الهيئة بهذا الصدد. أيها الإخوة والأخوات هذا هو موقف الهيئة، وهذه رؤيتها، وهذه هي طريقة التعبير عنها، ولسنا مسؤولين عن أي وجهة نظر هنا أو هناك، قربية أو بعيدة منا؛ فمشروع الهيئة كان وما يزال غير خاضع لحسابات شخصية أو مصالح دنيوية، أو علاقات خاصة، وإنما في حساباتنا كهيئة، أننا ننظر إلى المصلحة العامة، التي نراها من خلال التشاور مع من هو قريب منا بالموقف، وشريك لنا في العمل السياسي العام منذ بداية الاحتلال وحتى الآن. وإذ أعلن هذا الآن؛ فهو من باب تثبيت الحقائق العامة، وإبراء الذمة أمام الله تعالى وأمامكم؛ مؤكدا على أن عدم اكتمال أي عمل وطني ما، في مرحلة ما؛ هو دافع قوي للعمل والمثابرة من أجل المستقبل، وليس عائقا في وجهة المشروع العراقي العام، الذي نعمل من أجله جميعا، وإنما هو صفحة على جانب الطريق فتحناها من أجل الصالح العام، ولم يكتب لها التوفيق، وتم تجاوزُها، ولن تؤثر بعون الله على مسيرة العمل الجاد من أجل الخلاص الحقيقي لا الخلاص الموهوم. وأخيرا: أغتنم هذه الفرصة أيضا لأبيّن الآتي: 1. إننا في الهيئة لا نتبع أساليب التدليس واللف والدوران، فالهيئة واضحة وصريحة، وتعتمد سياسة اللين والرفق في التعامل، مع التمسك الثابت بالحق الذي تعتقده والصواب الذي تراه، وهذه هي عوامل بقائها واستمرارها، وقبل ذلك سر قوتها. 2. الهيئة بيت وخيمة لكل عراقي، وأن طبيعة علاقتها بالجهات والشخصيات السياسية هي علاقة أب بأبنائه، وعطف الأب يسع كل ابن بار وغير بار، أو علاقة الأخ مع إخوانه، وأن أي طرف يخلص النية لله، ويعاهد الشعب على العمل له؛ سيكون مرحبا به، وسيجدنا متسامين على كل جراح الماضي، ومستعدين للتعاون والسير معا في ركب العمل الوطني، وكذلك نقولها لكل من اجتهد في إطار مسيرة العمل ضد أعداء العراق، فاقترب منها قليلا أو كثيرا، عن غير قصد؛ فإننا نرحب به على قاعدة الاعتذار والاعتراف بالخطأ. وإني إذ أبيّن هذا؛ فهو من باب النصح للجميع، ومعذرة إلى الله عز وجلّ وشهادة للتاريخ في هذه المرحلة الحساسة والمصيرية من تأريخنا العراقي. 3. إن رمزية الشيخ حارث الضاري (رحمه الله) ليست قاصرة على هيئة علماء المسلمين، وإنما هي لجميع العراقيين الصادقين والمخلصين، ومن حق كل عراقي يحسن الظن بنا. ومن باب أولى فهي ليست قاصرة أيضا على عائلته وعشيرته وقبيلته _وإن كان هذا من أعز ما تعتز به القبيلة والعشيرة والعائلة_ ولكني أقول: إن هذا الاعتزاز لا يكون إلا بما خطه الشيخ (رحمه الله) من نهج وما ارتضاه من إطار مؤسسي يعمل من خلاله ويتشرف بحمل اسمه، وهو (هيئة علماء المسلمين)، وما يحيط بها ويلتف حولها ويساندها ويناصرها من مؤسسات، أو يتعاون معها من قوى وحركات وجهات وشخصيات، وأن هذه الرمزية ليست متعلقة بوجود الشيخ (رحمه الله) أو وجود الهيئة أو وجودي، فالنهج ثابت والأمل قائم، والراية مُشرعة، والتوفيق من الله تعالى. وختاما لابد لي هنا من وقفة استذكار واعتزاز بشهداء العراق وفلسطين وسوريا واليمن، وغيرها من ساحات المحنة التي تعيشها الأمة، وأخص بالذكر هنا: بعض أعضاء شورى الهيئة الذين ترجلوا في الميدان: قتلا أو اغتيالا، منذ آخر مؤتمر عام للهيئة في (2008) وهم: الشيخ الشهيد _بإذن الله_عبد الكريم جمعة (رئيس فرع جلولاء) والشيخ الشهيد _بإذن الله_ ثروي الشمري (نائب رئيس فرع الموصل) والشيخ الشهيد _بإذن الله_ أحمد القيسي (عضو فرع بيجي) والشهيد – بإذن الله - . ونترحَّم في هذه المناسبة أيضا على الشهيد _ بإذن الله _ محمد زهران علوش في سوريا؛ رحم الله الجميع وتقبل جهدهم وجهادهم، وأحسن ختامنا وألحقنا بهم على طريق الشهادة. وأوجه شكري هنا للأردن الشقيق (ملكاً وحكومة وشعبا) على اتاحته هذه الفرصة لنا لتحقيق هذا اللقاء. وأسال الله عز وجل التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين. تقرير عن حصار عدد من مدن محافظة صلاح الدين تحت سلطة الميليشيات الحكومية قام قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين بتتبع حالة الحصار والدمار الكبيرة في عدد من مدن محافظة صلاح الدين التي سيطرت عليها القوات الحكومية والميليشيات الساندة لها، ورصد القسم قيام القوات الحكومية والميليشيات باتباع سياسة الأرض المحروقة والانتقام من أهالي هذه المدن والنواحي، وكما يأتي: أولاً: المدن التي تعرضت للسلب والهدم من قبل الميليشيات: 1. ناحية يثرب: تقع ناحية يثرب بين منطقة السندية وقاعدة البكر الجوية من جهة الشرق، وقضاء الدجيل من الجنوب، وقضاء بلد من الغرب، ومن الشمال منطقة العظيم وبيشكان والضلوعية وعدد سكانها (80.000) نسمة تم تهديدهم بالقتل والاعتقال إذا لم ينصاعوا لأوامر الميليشيات المرتبطة بالقوات الحكومية، وقامت الميليشيات بهدم (375) داراً سكنية بعد سرقة جميع أثاثها، وتم تفجيرها بالعبوات الناسفة، فضلاً عن سرقة مكائن لتصفية المياه، مع قلع أعمدة وأسلاك ومحوﻻت الكهرباء، وقاموا أيضاً بنهب مئات السيارات الحديثة و (آلاف) من رؤوس الماشية (البقر)، و(آلاف) من رؤوس الماشية (الغنم) عائدة إلى أهالي المنطقة، وكذلك سرقة المدارس، فضلاً عن حرق وتجريف بساتين البرتقال والفواكه والخضر ومسقفات العنب. وقتلت وخطفت هذه الميليشيات أكثر من (43) شخصاً من عائلة واحدة فقط، فضلاً عن اختطاف (8) أشخاص اخرين، ومساومة ذويهم للفدية ولكنهم وجدوا مقتولين بعد ذلك. 2. ناحية عزيز بلد: تضم ناحية عزيز بلد منطقة جويزرات وسنجار وأم شعيفة، وتقع بين يثرب من جهة الشرق، وقضاء بلد من جهة الجنوب، ومنطقة الرواشد من جهة الغرب، والحردانية وناحية المعتصم ونهر دجلة على طول حدودها من الشمال، وعدد سكانها (50000) ألف نسمة، قام الحشد الشعبي والميليشيات الأخرى بهدم (280) داراً تم تدميرها بالكامل، وحرق ما تبقى منها ونهب أثاثها، وسرقة مئات السيارات و(40000) ألف رأس ماشية (بقر) و(6000) آﻻف رأس ماشية (غنم)، فضلاً عن سرقة أموال الدولة من أعمدة ومحطات الكهرباء، ومحطات توزيع المياه للأراضي الزراعية وأجهزتها، وحرق بساتينها وسقفيات العنب. وبلغ عدد المعتقلين في مديرية شرطة بلد (173) معتقل من أبناء يثرب. وخلال هذه العمليات في المدينة تم قتل وخطف (68) شخصاً. 3. منطقة الرواشد: وتحدها مدينة عزيز بلد من الشرق، وناحية الإسحاقي من الغرب، وبلد من الجنوب، ونهر دجلة من الشمال باتجاه سامراء، وعدد سكانها (5000) آلاف نسمة. نهبت الميليشيات جميع ما فيها، ودمرت قرابة (100) دار، ومحطات تصفية وتوزيع الماء، ومحوﻻت وأعمدة وأسلاك الكهرباء، وسيارات المواطنين. وتشتهر المنطقة ببساتينها الكبيرة من العنب والفواكه، التي قام الحشد الشعبي والميليشيات بنهبها وسرقة الماشية (البقر والغنم)، وجرى عليها ما جرى للمناطق الأخرى المذكورة سابقاً. 4.جزيرة الإسحاقي والدجيل: يقدر عدد سكانها (140.000) ألف نسمة، وهي من أشهر مناطق تربية الأغنام والأبقار، وزرع الحنطة والشعير والخضر ونهبت الميليشيات مرشات الزراعة وآﻻت التقطير التي تسقي آلاف الدونمات، وتمّ سرقة مكائنها الزراعية والإنشائية، وعدد كبير من السيارات العائدة لأهالي المنطقة ومحوﻻت وأعمدة الكهرباء. وفضلاً عن هذه الانتهكات بحق المواطنين وممتلكاتهم، وبحق الملكيات العامة للدولة من مدارس ومؤسسات رسمية وغيرها؛ فإنهم قاموا بانتهاك القانون الدولي الإنساني بالتعرض لدور العبادة الموجودة في المناطق المسيطر عليها بأساليب طائفية. حيث تمّ هدم وسرقة وحرق (10) مساجد في المنطقة وهي: طريقة عملية السرقة: ذكر شهود في المناطق المنكوبة أن صيغة النهب لهذه المدن والبلدات كانت تتم من خلال قيام سيطرة الميليشيات عليها بإخبار تجار الحواسم والمسؤولين المتنفذين في الحشد أو غيرهم من المختصين بتجارة المسروقات من كهربائيات ومواشي وسيارات وآﻻت زراعية وأثاث والحديد المستخدم في سقوف الدور، وتتم عملية البيع بالمزايدة العلنية بين هؤلاء التجار وتدفع المبالغ للميليشيات، بذريعة دعم الحشد الشعبي. أما أطراف العقد فهم: الطرف الأول البائع: سيد (حسين الأسدي) قائد كتائب الإمام علي أو قائد سرايا الخرساني أو سرايا الحسين أو سرايا عاشوراء. والطرف الثاني: المقاول (كرار حيدر الخزعلي) ومقاولين آخرين يدعون بالألقاب التالية (العبادي) أو (المالكي) أو (الفتلاوي) أو (الحسيني) أو (البلدواي)، وهذه أسماء لمقاولين يتبعون للأحزاب السياسية المتنفذة في المنطقة، والبيع بالجملة حيث تقدر كل مجموعة من المواد المسروقة بأكثر من (10.000) آلاف دولار. الاعتقالات التعسفية والقتل العمد: هناك محور آخر في قضية مناطق الاسحاقي ويثرِب وعزيز بلد هم المعتقلون تعسفاً، الذين تمّ تعذيبهم وقتلهم لاحقاً: حيث كان يوجد قبل 9/6/2014 في سجن مديرية بلد (33) معتقلاً، وبعدها تم قتلهم ورميهم في مشروع بزل المياه الواقع خلف مرقد السيد محمد في بلد، وتمّ التعرف على بعضهم: منهم (جاسم محمد عباس السامرائي) و (حيدر إبراهيم جاسم الفراجي) و (عبد القادر خلف سلمان الفراجي)، والباقون من يثرب والإسحاقي. القصف العشوائي للمدن ووقوع ضحايا بين المدنيين: قامت الميليشيات بقصف تجمع للعائلات أمام مركز صحي في ناحية عزيز بلد مكوّن من (19) شخصاً قتلوا جميعاً، ولم ينج منهم أحد. إن ما تقدم من وقائع وأفعال هي من قبيل التطهير العرقي والإبادة الجماعية والقتل العمد والتهجير القسري والاعتقال التعسفي والتعرض لمبادئ حقوق الإنسان، يعاقب عليها فاعلها أياً كانت صفته أو مكانته أو المنصب الذي يمتهنه. وهذا يدل على أن القوات الحكومية والمليشيات التابعة لها؛ لا تراع نصوص القوانين الدولية ولا الأعراف الدولية والإنسانية، ويؤكد أيضا على أن هذه المناطق التي تقع تحت سيطرة هذه الميليشيات وغيرها هي مناطق منكوبة ومناطق غير آمنة، وعلى المجتمع الدولي أن يقوم بحماية المدنيين الآمنين وممتلكاتهم وملاحقة مجرمي الحرب.مشروع العراق الجامع، مع المرسِل والمرسَل إليه
واعلموا أيها الإخوة أن ما نقوم به في الهيئة ومعنا إخوتنا الناشطين في مجال العمل الوطني؛ إنما هو من باب القيام بالواجب، والسعي من أجل تقديم ما يمكن تقديمه، وتقليل الضرر ما أمكن، والتخفيف قدر المستطاع من آلام العراقيين، وبعث الهمة في تطلعاتهم لعراق حر يعيشون فيه بأمان وكرامة، على الرغم من الواقع الصعب الذي نعيشه، والإرادات المتحكمة في العالم، ولاسيما في منطقتنا التي نعيش.
قسم حقوق الإنسان هيئة علماء المسلمين في العراق 3 / 10 / 2015 م