فى اى طريق تذهب الامة بوافد ديمقراطية الثورة العربية الراهنة

7 أغسطس, 2021

-الديمقراطية نموذجان احدهما امريكى لتفكيك الاوطان والثانى ينشد الحرية والاستقلال والعدل
-الثورات العربية فى حالة اختبار بين النموذج الامريكى او الفوضى الخلاقة.. والنموذج الوطنى او ثورة الحرية والاستقلال
- فى العراق يتواجه المشروع الامريكى لعملية تفكيك الدولة والمجتمع الوطنى مع اثورة الديمقراطية لتاسيس دولة وطنية وتحقق الاستقلال

بقلم: طلعت رميح

نموذجان للديمقراطية يتصارعان الان فى المنطقة العربية. احدهما النموذج الامريكى، المفروض بقوة السلاح والمؤامرات، ولا هدف له سوى تفكيك الدول والمجتمعات، وثانيهما النموذج الوطنى الذى ينشد الحكم الرشيد وقوة المجتمعات والدول واستقلالها. هما نموذجان متصارعان الان فى المنطقة العربية ويبدو مهما للغاية اعمال الفهم والادراك لوقف مفاعيل لعبة خلط الاوراق، اذ الطريقان يحدد كل منهما مصير الامة فى اتجاهين متناقضين.

وتاتى الاهمية الحالة من ضرورة الفرز والتوضيح، لان المنطقة العربية تعيش الان واحدة من اعمق حالات التغيير الشاملة عبر تاريها الحديث عبر ثورات جارية فى كل الدول العربية، دفعة واحدة. فالمتطلع فى كل اتجاه او فى اى وطن او اى ميدان فى اية دولة عربية، يجد جماهير الامة تملا الساحات تظاهرا وثورة، حتى لم يعد هناك دولة او مجتمع او ميدان او شارع الا وهو ثائر.

كانت البداية هناك من تونس، التي ما كان "يظن" احد انها المرشحه لتكون نقطة تجربة الشعوب العربية لممارسة الفعل الثورى لاطاحه حكم، كان يزهو بقدرته وقوته ولم يكن يحلم رئيسه حتى فى الكوابيس بما جرى له خلال ايام. من هناك انتقلت الشرارة إلى مصر وفق ما سمى بالموجة التونسية، عابرة الاجواء الليبية، دون اشارة على ما يعتمل فى عقول اهل هذا البلد. فى مصر جرت الامور على نحو عجزت كل التنبؤات الاستراتيجية عن ادراك ملامحه. كان الظن ان مشروع توريث الحكم من الاب مبارك، إلى الابن جمال، سيكتب له النجاح وان بصعوبة، اذ مالت كفة الترجيحات للقول بان ثمة تقدم يحرزه هذا المشروع فى الفترة الاخيرة، فاذا بالنظام يتبخر بين يومى 25 يناير و11 فبراير، باقل الخسائر فى الارواح وباعلى احتشاد فى الشوارع. واذ يفتش المحللون والخبراء عن اسباب وتبعات هذا الحدث داخليا وعربيا ودوليا، اذا بحركة سياسية تتحدث بلسان الجماهير فى ليبيا، تاخذ الطريق سيرا من بن غازى إلى طرابلس بالسلاح، معلنة هى الاخرى، عن قيام ثورة، سرعان ما تحول الفعل الجماهيرى فيها إلى نمط من صراع مسلح وحرب اهلية، وفى حالة تطورت من بعد لتجلب حصارا جويا وقصفا وتدميرا من قبل القوى الغربية لكل مقدرات ليبيا. وهكذا كانت احوال فى كل من اليمن والبحرين والاردن والجزائر على موعد مع اشكال اخرى من التحرك والثورة والتغيير والتمرد والتفكيك، إلى ان وصلت رياح الثورة الشعبية للعراق لتاخذ منحى اخر ولتقدم نموذج اخر، على اعتبار ان كل الاسباب التي اشتعلت بسببها الثورات العربية -مجتمعه - تتحقق فى العراق ويزيد عليها احتلال هذا البلد ووجود سلطة قمع تنوب عن محتلين –على الارض فعلا-احدهما هو القوة العظمى الاولى فى العالم، وثانيها هو القوة الاقليمية الاشد شراسة فى تحقيق مصالحها الاستعمارية فى العراق وكلاهما يعمل لتحقيق اهدافه وفق نمط تفكيكى لمكونات مجتمع هذا البلد، بعد ان فككوا جهاز دولته.

صرنا امام حالة شاملة من حالات الثورة الشاملة فى كل العالم العربى، وظهرت رياح التغيير والثورة فى حالة موجة اقليمية او مناطقية او قارية، تاخذ كل منطقة متمايزة عن غيرها حضاريا لتضربها من اولها إلى اخرها حتى تغير كل دولها، اذ كانت قد اندلعت ثورات الحرية من قبل فى دول اوروبا الشرقية، وتلاها بعد عدة سنوات اشتعال الثورات الديمقراطية فى امريكا اللاتينية او الجنوبية، والان وصلت رياح التغيير إلى العالم العربى-الاسلامى. فما الجديد الذى قدمته التجربة العربية الراهنة، مقارنة بتجارب مناطق العالم الاخرى، وإلى اى مصير نذهب بالوافد الديموقراطى او يذهب بنا، على اعتبار ان كل الثورات الجارية فى العالم العربى لا ترفع الا شعارات الحرية والديمقراطية وهل نحن امام مشروع واحد من الديمقراطية تستهدفه الحالة الراهنة ام نحن امام مشروعين ديموقراطيين متناقضين ؟.

اوروبا الشرقية. . والفوضى البناءة

فى تجربة الثورات الديمقراطية التي جرت فى اوروبا الشرقية، كان المعطى الاساسى للحركة الشعبية مرتبط باستكمال عملية التحرر والتطوير لما جرى ما بعد استقلال تلك الدول عن الاتحاد السوفيتى السابق، فاذا كانت التجارب السابقة لتحركات الشعوب قد انجزت التحرر من سيطرة احتلال الاتحاد السوفيتى لتلك البلدان –ثورات لاجل الفكاك من السطوة الخارجية -فقد جاءت تجربة ثورات الورود لتحقق التطوير الداخلى باتجاه الحرية وبناء نظم ديمقراطية، وهو ما اظهر ميزة واضحه لتلك الثورات، اذ هى جرت على مرحلتين بينهما فارق زمنى يعد بالسنوات. غير ان الملاحظة الاهم هى ان المرحلة الثانية من الثورات كان العامل الحاسم فى تحديد الطبيعة الاستراتيجية لها،  ليس فقط التطوير الداخلى لنظم الحكم، اذ كان الخوف والقلق من الدور والنفوذ والسيطرة الروسية مرة اخرى هى احد محركات الثورات ايضا، اذ جاءت الموجة الثانية من تلك الثورات مترافقة –وفى اتجاه مضاد-لعودة روسيا للقوة والنفوذ والدور بديلا للاتحاد السوفيتى وحين صارت تعيد مد نفوذها فى داخل تلك البلدان، حتى يمكن القول بان الثورة الاولى كانت ضد الاتحاد السوفيتى والثانية ضد السطوة الروسية، او هى كانت لاجل انهاء نظم الحكم التي سيطرت على تلك الدول بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، وكانت بمثابة رد الفعل على عودة روسيا لمد نفوذها –بديلا للاتحاد السوفيتى-فى تلك البلدان. لقد كان لهذا العامل السوفيتى والروسى –من بعد-حاسما إلى حد القبول بالدعم الامريكى والاوروبى لتلك الثورات وإلى درجة يمكن القول معها، ان تلك البلاد عاشت فى واقع الحال مرحلة استعانة بالدور الامريكى والاوروبى خلال ثوراتها الديمقراطية لمواجهة النفوذ والدور الروسى، وهو ما وصل ببعضها إلى درجة الشطط فى العلاقة مع امريكا واوروبا حتى انتقلت إلى نمط اخر من السطوة الدولية، وهو ما كان راجعا إلى طبيعة الصراع الامريكى السوفيتى التقليدى ولدور مخطط من قبل الولايات المتحدة واوروبا للوصول إلى حدود روسيا ومجالها الحيوى ومحاصرتها واضعافها استراتيجيا. وقد كان الاصل فى النموذج الذى جرى فى اوروبا الشرقية هو نمط الفوضى الخلاقة، التي تقوم على نمط بناء الشبكات لا تاسيس الاحزاب، الذى هو نمط امريكى الرؤية الاستراتيجية والدعم. وهنا طرح مفهوم الفوضى الخلاقة او البناءة او حتى الفوضى الهلاكة، كنمط اساسى لتلك الثورات، اذ جاءت كل تلك الثورات بنظم حكم موالية للولايات المتحدة واوروبا.

امريكا اللاتينية. . استكمال التحرر

عاشت امريكا اللاتينية واقعا مريرا خلال تجربتها التحررية، بحكم الدور الاستعمارى المباشر للولايات المتحدة فى بلدان تلك المنطقة، اذ كانت الولايات المتحدة تنظر لتلك الدول كحديقة خلفية لنفوذها ومصالحها. فى تاريخها الحديث وجدت تلك البلاد نفسها واقعه فعليا وكليا تحت سطوة الشركات الامريكية التي كانت تدير الاقتصادات وتعين الحكومات وتتحكم فى حركة المجتمع، وهى كانت الشركات الاقل تطورا من بين الشركات الامريكية، اذ كانت اقتصادات دول امريكا اللاتينية مجرد ملحق خلفى للاقتصاد الامريكى المتطور الذى كان يتخلص من الشركات الاقل تطورا باتجاه الجنوب على الدوام. والاخطر ان الاقتصادات فى امريكا اللاتينية كانت تعيش حالة من حالات الاعتماد على الصناعات الاستخراجية التي تمد الشركات الامريكية بالمواد الاولية. وبشكل ادق فقد كانت ثروات باطن الامر فى امريكا اللاتينية خاضعه للشركات الامريكية التي كانت تمد بدورها شركات امريكية بتلك الثروات خاصة فى مجالات النفط والنحاس والكاكاو والبوكسيت وغيرها).

وحين بدأت حركات التحرير الوطنى اولى خطوات نشاطها فلم يكن امامها الا العمل المسلح المباشر، وسيلة للصراع بسبب طبيعة السطوة الامريكية المباشرة ولهشاشة الوضع الاجتماعى ولفقر تلك البلدان فى تطورها السياسى الديموقراطى والاقتصادى والاجتماعى. وكان نموذج كاسترو وجيفارا رائدا فى تلك المرحلة.  ولقد قابلت الولايات المتحدة تلك المرحلة الثورية فى امريكا اللاتينية بتشكيل نظم حكم عسكرية لتقوية قدرة الحكم فى مواجهة الثوار، اذ دبرت الولايات المتحدة عشرات الانقلابات العسكرية على قيادات ونظم حكم "قديمة" كانت فى واقع الحال موالية للولايات المتحدة لكنها كانت عاجزة عن مواجهة الثوار او غير قادرة على الحفاظ على مصالح الشركات الامريكية، كما هى دبرت انقلابات اخرى فى مواجهة نظم حكم كانت تطورت فى بعض البلدان الاكثر تطورا وولجت طريق التنظيمات الاجتماعية الارقى عبر اتحادات العمال والاحزاب السياسية وصارت تسعى لتحقيق الديمقراطية (نموذج تشيلى) الذى اخاف الولايات المتحدة ايضا بسبب كراهية الشعوب لها فى ظل مرحلة الحرب الباردة، اذ كان مؤكدا ان تاتى الديمقراطية بنظم معادية لامريكا.

ومن بعد حدثت ثلاث تطورات حاسمة غيرت الاوضاع فى امريكا اللاتينية، كان اولها التغيير فى الاوضاع الدولية الذى حدث جراء تفكك الاتحاد السوفيتى وخروجه من حلبة الحرب الباردة والصراع مع الولايات المتحدة، بما قلل من حساسيات الولايات المتحدة تجاه الحركات السياسية اليسارية المعارضة فى بلدان امريكا اللاتينية بحكم ضعف تلك الحركات التي لم يعد لها سند دولى. وكان ثانيها حدوث تحولات فى فكر وبنية تشكيلة الحركات السياسية فى امريكا اللاتينية باتجاه الديمقراطية –بدلا من العمل العسكرى وفكر اليسار الشمولى -جراء التطورات الجارية فى المجتمعات وفى التشكيلة الاقتصادية، فى ظل مرحلة العولمة التي اثرت تاثيرا كبيرا فى تشكيلة المجتمعات وعمقت قيام فئات وسطى اكبر عددا بعضها من نمط جديد اكثر ارتباطا بنتائج الصراع الفكرى والحضارى واكثر اطلاعا واتصالا بالمجتمعات والدول والحضارات الاخرى. وكان ثالثها يتعلق بتغييرات فى الرؤية الامريكية سياسيا واقتصاديا وعسكريا، اذ نزعت الولايات المتحدة إلى فكرة اقامة الديمقراطيات فى العالم، باعتبارها الاستراتيجية الافضل فى المرحلة الجديدة من التطور الدولى لادارة المجتمعات الاخرى وتحقيق المصالح الامريكية.

اكتملت شروط التغيير وهبت موجة عاتية من الديمقراطية فى كل بلدان امريكا اللاتينية، حاولت الولايات المتحدة من خلالها توسيع رقعة مصالحها فى الدول وتحويل الديمقراطية إلى طريقة لوصول المؤيدين لها إلى حكم تلك البلدان –بديلا لحالة الانقلابات العسكرية-وتشكل نمط جديد من الحكومات كان بعضها يساريا وكان بعضها وطنيا بالمعنى العام للكلمة اى دون توجهات عقائدية محددة، واتبع اغلبها نمط الاقتصاد الحر.. الخ.

ولقد كان الطابع المميز لكل تلك التجارب هو السير نحو تطوير المجتمعات والاقتصاد وتاسيس حالة ديمقراطية لا تسمح بالعودة إلى مرحلة الانقلابات العسكرية، وبناء نظم حكم تقيم توازنات استراتيجية فى عالم متعدد الاقطاب لحساب مصالحها الوطنية دون ان يكون الصراع مع الولايات المتحدة عنوانا عقائديا (كما هو حال البرازيل )اذ تلخص المحتوى العام لكل نشاط تلك النظم الجديدة فى استكمال الدور التحررى الداخلى على صعد السياسة والاقتصاد فى بلادها.

الحالة الافريقية

في الدول التي تعاني من هشاشة بناء وانصهار مجتمعاتها وتتشكل أجهزة دولها دون شرعية وطنية مطمئنة لابناء الوطن،  تحاول الولايات المتحدة انفاذ اسلوب الفوضى البناءة عبر طرح شعارات الديمقراطية التي تتحول فى التطبيق الامريكى (او وفق النموذج الامريكى المهندس وراثيا) من عامل توحيد وطنى إلى معول تفكيك إضافي لتلك المجتمعات والدول. في إفريقيا كانت الحالة واضحه بجلاء، فهناك صارت المجتمعات أمام نمط واضح لتلك الحالة، حيث الأحزاب هي الامتداد لتكوينات ما قبل تشكيل الدولة،  والتصويت في الانتخابات لا يجري على أساس برامج سياسية، وإنما جرى ويجري على أسس قبلية أو جهوية أو عرقية او شخصية، كما أن نتائج الانتخابات يجري بعدها صراعات على نفس مستوى التصويت،  تعيد إنتاج حالة الانقسام وربما تؤدي إلى حرب أهلية، كما في كل دول افريقيا التي اخذت بهذا الخط من كينيا إلى ساحل العاج.

وفي ذلك تبدو مشكلات "الحكم" في مثل تلك الدول، حالة مزمنة لا يمكن تقديم وصفة سحرية لها، وهنا يبدو الأخطر، أن الدول الغربية تحاول فرض آليات الديمقراطية على تلك المجتمعات، باستخدام الضغوط السياسية والاقتصادية والثقافية، بهدف اشتعال عوامل الفوضى، لا بهدف تغيير تلك الحالة المزمنة من النظم الشمولية، وباعتبارها أحد أهم عوامل التمكين لعودة السيطرة الاستعمارية على تلك المجتمعات والدول.

ذلك أن الدول الغربية، حين تدعم فكرة إدخال "الديمقراطية" كأساس لبناء النظم السياسية وإدارتها لا تستهدف فعلياً إحلال الديمقراطية أو دفع تلك المجتمعات نحو امتلاك عوامل القوة في بناء مجتمعاتها ونظمها الوطنية– حتى لا ترفض السيطرة الاستعمارية – بل هي تعتمد فكرة الديمقراطية كأداة تفكيك بالدرجة الأولى، إذ يأتي فرضها "للديكور الديمقراطي" كوسيلة من وسائل تمكينها من التدخل في الشأن الداخلي للدول، وكطريقة لكسب الولاءات الداخلية من خلال التحيزات المتعددة داخل المجتمعات، وباعتبار تلك اللعبة هي أحد عوامل تفكيك قدرة المجتمعات على التوحد في مواجهتها..  هي.

2- دورة التطور

في شائع القول، فإن الاستعمار الأوروبي ثم الأمريكي كان أحد أسباب ضعف التطور الاقتصادي والاجتماعي في دول العالم الثالث، إذ أدى استنزاف الثروات المادية خلال حقبة الاحتلال إلى تدني معدلات التطور، لتظل الدول المحتلة عند مراتب أقل من القدرة على بلورة معالم قوتها الاقتصادية وقدرة دولها على تشكيل مؤسساتها، ولتحرم تلك الدول من التطور إلى مرتبة الهوية المشتركة لمجتمعاتها بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وفي إفريقيا بشكلف خاص، كان استنزاف الثروة البشرية إضافة إلى الثروة المادية، أحد أسباب ضعف التبلور في المجتمعات، إذ لم يكتف الاستعمار باستنزاف الثروات من باطن الأرض، واستنزاف الفوائض المالية وفق الدورة الاستعمارية للاقتصاد، بل تعداها إلى استنزاف الثروة البشرية من خلال ظاهرة العبيد خلال القرنين السادس والسابع عشر، وإلى تخريب عوامل بلورة الهوية المشتركة في تلك المجتمعات من خلال "إدخال" معطيات لغته وثقافته كبديل للهوية الثقافية الوطنية المشتركة والمرتبطة بالإرث التاريخي في تلك المجتمعات. وكذا كان للصراع الاستعماري على الدول الإفريقية وامتداداته الداخلية، الأثر المهم في عدم الإجماع على مصالح وطنية، إذ صارت القبائل والتيارات الثقافية ذات ارتباط بالمصالح الخارجية المتضاربة والمتصارعة، بما أضعف الانتماء الوطني أيضاً.

والأهم في ذلك هو أن الاقتصادات والخدمات لم تتطور في المجتمعات المحتلة، بما عوق انصهارها في الحالة الوطنية العامة، كما عوق عملية تشكيل الدولة الحديثة بمؤسساتها وقدراتها، خاصة وأن الدول الأوروبية في حكمها لتلك المجتمعات اعتمدت أساليب القهر للسيطرة على المجتمعات، فقامت بتنمية القوات المسلحة والشرطة بأكثر مما نمت أية مؤسسات أخرى.

وهكذا حين جرت عمليات الاستقلال، لم يكن جاهزاً في تلك المجتمعات لتسلم السلطات أو للقيام بدور "عام" في تلك المجتمعات، إلا القوات المسلحة والأجهزة الأمنية التي قفزت إلى السلطة في كل بلد، لتصبح هي المكون الأساسي للحكم ولبناء الدولة، على حساب كل المؤسسات السياسية والإعلامية والثقافية بل هي اعتبرت نفسها بديل للمجتمع ذاته.

وكان من الطبيعي أن تصبح تلك المؤسسة التي جرى التوسع في عوامل قوتها خلال المراحل الاستعمارية، هي ذاتها القوة التي استخدمها الاستعمار في لعبة محاولة إعادة السيطرة على المجتمعات الإفريقية، إذ جرت انقلابات مضادة خلال المرحلة الزمنية التي امتدت حتى السبعينات والثمانينات.

وهنا كان الأخطر من عدم سلامة نظم الحكم ولا نمط ارتباطها بالأطراف الدولية، هو أن تجارب الاستقلال لم ينتج عنها تطور اقتصادي واجتماعي وثقافي يمكن من تخطي حالات القبلية والجهوية إلى الحالة الوطنية، إذ ظلت المجتمعات في حالة هي الأقرب إلى البدائية منها إلى التطور.

وهكذا حين انتهت تجارب الحكم العسكري إلى الفشل – الوطني منها أو المرتبط بالمصالح الاستعمارية – وأصبحت المجتمعات في حالة جاهزية لقبول الاحتلال، عادت الدول الاستعمارية إلى محاولتها إخضاع تلك التجمعات لكن في هذه المرة وفق صيغ الديمقراطية، كأداة تفكيك في تلك المجتمعات لإعادة إنتاج أوضاعها الداخلية المتوقفة عند حدود ما قبل التبلور الوطني، في صورة الصراعات الحزبية المرتكنة إلى القبلية والجهوية.

3- القبائل عابرة الوطنية!

وواقع الحال أن الدور الاستعماري في تجربة حكم الدول والمجتمعات الإفريقية لم يقتصر على تثبيط النمو الاقتصادي والاجتماعي وعلى تعطيل العملية الطبيعية لنشأة الدولة الحديثة القائمة على حق المواطنة، ليظل الأفراد باحثين عن القبيلة لحماية وجودهم واستقرارهم، وإنما كان للحدود التي رسمها الاستعمار خلال تشكيله "للدول"، دور كبير في عملية التفكيك اللاحقة للدول ذاتها، ما بعد مرحلة الاستقلال.

لقد جرت عملية رسم حدود الدول المحتلة وفق مصالح الدول الاستعمارية، ومن خلال صراعاتها مع بعضها البعض، دون مراعاة ظروف التطور الاقتصادي والاجتماعي في الدول. كان رسم حدود كل مستعمرة يجري من خلال الصراع بين الدولة الاستعمارية مع الدولة الاستعمارية في المستعمرة المجاورة، فجاءت الحدود لا علاقة لها بوقائع التاريخ أو الجغرافيا، وإنما لتحقيق مصالح كل دولة استعمارية محتلة لهذا البلد أو ذاك.

وقد نتج عن تشكيل الدول وفق الحدود "الاستعمارية" انقسام القبائل بين الدول ذاتها، لتصبح القبيلة الواحدة ممتدة بين عدة دول، لا تعترف بالحدود، ولنصبح أمام ظاهرة "القبائل العابرة للوطنية" ولتستعر النزاعات الحدودية، ويضعف تشكيل الدول مجدداً من خلال دورة خلفية أخرى، إذ أصبحت "الدول حديثة التشكل" تعيش في مواجهة دائمة بشأن شرعيتها في تمثيل المجتمعات القائمة فيها.

لقد أصبحت القبيلة أكبر من حدود كل وطن، كما نمت صراعات بين قبائل تمثل أغلبية في دول وأقلية في دول أخرى والعكس، بما أدخل تلك البلاد في حالات من الانقلابات والتمردات والصراعات والحروب طوال مرحلة "الاستقلال"، كان الأغلب في أسبابها هو الاختلافات القبلية التي صارت مع تطور الزمن، ذات طبيعية ثقافية ودينية أيضاً.

4- ديمقراطية التفكيك

كانت الانقلابات هي وسيلة التغيير المعتمدة في الانتقال من سيطرة "قبيلة" إلى سيطرة أخرى (وفق أبعاد ثقافية واقتصادية واجتماعية معقدة) طوال مرحلة "الاستقلال الوطني". والعارفين بأوضاع إفريقيا والمتابعين لتطورها التاريخي، يعرفون أن كل الانقلابات التي جرت في نيجيريا وأوغندا..  إلخ، كانت ذات تعبيرات قبلية محددة. كما يعرفون طبيعة الانقسامات في حركة التحرير الوطني في جنوب إفريقيا على أسس قبلية، حتى أن الانتقال حالياً إلى رئيس للمؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم من قبيلة الزولو، ينظر إليه كتطور هام وكبير. وأن الأمر لم تنجو منه إلا دول شمال إفريقيا على نحو ما.

لكن الإشكالية الأعقد التي أدت إلى وصول "المعارك" إلى الشوارع وإلى الحرب الأهلية، هي أن التغيير لم يعد يجري في أعلى قمة هرم السلطة العسكرية من أعلى، بل وفق نشاطات داخل المجتمع.

خلال الانقلابات، كانت تجري المواجهة من داخل جهاز الدولة بين الضباط وبعضهم البعض على خلفيات الارتباط بدول الخارج وبالهويات القبلية في الداخل، كما كانت الحركات المسلحة على أسس قبلية وجهوية وسيلة من وسائل الصراع بين جهاز الدولة المنحاز إلى قبيلة بعينها، وبين أبناء القبيلة الأخرى.

لكن الأمور تغيرت في بعض المناطق، ضمن الضغط الاستعماري لفرض آليات الديمقراطية وعلى خليفة اتفاق "ضمني" بين الدول الاستعمارية لوقف تدفق السلاح على نحو ما إلى القبائل والجماعات المتصارعة، خاصة بعد نهاية الحرب الباردة، وما بعد المجازر التي جرت بين قبائل الهوتو والتوتس في رواندا وبوروندي.

بدأت لعبة الديمقراطية ونجحت بعض التجارب في اجتياز البعد القبلي لأسباب تتعلق بتوافقات داخلية ودولية، لكن الأغلب منها سقط مجدداً في هاوية القبلية، فصارت نتائج الانتخابات، هي الحرب الأهلية والقتل على الهوية القبلية، إذ لم تأت الديمقراطية نتاجاً لتطور اقتصادي واجتماعي وثقافي، وإنما كحالة من الحالات المفروضة من الخارج.

لكن الأخطر في تحول لعبة الديمقراطية إلى الضد حالياً، هو أنها جاءت مجدداً ضمن سياق الصراع بين الدول الكبرى على ثروات إفريقيا، وفي ذلك تبدو الشواهد عديدة ومتعددة، لعل من أخطرها ما جرى ويجري في الصومال وتشاد ودارفور، التي تعيش حالة من الحرب الأهلية الدائمة كامتداد لصراعات الدول الخارجية على ثرواتها، وضمن حالة تسود كل منطقة حزام وسط إفريقيا التي تمتد من البحر الأحمر حتى المحيط الأطلنطي.

وتخفيفاً لأمر تعقيدات الحالة القبلية، نشير مثلاً إلى دور قبيلة الهوية في الصراع والمقاومة الجارية في الصومال، كما نشير إلى طبيعة الصراع بين القبائل من أصل عربي والأخرى من أصل إفريقي في دارفور، وكذا إلى امتداد تلك الحالة إلى تشاد والنيجر وإفريقيا الوسطى، إذ شهدت تلك البلدان صراعات حول دور ومكان قبائل المحاميد في مسيرة تاريخية معقدة، كما نشير إلى تنامي ظاهرة الصراع ضد قبائل الطوارق في بعض دول وسط إفريقيا..  إلخ.

انقلبت المطالبة بالديمقراطية وحقوق المواطنة إلى حالة قبلية، وانقلبت إلى انفراط لقوة الدولة وأضعفت شرعية مؤسساتها، وصارت الانتخابات طريقاً للحرب الأهلية.

الثورة العربية

تبدو الثورة العربية الراهنة وكانها موجات تسونامى تضرب كل النظام العربى القديم فى كل الدول وتعيد ترسيخ معادلات جديدة للحكم وعلاقات القوى السياسية والمجتمعية بعضها ببعض، وهى لا شك ستجلب بدورها نمطا جديدا من انماط بناء المنظومة الاقليمية العربية وحالة جديدة من التوازنات فى الاقليم، على اعتبار ان النظام الرسمى العربى ليس الا محصلة دقيقة لطبيعة وقدرات وتوجهات النظم القائمة فى دوله كل منها على حده.

والمتامل جيدا فيما يجرى يلحظ ان كل تجربة من تجارب التحول الجارى تاخذ منحى خاص مميز لها وان اتفقت حول فكرة ورؤية بناء نظم ديمقراطية بديلا لاوضاع التحجر والتكلس والشمولية التي عاشتها مجتمعاتنا خلال مرحلة ما بعد الاستقلال وبناء الدولة "الحديثة" ما بعد الحرب العالمية الثانية. امر التمايز والاختلاف واضح بلا مواربة فى حالة الثورة العراقية الجارية، على صعيد طبيعة مهامها بالنظر لظروف الاحتلال وبحكم انه احتلال هو الاقسى لوجود محتلين لا واحد، والاهم ان طابع الديمقراطية الذى تنشده هو نمط تجميعى لا تفكيكى، اذ ذات شعار الديمقراطية كان احد اليات التفكيك العرقى والجهوى والطائفى فى هذا البلد ما بعد الاحتلال الامريكى. فى النمط الليبى، جرى الانزلاق إلى امرين حددا خصائص تلك التجربة اولهما، التحول إلى عسكرة العمل الجماهيرى بالامساك بالسلاح فى وقت مبكر فى مواجهة السلطة وادواتها العسكرية والامنية، وهو ما طرح تساؤلات حادة حول طبيعة تلك الحركة واحتمالات الحرب الاهلية وتقسيم البلاد، وثانيها ان التغيير لم يجر وفق النمط الداخلى، كما حدث فى كل من مصر وتونس، بل جرى من خلال الاستعانة بالخارج الاخطر على تلك البلاد بل وعلى مصير الامة، اذ اغتنم الغرب الفرصة –بغض النظر عن خلافات المصالح-لكى يدشن حلف الاطلنطى اول تدخل عسكرى واول عدوان على عالمنا العربى الاسلامى، اذ يمثل التدخل العسكرى للاطلنطى فى ليبيا الحدث الاهم والاخطر فى علاقات العرب الدولية مع الغرب، اذ هذا التدخل يمثل تحولا استراتيجيا وتغييرا فى علاقات الاطلنطى مع المنطقة العربية. وهكذا اذ تجرى المعركة فى ليبيا وفق اختلاط بين نمط الحرب التقسيمية بين غرب البلاد وشرقها وعلى اساس تدخل اجنبى طامع فى الثروة الليبية تنزلق اليمن إلى نمط من انماط التقسيم والاقتتال الاهلى هى الاخرى، لكن دون تدخل عسكرى خارجى مباشر. واللافت الاكثر اهمية فى الحالة اليمنية، ان هذا البلد قد تعرض خلال السنوات الماضية لحركة انفصالية تهدف إلى فصل الجنوب عن شماله، ولحركة تمرد فى الشمال على اساس طائفى، والان اذ تجرى محاولة تغيير النظام، فالمتوقع ان تنقلب الاحداث باتجاه التقسيم والحرب الاهلية مرة اخرى بعد اسقاط النظام. فى البحرين جرت التحركات ومواجهتها على اساس تفكيكى طائفى، وانزلقت سريعا إلى ازمة تفكيك وصراع فى الاقليم. وفى الحالة السورية جرى الامر منذ بدايته وكانه حركة تعرف طريقها إلى التفكيك الطائفى واضعاف التماسك الوطنى. . الخ.

وهكذا يبدو امر احتلاف نمط الثورات العربية واضحا اكثر اذا درسنا الحالتين المصرية والتونسية اللتان اعتمدتا نمط الصراع السلمى والحفاظ على مقدرات الدولة دون هدم، اذ حافظت الثورتان على توجهها السلمى ومطالبتها بتغيير النظام دون الانزلاق نحو العنف فى مواجهة الدولة او بين اطياف المجتمع، ودون طلب تدخل خارجى، وان كانت بعض الممارسات خلال الثورتين قد اظهرت محاولات مستميتة من بعض القوى، لتحقيق التفكيك لجهاز الدولة والمجتمع، اذ جرت محاولات لاثارة الفتنة الطائفية فى مصر، كما جرت اعمال انهاك لجهاز الدولة عبر اقتحام اقسام الشرطة والسجون وسرقة الاسلحه، وكذا جرت محاولات لحدوث صدامات بين القوات المسلحه –التي هى حائط الصد الاخير للحفاظ على وجود الدولة ودورها بعد انكسار قوات الشرطة –والجماهير الثائرة، لاحداث فراغ خطير. لكن الامور لم تتحرك بهذه الاتجاهات وظلت الدولة والمجتمع صامدين فى مواجهة محاولات الهدم والتفكيك.

نموذجان للديمقراطية

والمتابع لكل ما جرى فى ثورات اوروبا الشرقية وامريكا اللاتينية وكذا مختلف النماذج العربية، يلحظ ان شعارات الديمقراطية هى الغالبة فى كل تلك التجارب او هى الاساس فى كل عمليات التغيير. غير ان المدقق المحلل يلحظ اننا امام نموذجان لبناء الديمقراطية لا نموذج واحد ليس فقط وفق المعطيات النهائية لانفاذ مشروع الديمقراطية الناتج عن تلك الثورات، بل من الاصل على صعيد طبيعة القوى المشاركة فى تلك التغييرات.

تلك الثورات جرت وفق نموذجان، احدهما يستهدف بناء نموذج وطنى ديموقراطى يستند فعليا إلى قاعدة تغيير اجتماعى يستهدف تحقيق العدل الاجتماعى واعادة بناء الاقتصاد وتغيير السياسات الخارجية، انطلاقا من تعبير الحكم عن مصالح المجتمعات من خلال انتخابات شفافة بلا تزوير كالمعتاد، وثانيها، نموذج امريكى يعتمد نمط الفوضى الخلاقة الذى يستدف توسيع النخب الامريكية فى تلك المجتمعات وتعميق تحقيق المصالح الامريكية وانفاذ الاستراتيجيات الامريكية فى تفكيك دول ومجتمعات عدوة للولايات المتحدة سياسيا او عقائديا. هذان النموذجان متناقضان فى الوسائل والاهداف وليسا مختلفان فقط، غير ان ذلك لا يعنى اننا امام نموذجين منفصلين موزع كل منهما على دولة او تجربة، بل الاغلب اننا امام حالة تداخل وتصارع بين النموذجين فى معظم الدول التي شهدت تلك الثورات، وان كان بعضها متميزا فى وضوحه اذ نحن عشنا فى الحالة العراقية نموذج الفوضى الخلاقة الامريكية المفروضة بقوة السلاح والعدوان وهو ما حدث للعراق بعد غزوه واحتلاله واستهداف تفكيكه مجتمعا ودولة، ونموذج الثورة الديمقراطية الوطنية الجارية حاليا والتي تستهدف تحقيق البناء الديموقراطى لحشد طاقات الامة وانهاء الانقسامات وتحقيق الاستقلال. وفى ذلك يصبح العراق هو نموذج لتطبيق الحالتين، الاولى التفكيكية المطبقة ما بعد الغزو الامريكى والثانية الوطنية وهى الثورة الجارية الان.

أ-النموذج الامريكى :الفوضى الخلاقة

ثمة التباس وعدم وضوح فى فهم استراتيجية الفوضى الخلاقة، التي اعلن ان الولايات المتحدة تعتمدها فى احداث عمليات التغيير فى المجتمعات الاخرى، اذ يتصور البعض ان تلك الفوضى هى حالة عدمية تستهدف اثارة اضطرابات وتسعير فتن التقاتل الداخلى(حرب اهلية ) وتفكيك الدول وتقسيمها، وفقط، دون ادراك انها فى الاصل نمط "ثورى" من انماط التغيير، وان اثارة الفوضى وهدم مكونات جهاز الدولة ليس الا معبرا لاحداث تغيير ثورى مستهدف، سواء اتفقنا او اختلفنا مع اهداف هذا التغيير او مع اسلوب التغيير هذا.

ويبدو ان احد اسباب هذا الفهم الملتبس، راجع إلى ان الولايات المتحدة كانت تعتمد فى مرحلة سابقة، اسلوب ونمط الانقلابات العسكرية فى الدول الاخرى، وباعتبارها كانت تخاف كل انماط حركة الشعوب وثوراتها، فى ظرف كانت الدولة الاخرى المنافسة لها خلال الحرب الباردة –اى الاتحاد السوفيتى-هى من تركز على اعتماد اسلوب التغيير الثورى الجماهيرى العنيف وتفعل ما فى وسعها لدعم حركات التحرير والثورات التغييرية، وتشن حملة دعائية مضادة لامريكا باعتبارها تعادى تطلعات الشعوب.

هذا التغيير الذى جرى فى استراتيجية الولايات المتحدة دوليا، من دعم الانقلابات العسكرية فى دول العالم الثالث، إلى ابتكار نمط الفوضى الجماهيرية المنظمة، لم يجر ادراك ابعاده بدقه -بما احدث هذا الارتباك فى الفهم -اذ ظل البعض على "رؤيته القديمة " التي ترى الولايات المتحدة خائفة ومضادة لكل حركة جماهيرية، وتساءلوا مستنكرين، كيف يمكن اعتبار امريكا فى صف تلك الحركة الشعبية العاصفة، التي شاهدها العالم –فاغرا فاهه-فى دول اوروبا الشرقية. هم لم يستطيعوا حل معضلة وقوف الولايات المتحدة فى صف حركات تعتمد على الشعوب وحركتها، وهى المعروف عنها التعاون مع نظم الحكم المستبدة ورفضها تحرر الشعوب وسعيها للاستقلال والتنمية المستقلة. . الخ.

وواقع الحال ان الولايات المتحدة قد اوضحت بكل الاوصاف والافعال هذا التغيير فى استراتيجيتها بدءا من الدور الذى لعبته فى تفكيك خصمها الاتحاد السوفيتى عبر رفع شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وحقوق الاقليات ومن خلال عمليات احياء الثقافات القديمة فى المجتمع السوفيتى (بعث اللغات القديمة )واذكاء روح النزعات الانفصالية. . الخ، كما كان واضحا بجلاء مدى تطور تلك الاستراتيجية واندفاعها بعد تفكك الاتحاد السوفيتى، لاحداث تغييرات فى كل بلد من بلدانه السابقة، من خلال الثورات البرتقالية وثورات الورود.

هذا الانتقال فى الرؤية الاستراتيجية الامريكية، لم يات بين يوم وليلة او من خلال فكرة طارئة على ذهن احد الزعماء او المفكرين او المخططين، بل جاء وفق منهج التجربة والخطا اثناء تجربة الصراع خلال الحرب الباردة، وبناءا على دراسات اعدها كبار العلماء فى علمى الاجتماع والنفس واساتذة وخبراء الاعلام.

كانت الولايات المتحدة قد اعتمدت خلال الحرب الباردة،  استراتيجية المواجهة الشاملة، التي قامت على تصعيد الدعاية الايديولوجية (عيوب الاشتراكية والشمولية ومزايا الراسمالية والحرية والديمقراطية والتعددية ) والدخول فى سباق التطوير التكنولوجى فى الصناعات الحربية وفى مجالات الفضاء (سباق التسلح) ومن خلال الحروب بالوكالة (حروب من دول موالية لها، ضد دول معادية لها، بدعم وتمويل منها) وتدبير الانقلابات العسكرية التي كانت مشتهرة بشكل خاص فى امريكا اللاتينية، غير ان التجربة المريرة الطويلة لتلك الحرب اثبت فشل تلك الاستراتيجية، فجرى التخطيط الاستراتيجى على نحو مختلف، حتى اعتمدت استراتيجية الفوضى الخلاقة التي اعتبر الاعلام قائد وسائلها، حتى قال احد قادة الاتحاد السوفيتى السابق، ان ازرار التليفزيون فعلت ما لم تفعله "الصواريخ النووية"، تعليقا على هدم الجهاز السوفيتى وتفكك تلك الامبراطورية وتحول روسيا إلى دولة "اقليمية" بدلا من حالة الدولة العظمى المنافسة والمنهكة للولايات المتحدة.

وحرب الفوضى الخلاقة، هى استراتيجية شاملة هى الاخرى -تحتاج إلى سلسلة كتب لشرحها –اذ هى تشمل جوانب فكرية واقتصادية وسياسية وعسكرية واجتماعية واعلامية، يمكن تلخيص تطبيقها فى منطقتنا بالاجمال فى اتجاهين استراتيجيين على صعيد خطط الحركة، اولها اتجاه حركة فى الاقليم الذى يجرى تطبيقها فيه، والثانى اتجاه للحركة على الصعيد الوطنى لكل دولة من الدول المستهدفة.

ومن خلال ما جرى فى منطقتنا وبشرح عملى تطبيقى، فعلى الصعيد الاقليمى، جرى "اخراج" قوة ودور كل من افغانستان والعراق من التوازن الاقليمى، وهما حلقتين من حلقات هذا التوازن، بما احدث فراغا استراتيجيا اربك التوازنات المستقرة الطبيعية –القديمة-التي حفظت حالة الاستقرار او حالة التوازن من قبل فى هذا الاقليم وذاك، وهو ما احدث حراكا وفوضى بسبب خروج تلك الدولتين الذى احدث تغييرا فى الوزن النسبى لقوة كل دولة من دول الاقليم –وهو ما كان سببا لاندافاعات ايران وتركيا –كما ان اخراج العراق وافغانستان من الاقليمين جاء بالولايات المتحدة استراتيجيا (لا عسكريا فقط ) فى داخل الاقليم فصارت تدير صراعاته وترتب اولويات الصراعات على طريقة السيطرة على الجسر وتحويل اتجاهات الحركة والصراع بين اطراف الاقليم، وفقا لما يخدم مصالحها.

وعلى الصعيد الداخلى فى كل دولة من الدول (وهى خطة عامة يجرى ترجمتها حسب ظروف كل دولة)، فقد جرى فتح النقاش والحوار بشراسة حول كل ما هو مستقر فى المنظومة العقائدية والفكرية والمنهجية والقيمية التي تمثل اساسا مستقرا لقيام وخصوصية تلك المجتمعات، من خلال الاعلام الذى شهد توسعا فى تاثيره على نحو ثورى حقا وغير مسبوق فى التاريخ الانسانى. لقد جرى الامر وفق دفع مركب استهدف الجانب الاول منه هدم الثقافات السائدة ورموزها -ولذا شاهدنا تسفيها ونقدا لاذعا حتى لقيم الوطنية والاستقلال –وفق حملة استمرت حتى تمت ازاحه النمط الثقافى السائد على درجة او باخرى واطاحة واضعاف الرموز الفكرية. وفى جانبها الثانى جرى تقديم وتلميع قيادات فكرية وسياسية واعلامية بديلة عن تلك التي كانت تتسيد عقول المواطنين وتحفظ للمجتمع هويته. لقد جرت عملية مبرمجة ومخططة للتفكيك النفسى لعلاقة الفرد للفرد، والفرد فى داخل الكيان الاسرى (شابا او زوجة) ولعلاقة الفرد بالمجتمع والفرد بالمؤسسات والدولة. . الخ. وكذا جرت عملية تفكيك للولاء الوطنى والقومى واعتبار تلك القيم. . قديمة، والقول بان العولمة شيدت ثقافة عالمية حلت محل الثقافات الوطنية التي كثيرا ما وصفت قيمها بالمتخلفة او الخشبية، وهكذا جرت تغييرات خطرة، اذ حلت قيمة المال محل قيم الاخلاق والكسب السريع العاجل بديلا لفكرة العمل. . الخ.

لقد كان الاهم بين سبل تحقيق تلك الاستراتيجية، هو هذا الدور الهائل للاعلام، اذ جرى تعريض عقول المواطنين فى المنطقة وفى داخل كل دولة، إلى حالة ضخ اعلامى اخبارى ومعلوماتى وتحليلى، استهدف تجريد المجتمعات من منظومتها الثقافية والولائية والقيمية -التي هى الحالة الدفاعية الطبيعية  للمجتمعات ومعاملات التماسك الوطنى والاجتماعى -تحت شعار انها منظومات قديمة، وقد قصد ان تتدرج الخطى، فتبدا بالهدم، لتصل إلى طرح منظومة جديدة هى فى الاغلب اسوا ما فى المنظومة الغربية لا افضل ما فيها، اذ الغرب ليس بلا قيم وليس بلا هوية ولا يعرف التكاسل بل يعرف الابنتاج والابتكار. . الخ.

ونخطىء اذا قلنا، ان ما جرى لم يكن سوى فعل "ثقافى ودعائى دون بناء كوادر على الارض، اذ نحن امام استراتيجية لا تستهدف الذهاب بالفكر والقيم والسياسة إلى منطق العدم –الذى يراه الكثيرون من الذين ينظرون للصراعات بمنطق الكره وحب التدمير-بل جرى الامر وفق خطة محددة استهدفت تدريب كوادر سياسية واعلامية وفكرية لقيادة الفعل التغييرى والمرحلة الجديدة.

الفوضى البناءة فعل تغييرى او هى ثورات تغييرية، وليست خطة لصناعة الفوضى وترك الامور لتفاعلاتها لاثارة الاضطراب او حتى الاقتتال الاهلى الداخلى لمجرد انهاك المجتمعات وتركها تاكل ذاتها بلا هدف ابعد، فذلك قد يرتد عنفا ضد الخارج ولو بعد حين. وكذا هى فعل قام ويقوم على اكتاف قيادات وكوادر محلية من فئات تحديثية او هكذا حاولت ان تظهر بهذا المظهر، لتقود عملية التغيير او ثورات التغيير وفق اسلوب او استراتيجية الفوضى الخلاقة وتدافع عنها باعتبارها عمل ثورى "تقدمى"، وهى تبنته كاملا باعتبارها، صاحبة مصلحه فى التغيير.

كان هناك نشاط محموم على الارض، من خلال العديد من التنظيمات التي تشكلت حديثا داخل كل المجتمعات، التي يطلق عليها منظمات المجتمع المدنى الممولة من الخارج، والتي سارت نحو تشكيل قوة حقيقية فى الصراع داخل المجتمع –وليس كل المنظمات كذلك بالطبع-كما جرى تشكيل بعض الاطر السياسية وتقديم شخصيات جديدة، استفادت من علاقاتها الدولية فى تثبيت اوضاعها فى الداخل.

وهنا يثور السؤال فى اذهان الجميع. لم تعتمد الولايات المتحدة مثل تلك الخطة فى بلدان تتعاون قيادتها معها ومحسوب على الولايات المتحدة دعمها واسنادها ايضا !.

وباختصار شديد، فقد استهدفت الولايات المتحدة، توسيع النخب المرتبطة بها فى داخل المجتمعات، وتصعيد دورها الجماهيرى إلى درجة القيام بتلك الثورات التغييرية للوصول إلى الحكم بيد وشرعية الجمهور، لا لان نظم الحكم القائمة هى نظم معادية للولايات المتحدة، او لانها لا تنفذ طلباتها، بل كان الاصل هو توسيع القاعدة الاجتماعية والسياسية للحكم المرتبط بالولايات المتحدة. وبمعنى اخر، فتلك الثورات التي جرت فى اوروبا الشرقية استهدفت انهاء العلاقة الهشة للولايات المتحدة بالمجتمعات ونقل نمط السيطرة عليها من حالة الاعتماد على نخب ضيقة ممثلة فى الحاكم وبعض اعضاء الحكومة، إلى حالة مجتمعية يصعب انهاؤها بانقلاب من هنا او هناك.

وقد جرت الاستراتيجية الامريكية فى درجتين، اولهما، محاولة "تطعيم" تلك النظم المرتبطة بالولايات المتحدة بتلك النخب الجديدة عبر اجراءات جزئية، وقد لاحظنا كيف جرت بعض التغييرات تحت الضغط الامريكى فى مرحلة السنوات الخمس الاخيرة. وثانيها يطبق فى حالة اصرار نظم الحكم على عدم القبول بهذا التغيير، اذ يجرى التحول إلى نمط الثورات التغييرية عبر الفوضى الخلاقة التي تخلع النظم ضيقة التمثيل السياسى والمجتمعى وتستبدلها بنظم "تحظى بشرعية الجمهور العام".

غير ان المجتمعات ليست قطعة زبد تقطعها سكين اية خطة مهما كانت مدروسة ومخططة بدقة، اذ المجتمعات لها اليات دفاعها الطبيعية عن نفسها ولها نمط وعيها وتتميز بظروف تشكلها عبر الاف السنين، وفى ذلك هى تقاوم تلك الخطط بصفة تلقائية، كما يواجه انفاذ تلك الخطط ازمة حقيقية حين يجرى تطبيقها وانفاذ مشروعها فى المجتمعات الواسعة الاعداد والتي وان كانت من تعانى من شيخوخة النظم واستبدادها، الا انها ليست مجتمعات هشة فى مكونها العام لا على صعيد نخبها ولا مؤسساتها. فى المجتمعات الاصيلة التشكل والتبلور تشارك فى اعمال التغيير الجماهيرى تلك، حركات سياسية قديمة وقوية وذات جذور فى مجتمعاتها، وهى ذات افق واهدداف اخرى، بما يهدد خطط التغيير الامريكية تلك بتغيير اتجاه الحركة ووطبيعة النتائج النهائية، بل هى حالة قد تتحول فيها حالة الفوضى المصنوعه إلى ثورة حقيقية تسير بالبلاد نحو الاصلاح الوطنى وتحقق الاستقلال السياسى والاقتصادى والنهضة. فى حالات اخرى خلاف ما جرى فى اوروبا الشرقية لم تقتصر حركة الشارع على مدبرى ومرتبى ذاك النمط من الفوضى، بما جعل الامور اشد تعقيدا اذ تطول فترة حركة التغيير وتتحول حركة الفوضى إلى حالة تضارب بين المشاركين، على عكس ما جرى فى اوروبا الشرقية التي حسم الامر فيها على نحو محدد وفى وقت قصير.   

هنا يحدث تعويق لنمط واهداف الفوضى البناءة المصدرة دوليا، عبر تغيير الاتجاه وممارسة التضاغط الوطنى ومنع اختطاف القلة المنظمة لفعل الجمهور العام، فيتحقق الاصلاح، وهذا هو التحدى العميق الملقى على عاتق القوى الوطنية فى تلك المجتمعات.

ب- النموذج الديموقراطى الوطنى

لكن كل ذلك لا يقلل من أهمية الديمقراطية حتى مع كل تلك العقيدات، باعتبارها الوسيلة الأنجح والأصح في إدارة "الصراع" داخل المجتمعات، كما يجب النظر إلى ما يجري بأنه ناتج عن عوامل تاريخية، لا يمكن إلا للديمقراطية أن تصححها، أو أن الديمقراطية هي وحدها من يمكن له تصحيحها، وأن ما يجري مهما كانت نتائجه، إنما هو بداية مسيرة التطور والانتقال من المجتمعات مقفلة الكيانات إلى المجتمعات التي تعتمد المواطنة أساساً للحكم، وأن الدور الاستعماري مهما كانت مطامعه ومطامحه سينتهي عبر الديمقراطية ذاتها، أو عبر تعميق آليات وثقافة الديمقراطية التي ستنقلب من حالة تفكيك ومن وضع مفروض من الخارج، إلى حالة توحيد وإلى ضرورات تفرضها الأوضاع في الداخل، وهنا سنجد أن الدول الاستعمارية ستتحول من تأيد ودعم الديمقراطية إلى التشهير بها في إفريقيا. والمثال هو ما جرى مع نجاح حركة حماس من خلال الديمقراطية!.

لكن مشكلة الديمقراطية هو فى طرحها دون بعد وطنى تتاسس عليه ودون بعد يتعلق بطبيعة مفهوم الحرية ودون بعد اجتماعى يتاسس  على نوعية الاقتصاد وتوجهاته.

1-الديمقراطية. . والحرية

فى بداية ونهاية المطاف فالديمقراطية ليست مفهوما وانما هى اليات، خاضعة او منطلقة من مفهوم الحرية. فالحرية هى المفهوم العام الشمل لقضايا عديدة فكرية واقتصادية واجتماعية وبطبيعة الحال سياسية، يختلف فيها ويرد حول حدودها وضوابطها. اما الديمقراطية فهى اليات انفاذ تلك الحرية التي تقتضى حرية التصويت فى الانتخابات والاحتكام لاراء المواطنين الحرة فى اختياراتها لمن تراه صالحا للحكم وحق الشعب فى منح سلطة ادارة الدولة لمن تشاء وتغييره ايضا.

والملاحظ حتى الان فى معظم تجارب الثورات الديمقراطية العربية الراهنة انها ما تزال تقتصر على تثبيت الاليات لانفاذ الحرية السياسية والاعلامية دون اجراء حوار حقيقى حول مفهوم الحرية وضوابطها بين مجتمع واخر وفق منظومته العقائدية والقيمية. ومن يتطلع إلى الثورات العربية الراهنة، يجدها فى الاغلب ما تزال فى وضعية الصراع حول اليات الديمقراطية، وتلك اخطر الوصفات لعدم احلال الديمقراطية الصحيحة، اذ الحوار يجب ان يحدد مفهوم الحرية ولا يقتصر على البحث فى اليات التطبيق، والا ظل كل طرف من اطراف المجتمع ينظر للحرية وفق رؤيته هو ليبحث عن تطبيقها وتحديد افاق المجتمع دون توافق وطنى على مفهوم الحرية المحدد.

ثمة ضرورة لفهم لقضية الحريات ومفهوم الليبرالية والدولة المدنية -ومحددات هذا الفهم -وها قد عاشت الثورة المصرية خلال مرحلة الاستفتاء عشنا وقائع خلاف حول بروز ودور الاتجاهات الاسلامية ومسالة المادة الثانية فى الدستور وقبلها عاشت مسالة شغلت الراى العام القبطى حول الزواج المدنى واحكام المحاكم بالطلاق، كما يتوقع ان تبرز قضايا اخرى عديدة تتعلق بفكرة المواطنة واطلاقها او تقييدها ودور المراة وما المسموح لها على صعيد شغل المراكز الاساسية فى الحكم وغيرها. امر مفهوم الحرية يتطلب هو الاساس الذى يتطلب، حوارا حقيقيا داخل المجتمع او هو يتطلب التقاء محدد لنخب متفكرة من مختلف الانتماءات للتوصل إلى رؤية واضحه ليس فقط مشتركة بل وايضا تحدد الاختلاف والاتفاق ليكون ذلك اساس يحول لمن سيختارون او ينتخبون فى الجمعية التاسيسية لصياغة الدستور، الذى لا يتعامل مع مخاوف بل مع مفاهيم كلية واضحه.

ب-الاقتصاد وافاق التنمية

والبادى ان ثمة اغماض للعين عن ضرورة تحديد افاق ورؤى محددة لثوابت الرؤية الوطنية للاقتصاد الوطنى ومضمونه الاجتماعى. فالنظم التي تجرى ضدها الثورات وتنشد تغييرها كانت تسير الاقتصاد وفق رؤية، لم تكن الاشكالية معها انها فقط نظم فاسدة فى التعامل مع ادوات الاقتصاد بل ايضا ان نمط الاقتصاد الذى سارت عليه كان بلا قلب، كما كان سائرا ضمن نمط من التبعية للاقتصاد الغربى وفاقدا لعنصر الاستقلال.

وحتى الان لم تطرح رؤية للاقتصاد ولنمط العدالة الاجتماعية المبتغى، وهو ما يعيد الامور إلى فكرة ان الديمقراطية ليست فقط الية، وانما هى ذات مضمون اقتصادى واجتماعى، فاذا كان من نافلة القول النتشديد على فكرة ان لا امكانية لديمقراطية فى ظل اقتصاد شمولى يمنع نشاط القطاع الخاص، فان الديمقراطية ذاتها لا تعنى اوتوماتيكيا نمط معين من الاقتصاد، بل الاقتصاد نفسه يمكن ان يتغير فى ظل ذات النظام الديموقراطى. الثورات العربية مطالبة بوضوح الرؤية فى مجال الاقتصاد والعدل الاجتماعى الذى ليس حالة من حالات اعاشة الفقراء بل هو نمط من انماط التنمية المحددة وبناء الاستقلال.

ان ثمة ضرورة لتحديد النظام الاقتصادى الاجتماعى للبلاد، الذى سيجرى النص عليه او ترجمته فى الدستور الجديد ما بعد الثورات. لقد كان الانظام الاقتصادى والاجتماعى فى زمن حكم الرئيس عبد الناصر –فى مصر مثلا -قائما على فكرة سيادة قطاع الدولة او القطاع العام، وفق خطط تحشيدية لاقامة البناء الاقتصادى وتطويره.. الخ، وترجمت تلك النظرة فى رؤية اجتماعية قامت على فكرة التشغيل كثيف ومجانية التعليم والعلاج وغيرها. ومع وصول الرئيس المصرى انور السادات خاضت البلاد تجربة اخرى، اذ جرى فتح المجال للقطاع الخاص فى معظم المجالات وانتهينا فى الامتداد لحكم السادات –مبارك-إلى ما وصلنا اليه من بيع كل الاصول فى البلاد. ما شكى الناس منه لم يكن فقط الفساد –فتلك رؤية مبسطة-بل كان نمط الاقتصاد والرؤية الاجتماعية (النيوليبرالية) التي جرى تطبيقها. الان واذ يجرى البدء فى تحديد مواعيد لاجراء انتخابات تشريعية واختيار المثلين فى جمعية تاسيسية لوضع دستور جديد ففى اى اتجاه ستذهب البلاد؟. الامر لا يحل بمجرد ترك الامر لهذا الخبير او ذاك او هذا المسئول وذاك. الثورة يجب ان تعيد تاسيس حالة مختلفة كليا فى البلاد وتحديد نمط الاقتصاد وعلاقة التنمية بالعدالة الاجتماعية. . الخ، هى فى صلب تغيير الدستور. وذلك هو نفس الحال فى كل الثورات الاخرى.

ج-الاستقلال والثورة والديمقراطية

وفى الجانب الثالث لقضايا الثورة العربية، فثمة ضرورة لوضوح الخطوط العامة لثوابت السياسة الخارجية للدول التي تشملها تلك الثورات. واذا اخذنا النموذج المصرى، فلا يصح ان يترك الامر لمن يتحدث ويتحرك هنا او هناك، فذاك يتحدث عن الغاء كامب ديفيد واخر حول العلاقات الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة وثالث يرى قضية المياة قضية مفتعلة واننا فقط اخطانا فى بعض الاجراءات واطلقنا تهديدات فى غير محلها، وهناك من يتحدث عن رؤية عربية بهذا الاتجاه واخرون يقولون بغير ذلك. مصالح الدولة العليا يجب ان تتحدد وفق رؤى متخصصة لمفكرين ومخططين استراتيجيين فضلا عن دور مباشر فى تحديد للرؤية من قبل القيادة العسكرية للبلاد. تلك قضايا وثوابت وليست قضايا سياسية، اذ هى ثوابت تاريخية واساسية فى بناء العقل المصرى وثوابت فى بناء الدولة. والحال نفسه ينطبق على كل الثورات العربية المطالبة بتحديد ثوابتها ورؤاها لعلاقات كل دولة بقضايا الامة.

والخلاصة

والخلاصة ان نموذج الديمقراطية ليس واحدا، وان هناك نموذجان، احدهما حركة امريكية تستهدف استخدام اليات الديمقراطية لتفكيك المجتمعات والامم، وثانيهما، هو نموذج وطنى يستهدف حشد الطاقات وتعميق عوامل قوة المجتمعات وتعزيز استقلال الدول. شرط الديمقراطية هو الوطنية والاستقلال وحرية الاوطان والامم.

مقالات اخرى

Melbourne Web Design & Development
menu-circlecross-circle linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram