

أ.د.فاضل محمد البدراني الجامعة العراقية- كلية الإعلام المقدمة: حرب المصطلحات هي إحدى سمات العصر الحالي"الحادي والعشرين" الذي اطلق عليه "عصر الإعلام وتداول المعلومات " ولمجرد قراءة متأنية لصفحات جريدة أو موقع الكتروني أو متابعة نشرة إخبارية أو برامج حوارية تتكشف لك الكثير من الزوايا المظلمة التي تختبيء فيها العديد من الايديولوجيات التي تقف خلف هذه الوسائل الإعلامية التي ساهمت في انتقاء مصطلحات معينة تتناغم مع أفكارها وأهدافها. ولا يختلف اثنان على أن أداء الإعلام في العالم العربي عامة والعراق بشكل خاص اتسم بالتناقض بين التوجه والكلمات المستخدمة في سياق الأخبار والبرامج، وبين وقوعه في تبعية الإعلام الغربي من خلال استخدامه لمصطلحاته وتغلغله في إعلامنا؛ حتى غدت صحفنا العربية وغالبية برامجنا التلفازية نسخة معربة لما ينشره ويبثه الإعلام الغربي. ذلك كله على حساب ضياع هويته التي كان من الفترض أن يتحلى بها. ومع أن كتب الإعلام تركز في متونها على الحيادية كصفة من صفات الإعلام المستقل؛ لكن ما يلاحظ في الممارسة الإعلامية في الواقع أن لكل وسيلة إعلامية سياستها وتوجهها وفقا للخط الايديولوجي الذي تنتمي اليه، وبالتالي فهي تطوّع الكلمة والمصطلح لتخدم هذه السياسة وهذا التوجه. ومن سمات عصر تداول المعلومات الحالي أن وسائل الإعلام عمدت إلى ركوب موجة الأسلوب الدعائي أو التحريضي" البروباغندا " بتوزيع نسخة أو انتاج برامج وصفحات مشوهة أو أحادية الجانب لمساعدة أو الحاق الضرر بشخص أو مجموعة أو جماعة أو حزب أو دولة. والأمثلة كثيرة على استخدام الإعلام للاغراض الدعائية أو الحث على العنف والنزاع والكراهية. وللإجابة عن السؤال المطروح عن ماهية آليات المعالجة من ذلك ؟. ينبغي أن يركن الإعلام إلى ثلاثة مباديء أساسية: 1.الالتزام بصحافة منصفة ومتوازنة ودقيقة ونزيهة. 2. سن القوانين الفعالة. 3. دعم التنوع الإعلامي في بيئة إعلامية حرة وتعددية. وبدأت عملية تداول المصطلحات الإعلامية ذات المغزى السياسي لفترة ما قبل الغزو الأمريكي للعراق مطلع 2003، وقد اختيرت بعقلية غاية في الدقة والخطورة بغية العبث في عقل الإنسان العراقي وافتراسه، وترويضه بما يخدم المشروع الغربي الجديد الذي كان يهيئ له والذي نعيش تداعياته في الوقت الحاضر. لا شك أن الكثير من المصطلحات الإعلامية التي جرى الترويج لها عبر الإعلام الغربي، وتوجيهها للعالم الخارجي، لتكون أولا من نصيب الإعلام العراقي، جاءت بتوجيه اسرائيلي يطلق عليه في العبرية (هاسبارا). وعليه فإن بعضا من المصطلحات الإعلامية جرى تسليط الضوء عليها وهي في حقيقة الأمر تشكل ألغاما فكرية مسمومة نجح من صنعها أو أنتجها في أن يغرسها في عقول الكثير من العراقيين وخاصة المسؤولين عن إدارة العملية السياسية منهم على وجه التحديد فضلا عن نسبة ليست قليلة من المواطنين الذين غردوا كثيرا بالطائفية والعنصرية والكراهية، واستهداف بنيته الاجتماعية وإحداث إخلال في المنظومة الاجتماعية. أولا : حرب المصطلحات الإعلامية : تتأثر المفاهيم والمصطلحات بشكل أو بآخر بالحقب السياسية والفكرية ذات التأثير المباشر في حياة المجتمعات، وتنعكس على مفردات الإعلام بوجه عام وبخاصة في الشأن السياسي، أو على وجه الخصوص حين يكون هذا الشأن أشبه بالزلزال، كما حدث عقب حصول ثنائية الغزو والاحتلال مطلع 2003، وما رافق ذلك من تحولات في مختلف نواحي الحياة وأبرزها الثقافة الإعلامية المتداولة مع حملة دخول الجيوش الأمريكية والبريطانية للعراق محتلة[1]، حيث سارع المنتمون للمنظومة الفكرية المؤيدة للغزو إلى الترحيب بهذه القوات واعتبروها قوات تحرير، وقد طبلوا لها في وسائل الإعلام الغربية وكذلك الإعلام العراقي الذي انتشر بشكل مخيف وبطريقة اداء بعيدة عن ضوابط وسلوكيات وثقافة الإعلام المهني، لسبب بسيط ان من امتلك وسائل الإعلام هم السياسيون والتجار ورجال المصالح ، ونالوا تشجيعا ودعما ماليا وفنيا منقع النظير إلى الحد الذي اصبح الكثير من الاشخاص بثراء مالي غير متوقع. لقد برزت مصطلحات ركز عليها الإعلام الغربي كثيرا بحيث جاءت متناسقة مع الحملة العسكرية الأمريكية لغزو العراق، وانه لمجرد تحريك الاسطول البحري الخامس باتجاه حملته للمشاركة بضرب العراق، شرعت ماكنة الإعلام الأمريكية والبريطانية وحتى الاسرائيلية تغذي عقول الراي العام بمصطلحات تاخذها من افواه السياسيين من صناع الواقع الجديد في العراق والمنطقة وتهيئة الاجواء[2] ولمجرد ان حصل الاحتلال واصبح واقعا، وتشكيل حكومة وقتية يديرها الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر ومجلس حكم يتالف من 13 شخصا جرى اختيارهم وتثبيت أسمائهم في مؤتمرات لندن وواشنطن قبيل الحرب على العراق وغزوه، بدأت عملية ضخ إعلامي مكثف تغزو عقلية الإنسان العراقي بمصطلحات جديدة لم يكن يألفها سابقا، ومنها ما يلي[3] : 1.العهد الديمقراطي الجديد. 2.الشفافية في إدارة الحكم. 3. تنظيم القاعدة والجماعات الارهابية. 4.الجماعات الإرهابية المتطرفة. 5.اجتثاث البعث والتكفيريين. 6.قوات متعددة الجنسيات. 7.حقوق الانسان العراقي. 8.الميليشيات المسلحة. 9. النظام السابق والصداميون والبعثيون. 10.العملية السياسية. 11. الكتل النيابية. 12.الأحزاب والقوى السياسية. 13.الجمعية الوطنية- مجلس النواب (البرلمان). 14. تهميش السنة. 15. حكم الشيعة. 16. الكرد والتركمان والاقليات المتعددة. 17. المنطقة ذات الغالبية السنية أو الشيعية أو الكردية أو التركمانية وغيرها. 18. أقليم كردستان العراق الذي يتمتع بشبه استقلال. 19. المشاركة السياسية وحكومة الوحدة الوطنية. كما ظهرت شعارات عديدة بصيغة هاشتاكات قبل أن يظهر علينا الإعلام الاجتماعي ووثقت في لافتات حملتها الجماهير " إخوان سنة وشيعة وهذا الوطن ما نبيعه". وأخذت وسائل الإعلام تكثر من استعمال هذه المصطلحات بحسب السياسات المرسومة للجهات الإعلامية، وعدت أسلحة فكرية للتأثير على عقول الناس مع الأخذ بنظر الاعتبار أن غالبيتها - إن لم تكن جميعها - ترتبط بأجندات خارجية وتبث من خارج العراق وتعمد إلى الترويج والأكثار من المصطلحات التي تستهدف التشويش على العقلية العراقية[4]، فالإعلام يسند مقتل أكثر من مئة مواطن في منطقة الصدرية من أعمال الجماعات المسلحة، وفي خبر إيحائي آخر يورد بأن الجماعات المسلحة قامت بتفجير جسر سرحة بين كركوك وبغداد، ثم يكرر بأن الجماعات المسلحة قامت بقتل ثلاثة جنود أميركيين، إذن فمشروعية هذا العمل تكمن في الدعم الكامل لهذه الجماعات المسلحة التي تقاوم المحتل ومن تعاون مع المحتل[5]. - التلاعب بالألفاظ : لقد كان من ضمن ما كنا نتابعه في نشرات الأخبار في الفضائيات أو الإذاعات، و كذلك الصحافة المطبوعة والمواقع الألكترونية التركيز على مصطلحات "القوات المتعددة الجنسيات"، وحين تحصل عملية مسلحة بقتل جندي أمريكي فإن الإعلام يقول قتل جندي من القوات المتعددة الجنسيات، كما يتكرر ترديد المصطلح بأن القوات المتعددة الجنسيات تلقي القبض على إرهابي من تنظيم القاعدة حتى لو لم يكن من المتطرفين، خاصة إذا كان مصدر المعلومة من الجانب العسكري الأمريكي. وهكذا أخذ المشهد العراقي يعج بتناقضات المصطلح من خلال تباين المواقف السياسية والثقافات الاجتماعية، ووفقا لتباين المصالح وتقاطعها لهذا المكون الاجتماعي أو ذاك، عقب ما أحدثه التحول الجديد بفعل الغزو للعراق بعد 2003، فحينما تتابع جهة إعلامية وهي تركز على مصطلح التهميش نجد الإكثار من مصطلح المشاركة السياسية وحكومة الوحدة الوطنية. ولكثرة التناقضات التي يتم التداول بها عبر وسائل الإعلام بمصطلحات يراد منها تكريس ثقافة معينة وكشف هوية أو أيديولوجية معينة، فإن هذا المصطلح تحول لدينا من خلال التعامل والملاحظة والبحث في حيثياته إلى مقياس لمعرفة المذهب أو القومية التي تنتمي لها المؤسسة الإعلامية على غرار المصطلح الديني إذا فقدت الفقيه فانظر إلى القوم ما يعملون واعمل خلافه ؟؟[6]. إن قضية التعامل مع المصطلح الإعلامي والشروع نحو سياسة التأزيم في القضايا السياسية والاجتماعية والأمنية، اعتبرت نهجًا معبرًا لطبيعة الخلاف والصراع الداخلي في العراق ويكثر التركيز عليه في نشرات الأخبار أو الممارسة الإعلامية بحيث تجري عملية الترديد بالمصطلح الإعلامي المعبر عن رؤية هذا وذاك ونقطة الخلاف لأجل صنع الاصطفاف الطائفي والعرقي، وعلى صعيد الخلاف الداخلي في العراق فإذا كان الائتلاف الممثل للمكون الشيعي يرحب بالحوار الأمريكي الإيراني، فإن الائتلاف الممثل عن المكون السني حتما يرفض هذا الحوار، والعكس هو الصحيح، وكذلك الأمر يتعلق بالمصطلح الإعلامي الخلافي بين المكونين الكردي والتركماني، وهكذا هو الحال، لذلك فإن المصطلح يتم تكييفه على وفق سياسة الجهة التي تعبر عنها المؤسسة الإعلامية أو حتى الصحفيين[7]. - البحث عن الهوية الإعلامية : إن قراءة متفحصة للكثير من المصطلحات والمفاهيم الإعلامية ذات التأثير في مضمون الصراع الحاصل في البيئة العراقية منذ مرحلة ما بعد الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان 2003، والتي تشغل مساحة واسعة في غرف التحرير لمختلف وسائل الإعلام العراقية، تعكس مشهدًا إعلاميًا مؤدلجًا، يجسد أفكارًا متضادة في بيئة المكونات الاجتماعية والسياسية المتناقضة الأهداف، وانتقلت هذه الثقافة الإعلامية المؤدلجة إلى اللسان الجماهيري بوجه عام باعتباره حقائق ووقائع وهو الصواب في حركة الصراع اليومي الدائر، وهي في الحقيقة تسريب إعلامي وسياسي مقصود ومدروس بغرض تعميمه وترسيخه تماماً[8]. إن البحث عن حلول ناجعة للتخلص من هيمنة المصطلحات الإعلامية التي أسهمت في شرذمة البنية الاجتماعية العراقية إلى مكونات متضادة مذهبيًا وطائفيًا، تحتاج إلى دراسة الأسباب التي دفعت الجهات التي عملت على ضخ معلومات واصطلاحات من شأنها شجعت هذا الانفصال وتفكيك اللحمة الوطنية العراقية، ومن بينها الجهات الدولية التي هي من خطط لهذا السيناريو، وتكوين الأدوات البشرية من أصحاب المصالح التجارية والباحثين عن المناصب القيادية لتنمية ذلك إعلاميا وتكوين الجمهور الذي سيقف مرددا لها ويقف بجانبها. والسؤال كيف يرتقي الإعلام العراقي فوق هذه المصطلحات الملغومة أساسًا والنهوض من كبوته وعدم انجراره إلى أتون الصراعات المذهبية والحزبية والمناطقية التي تنعكس سلبًا على مهنية الإعلام ورسالته الاجتماعية؟ لا شك أن ما يحتاجه الإعلام في العراق والتخلص من واقعه الخطير على طبيعة البيئة الفكرية المتشنجة والمتشرذمة هو ما يلي[9]: 1.أن تتعاون جهود القائمين على إدارته، وكذلك المختصون في المصطلحات ومعهم الباحثون والأكاديميون لحصر هذه المصطلحات والمفردات المتداولة ذات الدلالات والتأثيرات الطائفية. 2. التوقف عند هذه الإشكاليات الواردة، ودراستها والاتفاق على ميثاق شرف يضبط العمل بها، ويؤسس لمنظومة إعلامية سياسية تكون ميزان العاملين في الحقل السياسي والإعلامي. 3. ان تتبدل باتجاه مواقف وطنية تأخذ بنظر الاعتبار العراق أولا. ثانيًا: تأطير الخطاب الإعلامي بالمصطلحات : إن الاطار الإعلامي ليس هو الوسيلة الإعلامية، بما تمثله من تلفاز أو راديو أو صحف ودوريات وغيرها، بل هو وليد الممارسة الصحفية والإعلامية والمصطلحات الإعلامية المتداولة، وثقافة القائم بالاتصال ونوع ومصادر الأخبار والاتجاهات الايديولوجية والثقافية الشاسعة، ودرجة الحرية السياسية القائمة، وطبيعة الأحداث وحجمها وارتباطاتها بشؤون الناس. وانطلاقا من خطورة التوجه الإعلامي باعتماد ثقافة تأطير المصطلحات، أصبح لزامًا علينا أن نبحث في حيثيات هذه الاشكالية كونها شكلت ممارسة ضاغطة في أدلجة الخطاب الإعلامي[10]. مفهوم التأطير الإعلامي : - التأطير لغة : أطّر الشيء تأطيرا : بمعنى أحاط به ووضعه في إطار. -التأطير إصطلاحا: يعني الطريقة التى يقدم بها النص الإعلامي من طرف المحررين والكتاب وفقا لخلفيات ثقافية وأيولوجية ويحدد طريقة فهم وإدراك المتلقي للنص الإعلامي انطلاقا مما يخزنه من مفاهيم ومعاني حول هذا الموضوع، وهذا يعني أن كل واحد يجب أن يضع الواقع اليومي له في إطار معين حتى يتمكن من فهم الواقع الاجتماعي. والتأطير أيضا يعني الإحاطة بإطار التنشيط من حيث الإعلام، التكوين والتقييم قصد تسهيل أداء مهمّته وفق الغايات والأهداف المرسومة. فالإعلامي يقدم النص بطريقة مؤطرة انطلاقا من خلفياته الثقافية وبطريقة تجعل المتلقي يتقبلها كما يريد المرسل وليس حسب مرجعيات المتلقين، والذي يحدد طريقة الفهم لدى المتلقي هو المرسل من خلال التأطير الذي يحدثه للنص الإعلامي[11]. إن الانفجار المذهل الحاصل في تداول المعلومات وطبيعة التعاطي مع تداولها،ما كانت تتطور بهذه الطريقة التصاعدية لولا الاعتماد على الكلمة والصورة، فالمعلومات المتشعبة يجري التعبير عنها بالكلمات والصور، فهي قادرة على أداء وظيفتها في الشرح والتعليق وفي توضيح الأحداث باعتبارها مسلمات توضيحية وتفسيرية حققت كفاءة عالية في رفد الإنسان بما يحصل من توضيحات معلوماتية، إذ تمكنت من توصيل المعاني وخلق الوعي لدى الناس وأفراد المجتمع جميعا، واختيار المصطلحات الإعلامية على وفق أدلجة الخطاب أثر كثيرا على صدقية الممارسة الإخبارية. -التأطير في الخطاب الإعلامي : في الممارسة الصحفية والإعلامية تبدو المعلومة هي قطعة الذهب التي يحاول أن يصوغها الصائغ بطريقته حسب نوعها، ويحاول الإنسان أن يتزين بها بأشكالها المتعددة من هنا تكون الصياغة هي التأطير، وحسب هذا التشبيه فالتأطير في الخطاب الإعلامي والسياسي هو اختزال وتغييب لبعض الآراء وتبني آراء أخرى وإظهارها للجمهور أو المستخدمين بما تحملة من معلومات من خلال السماح بعرض الكلمات والصور والوثائق التي تحمل النصوص، وعليه فإن التأطير بتعبير أدق يعني السماح لمعنى ما واستبعاد معنى آخر، بحيث يتم التحكم في الحواس، فلا يرى الأفراد ولا يسمعون ولا يشمون ولا يتذوقون إلا أجزاء "مفضلة" من الحياة دون غيرها[12]. والتربية الإعلامية قضية معقدة جدا لأنها تتبنى أكثر من رأي ونقاش وتفسير وتتحدث عن أبعاد استراتيجية وآنية وما يتصل بالماضي لتتشكل الثلاثية في البعد الزمني وتطور الأفكار فيها، كونها تناقش إشكالية تراكمية من الأفكار والمزاجات لتعالج كثيرا من قضية الأطر الإعلامية، فالتربية الإعلامية في قضية الأطر الإعلامية هي هدف أساس لتنضيج فكر إعلامي نوعي يعكس الواقع في حقيقته، ويجسد الإحساس الدقيق في تصوير الطبيعة، وما يحدث فيها من أحداث وقضايا وموضوعات وحركة أفراد ومجتمع، الغاية الأساسية هنا انضاج الوعي الإنساني في النسق الإعلامي الناقل للنصوص، لإن المشاعر والتصورات تحركها وتهديها الأطر التي يصوغها الخطاب السياسي، ومن خلال التأطير يسعى المؤطر إلى التركيز على جانب أو جوانب محددة من القصة، ساعياً إلى إبرازها وتسليط الضوء عليها، بغية تشكيل انطباع أو موقف يرغب في حدوثه، والتأطير يمكن أن يتجسد في صورة فوتوغرافية عندما يريد المصور التقاط صورة ما، يحتاج منه أن يتخذ قرارات واعية بشأن الجزء المراد التركيز عليه وإبرازه، وفي نهاية المطاف يتم اختيار جزء صغير واحد فقط من المشهد يعكس رواية المصور للواقع بعيدا عن التزييف أو اختيار المصطلح الذي يعكس رغبة معد الأخبار أو كاتب القصة الإخبارية. إن إعادة التأطير ضرب من ضروب التغيير الاجتماعي، ولذا فإننا في حاجة إلى لغة جديدة لتوليد إطارات مغايرة، والتفكير بطريقة مختلفة يتطلب التعبير بطريقة مختلفة. وهنالك خمسة انواع للتأطير في الخطاب الإعلامي وهي[13]: 1- الصراع : ويتمثل في تنافس الأحزاب أو اتهام رئيس دولة بجرم أو إعلان الدولة عن حرب ضد دولة أخرى، ونقل التأطير من أسلحة الدمار إلى الاستبداد، وصناعة الأزمة. 2- الاهتمام الإنساني: ويشمل تناول المعاناة وآثار الحروب، والألم، وشخصنة القصص الإخبارية مثل معاناة النازحين العرب إلى بلدان أوروبا عبر البحر. 3- عواقب السياسات غير الحكيمة للدولة: التي تكون غير مسؤولة بالنظر إلى مصالح البلاد، واجراء محادثات مع جهات متطرفة أو جماعات منفلتة اجرامية. 4- المعيار الأخلاقي : ويعني مساءلة واقع مؤلم يحتاج إلى تسليط الضوء عليه لأنه يمثل صميم مسؤولية الإعلام مثل معاناة العراقيين من ويلات الحرب منذ 2003 ولحد الآن جراء ارتهانه ضمن أجندات ومصالح دولية متصارعة. 5- إلقاء اللوم: ويتمثل في تحديد نسبة المسؤولية عن العنف أو ما يسمى بالإرهاب أو الأزمة المالية العالمية. مثل غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق وتدميره وقتل شعبه. وهنالك أنواع أخرى للتأطير الإعلامي لكنها تخص التناول الإخباري وهي[14]: 1- التأطير الموضوعي، ويتناول الحديث بطريقة أكثر شمولا تتضمن سبراً لغور القصة وخلفياتها. 2- التأطير العشوائي أو المشهدي، وهو التصوير الذي يتناول المشهد العام للحالة أو الحدث دون التركيز على أعماق القصة، و دون إجراء استقصاء لما وراء المشهد. 3- تأطير العناوين الإخبارية. فالعناوين مليئة باستراتيجيات التأطير، وعلى القاريء أن يتعرف على الرؤية الكامنة في ثنايا العنوان ، بمعنى التركيز على الزاوية التي يتم تناول القصة منها أو الميل إلى وجهة نظر بعينها. ويمكن أن يكون التأطير منحازاً يعرض القصص الإخبارية أو يقدم الحقائق بطريقة تترك انطباعا مضللاً أو صورا مشوهة عن قضية أو حدث ما (عملية السلام، المجتمع الدولي، الشر، الفوضى الخلاقة، الغموض البناء). ومن هنا تأتي أهمية التربية الإعلامية والرقمية بكونها معالجة دقيقة، وضرورة ملحة في عصر التمويه والتأطير والإعلام المؤدلج أو العاطفي أو العشوائي، من خلال تنمية المهارات النقدية، والقراءة الذكية للنصوص، وإعادة تشكيل الإطار، وتوفير بديل، وطرح السؤال : ماذا يمكن أن تكون هذه العبارة ؟. ذلك هو جوهر التربية الإعلامية والرقمية الذي يعكس مستوى راقيًا في مقاومة التأطير. - محددات نظرية التأطير الإعلامي : ترتبط نظرية التأطير الإعلامي بثلاثة محددات أساسية تحكم مجال وظيفتها وهي: -المعايير الصحفية: ويقصد بها الموضوعية والمهنية التي يحتاج ان يتحلى بها الصحفي في نقل تفاصيل الأحداث ضمن الضوابط والتشريعات الإعلامية. -مصادر صنع القرار: وتشمل الجهات الفاعلة بصنع القرار، الهيئات السياسية التي لها نفوذ شخصيات مؤسسات ومنظمات. -الايديولوجيات الثقافية : وتشمل الخطاب الذي يتوجه إلى جمهور له خصوصيات ثقافية يستقبل الأحداث في سياقاتها السياسية. إن غالبية وسائل الإعلام تتعامل بسياقات تقليدية معروفة تتجسد في الصراع والمنافسة مع بعضها بعض في سياق تغطيتها الإخبارية وطبيعة الممارسة الصحفية، وتعمد لتعيين إطار واحد بشأن قضية أو حدث انطلاقا من البعد الأيديولوجي أو الخط المهني المرسوم لها. وهذه الوسائل تحاول وفق نظرية التأطير اللجوء لممارسة التأثير على الجمهور في طبيعة تلقي معلوماته المرسلة له ولكن هل يجوز أن يسمح للوسائل الإعلامية بالتلاعب بعقول الناس وسد فجوة معرفية يجب أن تكون متاحة أمامهم؟ إن التقليل من تأثير التأطير يحتاج إلى اتباع عدة طرق منها : - توفير أكثر من إطار لتحليل كل حدث أو موضوع بحيث تتاح للجمهور حرية التحليل النقدي. - إسناد رأي المصدر بموضوع معين وتدعيمه بالحقائق التي تخدم أغراض صانع الرسالة الإعلامية. - التجارب الشخصية للموضوع مع الأحداث تقلل من تأثير وسائل الإعلام. - إمكانيات المتلقي من حيث القراءة النقدية والتحليلية تحدد مستويات التأطير. التوصيات والمقترحات: في إطار العرض الذي جرى البحث في ثناياه بشأن خطورة المصطلحات الإعلامية، وطبيعة التوجه الغربي لزج الكثير منها لأجل التداول، ومن ثم إفراغ الناس من وعيهم الوطني والتلاحم الاجتماعي السائد، ومحاولة اختلاق كل ما من شأنه شرذمة البنية الاجتماعية العراقية في مرحلة ما بعد الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق مطلع 2003، توصل الباحث إلى عدة توصيات وهي ما يلي : 1.إيجاد وسائل إعلام فاعلة في تشكيل الرأي العام وإنتاج الوعي الثقافي والتحذير من خطورة المصطلحات الإعلامية التي تحدث بها وكررها سياسيون غربيون في إطار القضية العراقية. 2. توحيد الخطاب السياسي العراقي باتجاه هدف وطني واحد حفاظًا على وحدة البلاد بعيدًا عن محاولات الغرب بتقسيمه إلى مكونات اجتماعية ودينية وعرقية متعددة كما يحص الآن. 3. انتهاج مبدأ التربية الإعلامية والرقمية في ممارسة النقد العلمي للنص الإعلامي، وإفراز كل الشوائب والسموم الذي يدسها الآخرون في المنظومة الفكرية الإعلامية. 4.الاستعانة بكليات وأقسام الإعلام والمؤسسات البحثية الإعلامية لتفكيك العقد الفكرية التي تدسها الجهات الغربية في البرامج الإعلامية المتعددة حفاظًا على المجتمع من التيه والضياع. [1] د. فاضل البدراني ، الإعلام صناعة العقول ،بيروت ، منتدى المعارف ،2011،ص 20. [2] برنامج لمستقبل العراق بعد انهاء الاحتلال ، أعمال ندوة مركز دراسات الوحدة العربية حول مستقبل العراق، مجموعة باحثين ،بيروت، تشرين الاول 2005، ص 15. [3] سعد البغدادي، الإعلام العراقي، حرب المصطلحات، مؤسسة الهدى للثقافة والاعلام، للمزيد ينظر الرابط http://www.siironline.org/alabwab/alhoda-culture/024.html [4] د. نزهت محمود الدليمي، الخطاب الدعائي.مفهومه ووظائفه عبر وسائل الإعلام،عمان دار النفائس للنشر والتوزيع، ص 143. [5] د. فاضل البدراني، سلوكيات التطرف والأرهاب التي يفرضها الإعلام المؤدلج على أفراد المجتمع، بحث قدم إلى المؤتمر العلمي الثاني لديوان الوقف السني الذي جاء تحت عنوان " دور التعليم في التنشئة وبناء المجتمع، ومناهضة الارهاب والطائفية " تشرين الثاني 2015. [6] سعد البغدادي، الإعلام العراقي، حرب المصطلحات، مصدر سابق. [7] محمد علي محي الدين، الفضائيات العراقية من يقف ورائها،شبكة العراق الفضائية ، للمزيد ينظر الرابط الآتي: http://www.iraqcenter.net/vb/printthread.php?t=35777&pp=15 [8] . شهيرة بن عبدالله ، الحرب في وسائل الإعلام، آليات بناء المعنى وإنتاج المعرفة، Erving Goffman, Forms to Talk: Conduct and Communication (Oxford: [9] Blackwell, 1981 . 10.عبد الهادي بن ظافر الشهري، استراتيجيات الخطاب: مقاربة لغوية تداولية (بيروت: دار الكتاب ). الجديد المتّحدة، ٢٠٠٤ )، ص ٣. [10] نورمان فاركلوف، تحليل الخطاب التحليل النصّي في البحث الاجتماعي، ترجمة طلال وهبة؛ مراجعة ). نجوى نصر، علوم إنسانية واجتماعية (بيروت: المنظّمة العربية للترجمة، ٢٠٠٩ )، ص 77. [11] بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، ط ٣ (الدار البيضاء: دار توبقال ) للنشر، ٢٠٠٧ ، ص ٦٩ – ٧١. [12] د. أحمد بن راشد بن سعد بن سعيّد، عملية الكلام: التأطير وإعادة التأطير في الخطاب الإعلامي" منتدى العُمري" الرياض، صحيفة السبق الالكترونية، للمزيد ينظر الرابط الاتي : http://sabq.org/QqPede [13] د. بشرى حسين الحمداني، التربية الإعلامية ومحو الامية الرقمية،عمان، دار وائل للنشر والتوزيع، 2015 ، ص 80 . [14] د. احمد بن راشد بن سعيد ،عملية الكلام ، مصدر سابق .