

د. محمد مورو([1]) يمكننا أن نقول: إن مستقبل الأمة الإسلامية مرتبط أشد الارتباط بالعلاقة الصحيحة والممارسة الصحيحة والدور الصحيح لثلاثية (علماء الدين – الدعاة – المفكرون ومن خلفهم، وأمامهم الإعلاميون الإسلاميون، والإعلاميون الشرفاء على حد سواء، وإذا اعتبرنا أن المفكرين هم الذين يقومون بدور الرائد، بمعنى كشف الخلل، والبحث عن نقاط القوة، واستشراف الدور الصحيح في الوقت الصحيح، فإن علماء الدين يقدمون التنظير الشرعي والتأسيس المنهجي الإسلامي، لذلك الأمر، ويقوم كل من الدعاة والإعلاميين الإسلاميين بنشر هذا الأمر والدعوة له وحشد الجماهير خلفه، وبكلمات أخرى فإن المفكرين هم المدفعية الثقيلة وعلماء الدين هم المشاة والدعاة والإعلاميون هم الشؤون الإدارية من إمداد وتموين ومعنويات وغيرها. لماذا نقول: إن المستقبل مرتبط بنجاح هذه الثلاثية (المفكرون – العلماء – الدعاة)؛ لأن الخبرة التاريخية والنظرة الواقعية تقول: إن نجاح أي عمل اجتماعي أو سياسي أو مقاومة للاستعمار أو مناهضة الاسبتداد أو تحقيق التقدم، كان لا يزال مرتبطًا بالعلاقة الصحيحة بين العلماء والجماهير، فالجماهير لا تتحرك إلا من خلال العلماء، وما دام العلماء يؤدون دورهم ولم يتم عزلهم وانعزالهم عن الجماهير فإن التجارب تنجح والعكس صحيح على طول الخط، وهذا يرجع بالطبع إلى طبيعة التركيبة من ناحية وإلى طبيعة الدين الإسلامي أيضًا، فالناس بداهة هم المنوطون بالتغيير وتحقيق الآمال، وهؤلاء لا يتحركون الآن خلال وجدانهم وهذا أمر طبيعي، فأنت لا تتعامل مع أحجار، والإنسان فيه جزء اجتماعي غير مادي لا يتحرك من خلال قوانين الفيزياء والكيمياء فقط، بل يحتاج إلى قوانين علم الاجتماع الذي يختلف من شعب إلى شعب، وأمتنا يشكل الإسلام وجدانها وثقافتها وحضارتها، وهذا أمر جيد بالنسبة لنا، وحتى لو كان أمرًا غير جيد بالنسبة للآخرين المعادين للمشروع الإسلامي، فهذا لا يغير من الأمر شيئًا والموضوعية تقتضي الاعتراف به أولاً، وعدم علينا إذن البحث عن الطريق الصحيح لتفعيل دور العلماء، وذلك عن طريق تحقيق نوع من الاستقلال المالي والإداري عن جهاز الدولة – وهذا بالمناسبة لا يضر الدولة، ولكنه يفيدها، لأنه لو تم الضغط على الدولة مثلا عن طريق النفوذ الأجنبي أو لأي سبب آخر، فإن استقلال علماء الإسلام يحول دون سقوط المجتمع، بل إنه أيضًا يقوي ساعد الحكومات في عملية التفاوض مع الآخرين، وبديهي أن تعدد مراكز القوة في مجتمع خصوصًا إذا كان في حالة ضعف تكنولوجي وتقني أمام الآخرين، يعطي نوعا من القوة والمنعة لهذا المجتمع، الاستقلال المالي والإداري شرط أساسي لتفعيل دور العلماء ومن ثم تقوية المجتمع. وما ينسحب على العلماء ينسحب على المفكرين الإسلاميين وعلى الدعاة، وبقدر ما على الإعلاميين الإسلاميين.. نعم من المهم وربما الضروري أن تكون هناك روابط وجمعيات تحمي هؤلاء العلماء والدعاة والمفكرين من السقوط تحت ضغط الحاجة الاقتصادية، وأن يكون هناك تمويلاً ذاتيًّا لتلك الروابط والجمعيات، عن طريق التضامن بين أعضائها، أو بأي طريقة أخرى، دون التدخل في رأي هؤلاء بطريقة أو بأخرى، من الضروري في هذا الصدد أن تصبح هناك روابط وجمعيات تتمحور حول علماء الإسلام والمفكرين والدعاة، وتحقق نوعًا من الانتشار الأفقي للقوة داخل المجتمع، ومن ثم يصعب هزيمة هذا المجتمع من الخارج. * * * لدينا عدد من المشكلات الحالية والمستقبلية التي ينبغي على العلماء والمفكرين والدعاة الإعلاميين التصدي لها بكفاءة وقوة في الوقت نفسه، فبعضها خارجي والآخر داخلي، وليس هناك بالطبع انفصال بين ما هو خارجي أو داخلي. لا شك أن الاستبداد رأس كل خطيئة، وهو مخالف للشرع جملة وتفصيلا، ومن ثم فإن مواجهة الاستبداد فريضة شرعية، ولا تستطيع الجماهير بالطبع أن تواجه الاستبداد تحت قيادات مشكوك في انتمائها للمشروع الإسلامي، أو تعمل وفق أجندة خارجية، بل إن مجرد ظهور هذه القيادات على الساحة يضر بقضية الحرية أيما ضرر، ذلك أنها تربط ذلك بالانحياز للمشروع الغربي أو تقليل حدة المواجهة مع إسرائيل، أو تطرح نوعا من النظم هي غير إسلامية أصلا، ومشكوك في أمرها، فمواجهة الاستبداد لا تعني الدعوة إلى الانحلال، ومن ثم فإن نجاح مسألة مواجهة الاستبداد مرتبطة بوجود علماء إسلام موثوقين ينحازون إلى الحرية وفقًا للمنهج الإسلامي ولا يعملون وفق أجندة أجنبية، وهذا يقتضي نوعـًا من التنسيق بين المفكرين وعلماء الإسلام والدعاة والإعلاميين، لوضع التصورات الصحيحة للبديل الإسلامي المطروح وللتبشير به ونشره على نطاق واسع، وبيان ما فيه من اتفاق – عرضي – مع غيره من النظم، وما فيه من اختلاف «أصلي وجوهري» وهذا دور الإعلاميين والدعاة وحشد أكبر قدر من التأييد الجماهيري له، ومن ثم تنجح عملية مواجهة الاستبداد، ويتحقق ناظم الشورى والحرية الإسلامية دون إفراط أو تفريط. وفي الحقيقة فإن هناك خبرة تاريخية رائعة في هذا الصدد، فقد تصدى علماء الإسلام دائمًا للاستبداد، وكانوا رواد الحرية والشورى، وفقًا للأثر الإسلامي المعروف «أفضل الجهاد عند اللَّـه كلمة حق في مواجهة سلطان جائر». ويحكي الجبرتي أنه في 14 من محرم 1218هـ الموافق 6 مايو 1803 اجتمع العلماء في بيت القاضي، وقرروا تولية طاهر باشا واليًا على مصر بدلا من خسرو باشا، وأرسلو للدولة العثمانية بذلك، وفي 7 يوليو 1803 اجتمع العلماء والقاضي، وعينوا إبراهيم بك قائمقامًا، وفي 7 مارس 1804 قاد العلماء ثورة على ظلم المماليك، ونادت بالمظاهرات ضد البرديسي، وانتهت الانتفاضة بجلاء المماليك عن القاهرة. وفي أواخر مايو سنة 1804 فرضت ضرائب على أرباب الحرف والصناعات؛ فثار الناس وأغلقوا الحوانيت، وذهبوا إلى الأزهر وصعدوا إلى مناراته يدعون ويصرخون، وأرسل خورشيد باشا إلى السيد عمر مكرم يطلب تهدئة الحال، وقال رسول الباشا: إنه تقرر رفع الضريبة عن الفقراء، فقال السيد عمر مكرم: إن الحرفيين أيضًا فقراء بعد ما نالهم من القحط والفساد والكساد، واضطر الباشا أن يذعن إلى مطالب الشعب والعلماء، وألغى الضريبة بعد يومين، ونادى المنادي بذلك. ولعل من المفيد جدًّا – قراءة بعض تفصيلات تلك الثورة .. ففي أثناء الثورة جاء رسول من عند خورشيد باشا وهو «عمر بك الأرناؤوطي» وقال للمشايخ: كيف تعزلون من ولاه السلطان عليكم، وقد قال اللَّـه تعالى: «أطيعوا اللَّـه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» [النساء: 59] فأجابه السيد عمر مكرم: أولوا الأمر هم حملة الشريعة والعلماء والسلطان العادل، وهذا رجل ظالم (يقصد خورشيد باشا)، وجرت العادة والشرع أن أهل البلد يعزلون الولاة حتى الخليفة والسلطان إذا سار فيهم بالجور فإنهم يعزلونه. ولعل تلك الحادثة تؤكد المفهوم الصحيح للآية المذكورة حول شروط طاعة أولى الأمر، وأن من حق أهل البلد عزل السلطان ذاته أي الخليفة أي أعلى سلطة سياسية إذا سار فيهم بالجور!! * * * من التحديات التي تواجه الحالة الإسلامية موضوع تداخل التخصصات وعدم اضطلاع كل إنسان بدوره المسموح له شرعًا والمؤهل له علميًّا، فهناك مثلا فوضى الفتوى، ونجد مثلا مفكرين إسلاميين يفتون في قضايا شرعية مع أن ذلك ليس دورهم ولا واجبهم ولا هم مؤهلون له، والفتوى من اختصاص العلماء مثلا، وكذا هناك دعاة يدخلون في مساحات شرعية غير مؤهلين لها، ومن المفروض بداية أن يكون المفكر مثل زرقاء اليمامة يرى الخطر البعيد ويحذر منه، ويجوب آفاق الريادة الفكرية، ويقدم نوعا من الإستراتيجية العامة لمصالح الأمة في تلك اللحظة، وأن يقوم العلماء بالاستعانة بالخبراء في كل مجال بالفتوى وعدم تجاهل الخبراء في هذا الصدد، فتكون الفتوى ناتجة عن لجنة علمية وشرعية مثلاً، وإنشاء مؤسسة للفتوى أو مؤسسات دون أن يحول ذلك دون حق العلماء، كل العلماء، في الفتوى بداية، وأن يقوم الدعاة بتحبيب الناس في الإسلام، والحديث عن الرقائق، وشد الجمهور وراء أفكار صحيحة لمفكرين أجازها العلماء، وبذلك تتم الفائدة، أكثر من هذا، فإن على العلماء أن يكونوا دعاة للنهضة العلمية وأن ينشئوا جمعيات علمية، فالعلوم في أوروبا مثلا نهضت من خلال جمعيات أهلية، ولدنيا في تاريخنا المعاصر ما يسمح بذلك .. وهناك في الجبرتي ونقل عنه جلال كشك الكثير في هذا الصدد. منها أن العلماء كانوا يدرسون الشريعة والعلوم مثل الفلك والهندسة والطب والصيدلة، ويخترعون الآلات، ويقومون بتأليف الكتب العلمية، بل جاء أهل أوروبا للأخذ من علومهم ويمكن أن تتمحور حول بعض العلماء جمعيات علمية مثلا. وننقل عن الجبرتي بعضا من ذلك يقول الجبرتي: «في سنة 1153هـ - 1740م مات الأستاذ الجليل الماهر المتقن جمال الدين أبو يوسف، قرأ القرآن وجوَّد الخط، وتوجهت همته للعلوم الرياضية؛ كالهيئة والهندسة والحساب والرسم، وصار له باع طويل في الحسابيات والرسميات وساعده على إدراك مأموله ثروة مخدومه، فاستيقظ واخترع ما لم يسبق به وألف كتابًا حافلا في الظلال ورسم المنحرفات والبسائط، المزاولة والأسطحة جمع فيه ما تفرق في غيره من أوضاع المتقدمين بالأشكال الرسمية والبراهين الهندسية والتزم المثال بعد المثال وألف كتابًا أيضًا في منازل القمر وعلمها، وغير ذلك واجتمع عنده كتب وآلات نفيسة لم تجتمع عند غيره، وفي وفيات 1192هـ - 1778م الشيخ عبد السلام مدرس المحمودية، كان إمامًا فاضلا محققًا له معرفة بالأصول، وكان له تعلق بالرياضيات واقتنى آلات فلكية. وفي وفيات 1194هـ - 1780م «مات الفقيه العلامة الصالح المعمر عبد اللَّـه خزما الفيومي، تولى الإفتاء، وكانت له معرفة تامة بالفلك والهيئة والميقات وعنده آلات لذلك». وفي ترجمة الجبرتي لأبيه «درس أشكال التأسيس وتحرير إقليدس والمتوسطات والمبادئ والغايات والأكر وعلم الاغاطيقي والجغرافيا وعلم المساحة، وكان ماهرا في صناعة التراكيب والقناطير واستخراج المياه، وحضرالية الطلاب الإفرنج وذهبوا إلى بلادهم ونشروا بها ذلك العلم». ومن التحديات أيضًا ضرورة مواجهة التغريب والتبشير باعتباره جزءًا من مشروع الهيمنة الغربي، ويجب أن يؤدي العلماء والمفكرون والدعاة والإعلاميون دورًا في هذا الصدد، وأن يتم التنسيق بينهم في ذلك، وعلى نفس النمط مواجهة المشروعات الطائفية والمذهبية المنحرفة، وكذلك الأطروحات المراوغة من علمانية وتغريبية ومذاهب مستوردة. وأن يتم تحصين الجسم الإسلامي بتقديم المشروع الإسلامي غير الطائفي والمنفتح على العصر، والذي يشفي غليل الجمهور المسلم، بدلا من رفض الأفكار المنحرفة دون تقديم بديل لها من الإسلام ذاته حتي لا يكون ذلك دعاية للانحراف ونشرًا له أكثر منه مواجهة لهذا الانحراف. وفي إطار آخر يجب تقديم خطاب إسلامي يراعي عقليات وخلفيات غير المسلمين – دون خروج على الثوابت الإسلامية – وبذلك نقيم الحجة على الآخرين من ناحية وتعطي الفرصة لمن يريد أن يفهم، ونلجم المتآمرين حجرًا في أفواههم، فلا يجرءون على الإساءة إلى رموز الإسلام وعقائده بسهولة، وإذا فعلوا فلا يكون لفعلهم أثرًا أو قيمة. وعلى علماء الإسلام والمفكرين أن يقدموا منظومة فكرية بديلة لتحقيق العدل الاقتصادي والاجتماعي في العالم، والناس في أغلبيتهم يتمنون العدل الاقتصادي ويبحثون عنه، وهم متضررون من الرأسمالية العالمية، ويبحثون عن نظام بديل، وإذا كانت الماركسية ولاهوت التحرير المسيحي قد فشلا في تحقيق ذلك لأسباب تتعلق بفساد تلك النظريات، أو فساد الأصل الفلسفي لها المرتبط بالأرضية الحضارية الغربية، فإن الإسلام كأيديولوجية للفقراء والمستضعفين هو البديل المتاح حاليًا، وبديهي أن مواجهة الرأسمالية يجب ان تكون بقيم نظام مستمد من أرضية حضارية أخرى، والحضارة الإسلامية هي تلك الأرضية المختلفة، وهو أيضًا ناظم صالح لأنه منحاز إلى العدل ومنحاز إلى الفقراء والمستضعفين، وبذلك يكون الإسلام هو الجذر الثقافي للرفض العالمي للرأسمالية بالنسبة للمسلمين كدين وثقافة وحضارة، وبالنسبة لغير المسلمين كأيديولوجية ثورية صالحة. وبدهي أن على علماء الإسلام ومفكريه تقديم تأسيس نظري لهذا الأمر، وعلى الدعاة والإعلاميين نشر الفكرة والتبشير بها على نطاق واسع وبكل اللغات. ولعل من أهم التحديات أيضًا ضرورة انحياز مفكري الإسلام وعلمائه ودعاته وإعلامييه إلى العدل الاجتماعي، والدفاع عن كل مظلوم ومضطهد بصرف النظر عن دينه وجنسيته، وبالنسبة لمصر يجب أن يكون هناك موقف لعلماء الإسلام ومفكريه ودعاته وإعلامييه ضد كل الظلم والتعذيب والاضطهاد والغلاء والرشوة والمحسوبية والفساد، وفي الأثر الإسلامي «من رأى سلطانًا جائرًا، مستحلا لحرم اللَّـه، ناكثًا لعهد اللَّـه، مخالفًا لسنة رسول اللَّـه، يعمل في عباد اللَّـه بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بعقل أو بقول، كان على اللَّـه أن يدخله مدخله». وفي الحديث: «ما من مسلم يخذل مسلمًا في موضع تهتك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله اللَّـه في موضع يجب فيه نصرته، وما من امرئ مسلم ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره اللَّـه في مواطن يحب فيها نصرته». وفي الأثر: «لا يقفن أحدكم موقفًا يقتل فيه رجل ظلمًا، فإن اللعنة تتنزل على كل من حضر حين لم يدفعوا عنه، ولا يقفن أحدكم موقفًا يضرب فيه رجل ظلمًا، فإن اللعنة تتنزل على من حضره حين لم يدفع عنه». وفي الحديث القدسي ما معناه: «وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله أو آجله أو أنتقمن ممن رأى مظلومًا فقدر أن ينصره فلم يفعل». * * * لعل التحدي الأكبر والأهم الذي يواجه المفكرين وعلماء الإسلام والدعاة والإعلاميين الإسلاميين هو التأسيس الفكري والشرعي والواقعي لمشروع المقاومة، باعتبار أن التحدي الرئيس الذي يواجه أمتنا حاليًا هو الاحتلال الأجنبي لبلادنا وخاصة تجاه إسرائيل وأمريكا وغيرهما. والمقاومة في الحقيقة هي الطريق الوحيد أمامنا وليس أمامنا طريق غيره، وهذه المقاومة بالضرورة إسلامية، ولا يمكن أن تكون غير إسلامية لأسباب موضوعية وجوهرية، وقد فشلت كل المحاولات التي لم تستند على الإسلام في هذا الصدد، ومن هنا فإن وجود العلماء والمفكرين والدعاة والإعلاميين في قلب هذه المقاومة هو فريضة شرعية وضرورة استراتيجية وشرط للنجاح. لماذا تقول المقاومة ولا تقول الإصلاح السياسي أو الاقتصادي أو غيرها، ذلك لأننا أمة لن تنهض ولن تتقدم إلا بالجهاد، ولأننا أمة مستهدفة والسيف فوق رؤوسنا .. فهل نخدع أنفسنا مثلا، فأمريكا وبريطانيا والحلفاء جاؤوا بجيوشهم وإسرائيل تمارس القتل باستمرار، ولأن اللَّـه تعالى وضع لنا الحل في القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) .. وهذه الآيات تنطبق على حالتنا الراهنة تمامًا، حيث أنه لم يحدث تحالف – فضلا عن موالاة – بين اليهود والنصارى إلا في الآونة الأخيرة، بل كان العداء بين الطرفين هو سيد الموقف دائمًا لدرجة ظهور ما يسمى بالمسألة اليهودية أو العداء للسامية في الفكر الغربي واليهودي على حد سواء، المهم أن هناك الآن موالاة بين الطرفين، والموالاة أعلى من التحالف، ومنطق الذين لا يريدون المقاومة ولا القتال ولا الجهاد، ولا الاستشهاد (يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا)، أي نخاف منهم، لأنهم أقوى منا بمراحل .. نعم، هذا صحيح .. هم أقوى منا بمراحل، ولكن لدينا أدواتنا ووسائلنا لخوض المواجهة، بالمقاومة الشعبية التي أثبتت نجاحها، وبسلاح الاستشهاد الذي لم يجدوا له حلاًّ – ولن يجدوا إن شاء اللَّـه، وحتى بصرف النظر عن النتائج فإن اللَّـه طلب منا ذلك وفضح منطق المسارعين فيهم، وبشرنا بأن الفتح أو أمر من عنده سوف يأتينا، ونحن نطرح مشروع المقاومة والمواجهة كحل صحيح، وكفريضة شرعية وكتوجيه قرآني، وكذلك من الناحية العلمية والموضوعية فهو سلاح وطريق وأسلوب أثبت نجاحه. مشروع المقاومة إذن أثبت أنه يمتلك مقومات النجاح، وإذا أدركنا أن الغرب تفوق علينا تكنولوجيًّا، وأنه من المستحيل عمليًّا مواجهة آلة الحرب العسكرية والسياسية والاقتصادية الأمريكية والصهيونية بالجيوش أو المؤسسات النظامية، وأن كل التجارب دلت على ذلك، فإن تلك التجارب ذاتها دلت على أن المقاومة الشعبية استطاعت أن تبرز وأن تأخذ مكانها، وهي سوف تحقق نوعًا من التصدي والصمود، يمنع وصول المنحنى الحضاري الإسلامي إلى نقطة السقوط النهائية، والمقاومة سوف تزيد وعي الشعوب بالتحديات التي تحيط، بها وتوقظ هذه الشعوب، وتعالج الأجزاء المريضة في الجسد العربي والإسلامي، وبالتالي يزداد هذا الجسد حيوية، ولا شك أن ذلك سوف يزيد قدرة هذه على انتزاع حقوقها السياسية، ومن هنا فإن مشروع المقاومة هو المقدمة الأولى والصحيحة والجوهرية للإصلاح السياسي، وعلى نفس النمط هو المقدمة الأولى، والصحيح للتقدم الاقتصادي وإشاعة روح الوحدة والتكافل والحيوية والإيجابية، بل سوف يفجر طاقة الابتكار والتكنولوجي أيضًا، وهكذا فإن المقاومة وإشاعة ثقافة المقاومة هو الأسلوب الصحيح شرعيًّا وواقعيًّا. ولابد أن تكون المقاومة إسلامية، وإذا بدأنا بتحديد طبيعة الجماعة البشرية التي نحن بصددها، وبدون الدخول في تفصيلات كثيرة، فنحن أمام جماعة بشرية – العالم العربي والإسلامي لها تاريخ وحضارة، ولها ثقافة عميقة جدًّا، وبصرف النظر عن إيجابية أو سلبية، تلك السمات الثقافية والحضارية لتلك الجماعة، فإن تلك الجماعة تتأثر بتلك السمات أو من ثم بأن تجاهلها يؤدي مباشرة إلى الفشل، وتكريس الحالة التي تريد علاجها، هذه الأمة إذن إسلامية شئنا أم أبينا، والمكون الرئيس والأساسي لوجدان وثقافة هذه الأمة هو الإسلام كدين وكثقافة وكحضارة بالنسبة للمسلمين «الأغلبية الساحقة»، وكثقافة وحضارة بالنسبة لغير المسلمين داخل تلك الأمة، وهكذا فإن شرط النجاح الأول في أي مشروع هو إسلاميته، ونحن في الحقيقة أمام أمة هي الأعمق ثقافيًّا وحضاريًّا بلا استثناء بالنسبة لكل الجماعات البشرية الأخرى «14 قرنًا متصلة على الأقل، واتساع جغرافي وامتداد زماني وثقافي وتأثير واضح للإسلام لا تخطئه عين»، ومن ثم فإن وهم تغييب الإسلام والحضارة والثقافة الإسلامية – بوعي أو بدون وعي، كرها أو رغبا – هو قفزة فاشلة في المجهول، ولن تحدث مطلقًا مهما أردنا أو أراد غيرنا، مهما فعلنا أو فعل غيرنا، أنها محاولة محكوم عليها بالفشل، ونتيجتها الحتمية ضياع الوقت والجهد، ومسخ ذلك الكيان جزئيًّا، ومن ثم تعطيله عن التصدي الصحيح والكفء للتحديات والأمراض، وهذا بالتحديد هو السبب الأساس لفشل كل مشروعات النهضة على الأساس غير الإسلامي «العلماني الليبرالي، العلماني القومي، العلماني الاشتراكي بكل درجاته»، والنتيجة هي ما نشاهده الأن من نتائج تلك المحاولات التي استقطعت من عمرنا وجهدنا الكثير بلا طائل، بل نتيجة هي عكس المطلوب تمامًا، الإسلامية إذن هي الشرط الأول لنجاح أي مشروع للإصلاح، ولكن العنوان لا يكفي فلا بد من تحديد ما تحت العنوان، وما بعد العنوان، لابد من خطة إستراتيجية وتكتيكية لتحقيق ذلك، وهذا دور المفكرين والعلماء والدعاة والإعلاميين.التعالي عليه ثانيًا مهما كان الموقف منه، ومن ثم فإن أمتنا لا تتحرك إلا من خلال الوجدان الإسلامي، ومن المنطقي والطبيعي أن يكون علماء الدين الإسلامي هم القيادة الطبيعية الشعبية للأمة. ولعل الخبرة التاريخية وأحداث التارخي القريب والبعيد يؤكدان أنه طالما كان العلماء هم قيادة الأمة وطالما أدّى العلماء دورهم، كان النجاح، والعكس صحيح على طول الخط، انظر مثلا إلى عملية المقاومة الشعبية المصرية للحملة الفرنسية 1798، 1801، ثم حملة فريزر 1807 والتي استطاعت تلك المقاومة هزيمة الحملتين رغم فارق الإمكانيات، ثم غياب فكرة المقاومة في الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882 لدرجة أن الجيش الإنجليزي دخل القاهرة دون مقاومة بعد أن انهزم الجيش المصري في التل الكبير، في الحملتين الفرنسية وفريزر انهزم الجيش وانتصر الشعب، وفي حملة 1882 انهزم الجيش وغابت المقاومة الشعبية، فما هو الذي تغير في الحالتين، إنه العلاقة بين علماء الإسلام والجماهير، ففي الحالة الأولى كان علماء الإسلام هم القيادة الطبيعية للأمة، ولذا كانت الجماهير قادرة على المقاومة، وفي الحالة الثانية كان هؤلاء العلماء قد تعرضوا للتهميش بعد أن ألغى محمد علي استقلال الأزهر ماليًّا وإداريًّا، وألحَقَ هيئة العلماء بجهاز الدولة، فكانت النتيجة غياب الجماهير عن الفعل.
الشيخ العالم المجاهد أحمد الشريف السنوسي (1933م) أولاً:- التحديات الداخلية:
وفي 12 من صفر 1220هـ الموافق 12 مايو 1805 حضر الأهالي يشكون إلى العلماء والمشايخ أفعال الجنود، فكلموا الباشا فأمرهم بالكف وترك المنازل لأربابها، فلم يمتثلوا، فكرر المشايخ عليه الموضوع، فقال هم خارجون بعد ثلاثة أيام، فأضرب العلماء عن إعطاء الدروس، وأغلقت الحوانيت، وزاد الضجيج في الشوارع، وازدادت حركة الناس، واجتمع المشايخ ونقيب الأشراف، وذهبوا إلى بيت القاضي، وطلبوا حضور رجال الدولة إلى مجلس الشرع، وحددوا شكواهم في اعتداء العسكر على الناس وإيذائهم وإخراجهم من بيوتهم، وازدياد الضرائب، ومصادرة الأموال، وغيرها من الأسباب .. وطلب الباشا من المشايخ والقاضي الحضور عنده، فرفضوا، وفي اليوم التالي قرر العلماء عزل خورشيد باشا وتعيين محمد علي واليًا على مصر على شروط معينة، فقبل محمد علي ذلك، وكان من ضمن الشروط ألا يقرر الوالي «محمد علي» ضريبة إلا بالرجوع إلى المشايخ، وقام الشيخ الشرقاوي والسيد عمر مكرم بإلباس محمد علي جبة الوالي ونادى المنادي في المدينة بعزل أحمد خورشيد باشا وتولية محمد علي، ورفض خورشيد باشا ذلك بدعوى أنه عُين بقرار سلطاني، فلا يصح أن يعزله المشايخ والفلاحون على حد قوله، وتحصن في القلعة، واستمرت الثورة إلى أن نجح الشعب والعلماء في فرض آرائهم وجاء فرمان بعزل خورشيد باشا وتعيين محمد علي واليًا على مصر.