

تقرير/د. جاسم الشمري عضو هيئة التحرير مقدمة: ربما يكون الحديث في بعض القضايا الشائكة في العراق، ومنها قضية إعادة النازحين لمناطقهم نوعًا من الغوص في أعماق الخلافات السياسية والاجتماعية وربما الدينية والاستراتيجية المتداخلة في الشارع العراقي بعد عام 2003. ومن النتائج الطبيعية لمرحلة غياب الدولة في العراق بعد طوفان الاحتلال الأمريكي هو سيطرة بعض المجاميع المعارضة للحكومة، أو المؤيدة لها على مناطق ما، ونتج عن هذه الحالات الشاذة انتهاكات لحقوق الإنسان وكرامته، والآلاف من جرائم القتل والتهجير. منذ سنوات عدة حاولت بعض الأطراف الرسمية في العراق السعي لردم الهوة بين مكونات المجتمع، والمطالبة بعودة العوائل النازحة والمهجرة غير المرتبطة بـ"تنظيم الدولة" إلى مناطقها. وهذه الدعوات في أغلبها ليست "بريئة" بل ساعية لتحقيق أهداف سياسية، أو هي نوع من الدعاية الانتخابية المجانية، وهذا لا يعني عدم وجود بعض الدعوات المخلصة لبلدها ولجماهيرها والراغبة بإنهاء هذه المأساة. أغلب دعوات عودة العوائل المهجرة لم تتوفر لها الأرضية المناسبة للانطلاق؛ لأن الأسس المنطقية: الاجتماعية والأمنية والخدمية غائبة؛ لذا كانت هذه الدعوات مجرد صرخات في العراء إلا في بعض الحالات التي عادت فيها بعض العوائل لمناطق محددة من مدن كانت في الأساس غير مؤهلة للانقسام الطائفي. اليوم هنالك مدن عدة في محافظات ديالى وصلاح الدين وغيرهما آمنة بشكل نسبي، ورغم ذلك لم نسمع بدعوات جادة لإنهاء ملف العوائل النازحة من تلك المحافظات، وكأننا أمام مخطط لتنفيذ سياسة تفريغ المدن وإحداث تغيير ديموغرافي، والتي تُعد واحدة من أكبر التحديات والمؤامرات المنفذة على أرض العراق لغايات طائفية وسياسية استراتيجية داخلية وخارجية. جريمة التهجير: قبل الحديث عن اتفاقيات إرجاع العوائل المهجرة إلى مناطقهم أرى من الضروري معرفة أعداد المهجرين حتى نتصور حجم الكارثة، وأهمية عودة هذه الأعداد الضخمة إلى ديارهم. وفي هذا السياق سبق أن ذكرت الأمم المتحدة في العراق "هنالك أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مهجرون في داخل العراق"([1]). وكانت المنظمة الدولية للهجرة قد لفتت إلى أن (عدد النازحين جراء أعمال العنف في العراق منذ مطلع 2014 قد تخطى عتبة الأربعة ملايين شخص، وأن زيادة موجة النزوح سببها القتال الدائر بين القوات الأمنية العراقية و"تنظيم الدولة")([2]). وفي حزيران 2016، أفاد مصدر مسؤول في محافظة صلاح الدين أن "عدد الأشخاص المختفين منذ سيطرة القوات العراقية على مدن محافظة صلاح الدين وقصباتها قد بلغ أكثر من ألف شخص، وأن جميع هؤلاء الأشخاص اقتيدوا من قبل الحشد الشعبي بمختلف فصائله من مناطق كان يسيطر عليها "تنظيم الدولة" ولا يعرف عن مصيرهم شيء إلى الآن"([3]). وفي بداية نيسان 2017، قال وزير الهجرة العراقي جاسم الجاف "إن عدد النازحين منذ انطلاق المعارك ضد "تنظيم الدولة" في العراق قبل أكثر من عامين بلغ أكثر من أربعة ملايين معظمهم من محافظة نينوى، وأنهم يعيشون في مخيمات تفتقر إلى مستلزمات الحياة الأساسية"([4]). ومع هذه الأعداد الكبيرة سنحاول تناول حالة ناحية يثرب في محافظة صلاح الدين كنموذج لاتفاقيات عودة النازحين، إذ سُلّط الضوء عليها إعلاميا وبعدها نقف على جدية هذا التوجه أو عدمه في تحقيق عودة المهجرين لمناطقهم دون خوف أو ترهيب. بداية الحكاية في ناحية يثرب: تعد ناحية يثرب من النواحي التابعة لقضاء بلد (80 كم جنوب تكريت) في محافظة صلاح الدين الواقعة على بعد (170) كم شمال العاصمة بغداد، وتمتاز بالتنوع السكاني، ويشكل العرب السُنّة غالبية سكان ناحية يثرب والقرى المحيطة بقضاء بلد. ويتجاوز عدد سكان ناحية يثرب، أربعين ألف نسمة من العرب السُنَّة الذين ينتمون إلى عشائر العزة والعبيد والبو حشمة أحد فروع قبيلة بني تميم، ومعروف عن أهل المدينة رغبتهم في التعليم والوظائف رغم أنها منطقة زراعية تضم بساتين ومزارع متنوعة([5]). وبعد الاحتلال عانت أغلب مدن محافظة صلاح الدين من غياب الأمن، وقد برز ذلك بشكل واضح بعد أن انتشرت الجماعات المسلحة- المؤيدة والمعارضة للحكومة- في عدد من المحافظات العراقية بعد حزيران 2014، ومنها محافظة صلاح الدين. وفي منتصف حزيران 2014، "سيطر مسلحو "تنظيم الدولة"، على ناحية يثرب بشكل كامل، وطالب عناصر التنظيم بحضور منتسبي عناصر الشرطة البالغ عددهم 500 عنصرًا إلى مقرهم لإعلان التوبة والبراءة من العمل في القوات الأمنية. وزرع المسلحون الطرق العامة ومداخل الناحية ومخارجها بعبوات ناسفة لاستهداف القوات الأمنية في حال مهاجمتهم، ونزحت العشرات من الأسر باتجاه قضاء الضلوعية وبعض المناطق الآمنة في المحافظة خوفًا من حصول اشتباكات بين عناصر التنظيم والقوات الأمنية"([6]). ومن ذلك الوقت تشهد محافظة صلاح الدين العديد من العمليات العسكرية والأعمال الطائفية في أغلب مناطق المحافظة؛ وتسببت هذه العمليات بمأساة إنسانية لأهالي المدن المنكوبة، حيث قدرت "أعداد النازحين من محافظة صلاح الدين بما يقارب 250 ألف نسمة شملت مناطق: يثرب، والضلوعية، وعزيز بلد، والإسحاقي، وأطراف سامراء، والدور وأطرافها، وتكريت وأطرافها، وبيجي، والصينية، وما بين هذه المناطق من تجمعات سكانية وقرى"([7]). وفي نهاية تشرين الثاني عام 2014، بدأت معارك ضارية بين القوات الحكومية المدعومة من الحشد الشعبي، ومقاتلي "تنظيم الدولة". وفي نهاية عام 2014، سيطرت مليشيات من الحشد الشعبي على ناحية يثرب ومنطقة عزيز بلد جنوب تكريت([8]). وفي هذه المرحلة بدأت المأساة الحقيقية لأهالي المناطق التي كانت تحت سيطرة "تنظيم الدولة"، ومن بينها ناحية يثرب، وقد اُتهم الأهالي باتهامات باطلة، منها مناصرتهم لـ"تنظيم الدولة"، ودعمهم لها، ومشاركتهم في تنفيذ عمليات انتقام جسدية في تلك المناطق. إن أغلب هذه الاتهامات باطلة، واكثر أهالي هذه المناطق مغلوبون على أمرهم، ولا يمكن أن يكون للمغلوب على أمره أي موقف، أو رأي لأنهم كانوا بين مطرقة الحشد الشعبي وسندان "تنظيم الدولة". ومع هذه الإشكالية المركبة التي لا تقوم على أدلة قانونية، أو منطقية حاولت بعض الأطراف الحكومية والاجتماعية إنهاء مشكلة العوائل النازحة، ولكن تزمت بعض العشائر المدعومة من الحشد الشعبي وتعنتها، وضعف الحكومة المركزية، وأعضاء مجلس محافظة صلاح الدين كل ذلك حال دون عودة الأهالي لمنازلهم، وبقاء مشكلة النزوح القسري من يثرب وغيرها من أقضية محافظة صلاح الدين ونواحيها. حلول ترقيعية: بعد سيطرة قوات الحشد الشعبي على ناحية يثرب، رأينا تنمُّرًا كبيرًا ضد عوائل عريقة في الناحية بحجة دعم "تنظيم الدولة"، أو التعاطف معها. ومع هذه الأجواء غير الصحية بدأت بعض الدعوات لإنهاء حالة التأزم الاجتماعي وعودة الحياة الطبيعية لمدن المحافظة بما فيها ناحية يثرب. وفي نهاية تشرين الأول 2015 أعلن "محافظ صلاح الدين رائد إبراهيم، الموافقة على البدء بعودة نازحي ناحية يثرب، وخصوصًا ممن تم تدقيق ملفاتهم من قبل الجهات الأمنية، وأن العوائل المتعاونة مع "تنظيم الدولة"، لا يحق لها العودة، وأن إدارة المحافظة ستوفر الخدمات المطلوبة لاستقرار العوائل النازحة"([9]). زقد أعلن محافظ صلاح الدين: "عقدنا عدة اجتماعات مع أهالي قضائي بلد والدجيل بحضور نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، وتوصلنا إلى اتفاق يقضي بفتح باب عودة نازحي ناحية يثرب، وأن عملية إعادة النازحين ستنطلق يوم غد صباحًا بعد حصول موافقة جميع الأطراف وسيتم اعتماد الآلية نفسها في إعادة نازحي مدينة تكريت من جهة الإجراءات الأمنية والتدقيق"، مؤكدًا "عدم السماح للعوائل التي ساندت (تنظيم الدولة) بالعودة"([10]). وبعد شهر من هذا الاتفاق - وبالتحديد في الثامن من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2015- لوحظ أن "عشيرتي البو فدعوس التميمية والبو سعود الشيعيتان، وبإسناد من فصائل الحشد الشعبي، تمنعان عودة العرب السُنّة من أهالي ناحية يثرب إلى منازلهم؛ في وقت فشلت فيه المساعي التي يبذلها محافظ صلاح الدين، رائد الجبوري، بثني العشيرتين عن قرارها، وأن عشيرة البو فدعوس تتهم أهالي ناحية يثرب بالتعاون مع تنظيم الدولة سابقًا، وأن عودتهم اليوم تعني عودة التنظيم لتلك المناطق، وأن وفدًا يضم محافظ صلاح الدين، ونائب قائد الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، ومسؤولين آخرين حاولوا التوسط لدى العشيرتين الشيعيتين؛ لكن هذا الوفد لم يستطع الوصول إلى مناطق العشيرتين بعد أن أطلقت قوة مجهولة النار على الوفد عند أحد المداخل التي تؤدي إلى تلك المناطق، وعلى إثر هذا عاد الوفد إلى المحافظة دون لقاء رؤساء العشيرتين"([11]). وهذا يؤكد غياب "هيبة الدولة"، ورجوع العراق إلى عصور الظلام والتخلف لأن الدولة المعتبرة هي القادرة على بسط القانون في كافة ربوعها لا أن تكون أسيرة لمواقف مليشياوية، أو عشائرية! وفي العاشر من أيار 2016، تم توقيع وثيقة شرف بين العشائر لعودة نازحي ناحية يثرب، برعاية محافظ صلاح الدين أحمد عبد الله الجبوري وإشراف رئيس ديوان الوقف السني لطيف الهميم([12]). وقد سجلت العديد من المنظمات والهيئات ملاحظاتها على وثيقة يثرب، ومنها هيئة علماء المسلمين في العراق التي حددت بعض نقاط الاعتراض على الوثيقة، ومنها: أولًا: لم يكن نص الوثيقة اتفاقًا بين عشائر منطقة (بلد) ومنطقة (يثرب) كما هو متوقع، ويشاع عنه ويؤمل منه، وإنما هي وثيقة مطالب من جهة واحدة، ويدل على ذلك اسمها: (وثيقة بأهم المطالب الخاصة بمدينة بلد). ثانيًا: اتهمت الوثيقة عشائر منطقة (يثرب) بما جرى في مناطقها من أحداث في السنوات الماضية، وطالبت بإيقاع العقوبات عليها بجريرة فعل غيرها، ومن ذلك مطالبتها بتسليم ((جميع الجثث والرفات التي تعود إلى الشهداء والمغدورين من أبناء المدينة، الذين خطفوا وقتلوا...))، مع أن الأمر لا صلة له بأهالي المناطق المذكورة وعشائرها، فضلًا عن كونه طلبًا اتهاميًا تعنتيًا وتعجيزيًا. ثالثًا: يسعى واضعو الوثيقة إلى تحقيق هدف تغيير التركيبة السكانية والهيكلية الإدارية لبعض المناطق، واقتطاعها وضمها إلى مناطق أخرى، بواسطة ضغوطات ميليشيات (الحشد الشعبي) على المؤسسات الحكومية في محافظة صلاح الدين، وتجاوب هذه المؤسسات معها، وهذا ما أكده المؤتمر الصحفي وكشفت عنه المخاطبات والوثائق بين دوائر المحافظة ودوائر قضاء بلد والحشد الشعبي؛ مما يؤكد غياب سلطة الدولة والقانون، وأن هذه الميليشيات هي الحاكم الفعلي وأنها فوق القانون. رابعًا: تطالب الوثيقة عشائر (يثرب) بتقديم الديات لأهالي المقتولين من مدينة (بلد)، بحجة ارتكابهم جرائم إرهابية ألحقت الضرر بأبناء المدينة، وهذا اتهام إجمالي لعشائر المنطقة بدون دليل، ومخالف لنصوص الشرع والقانون، ومحاولة مكشوفة لإدانة عشائر بعينها. خامسًا: تدعو الوثيقة لإماتة أراضٍ بعينها والمطالبة بجعلها مناطق عسكرية بحجة الإرهاب، مثل منطقة: (تل الذهب)، ومصادرة أراضٍ أخرى وسلبها من أصحابها أو ورثتهم أو أقاربهم أو عشائرهم، بدون أي وجه حق، والقصد هو إفراغها من سكانها الأصليين، وإحلال غيرهم فيها. سادسًا: غض النظر تمامًا عن أفعال الميليشيات والحشد وما اقترفته من انتهاكات بحق المواطنين، والتغاضي عن جرائمهم: من قتل واختطاف واعتقال وسرقة ممتلكات وحرق منازل ومحال تجارية وتجريف الأراضي، فضلًا عن تجاهل تام للأضرار الواقعة بالمواطنين وأراضيهم وممتلكاتهم في عدد من المناطق، بعد الاستيلاء على محاصيلها ثم حرقها وتجريفها بشكل تام، في المناطق التي ذكرتها الوثيقة ومن ذلك منطقة (مقاطعة رقم 11 الكشكرية)، وإسقاط حقهم الشخصي الذي كفله لهم الشرع والقانون. سابعًا: تحميل العشائر جريرة ما يسمى بالجرائم المرتكبة بحق مدينة (بلد) منذ عام (2003)، وهذا الطلب خارج عن مسؤولية العشائر وله ظروفه الخاصة، فضلًا عن عدم وجود الجهة المتهمة حين ذاك، وهو ما يفرغ الطلب من محتواه ويكشف عن كونه طلبًا ظالمًا واتهامًا جزافًا، يستخدم ضد أهالي المناطق المحيطة بمدينة بلد. ثامنًا: حرمان العشائر المتضررة من قِبل الميليشيات والحشد من حقهم في رفع دعاوى ضد الأعمال الإجرامية التي تمت بحقهم وبحق أراضيهم وممتلكاتهم، وعدها (دعاوى كيدية) ابتداءً؟!، وذلك من خلال اشتراط الفقرة رقم (11) في الوثيقة: ((التعهد بعدم تقديم أي دعاوى كيدية ضد الميليشيات والحشد الشعبي والقوات الأمنية الأخرى...))، وهذا يعني إعطاء صك براءة للميليشيات التي وثقت كثير من المنظمات الدولية جرائهما ونددت بها. تاسعًا: المطالبة بنزع سلاح المواطنين في ناحية يثرب والمناطق التابعة لها، مع أنها واقعًا منزوعة السلاح وتحت احتلال الميليشيات وقوات الحشد والقوات الحكومية. عاشرًا: محاصرة مركز ناحية (يثرب) والدعوة إلى اقتصار الدخول إليه والخروج منه بمدخل واحد، وحصر سكانه في معتقل كبير يشترط فيه: ((عدم السماح بدخول أي عنصر أو عائلة إلا بعد قيام الأجهزة الأمنية والاستخبارية والمخابراتية... بتدقيق الأفراد والعوائل أمنيًا بعد إصدار بطاقات تعريفية خاصة بهم... وإقامة الحواجز ونقاط التفتيش ونصب الكاميرات والأبراج وكل ما يلزم لذلك)).([13]) وفي يوم 19 مايس 2016، اعترف المتحدث باسم الحشد الشعبي في العراق كريم النوري – خلال حديثه عن الأوضاع في صلاح الدين- "أن هنالك واقعًا واحتكاكًا وتماسًا بين المكونات، وهنالك عشائر قتل بعضها بعضًا، ومشاكل وثارات عشائرية قبل وبعد دخول "تنظيم الدولة"؛ وهنالك حالة من التعقيد، ونعتقد بأن النصر لا يكتمل إلا بعودة النازحين" ([14]). وفي نهاية تموز ٢٠١٦ قال نائب رئيس مجلس محافظة صلاح الدين أحمد ناظم: إن" نحو 10 % عادوا إلى يثرب". واتهم ناظم "رجال الشرطة والجيش بالإساءة إلى العائدين ما أثر في بطىء عملية العودة، وأن شيوخ العشائر في يثرب يستعدون لدعوة شيوخ عشائر الجنوب والوسط للتدخل كطرف ثالث في بلدة مجاورة لإجراء مصالحة بين العشائر الشيعية والسنية في المنطقة مما يزيد من فرص عودة الباقين؛ لأن سكان بلد الشيعة يرفضون عودة النازحين باعتبارهم موالين للإرهابيين وكانوا مصدر خطر خلال الفترة السابقة على بلدتهم"([15]). وفي منتصف تشرين الثاني 2016 أكد النائب عن محافظة صلاح الدين مطشر السامرائي أن مناطق عزيز بلد وسليمان بيك وناحية يثرب والقرى التابعة إلى قضاء طوزخورماتو لم تشهد إرجاع أهلها النازحين على الرغم من تحريرها من "تنظيم الدولة" منذ أكثر من عام([16]). وفي منتصف آذار 2017، وعلى الرغم من استعادة محافظة صلاح الدين، بالكامل – تقريبًا- من سيطرة "تنظيم الدولة"، وعودة الحياة إلى طبيعتها في بعض مناطقها التي شهدت عودة سريعة لأهلها، أكدت مصادر عشائرية من محافظة صلاح الدين، أن ( أهالي كل من منطقة "يثرب" و"عزيز بلد"، ممنوعون من العودة إلى مناطقهم بأمر من مليشيات تابعة لـ"الحشد الشعبي"، حتى تدفع دية عن قتلى المليشيات، الذين سقطوا خلال المعارك ضد تنظيم الدولة). وقال الشيخ محمد الوسمي، أحد زعماء العشائر في منطقة يثرب: إن "جميع المبادرات والوساطات التي أجرتها الحكومة المحلية في محافظة صلاح الدين للسماح لأهالي ناحية يثرب بالعودة إلى ديارهم فشلت؛ بسبب إصرار المليشيات على منع النازحين من العودة إلى مناطقهم، وإن المليشيات استغلت قوتها وسلطتها في الدولة، وفرضت على الأهالي دفع دية عن قتلاها الذين سقطوا خلال عملية تحرير مدينة يثرب من سيطرة "تنظيم الدولة"، وإن المليشيات " فرضت على الأهالي دفع مبلغ قدره (15) مليار دينار (نحو (12) مليون دولار) مقابل عودتهم إلى المدينة، وإن المليشيات لم تكتف بتدمير المدينة وسرقة ممتلكات المواطنين، بما فيها من سيارات ومواش وآليات زراعية تقدر بالمليارات، بعد سيطرتها عليها، لتطالبنا بدفع دية قتلاها، وإن معظم أهالي ناحية يثرب نزحوا من مدينتهم بأرواحهم فقط، وفي ظروف عصيبة، ويعيشون اليوم أوضاعًا مأساوية في مخيمات النزوح وفي هياكل أبنية، ويعتمدون على ما يقدم إليهم من المساعدات الإنسانية"([17]). وفي يوم 12 مايو 2017 قال عضو مجلس المحافظة، منير حسين، إنه "حتى الآن لم يسمح بعودة نازحي قضاء بيجي شمال المحافظة سوى نحو 10% من النازحين، فيما سمح لنحو 40% من النازحين بالعودة إلى ناحية يثرب"([18]). وهذا يعني أن هنالك حتى الآن أكثر من 60% من أهالي يثرب، و90% من أهالي عموم محافظة صلاح الدين لم يعودوا لمنازلهم، فأين هي الجهود الحكومية في التعامل مع قضية بسط الأمن في محافظة صلاح الدين والتي باتت معروفة للجميع على أنها مدينة المليشيات بجدارة؟ وفي بداية عام 2017، هدد أحمد الكريم رئيس مجلس محافظة صلاح الدين العراقية " باللجوء إلى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إذا لم يُسمح بعودة نازحي المدن المحررة في صلاح الدين إلى مناطق سكناهم في منتصف شباط/فبراير القادم". وانتقد الكريم "موقف رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي عرض عليه الموضوع مرات عدة، لكنه تعامل معه بعدم جدية، ولم يتخذ قرارًا حاسمًا فيه، وأن مجلس محافظة صلاح الدين بحث موضوع عودة النازحين مع عدد من قادة الحشد الشعبي ولم يمانعوا في عودة النازحين، متهمًا في الوقت نفسه عددًا من فصائل الحشد بمنع عودة النازحين والعمل على منع عودتهم نهائيًا، وأن نازحي مناطق بيجي ويثرب وسليمان بيك صاروا ضحية تعنت فصائل متنفذة في الحشد الشعبي لا تريد لهم العودة لأسباب على الحكومة العراقية أن توضحها وتعمل على حلها"([19]). وهكذا يتضح جليًا أن المليشيات والعشائر الموالية لها هي صاحبة القرار في قضايا التهجير سواء في ناحية يثرب أم في غيرها من الأقضية والنواحي في عموم العراق، وهذا يؤكد غياب الدولة واستمرار حالة اللادولة في أغلب مفاصل الحياة العسكرية والمدنية. الحلول الجذرية لإنهاء مأساة التهجير: يمكننا إجمال السبل الكفيلة بإيجاد مخرج حقيقي لمأساة النازحين وعودتهم لديارهم وممتلكاتهم في عموم العراق وذلك على النحو الآتي: الخاتمة: إن السبيل الأفضل لإعادة العوائل كافة إلى مدنها في عموم العراق يكون ببناء دولة المواطنة التي لا تفرق بين المواطنين على أساس الدين، أو العرق، أو المذهب، أو الانتماء الفكري، وإنما المقياس الوحيد هو المواطنة، واحترام القانون. إن بقاء حالة اللادولة، أو الدولة الهشة لا يمكن معها تخليص العراق من مأساة التهجير التي تعد من أكبر التحديات التي تواجه العوائل النازحة وخاصة تلك التي لا تملك قوت يومها واستمرار الإهمال الحكومي المتعمد في تقديم مساعدات رمزية لا يمكن أن تكفي أبسط الاحتياجات العائلية. عودة النازحين مطلب إنساني ضروري ينبغي أن يكون في أولويات القضايا المفترض علاجها في العراق، لأننا نتحدث عن عوائل هجرت وتركت كل ما تملك، وصارت في لحظة من لحظات غياب القانون والضمير في عداد العوائل الفقيرة، وهم الذين كانوا بالأمس القريبة عنوانًا للعطاء والكرم، ولا أعتقد أن تجاهل مأساة النازحين إلا استمرار لتغذية الاحتقان الطائفي في البلاد، وهذه جميعها معاول مُحطِّمة لمعاني الانتماء للوطن، وعوامل قاتلة للسلم المجتمعي، ولا ينتج عنها إلا المزيد من الكراهية والاحتقانات المذهبية والاجتماعية المدمرة للإنسان والأوطان. ([5]) مقال: رائد الحامد، صحيفة التقرير. ([6]) صحيفة المدى برس العراقية.