

الْمُقَدِّمَةُ: السبب الموجب لهذا البحث: لا يخفى على المراقب المتتبع ما مرّ به العراق منذ السنة الأولى للاحتلال الامريكي عام (2003م) من هدر للأموال وهتك للأعراض وسفك للدماء وصناعة للفوضى التي أوجدت الارباك والاضطراب في كل شيء ثم ما يمرّ به بعد عام (2008) وحتى الوقت الحاضر، وبوادر خطط سياسية جديدة للقوى الدولية عامة والسياسة الأمريكية خاصة، سيما وقد اكتملت السنة الثامنة من الاحتلال، وقد مرت أشهر في السنة التاسعة منه، وتشير الدلائل الواقعية على الأرض إلى أن وسائل جديدة وأساليب تجري لأدارة المرحلة القادمة، وهي تنظر نضوج ثمر ربيع الثورات في العالم العربي، بل تلوح في الأفق علامات الثورات المحتملة في العالم الشرقي كالصين وروسيا وفنزويلا، وغيرها. ولكن ما يجري في العراق هو محاولة من نوع آخر يتناسب والخطط السابقة للاحتلال وطرائقه الامبريالية الاحتلالية، سيما ايضاً أنه يناسب التحول من الخطوة الاولى من الاستعمال المفرط للقوى العسكرية وايجاد الفوضى في البلاد (العراق) بالتحول إلى الخطوة الثانية في احتلال البلاد بأساليبها المختلفة، خطوة مابعد الاحتلال العسكري، أي الاحتلال السياسي، أو ما تطلق عليه الادراة الامريكية (الدور المدني) لموظفيها في قيادة من سيتولى الاشراف على ادارة الحكومة في العراق وقيادة الحكم. ومن الضروري بمكان، والنابه يلاحظ: أن عمل الاحتلال يتطور إلى تثبيت قدمه في العراق بطرائق عديدة قديمة وأخرى حديثة متطورة، فهو يتابع معالجة الحياة السياسية في العراق باستمرار السير على الخطوات القديمة، فهو فضلاً عن متابعة الاحتلال العسكري بايجاد قوى عسكرية بديلة لقوته تقاتل بالنيابة عنه، ويقدم إلى الدعم العسكري والمعونة، وانه يمارس الخطوة الثانية بالعملية السياسية فيدعم التيارات المختلفة والاتجاهات السياسية إلى ما يريد، فإنه أخذ يتهيأ إلى ما بعد الخطوة الثانية ويتطلع إلى إنجاح الخطوة الثالثة بتكبيل العراق بقيود المعاهدات السياسية والأمنية ومتعلقاتهما، وإنجاح الخطوة الرابعة بربط العراق بالاقتصاد الدولي والتبعية للشركات العالمية الرأسمالية. وهو ما يُجهِز إذا ما تم على هوية بلدنا، ويضعف شخصيته الاسلامية، ويفصله عن محيطه العربي والاسلامي، بل يفصله عن المحيط الانساني بوصفه أمة لها طريقتها في الحياة، وسيضعه في دائرة التخلف والتبعية لا محالة. وعلى هذا فإنه من الضروري ان تخطو الجهود المخلصة إلى العمل بالمطلوب والاستعداد للقيام بالدور المسؤول المناط بها، بما يناسب المرحلة الحالية وتجديدها على أصولها من الثوابت التي آمنت بها الأمة عامة والعراقيون خاصة عبر تاريخها العريق منذ تأسيس المدينة للامة عامة، وتأسيس بغداد خاصة. وسيما ان الأمة تلاحظ، ان النجاح لم يحصل على الشكل المتوقع ولم يلاحظ الجمهور ما كان يتأمله من قادته وزعمائه الذين هم خارج العملية السياسية للحتلال، أو خارج اللعبة السياسية للأمريكان، فلم يكن العمل ناجحاً بالشكل المطلوب والمرجو، على الرغم من التضحيات الجسام في العِرض والدم والمال؛ وربما هذا من وجه غير مقصودٍ خدم المحتل واعوانه وأيأس بعضهم. ولما كانت المعركة كرُّ و فرُّ، وصولة وجولة، ونجاح وفشل، ويوم عليك ويوم لك، كان لا بد عند ارادة الواعين للصالح والتغيير من رسم سياسات جديدة تناسب المستوى الفعلي والواقعي على الارض بدقة ووضوح يثق بهما الجمهور ويجدِّدُ الأمل فيه ويحثُّه على إنجاز الأعمال المطلوبة وتحقيق اهدافها وان يوضع هذا الجهد موضع الجدية السياسية والموضوعية الفكرية والعلمية، سيما أنه لم يعد الأمر فاعلاً على مستوى انواع المقاومة الأعلامية أو المقاومة القتالية غير السياسية، لأن الملاحظ حتماً: أن صولة المحتل انتهت إلى ما يريد، لتبدأ صولته الثانية بما يريد، وايضاً قد تلبس إنفعال الناس بمفاهيم خاطئة سلبية إن لم تتواصل الجهود المخلصة بالنوعية والارشاد والتثبيت على الايمان. كما ايضاً لا يخفى أنّ حاجة الشعب العراقي إلى قيادة سياسية تتجسد فيها إرادة الفكرة المؤمنة والطريقة الواضحة والممارسة الصحيحة، كحال شعوب العالم، فضلاً عن أنه لم يعد أمراً يتداوله الناس همساً، بل يصرح به الكثيرون من الواعين، ويتلمسه سائر الناس لما يعانونه من آلام وما يتطلعون اليه من آمال. وهو في الوقت الذي يدلّ فيه على إدراك العراقيين لأهمية ايجاد قيادات سياسية تعي الواقع، فإنه يدل ايضاً على حقيقة موضوعية هي ضعف إتصال القيادات المخلصة بشعبها، أو انها بعيدة عن استعمال الوسائل الذكية والاساليب الناجحة غالباً؛ وإن لم تفعل على تقوية الصلة بتجديد الهمة وتفعيل العمل بخطةٍ؛ فإنها ستموت لا محالة، ويصبح حال المخلصين غير الواعين حال كثير من الجماعات الميتة التي تنتظر أن يدفنها اهلها، وهذه سنة الفعل السياسي في حركة التاريخ إن لم يكن العمل ناجحاً. ولإجل ايضاح المطلوب للدور المسؤول لمعالجة الأوضاع السياسية في العراق، تناول هذا البحث أربعة مطالب: (التاريخ والحاضر) (التحدي والمواجهة) (الوهن والفراغ) (ملئ الفراغ وإزالة الوهن) المطلب الأول: الجذورُ السياسيَّة لاحتلالِ العراق (التاريخُ والحاضِرُ) 1. العراق قلب العالم الإسلامي في كلِّ شيء؛ فهو في التاريخ عاصمةُ الخلافةِ، وهو في الجغرافية وسط العالم الإسلامي ومركز الاتصالات الدولية، وفيه تبدأ المصالح وإليه تنتهي، وهو في الناس أهلُ الغَيرَةِ والناموس ومجتمع تناسق الأعراق والطوائف، وهو في الاقتصاد بلد الثروات، فلا يحتاج إلى غيره بل العالم يحتاج إليه، بغنى ثرواته الأرضية والنهرية والجوية، فهو بلد الثراء والنماء والخبرة والتاريخ، وهو أحد بلاد العالم الإسلامي التي إذا تمكن العدو من ضربها انفصل هذا العالم وتشتت، ولهذا كان العراق محِلَّ أطماعِ العدو المستعمر على مرِّ الأزمان وحقب التاريخ القديم والإسلامي وما بعد الاحتلال الأول والثاني. ثم إنه من المعروف أن الاستعمار له صراعات مع هذا البلد وله تاريخ عدائي طويل، ولا يخفى أن العداءَ كبيرٌ ومستمرٌّ، ولقد تجاوز العداءُ في العصر الراهن حال التعصُّب الديني لحروب الفرنجه الصليبية قديماً أو التعالي القومي، إلى حال العداء المبدئي للرأسمالية ضد الإسلام، والكل يعلم أن الاستعمار الرأسمالي ليس فكرةً مجردة، وإنما الاستعمارُ طريقةٌ في الحياة لفكرة الرأسمالية بوصفها عقيدة ومعالجات، فالاستعمار هو الكيفية التي تنفذُ الرأسمالية بها فكرتها عن الحياة، فتمتدُّ لتنتشر في العالم ولأخذ قيادة الشعوب لمبدئها الذي تحمله هذه الدول الرأسمالية. وقديماً جرى هذا الاستعمار في العالم الغربي وانتشرت الرأسمالية في أوربا، وتحولت الممالك والإقطاعيات إلى إدارة النظام الرأسمالي، وتحولت النظم السياسية في أوربا إلى النظام السياسي الديمقراطي. فنشأت دول أوربا التي سادتها فكرة الحرية والعقيدة العلمانية والسياسات الديمقراطية. وتشكلت عصبة الأمم الأوربية المسيحية بالصبغة الديمقراطية الرأسمالية، ولتستمر بمكافحة الوجود الإسلامي الذي كان يتمثل آنذاك بالدولة العثمانية. ولقد يستمر هذا التفكيك لبلاد المسلمين، والفكرة تعشعش في أذهان المستبدين الرأسماليين، وحتى زمن ربيع الثورات كما يسمى اذ حاولت امريكا ان تطرح مشروع تقسيم ليبيا ومن قبل تقسيم العراق ومعروف جداً أن التاريخَ الحديث هو نتاج صراع مرير عانى منه المسلمون مع هذه الدول الأوربية ومحاولتها القضاء على الإسلام تحت شعار (دَمِّرُوا الإسْلاَمَ أَبِيدُوا أَهْلَهُ). ولما ظهر أن تلك الوسائل لم تعد ناجحة كما كانت في بلاد الأندلس مع المسلمين، ولتطور الآلة، وانتشار الاعلام السريع اتخذوا وسائل جديدة للغدر بالمسلمين والتآمر عليهم، سيما أن المسلمين قد غلبتهم عوامل ضعف فكرية وعملية وسياسية مرت بأمتهم في مراحل تاريخها، واستطاعت عصبة الأمم بقيادة بريطانيا آنذاك من إقصاء الخلافة عن حياة المسلمين بإقصائها عن الدولة والحكم، ومن ثم تقسيم البلاد والاستمرار في هذا التقسيم والتفكيك حتى ما بعد (سايكس بيكو)، وهي كذلك عملت على إقصاء التشريع الإسلامي عن التطبيق والتنفيذ، بل وضعت لكل بلد من بلاد المسلمين دستوراً أو قانوناً أو لائحة من تعليمات أو فرضت عليه أحكام الطوارئ، وحاكماً متجبراً يقهر الناس ويستبد بالرأي والحكم، وبهذا العمل استطاع المحتل لبلاد المسلمين سلب إرادة الأمة باختيار الحاكم لها؛ وانتزاع سلطان الأمة وتحويله إلى قوة عسكرية انقلابية تستولي على الحكم أو قوة سياسية مصنوعة تتولى شؤون البلاد والعباد. فكان أن انتزع المستبد الرأسمالي المحتلُ السيادةَ من الشريعة وسلب السلطان من الأمة في زمن الإقصائَين، الإقصاء السياسي الرشيد عن الدولة والحكم؛ والإقصاء التشريعي العادل عن التطبيق والتنفيذ، وغرقت بلاد المسلمين ومنها العراق بصراعات فكرية وسياسية، أيدلوجية ثقافية وعسكرية في زمن ما قبل النصف الأول من القرن العشرين الميلادي. 2. ولما تململ الحسُّ الإسلامي، واستيقظ الشعور بالخطر على العقيدة والدين في نفوس المسلمين، وسيما بعدما تطاول الكافر المحتل على القرآن ودلائله التشريعية وعلى السنة وحقيقتها الموضوعية، وعلى السيرة النبوية وتاريخ المسلمين، في زمن عصر التشويش في بدايات القرن الماضي، وظهر كتَّاب ومفكرون يروجون للمدرسة العلمانية والنظام الرأسمالي والفكر الليبرالي؛ ظهر قبالتهم مفكرون تناولوا الرد على الضلاليين والجواب على جدلياتهم، فبعد تشويشات رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وجمال الأفغاني ومحمد عبده، ثم محاولة رشيد رضا أخذ المبادرة بشكل آخر، لتظهر على الساحة الفكرية والسياسية فتنة علي عبد الرازق، وإجابات العلماء عليه، ثم طه حسين وإجابات الرافعي عليه وإبطال دعواته. ليأخذ المشروع الإسلامي طور التجديد في الإصلاح والتغيير، ويسلك السلوك الآخر بالإنشاء والبناء والتكوين بدل سلوك الرد والجواب، فبرز للساحة الأستاذ أبو الأعلى المودودي، والأستاذ حسن البنا؛ ثم ليأخذ المشروع الإسلامي طوراً آخر في التجديد بجهد الأستاذ سيد قطب والأستاذ تقي الدين النبهاني، رحم الله الجميع. ولما رأى المستبد الديمقراطي المحتل أنه لا يستطيع الصمودَ أمام المسلمين إذا أسفر التحدي، بل لا يستطيع المواجهة وهو يقاتل ويواجه تحديات المسلمين بوساطة وكلائه وعملائه من أبناء جلدتنا وبالنيابة عنه وبمعاونة الضعفاء المستكينين من أبناء الأمة، قال الله تعالى: } ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ{. ولما وجد المحتل أن عقول أبناء المسلمين قد استنهضت طاقتها ورجعت إلى الدوران حول مركزية الكتاب العزيز والسُّنة المطهرة، وتجديد الأفهام بيقظة الفكرة واستبصار الفهم، وذلك بعد الحرب العالمية الثانية، أخذ المشروع الرأسمالي بإعادة النظر في خطته في العالم الإسلامي؛ وتحول من سياسة المؤامرة والخداع التي لم تنفع بأساليبها العتيقة ووسائلها من المنضبعين بالثقافة الغربية وحضارتها الرأسمالية إلى ما هو أكثر في مجالات الصراع الفكري والتضليل الإعلامي والتشويش على أذهان المسلمين والتلويث لأفكارهم. واتخذ الكافر بالاسلام المحتل لبلاد المسلمين طريقة العملِ بالموازات وسيلة لاستمرار مشروعه الاستعماري الرأسمالي، فعمل على إيجاد مثالٍ لفكر منحرفٍ باسم الإسلام، وإيجاد مدارسَ لا على طريقة (يحيى الدمشقي) بابا الكنيسة الشرقية في زمن القرن الأول الهجري، بل طوَّر مدرسته في الصراع الفكري، بتربية كوادر من أبناء المسلمين لهذا الغرض وتبنى من تأثر بثقافته بفكرة الوسطية العقلانية، والرضا بالواقع، فتبنى مَن اتبع وسائله وأساليبه في مشروعه السياسي وصار جزءاً من عمليته السياسية وإن لم يكن عميلاً له وظيفياً، بل صار عاملاً له عملياً نتيجة التأثر بالثقافة الغربية العلمانية والحضارة الرأسمالية. وصار بعض العلمانيين أو المتأثرين بالعلمانية يظهرون باسم الإسلام، وأنهم مفكرون إسلاميون أو فلاسفة مسلمون ولهم كتابات ملفتة للنظر ينخدع بها من لايعرف. وآخرون متلقون مضطربون ، مشوشون بين الصحافة والجامعات ، ومع ان هؤلاء لم يكفروا بالاسلام ولكنهم انضبعوا بالثقافة العلمانية وخدعوا بأساليب السياسة الغربية، وآخرون يعلنون الردة عن الإسلام باسم التجديد وهكذا. 3. وليس هذا فحسب، بل صار الجهد المخابراتي إلى وضع الإسلام والحراك الإسلامي المخلص في دائرة العنف والتطرف، سيما أنه استطاع توظيف غضبة كثير من المتحمسين إلى مآربه باختراقهم أفراداً وجماعات، أو تبني أعمالهم إعلامياً بتضخيمها، بل الاشتراك معهم من غير إذنهم بالقيام بأعمال باسمهم وفق سياسة العمل الموازي لإفشال المشروع الأصيل بأعمال غير الناضجين ثقافياً ولا سياسياً؛ فقد أدرك الكافرُ بالاسلام المحتل لبلاد المسلمين أن هؤلاء المتحمسين لا خطة لهم، ولا فكرة، فصنع منهم العدو المناسب له، وشغل الساحة الفكرية والسياسية بجدلياتهم وأعمالهم ليبعد مَن له الأهلية عن الصراع والكفاح، بل شغله بأولئك غالباً. إن الكافر المحتل يملك الذكاء البشري بالضرورة الواقعية، وقد نشطه بذكائه الفكري وهو يحاول إبعاد الإسلام عن المجتمع وحياة الأمة بأعماله السياسية، بحيث لا يجعل الإسلام يدور في المجتمع وأروقة السياسة بوصفه نظام حياة، بل هو يحاول صبغ الإسلام بالعقيدة الروحية المجردة، والدين الكهنوتي، وصبغ العقيدة الإسلامية بأنها عقيدة روحية بلا نظام، كما هي الديانة اليهودية والديانة المسيحية والبوذية وغيرها من الديانات التي لا نظام لها في الحياة. بل تحاول الرأسمالية وضع الإسلام بالموازات مع العقيدة البوذية وبمقاييس القوى الروحية الخارقة الدافعة لطاقات الإنسان إلى غرائب الأمور وعجائبها (الباراسيكولوجي). والغرب لا يحاول إدراك الفرق بين العقيدة البوذية والعقيدة الإسلامية إذ الروح في الإسلام هي إدراك الصلة بالله بنظام أوامر الله ونواهيه التي جاءت في الشرعيات من الكتاب والسنة، وليس الروح في الإسلام بالمعنى البوذي وغيره من المعاني الإشراقية الإثنية التي تقوم على أن الوجود الإنساني مادة وروح فإذا تغلبت الروح بالتسامي على المادة أشرق الإنسان بتجلي غير عادي، ويأتي ذلك عن طريق الدربة الشعورية المجردة عن الفكرة الشرعية وطريقتها في الحياة. ولما أدرك المحتل خطرَ المشروع السياسي التجديدي الذي مبدؤه الإسلام، أخذ بالحرب على الإسلام بأنماط وسيلية جديدة وأساليب، سيما بعد أن استلمت الولايات المتحدة الأمريكية قيادة العالم بعد سنة (1945م) وانكفأت بريطانيا لتعاونها في ذلك بوساطة خبرتها وعملائها الذين أوجدتهم خلال أكثر من مائتي سنة في بلاد المسلمين، ولتضع الإسلام في دائرة العنف والإرهاب والقتال بما يبعده عن المعترك السياسي المحلي والإقليمي والدولي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً قال الله تعالى: ﭽ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡﭼ المطلبُ الثاني: طريقةُ المشروعِ السياسيِّ للاحتلالِ (التحدِّي والمواجهةُ) أولاً: بناء المؤسسات السياسية للدولة بما يمكنها من تطبيق الديمقراطية بوصفها نظام حياة. ثانياً: تحديث اقتصاد البلاد المحتلة بنظام التنمية وفق المعايير الرأسمالية. ثالثاً: ربط البلاد بعلاقات السلم العالمي والأمن الدولي وفق قرارات مجلس الأمن، والخضوع لنظام هيئة الأمم المتحدة وبرامجها في التعليم والتربية والصحة والأمن. وعلى هذا؛ فإن الاستعمار الذي هو المشروع الاحتلالي في بلاد المسلمين ليس فكرة مجردة؛ بل هو طريقة لفكرة عقائدية تسلكها الدولة الرأسمالية للسير في عملية تحويل البلاد إلى دائرة المنظومة الرأسمالية، وأن تكون بلاد المسلمين عامة ومنها العراق خاصة ولاية خاضعة للنظام العالمي الذي تفرضه الرأسمالية العالمية بنظام العولمة على دول العالم الإسلامي وغير الإسلامي. ويدرك تماماً دهاقنة السياسة الرأسماليون أن العالم الإسلامي معضلة تواجههم، بسبب أن الإسلام نظام حياة، وأنه ليس مجرد عقيدة روحية بلا نظام، وهم لا يفصحون عن ذلك، ولا يتعاملون معه تعاملاً موضوعياً على مستوى الحقيقة الفلسفية؛ إلا في مؤسساتهم الدراسية، ولهذا فهُم منذ أكثر من قرن من الزمان يحاولون جعل العقيدة الإسلامية عقيدة كهنوتية في نفوس المسلمين، روحية بمعزل عن نظام المجتمع وسياسة الدولة، ويحاولون تكريس الإقصائَين بأن يشغلوا الناس بفكرة فصل الدين عن الحياة، وعلى الرغم من تنبههم إلى صحوة المارد الإسلامي في السبعينات من القرن المنصرم، كما كانوا يسمونه، إلا أنهم اليوم يحاولون أيضاً القضاء عليه في أرضه بطريقة سياسة الأرض المحروقة، وأن يجعلوا البلاد الإسلامية ميداناً للحروب الدموية، وهذا ظاهر لا يخفى. هذا الحل الأخير في سياسة بلاد المسلمين، أنَّ الرأسمالية الدوليَّة لما رأت أن محاولاتها في السيادة فشلت على الرغم من محاولات الاستعمار الامتداد في الاحتلال العسكري والسياسي والاقتصادي، وأنه على الرغم من تقديمه المزيد من النظريات والرؤى الفكرية والسياسية والمشروعات الثقافية، وتحت أسماء مختلفة حملتها أحزاب ومنظمات وجمعيات، وكرس لها الجهود ودعمها بالمال والإعلام، ولكنها حتى هذه اللحظة لم تدخل نفوس السواد الأعظم من الناس؛ وأنها لَحِقَ بها الفشلُ ولم تنجح بمؤتمر السكان ومؤتمر المرأة اللذين عُقدا في نهاية القرن العشرين وغيرها من المؤتمرات التي حاولت دخول مجتمع المسلمين بأفكارها ومفاهيمها من خلال تلك المؤتمرات وما زالت، وفشلت في ذلك؛ عندئذ لجأت قيادات الكنيسة البروتوستانتية وتحالفاتها، الولايات المتحدة إلى الحروب بمعاونة بريطانيا، ودعم أوربا، فتناولت ضرب أفغانستان والعراق وبهذا رجعت إلى حيث بدأت قبل مائة سنة؛ ولكن المسلمون اليوم قد ذهبت عنهم الصدمة الأولى التي كانت بسبب الفجأة بإقصاء النظام الرشيد عن دولتهم وحكمهم آنذاك. أولاً: الاحتلال العسكري لبلاد المسلمين، إن لم تتمكن من الهيمنة الاستعمارية على البلد عن طريق العملاء. ثانياً: تمكين العملاء من السلطة على الناس لخدمة مشروعها السياسي في تحويل البلاد إلى مبدئها عقيدة ومعالجات وطريقة حياة. ثالثاً: ربط البلاد بالمعاهدات السياسية والأمنية عن طريق الحكام المنصّبين على رأس الدولة وبوساطة حماية مجلس الأمن وهيئة الأمم والاتفاقات الخاصةلديمقراطية الحكام المستبدين في بلاد المسلمين. رابعاً: ربط البلاد المستعصية عليها بالمديونية عن طريق القروض والمساعدات وبرامج صندوق النقد الدولي وغيره. وينبغي أن يلاحظ النابهُ أن كل هذه الخطوات يسير فيها الاستعمار الرأسمالي في آن واحد وبجدول زمني لأخذ قيادة الأمة بالمشروع الاحتلالي والنظام الرأسمالي؛ وبقصد توجيه الرأي العام بأفكاره، والسيطرة على العرف العام بإعلامه ودعاياته المضللة، ولإيصال الناس إلى حال اليأس والاستسلام لإرادته؛ فتجده يرفع الشعارات البراقة الموهمة التي تصرف الناس عن القضايا المصيرية بإبراز قضايا أخرى؛ كأن يشغل العقول بالتحرير العسكري ويصنع أجواء له، وهو في الوقت نفسه يقدم مشروعات سياسية عن طريق منظمات تحمل أفكاره ومفاهيمه وتريد ما يريد وإرادتها بإرادته، وفي الوقت نفسه أيضاً يصفي الخصوم بالمضايقة السياسية إلى مستوى الإسقاط السياسي أو التصفية الجسدية أو شراء الذمم، وفي الوقت نفسه يقيم المعاهدات السياسية ويصنع المنظمات البديلة ويغذي أصدقاءه بما يمكنه ويغذي خصومه وأعداءه بما يخدمه. وهنا ينبغي الملاحظة أيضاً، في مجال التحدي والمواجهة، أن الهجمة الشرسة التي يحملها العالم الرأسمالي الديمقراطي المستبد على العالم الإسلامي عامة وعلى العراق خاصة، ليست هجمة عادية أو في طياتها الصراع المالي ونهب الثروات فحسب، فهو مع أنه يفعل ذلك، ولكنه يسعى إلى ما هو أكثر. وينبغي أن يفرق الواعون بين الصراع الرأسمالي الرأسمالي الذي هو صراع اقتصادي وتجاذب مصالح؛ وبين الصراع الرأسمالي الإسلامي الذي هو صراع عقائدي ينظر الوجود الحضاري للرأسمالية وإقصاء الحضارة الإسلامية، صراع يهدد الشخصية الإسلامية ويلاحقها في الأفراد والجماعات بعد أن أقصاها عن الدولة والمجتمع. ومهما يكن من هدرِ الكافر لطاقات المسلمين ونهب ثرواتهم، وهذه جريمة من جرائمه، إلا أن القضية المصيرية التي يشتغل عليها الواعون بعملهم السياسي هي المحافظة على الهوية، التي هي الشخصية الإسلامية للفرد والجماعة والأمة والدولة، وبغير تثبيت الهوية لا يمكن المعاودة والرجوع بالأمة إلى الريادة عن طريق المجتمع والدولة. فيجب الاهتمام بالشخصية الاعتبارية للأمة والدولة، وللفرد والجماعة، وجعل محور الدوران والمركز الأساس هو الشخصية الإسلامية. وهذا هو التحدي الكبير في خضم المعركة والمواجهة مع حقائق الاحتلال الاستعماري الرأسمالي الديمقراطي المستبد. المطلب الثالثُ: واقعُ المشروع الاحتلاليِّ الآنَ (الوهنُ والفراغ) ومع أن القوى السياسية التي اغتنمت الفرصة في العراق وانتهزت السذاجة الأمريكية، هذه القوى السياسية هي قوى إقليمية، وهي ما زالت لاعبة في الوضع العراقي، بل هي اللاعب الأقوى، إلا أنها تميزت بصبغتها الطائفية، ودوافعها من مكنونات الحقد والكراهية، فهي لا تستطيع أن تسفر عن حقيقتها الشعوبية. ولذلك فهي القوى المؤثرة في المنظور القريب، وليس البعيد، حتى ولو استغرق عهدها عقوداً من الزمن، فإنه لن يصنع أكثر من سفك الدماء؛ وإثارة الدهماء؛ وزرع الأحقاد، وتنمية الفوضى، وفي تقديري أن الإدارة الأمريكية ستستنزفه وتنال منه وتجهضه لا محالة بعد أن تستفرغ منه ما تريد، ويبقى الصراع الحقيقي بين الرأسمالية والقوى المخلصة الذكية صراع وجود حضاري وبقاء فكري وكفاح سياسي. ثم إن الرأي في الإدارة الأمريكية يقوم على معطيات مراكز البحوث والدراسات، وهي غالباً على تماس مع الواقع بواسطة مراسلين لها أو عملاء ينقلون لها المعلومات على ما يريدون، بل المتتبع لبعض خبرائهم؛ يجدهم أنهم لا يملكون الصورة الواضحة عن الواقع، أو أن ساستهم لا يريدون ذلك. وهذا كله يسبب في بطء الإدراك الأمريكي للتعامل المناسب مع الحدث، هذا فضلاً عن فساد المبدأ الذي يؤمنون به. وأيضاً؛ فإن الأمريكان كغيرهم من الرأسماليين، لا تهمهم إلا مصالحهم، فلذلك هم لا يكترثون لحياة الشعوب وما يحصل من مظالم بين الناس، وما يحصل من قهر واضطهاد؛ لأن تفكيرهم محصور بالمصالح الأمريكية وينظرون خواتيم الأمور كيف تؤول لمصالحهم هذه قطعاً من غير اعتبار آخر. والمتتبع لمفاهيم السياسة الأمريكية في العالم، يجد أنها تقوم على محورين، هما مركز الدوران لإرادة المفكر والسياسي الأمريكي، ويقوم وعيه وإدراكه عليهما؛ وهما: المحور الأول: آيدلوجية الدولة الأمريكية في رسم الخطط الاستعمارية في العالم عامة والعالم الإسلامي خاصة، ووضع الطريقة لتحويل معتقداتهم إلى ما يخدم مصالح الشركات الكبرى والمؤسسات الرأسمالية، واتخاذ الأساليب والوسائل المناسبة لذلك. وهذا المحور هو الإطار العام للثقافة الرأسمالية عامة في صناعة العلاقات الدولية. المحور الثاني: العقيدة التوراتية، حيث يعتقد غالب الساسة الأمريكان بالمسيحية المتصهينة، ومشروع الصليبية الجديدة، فيؤمنون بالحرب المقدسة على العالم حسب معتقداتهم التوراتية؛ فضلاً عن عقيدة الفصل العنصري. ولا ينسى العالم الإسلامي ما حصل في التاريخ لبلاد الأندلس من جراء هذه العقيدة الفاسدة المفسدة. وأيضاً، فإن هذا التحديد لمفهومهم ليس من باب الفرض أو التحليل، بل صرح به الرئيس الأمريكي السابق (جورج بوش) أنه يقوم بالحملة الصليبية الجديدة، ولقد حاول الإعلام التغطية والتسويفَ على ذلك، لكنه لم يفلح، بل عين القرار الأمريكي على لسان (جورج بوش) أنه ضد الأكثرية الإسلامية ليس في العراق فحسب، بل في العالم، التي تتطلع إلى النظام السياسي (الخلافة)، وذلك في مناسبة لقاء له مع رئيس الوزراء العراقي سنة (2006م). والناظر هشاشة بنية المجتمع العراقي، بسبب سياسات النظام السابق الانفرادية الممهدة للاحتلال، يجد أن المحتل استغلَّ هذه الفرصة السانحة وجعل يطارد الجميع باسم ملاحقة فلول النظام السابق وأعضاء حزبه وأتباعه، والناس بعد لم تُفق من ذهول الصدمة. وهو ما تسبب في ضعف مواجهة التحدي؛ ولهذا المسبَّب سببٌ: هو أن القوى الجماعية التي انتهضت بالقومة لإيقاف المشروع الأمريكي لم تكن كافية لذلك، بل ليس لها إرادة تمكنها من دحره ورده من حيث التنظيم والآليات والوضع والنسق، فضلاً عن أنها لم تع المطلوب في المرحلة وعياً جماعياً فكرةً وسياسةً؛ وقد غلبها الحماس والتوقد الوطني المحض والشعور القومي والنخوة، وما إلى ذلك من مشاعر حماسية لا تقوى على الصمود أمام قوة الصولة المنظمة للإحتلال. وأيضاً سرعان ما اخترقت مخابرات الدول المحتلة بعض الصفوف لهشاشتها وتبعثر جهودها غير المنظمة بدقة أو أنها غير مؤهلة بنظام مناسب للمطلوب في أقل تقدير. ولا يخفى أن القضايا المصيرية مثل هذه؛ تحتاج إلى التفكير العميق والحرص الشديد والإخلاص الخالص والتنظيم الدقيق، مع الكفاءة والأهلية المهنية لأداء المطلوب. ومع أن الجهودَ مشكورة عند الناس على ما قدمت ومأجورة عند الله تعالى بإذنه، ولكن المطلوب كبير وعين الناقد بصيرة للمراجعة ولمعاودة القومة بالمناسب المطلوب من جديد. ولا يخفى أن الجهود المتحمسة أصبحت في كثير من مواقفها تتلوى بآلامها أمام ضربات الجهل والغفلة وضعف الفكرة وقلة الحيلة وبطء الذكاء عن المطلوب، فضلاً عن العناد والحماسة، والانفعال الذي لا يتفق والتفكير المناسب للحدث. فضلاً عن ضربات الاختراقات وما حصل من ضعف أمام التحديات. وباختصار شديد لم يكن هناك مشروع حقيقي شائع بالمستوى الفكري والتخطيطي المطلوبين للمرحلة ليقوم العمل به ويصمد أمام التحديات. والأيام من عمر الاحتلال؛ وهي تشرف على انقضاء النصف الأول من السنة الثامنة تدل على جدية كلام (هيل) وأن مشروعهم يسير بموضوعية وفق خطتهم، ولا يقال إن الحكومة المنتخبة لم تتشكل حتى الآن، وهذا دليل إخفاق؟؟ فالصحيح أن هذا التأخير يقع ضمن دائرة المخطط له، حيث يريد الاحتلال أن تستمر الفوضى لأنها تتيح له المزيد من الظروف الخلاقة لتنفيذ مشروعه، وهل نتوقع منه أن يوجد حكومة قوية أو مستقلة، فالسياسيون لاعبوه، والمناخ السياسي صناعته، وليس في المقابل أيُّ تحدٍّ حقيقي لإرادته غير ارادة الشعب وعموم الجماهير التي تبحث عن كرامتها الإنسانية في أقل تقدير أو حريتها الدينية لا محالة. وإذا اتسع الحال واتفق للأمريكيين وأوجدوا حكومة في الزمن الذي حددوه بعد الانتخابات بثمانية أشهر، أي في حدود الشهر التاسع أو العاشر، ولم يحصل، واذا حصل، وها نحن في السنة (التاسعة) فإن حكومتهم من الفرقاء اللاعبين ستكون حكومة وظيفية لإدارة المشروع الرأسمالي الأمريكي في العراق، وسيتحول العمل السياسي في العراق إلى اهتمامين لا محالة: أحدهما: أخذ قيادة الناس من بطونهم وأمنهم بالخوفِ، والترغيب والترهيب، للتأثير على أفكارهم ومعتقداتهم، وستشرف على هذه القيادة الخبرات المدنية الأمريكية (المخابرات) وتنفذ لها الحكومة القادمة. والآخر: هو حيازة القسم الأكبر من الاستثمار في العراق لشركاتها قبالة الشركات الأوربية والعالمية التي لها جهود مع بعض الساسة اللاعبين أو وفق منظومة مجلس الأمن وهيئة الأمم واستحقاقات تلك الدول في تقاسم الثروات. المطلب الرابع: الرؤية الآن؛ ماهي؟ وما يجب؟ (ملئُ الفراغِ وإزالةُ الوهَنِ) أولاً: الرؤية الآن: ماهي؟ بين الفراغ السياسي والوجود الاستبدادي والوهن . وكذلك في زمن الفراغ السياسي، بانعدام العلاقة بين الغالب والمغلوب، وازمنة الاحتلال والقهر والاضطهاد لجيوش القوات الغازية، التي تمارس الظلم بقصد، وتحمي فكرتها عن الحياة بوسائل التظهار والتآمر، والأمان والغدر، والانسانية والقهر، فهي ليس لها ثوابت أو قواعد، وإنما تمارس الفوضى الخلاقة لما يبقيها في السلطة واستغلال الشعوب، أو كما يقول الرئيس الامريكي الأسبق هربرت هوفر في تقرير سري قدمه إلى البيت الأبيض، يقول فيه: (( ليس هناك قواعد في مثل هذه اللعبة... فإن القواعد والأعراف المقبولة للسلوك البشري لا تتطابق مع حالتنا هذه ... فإذا ما اريد للولايات المتحدة الصمود والبقاء، فإن من الضروري إعادة النظر في المفاهيم القديمة نحو العدالة... علينا أن نتعلم كيف ننظم الانقلابات ونخرب وندمر ونقضي على اعدائنا بوسائل أكثر ذكاءاً أوتطوراً وفعالية من تلك التي يستعملون في مواجهتنا))(عبدالحي زلوم/نذر العولمة ص125). ولكن هذه الرؤية السياسية، ظهر أثرها واضحاً ما قبل انتهاء الاتحاد السوفياتي، وفي زمن الوفاق الدولي والحرب الباردة، وأما ما بعد انتهاء الاتحاد السوفياتي، واحتلال افغانستان والعراق، فإن الرؤية اخذت زاوية اخرى، ومدى آخر، واتجهت إلى وسائل وأساليب في خطتهم إن لم نقل أن خطتهم الزمنية قد تغيرت فيها كثير من المعالم. ويوضح بريجنسكي سبب المخاوف مستمداً فكره من الواقع فيقول:(( بالنظر إلى الوراء، قصّر الأداء الاجمالي الأمريكي في المهمات الرئيسية الثلاث لقيادتها العالمية – أي قيادة بوش الأب، وكلينتون، وبوش الأبن – عما كان يمكن تحقيقه، فقد أصبح انعدام الأمن اكثر انتشاراً على الرغم من ان العدد الاجمالي للنزاعات المستمرة في العالم تراجع في الواقع عن نهاية الحرب الباردة .. وانتشرت القدرة النووية في أربعة بلدان اضافية، وكان التقدم في قضايا الرفاه الإنساني متفرقاً ولم تحظ المخاوف باولوية عالية)). وتوضح مادلين اولبرايت بشكل اكثر جلاءً ضعف القيادة السياسية الامريكية، واخفاقها وفشلها، وتحث على تدارك الأمر، في كتابها (مذكرة إلى الرئيس المنتخب: ص24-25) عام (2008م) تقول: ((ووسط رواية الاحداث في الخمس عشرة سنة الماضية، تشكل أربعة اتجاهات خطراً واضحاً وراهناً على المصالح الأمريكية. أولاً: الأرهاب وتصاعد معادات امريكل في العالمين العربي والاسلامي ثانياً: تراجع الاجمالي الدولي بشأن الانتشار النووي. ثالثاً: تنامي الشكوك بشان قيمة الديمقراطية. رابعاً: تجمع رد الفعل المعادي ضد العولمة بسبب إتساع الهوة بين الاغنياء والفقراء)) ثم تشير إلى خطر خامس محتملٍ، وهو الأهم لبقاء امة واستمرار وجود، وهو اعتقاد الشعب الامريكي بأن التاريخ قد انتهى ما بعد الحرب الباردة، وبانتهاء الشيوعية، وانه انتهى بخلود الرأسمالية الديمقراطية وما على الولايات المتحدة الامريكية إلا أن (( تهتم بشؤونها في العالم، وتدع للآخرين المضي قدماً بأفضل ما يستطيعون)). وهذا الخطر الخامس فكري عقائدي قطعاً، لأن العلمانية الرأسمالية يستمد بقاءها من حركة الاستعمار في الانتشار، وأكذوبة إشاعة الحرية بالديمقراطية، فتدفع الشعوب الامريكية والاوربية إلى حماية هذه الدعاية والدعوة لها، وهذا يتنافى وشعورهم بنهاية التاريخ وسيادة الراسمالية في العالم؟ واما المخاوف الأربعة الأولى، فيقول بريجنسكي: ((وكنتيجة جزئية لهذه الاخفاقات، فقدت القيادة الامريكية الكثير من شرعيتها، وضعفت المصداقية العالمية للرئاسة الأمريكية، وتلوث موقف امريكا أخلاقياً)) (الفرصة الثانية ص188) والسبب الذي دعاه لتبني فكرة الثورة الثقافية وتغيير النظام، مع انهما خلاف الايدولوجية العلمانية الحقيقية وهما عبارات لمبدأ آخر، فإن هذا السبب هو دراسته للواقع العالمي، وهو كما يقول: ((إن التوق العالمي إلى الكرامة الإنسانية هو التحدي المركزي المصاحب لظاهرة اليقظة السياسية العالمية... فإن تلك اليقظة هائلة اجتماعياً وتثير التطرف سياسياً، وشاملة جغرافياً)) وهو يتوقع ان تثور في لحظة ما، ولا بد من إثارتها قبل أن تثور فيقول: (( ومع ان النطاق العالمي لليقظة السياسية اليوم جديد، فإن للظاهرة نفسها بداية تاريخية مع الثورة الفرنسية( في سنة 1789) التي ولدت في فرنسا أولاً، ثم في كل أنحاء أوربا)). ولما كانت المعانات الامريكية في العالمين العربي والاسلامي الأكثر هماً فإنه يتنبه إلى ضرورة المعالجة وفي وصف المعاناة يقول: (( في القرن الواحد والعشرين يعم الحراك السياسي قسماً كبيراً من سكان العالم الثاني. فقد أصبح هذا العالم مدركاً للظلم الاجتماعي بدرجة غير مسبوقة ومستاء من حرمانه وافتقاره إلى الكرامة الشخصية. وأخذ النفاذ شبه الشامل إلى الراديو والتلفزة والأنترنت يخلق مجتمعاً يتشارك الاستياء والحسد وإلى الذي يتجاوز الحدود السيادية ويشكل تحدياً للدول القائمة والهرمية العالمية التي لا تزال الولايات المتحدة جاثمة فوقها)) الأول: البعد الايدولوجي للرؤية السياسية. يقول بريجنسكي: ((لا مندوحة عن ان تكون فرصة امريكا الثانية بعد(2008م) أكثر نجاحاً من الأولى، إذ ليس هناك فرصة ثالثة. فثمة حاجة ملحة لأن تصيغ امريكا سياسة خارجية عالمية حقاً في أعقاب الحرب الباردة. ولايزال بوسعها القيام بذلك شريطة ان يدرك الرئيس القادم (أوباما) ((أن قوة الدولة العظمى تتقلص اذا توقفت عن خدمة فكرة ما)) وأن يربط بشكل ملموس القوة الأمريكية بتطلعات الانسانية اليقظة سياسياً)). فهو يركز على إعادة النظر في الخطة السياسية الخارجية بناء على تجديد الرؤية بالفكرة المبدئية للرأسمالية وطريقتها الديمقراطية في الحياة. الثاني: البعد العملي: وهو ان تتحول امريكا من حماية الديمقراطية في كثير من سياستها إلى دعم الديمقراطية، ويدل الاستعانة بالعملاء ان تتخذ شركاء في البلاد والدول، لأن سياسة القرن العشرين أصبحت غير مناسبة امام اليقظة السياسية والوعي، يقول بريجنسكي: ((في القرن العشرين، اصبحت امريكا المدافع الرئيس عن الديمقراطية في وجه الشمولية وفي العالم المضطرب اليوم، على أمريكا ان تظهر اهتمامها في السعي وراء الكرامة الانسانية الشاملة، وهي كرامة تجسد الحرية والديمقراطية على السواء، لكنها تنطوي على احترام التنوع الثقافي وتقر بوجوب معالجة المظالم المستمرة في الحالة الانسانية)) (الفرصة الثانية ص208). ثانياً: الرؤية الآن: مايجب في ملىء الفراغ السياسي وإزالة الوهن: وقطعاً أن الأمم التي تصنع الحياة السياسية بفكرة وطريقة ما آمنت به، هي الأمم التي تملك حريتها، وتحمي نفسها، فهي ذات سيادة مستقلة وارادة مختارة، وفقدان السيادة عبودية للغير، وفقدان الارادة قعودٌ عن المطلوب، وقبول بالاستعباد للغير، ومن يصنع الحياة السياسية هو الأمم العظيمة، وتصنعها لمصالحها قطعاً، والأمم التي تصنع عليها الحياة السياسية، فهي تصنع عليها لمصالح الأمم المهيمنة الاجنبية عنها، وليس امة في العالم إلا وهي تخضع لهذه الموازات الدولية حتماً، بين الأمة ذات الدولة المؤثرة في حركة الانسان في العالم أو الأمة ذات الدولة المستقلة، أو الأمة ذات الدولة التابعة. والدولةُ المستقلةُ تَطْمَعُ الدولةُ المؤثِّرة في مشاركتِها، وتطمعُ الدولةُ التابعة في معاونتِها، ولكن الدولةَ التابعة لا تقوى على حماية حريتها باستقلال السيادة واختيار السلطان، أي ستتأثر بتشريعات الدول المؤثرة وتضعف الأمة بالتالي عن اختيار حاكمها حسب الأهلية لا محالة. وأما الدولة المؤثرة، وهي التي في موقع الصدارة الدولية، كالدولة الأولى في اتخاذ القرارات الأممية وفرض الهيمنة وتوجيه المصالح وتوزيع الغنائم للدول التابعة لها أو المشاركة في مشاريعها السياسية، كأمريكا في عصرنا الحاضر، ودول اوربا التابعة لها في كثير من قراراتها. فإن هذه الدول تحارب كل ما يتضادد ومصالحها في العالم، وما السياسات الدولية في العالم القديم، والعالم الحديث منذ أوائل القرن العشرين وحتى يومنا هذا، إلا وهذه الدول تمارس الهيمنة على البلاد المتخلفة أو التي تعاني التبعية. وبعد ان اتضحت فلسفة الرؤية السياسية كما في (أولاً) وظهرت على ارض الواقع في بعض بلدان العالم العربي والاسلامي، بعد أن رفع الامريكيون والاوربيون الحصانة عن حكام المنطقة، وهو ما أتاح للشعوب الحركة في التعبير عن غضبهم واستيائهم، وتطلعاً لنيل كرامتهم، فإن هذه الحركات الشعبية، والانتفاضة الثورية، فإنها مع عفويتها النابعة من صدق إحساس الجماهير، إلا أنها تحت مجهر المؤسسات الدولية لإدارة الأزمة. هذه المؤسسات الداعمة للحكام، تدرك تماماً أنها اذا أخرت المعلومات عنهم، سرعان ما ستتهاوى عروشهم، وفعلاً حدث هذا، فوجد الفراغ السياسي. وينبغي على الواعين أن لا يتركوا الشعوب فريسة للأطماع الدولية، فينبغي ان لا يهملوا ما يحدث، وان يسندون حركة جماهير الأمة بالفكرة والطريقة، والوسيلة والاسلوب، والفعل والعمل، وكل ما هو متاح لنصرة الحق بالحق. ولأجل أن يحصل الاستقرار بالأمان في العالم الإنساني عامة، لابد من أن يقوم العالم في علاقاته على نظام عادل، لا على نظام المصالح والقوة، ولكي ينال الإنسان سعادته لا بد من أن تكون عنده رؤية متوازنة شمولية وعملية وواقعية وانسانية، وأن تعالج هذه الرؤية جميع قضاياه. ولكي نعالج الواقع في العراق، أي نعالج الأوضاع السياسية في العراق، لا بد من وجود رؤية دقيقة الفكرة واضحة المعالم في التنفيذ والتطبيق، يمكن ان تمارس في أرض المجتمع، أي في العلاقات؛ وهذا لا يتأتى إلا بالفئة المختارة المؤهلة بشمولية الرؤية وسعتها وقدرتها العملية ذات الفكرة الدقيقة والطريقة الواضحة المسلوكة، بعملية وواقعية حتماً، وهذا ما يرجى من كل الفئات المخلصة لأمتها وجماهيرها وبلدها، بإخلاصها لمبدئها قطعاً. ولأجل ملىء الفراغ السياسي وإزالة الوهن لا بد من القومة مثنى وفرادى بالفكرة، شعوباً وقبائل بالتفكير بالمطلوب حتماً، ليتنافس الجميع على خدمة الجماهير وحماية البلد من الضياع والاستغلال، وحماية الناس من التيه والضلال، وحماية المجتمع من الفشل والتخلف والتبعية، وحماية الدولة من الهيمنة الأجنبية وتضييع حقوق الأمة. كما يجب الأنتباه إلى اللحظة التاريخية التي تمر في العراق، وتأخذه ذات اليمين وذات الشمال. إن الواقع العراقي في زمن الاحتلال فيه الكثير من الأمور التي لا يسعها هذا الوجيز من المفاهيم المذكورة في بحثنا هذا، ولكن من المؤكد أن اللحظة التاريخية التي نعيشها الآن من أحرج اللحظات عملاً، وأسرعها زمناً، وتحتاج منا الجهد الواسع، والفكر العريض المستنير، والذكاء غير العادي، فلا بد - في تقديري – من الوقوف لحظة تأمل لما سبق ومراجعته لمعاودة السير بنظام وهدوء فاعلين، ثم نفكر في المستقبل لرسم صورته على ما يجب أن يكون، واتخاذ اللازم على ما هو بالواقع على وفق تلك الصورة. ولهذا؛ فإن الواعين يحتاجون إلى إعادة النظر في فكرتهم وخطة العمل وسياسات المرحلة، وأن يجري ذلك بعد الدراسة والبحث والنظر، وكما يأتي: أولاً : دراسة الواقع العراقي؛ من جهتين: الأولى: دراسة مفاصل الواقع السياسي للاحتلال في العراق، ومن يعبر عنه، وواقع الحكومة، والأحزاب، والمنظمات، وكل متعلقات الحراك السياسي الذي وجد بشكل أو آخر بسبب الاحتلال أو صنعه الاحتلال. الثانية: دراسة مفاصل الواقع الاجتماعي ومتغيراته التي أفرزها الاحتلال في هذه السنوات العجاف، ودراسة الواقع الاقتصادي والمعاشي للناس، وواقع التعليم والصحة والأمن، وكل ما يتعلق بالناس ويؤثر عليهم في حياتهم لمعرفة الواقع كما هو. ثانياً: دراسة المطلوب السياسي من جهتين أيضاً: أولاً: بطريقة النظر في المطلوب الشرعي فيما يجب في الواقع كثوابت حكمية فقهية، أو متغيرات تلزم الفتوى فيها. وثانياً: النظر في الأمور الفنية اللازمة لذلك أسلوباً ووسيلة، بقصد معالجة الحال بمنهاج صحيح ونظام دقيق. ثالثاً: إجراء الفعل السياسي وهو يلزم والحال هذه إعادة بنية جسم المنظمات والهيئات المخلصة والاحزاب الصادقة اسلامية أو غير اسلامية وتكوينها بما يتناسب وهذه المهمة، للاستعداد إلى الممارسة الصحيحة والمناسبة للتغيير في العراق بعد الإصلاح الداخلي، وتطوير الإمكانات للجهود المبذولة. وهو أيضاً لا يمكن أن يكون من غير وجود ناس أنقياء أصفياء بالمبدأ ومخلصين له في القول والعمل والفعل والغاية. رابعاً: تفعيل فكر الأمة من مفاهيم شرعية وإنسانية عند ممارسة هذه الدراسة والبحث والنظر، ليتأتى أمر العمل وتجديد المنظمات والهيئات والاحزاب على أصولها المعتبرة، بقصد الشروع في المطلوب عملاً سياسياً حتماً. خامساً: وينبغي أن يتأخر الواعون عن العمل الجاد لمعالجة الأوضاع السياسية في العراق، وأيضاً أن لا يتأخر عن الموضوعية العلمية والفكرية لإنشاء حزب سياسي حقيقي بعمق ثقافي مهذب رصين يلبي حاجة الأمة في القومة بالفكرة والنهضة بالإصلاح والتغيير، فإنه واجب الوقت قطعاً، سيما أن الدواعي لهذا العمل من الأسباب موجودة، وهي كما يأتي: وفي هذا المجال من المؤكد أن المطلوب من النخبة الواعية والمخلصين هو أكثر من الحركة الآنية المتعجلة وأكثر من الإصلاح الجزئي، الى التغيير الشامل، وإذا توفرت الجدية عند العاملين، فالأمة مستعدة للتجاوب معها، وليس الآن فحسب بل ذلك عبر الزمن وحركة التاريخ كانت الأمة هي المعين الذي لا ينضب. والله ولي التوفيق