

العميد الركن خليل الطائي المقدمة هذه السيطرة الأمريكية وتفردها بالقرار في المنطقة وتمتعها بخيراتها دفع روسيا التي يسود قرارها الصبغة الاستخبارية بقيادة (بوتن) إلى مشاركة - إن لم يكن إقصاء الولايات المتحدة- بالفوز بغنائم المنطقة من خلال مبدأ استغلال الفرص وظروف المنطقة المرتبكة أمنيًا وعسكريًا, نتيجة لظهور قوة عسكرية لها القدرة على التأثير في مجتمعات هذه الدول وما تمتلكه من إمكانيات عسكرية تمكنها من تأمين عناصر المعركة وإحراز النصر, هذه الظروف كانت ملائمة للاندفاع الروسي نحو المنطقة الأضعف أمنيًا ذات التسليح والعقيدة العسكرية الروسية ولها فيها مواطىء قدم سابقة ألا وهي سوريا. مفهوم الشرق الأوسط أهمية الشرق الأوسط النظام الشرق أوسطي حلف بغداد الرباعي 7. التحالف العسكري بالمفهوم الاستراتيجي هو التعاون بين الدول المتحالفة لتحقيق نوع من التكامل التعبوي والإستراتيجي بين المؤسسات العسكرية لمواجهة التحديات والتهديدات, وأن يكون متوازنًا في السلطات والمسؤوليات ضمن حدود السيادة للدول المتحالفة, أما ما حدث ويحدث اليوم فإن روسيا (بوتن) تحولت من الفيتو السياسي في مجلس الأمن بخصوص أي قرارات تدين نظام بشار إلى الحل العسكري , وانتقلت من الممانعة لإسقاط نظام بشار إلى المشاركة معه في القتال, وهذا التحول جاء بعد إقدام روسيا على إرسال العديد من ترسانتها العسكرية الجوية والبرية والبحرية إلى الساحل [العلوي] الغربي لسوريا في طرطوس – اللاذقية تحت ذريعة ويافطة محاربة [الإرهاب ] وهي تدرج ضمن هذا العنوان جميع الفصائل المقاومة وليس فقط تنظيم (الدولة الإسلامية) أو جبهة النصرة , بل جميع من يقف بالضد من نظام دمشق , والمعروف عن (بوتن) ذي الخلفية الاستخبارية يعرف كيف يستغل الفرص فقد استفاد من حالة الإنسداد السياسي للملف السوري وتيقنه بعدم جدوى وإمكانية طهران وحرسها الثوري وحزب الله اللبناني والمليشيات الشيعية العراقية في الحفاظ على نظام بشار الذي بدأ يتهاوى ولاحت علامات سقوطه وانهياره , وهنا ظهر (بوتن) بترسانته العسكرية وحلفه الرباعي الذي يشمل [ روسيا – إيران – سوريا – العراق ], ونحن نعرف أن لكل تحالف عسكري غاية واحدة معلنة وأهدافًا ومصالح عديدة غير معلنة, والغاية التي جاء بها هذا التحالف هو محاربة تنظيم (الدولة الإسلامية), عن طريق تشكيل غرفة تنسيق استخباري يكون مقرها دوريًا بين عواصم هذه الدول انطلاقًا من بغداد. 8. تدخّل روسيا عسكريا في المنطقة لا يمكن فصله عن التجاذبات الاستراتيجية التي تعصف بالمنطقة فروسيا تريد أن تغير موازين القوى على الأرض والذي هو في نظرها تعديل للموازين العسكرية , ومن جانب آخر فلا يمكن إغفال الجانب الاقتصادي الذي يقف خلف قرار موسكو والذي تدهور لعدة أسباب منها انخفاض أسعار النفط والتكدس في الترسانة العسكرية الروسية نتيجة لعزوف الدول عن موسكو وإقبالهم على المصانع والشركات الغربية والأمريكية العسكرية, وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة وخاصة منطقة الخليج العربي, وتفرد الغرب وفي مقدمته فرنسا وبريطانيا في الحرب على ليبيا القذافي واستفراد دول حلف الناتو بالثروات النفطية الليبية , لذلك وجدت روسيا بان هذا التحالف الجديد سيوجد لها منفذًا وموطىء قدم في هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية, ومن هنا تقدم (بوتن) مستغلاً التراجع والتردد الأوبامي, وليتسلسل في مفاجأة الغرب وأمريكا ابتداءاً من نشر ترسانته العسكرية في الساحل السوري العلوي وصولاً إلى تحالف رباعي في منطقة الشرق الأوسط وليفرض نفسه كلاعب أساسي يمتلك مفاتيح اللعبة ومغيّر للموقف على الأرض في ظل انحسار أمريكي لا يتعدى الجو , وبهذا تكون المنطقة العربية قد دخلت منعطفا خطيرا في ظل صراع دولي بعيد الأمد . الأهداف الرئيسية المعلنة والخفية للتحالف الرباعي 9. كما قلنا سابقا لكل تحالف أهداف ومصالح متباينة من دولة إلى أخرى وحسب وجهة نظرها . أ. روسيا . هي الدولة الاكثر انتفاعًا من هذا التحالف , و(بوتن) يدرك تماما بأن نظام بشار غير قادر على الاستمرار والبقاء عسكريًا وسياسيًا فهو مرفوض شعبيًا ودوليًا ولهذا جاء التحرك الروسي ليرسل رسالة للعالم بأن نظام بشار جزء من الأمن القومي الروسي وأن تغيير النظام إن حصل فوفق الشروط الروسية حصرًا وفي مقدمتها إيجاد بديل يحمي المصالح الروسية بشكل أساسي وألا تترك الأمور كما حدث في العراق بعد الاحتلال الأمريكي ويمكن إجمال المصالح الروسية بما يأتي. أولاً. حماية أمنها القومي بايقاف وتدمير [ الإرهاب ] المتطرف . ثانيًا. حماية نظام بشار والتي تعتبره عامل مهم في استقرار المنطقة وأمنها. ثالثًا. فرض هيمنتها على المنطقة كلاعب رئيس وعدم السماح بالتفرد الأوربي–الأمريكي فيها. رابعًا. إنشاء حلف جديد يوازي حلف الناتو نواته التحالف الرباعي والتي ستسعى موسكو لتوسيعه بضم دول في مقدمتها الصين وكوريا الشمالية . خامسًا. تأمين قواعدها العسكرية في طرطوس واللاذقية . سادسًا. سحب الشرعية العسكرية الأمريكية الإجبارية من المنطقة . سابعًا. تنشيط مصانع الاسلحة وشركات التصنيع العسكري الروسي والترويج عن سلاحها من خلال استخدام السلاح في المعركة , وهذا ما حدث قبل التحالف الرباعي وبعده حيث بلغت أرباح روسيا من تصدير الاسلحة أكثر من [ 60 ] مليار دولار خلال عام 2015 . ثامنًا. إرسال رسالة تهديد واضحة وقوية لمسلمي روسيا والشيشان, فروسيا ترى أن تطور الوضع في أفغانستان لصالح طالبان ذلك التنظيم المتشدد في نظرها والذي كان نتاج تطور حالة المجاهدين الافغان في معاركهم مع الاتحاد السوفيتي السابق , وطالبان اليوم تسيطر على المدن الكبرى في افغانستان والتي لها حدود مع روسيا وبالتالي من الممكن أن تتمدد وتتحد مع مسلمي روسيا وبالتالي تشكيل تهديد كبير لموسكو. تاسعًا. يسعى (بوتن) لإنشاء قاعدة عسكرية دائمية في الشرق الأوسط بحيث يتمكن من تهديد الجناح الجنوبي لحلف الأطلسي مباشرة ومد نفوذه في حوض المتوسط والعالم العربي , وهذه أول مرة في تأريخ روسيا تكون لها قاعدة برية خارج البحر الأسود. عاشرًا. منع فرض مناطق حظر للطيران السوري التي تلوح وتطالب به تركيا . ب .إيران : تعتبر إيران المستفيد الآخر من هذا التحالف من خلال: أولاً. إيهام العالم بأنها تحارب الإرهاب. ثانيًا. خلق حالة من الفوضى العسكرية في المنطقة قد تؤدي تدريجبا إلى تصعيد عسكري مع حلف الناتو وأمريكا على وجه التحديد , لتستغل الموقف وتتمدد في دول المنطقة وفي مقدمتها الدول الخليجية مستفيدة من انشغال مجلس الأمن بالفوضى العسكرية في المنطقة. ثالثًا. وضع نفسها في حلف يوازي التحالف الأمريكي الجوي والتحالف العربي في اليمن. رابعًا. إيجاد منفذ قانوني دولي لحماية المليشيات وجعلها قوة عسكرية معترف بها من خلال تعاون روسيا معها. خامسًا. تقوية المحور الداعم لسياستها التوسعية في مجلس الأمن والمتمثل بروسيا والصين اقتصاديا. ج . دمشق وبغداد: كلا السلطتين مجرد تابعتين لنظام طهران وتسيران في الفلك الإيراني بصبغته الطائفية وتنحصر مصلحتهما في البقاء في سلطة الحكم والمزيد من الامتيازات على حساب الشعبين السوري والعراقي . تأثير التدخل الروسي المباشر 10. تأريخ روسيا يشير إلى أنها تسير وفق استراتيجية توسعية وخاصة في البلدان الإسلامية , و(بوتن) اليوم يرى أنَّ الحل العسكري أفضل من الحلول السياسية لقناعته أن من يملك القوة يفرض الشروط, على العكس من (أوباما) الذي يعول على الحلول الدبلوماسية أكثر من العسكرية ويرى انه حقق انجازا كبيرا في ملف كوبا وعودة العلاقات , وكذلك التوصل لاتفاق مع طهران بخصوص ملفها النووي , لذلك فان الرئيس الأمريكي اليوم هو متحير ومتردد بين انهاء ولايته دون ترك جنود أمريكا خلفه في حالة المجهول في العراق والذي طالما انتقد سلفه (بوش) الابن على هذا الأمر , وبين التصاعد السريع في وتيرة الصراع العسكري في المنطقة والتي تقوده روسيا , ومن جانب آخر التمدد والتصاعد في امكانيات وقدرات تنظيم (الدولة الإسلامية) , وهذه الحيرة والتردد انعكست وستنعكس أكثر على استراتيجيته العسكرية في المنطقة , فهو وبعد الاقرار الأمريكي بالفشل العسكري يبادر لإرسال [50] عنصر مارينز لسوريا, وكأنه يريد أن يقول لخصومه الجمهوريين أني فعلت شيئا, وفي العراق يرسل سرب طائرات الأباتشي [8 طائرة] مع تعزيزات عسكرية وعناصر مارينز لا تسمن ولا تغني من جوع وكأنه لا يدرك إمكانيات خصمه في المعركة , مما يدفع الكثير ممن يؤمنون بنظرية المؤامرة بأن الولايات الأمريكية تساند تنظيم (الدولة الإسلامية), أو على أقل تقدير تستفيد من أعمالها. 11. ومن جانب آخر فإن موسكو تقاتل وفق التنظير العسكري واستعراض القوة بعيدًا عن الواقع الميداني, والمعارك اليوم التي تجري في سوريا والعراق تحتاج إلى علم عسكري يرافقه خبرة ميدانية قتالية تعي وتدرك احتياجات ومتطلبات الموقف الآني في ساحات القتال وكيفية التعامل مع عناصر المعركة لمسك مفاتيح النصر, ولا يمكن فصل العمليات القتالية والموقف الميداني وما يحدث في سوريا عن الموقف العملياتي في العراق , فبعد عمليات القصف الجوي الروسي بالطائرات وموجات القصف الصاروخي بالصواريخ الجوالة من القطع البحرية المتواجدة في بحر قزوين وهذا هو الأسلوب الأمريكي التعبوي نفسه في بداية الحرب على تنظيم (الدولة الإسلامية) ضمن سياسة الصدمة والترويع, ولكن على الأرض سرعان ما تمكن المسلحون من استيعاب الهجمة وإعادة تنظيم صفوفهم واستعادة المبادأة في المعركة وهذا ما انعكس على الأرض وتقدم المسلحون في مناطق عدة، منها سيطرتهم على بلدات ريف حلب وحمص باتجاه القصير, وتدمير أكثر من [20 ] دبابة تابعة لنظام بشار خلال عملية واحدة, ثم [40 ] دبابة أخرى, لذلك ومن وجهة النظر العسكرية فإن هذا الدعم الجوي الروسي الكثيف سيكون مؤثرًا في الحروب التقليدية بين الدول, أما في هكذا حروب والتي تسمى بحرب المدن وأسلوب حرب العصابات يكون تأثير هذه الطلعات الجوية ذات تأثير قليل , وذلك لإمكانية اتباع المسلحين إجراءات الدفاع السلبي والوقاية من الضربات الجوية والتي تشمل الانتشار والتمويه والمناورة وإخفاء التحركات الميدانية والتموضع والصمت اللاسلكي وغيرها, هذا بالإضافة إلى أنه خلال المعارك والاشتباك ستكون خطوط التماس متداخلة ولا يتمكن الطيران الجوي من تمييز الصديق عن العدو وبالتالي ستكون المجازفة كبيرة في الاستمكان والتدمير. 12. صبغة هذا التحالف هي عقائدية طائفية, فهو جاء بمباركة الكنيسة الروسية والنار المجوسية والسلطتين الطائفيتين في دمشق وبغداد وعدوهم المشترك أهل السنة والجماعة في المنطقة جميعها تحت مسمى [ الإرهاب] , ففي الوقت الذي يفتتح فيه (بوتن) مسجد للمسلمين في موسكو يرسل ترسانته العسكرية التدميرية لقتل المسلمين في منطقتنا, وقناعة الرئيس الروسي (بوتن) بأهمية وجوده في سوريا والدور الذي يقوم به, فهو على قناعة تامة بأنَّ ما يقوم به هو دفاع وقائي واستباقي لغرض حماية الأمن الوطني والقومي الروسي, ف(بوتن) القادم من خلفية استخباراتية يرى أنَّ هناك عددًا هائلاً من المقاتلين الشيشان والداغستان الذين يقاتلون مع تنظيم (الدولة الإسلامية) في سوريا والعراق بالإضافة إلى تنظيم القاعدة, وهؤلاء المقاتلون سيعودون إلى روسيا بإمكانيات معنوية وقتالية عالية وبالتالي سيدخلون بمواجهات عنيفة مع الدولة الروسية كما حدث سابقًا, وهذا احتمال وارد جدًا بسب وجود أكثر من [20] مليون مسلم في روسيا وكلهم على مذهب أهل السنة والجماعة مع تواجد نسبة عالية من المسلمين في العاصمة الروسية موسكو نفسها, وهذه النسبة مهمة ومؤثرة جدًا , وهذه من الأسباب التي دفعت (بوتن) للتدخل, وليظهر نفسه المنقذ والقادر على إيقاف تمدد [ الإرهاب ] في الوقت الذي عجز العالم على فعل ذلك, وروسيا بتدخلها تكمل الدور الأمريكي لجعل المنطقة أرض خصبة لجذب الجماعات التي تعتبرها متطرفة "ارهابية" , السنية والشيعية منها وتركهم يتقاتلون فيما بينهم وكل منهم يدعم طرفًا على حساب الطرف الآخر وبالتالي فرض شروط روسية - أمريكية على المنطقة والتي تحقق المشروع الصهيوني في الشرق الأوسط الجديد, وهذا ما سيدفع طهران لنشر مليشياتها في المنطقة بقيادة الحرس الثوري الإيراني وستستمر بتعزيز قواتها وضخ أسلحتها في العراق وسوريا بعد أن بدأت لا تخشى من التصريح علنًا أن الأرض العراقية والسورية هي فضاء حيوي لإيران , وسيقدم زعماء مليشياتها على أخذ زمام القيادة والسلطة تدريجيا في العراق , ثم يتطور الأمر لإجراء انتخابات شكلية تترأس فيه مليشيات ولاية الفقية السلطة في العراق , في ظل تحرك دولي سلحفاتي ليس لإيجاد حل , بل ليقال: إن العالم يسير وفق حل سياسي يواكب الحل العسكري, وهذا من باب ذر الرماد في العيون. 13. روسيا بعد أشهر قليلة ستجد أن طلعاتها الجوية والقصف الصاروخي غير مجدية , لذلك ستطور عملياتها باتباع سياسة القصف الإستراتيجي, وهو منهج عسكري يختلف عن الأنواع الأخرى من القصف [ القصف العملياتي والتعبوي] وهذا النوع من القصف يشمل هجمات متواصلة خلال فترة زمنية طويلة نسبيًا , ويستهدف كل شيء [ المصانع , والجسور , والمدارس , والمستشفيات , مخازن المواد الغذائية , طرق المواصلات , سكك الحديد , القرى , الأسواق , المزارع ] وهو يستهدف الإنسان وركائز حياته, ويسمى هذا القصف أيضًا بالقصف العشوائي وكذلك بالقصف الارهابي, ويندرج ضمن سياسة الأرض المحروقة , وهو محرم دوليا وفقا لقوانين الحرب. 14. (بوتن) يدرك أن القوى المؤثرة في العالم العربي والذي يسعى لإيجاد قاعدة علاقات مهمة ومتنامية [ خاصة بعد أن تقلص الدور الأمريكي في المنطقة وغض الطرف عن التمدد الإيراني بعد الاتفاق حول الملف النووي الإيراني ] ف(بوتن) يعلم بأن القوى العربية لن تقبل ببقاء الأسد في سوريا الجديدة وهو لن يجازف بعلاقاته مع النظام العربي والمنطقة الغنية اقتصاديا من أجل بقاء الأسد, ف(بوتن) قد يكون متهورًا ومندفعا لكن ليس غبيًا, فهو يستخدم ورقة الأسد للحصول على المزيد من المكاسب من دول المنطقة وفي مقدمتها دول الخليج العربي وهذا ما يتضح يوما بعد يوما بتحديد فترة بقاء الأسد وكيفية خروجه. بحر قزوين والاستحواذ الروسي على النفط 15. قزوين هو بحر مغلق يقع في غرب آسيا وتبلغ مساحته [ 371000 كم مربع ] وهو أكبر بحر مغلق في العالم ويبلغ طوله [1200 كم ] وبعرض [300كم] , ويبلغ أقصى عمق لبحر قزوين [1023م] , وتطل على بحر قزوين خمسة دول هي [ روسيا وإيران واذربيجان وتركمستان وكازخستان ] , ويحتوي بحر قزوين على مخزون نفطي مؤكد يتراوح ما بين [24-26] مليار طن , أي نحو 10% من الاحتياطي العالمي من النفط, في حين يبلغ حجم مخزون الغاز الطبيعي المؤكد فيه [ 8300] مليار متر مكعب, علمًا أن كازخستان واذربيجان تحتلان المرتبة الأولى في استخراج النفط والغاز في بحر قزوين , في حين تحتل روسيا المرتبة الأخيرة في استخراج هذه الثروة ولا تستخرج الشركات الروسية سوى 10% من النفط و8%من الغاز . 16. روسيا لم ولن تتوقف عند التدخل العسكري في منطقة الشرق الأوسط وسوريا تحديدًا, بل صعدت من نهج إعلامها الموجه للمنطقة جميعها وأطلقت تسمية [ الخليج العربي الثاني ] على بحر قزوين في إشارة غير مباشرة عن سعي موسكو في مد نفوذها في المنطقة العربية, مستفيدة من رغبة طهران "الفارسية" من التمدد الجغرافي في المنطقة , لذلك فالإعلام الروسي ربط هذه التسمية الجديدة لبحر قزوين من الناحية الاقتصادية لما تمتلكه من ثروات, ولكن استراتيجية (بوتن) تهدف إلى أبعد من ذلك, وإطلاق سفنه الحربية الموجودة في بحر قزوين ليس بالمصادفة العسكرية وضرورات الموقف الميداني , بل هو تغيير لقواعد اللعبة وإرسال رسالة واضحة للعالم وفي مقدمته دول حلف شمال الاطلسي بأن روسيا ستكون حارسة بحر قزوين ذو الثروات النفطية الكبيرة والذي يعتبر أحد أغنى بقاع الأرض الذهب الأسود, وبمساعدة شرطي الخليج العربي [إيران] والذي أوجدته الولايات المتحدة الأمريكية , ليتحول إلى شرطي الخليج الثاني [بحر قزوين ] بتنصيب روسي جديد , هذا ما دفع موسكو لاستغلال الأجواء الإيرانية والعراقية لمرور صواريخها البحرية لضرب أهداف في سوريا, في الوقت الذي لا توجد تلك الضرورة لهذا القصف من بحر قزوين , ويدخل هذا من باب تبادل المصالح بين طهران وموسكو, فبحر قزوين يشكل أهمية كبيرة لروسيا اكبر من بقاء أو رحيل نظام الأسد، ولا يخفي أن بقاء الأسد يشكل أهمية كبيرة لإيران لتنفيذ مشروعها التمددي في المنطقة. 17. هناك دلالات كبيرة من غاية موسكو من السيطرة على بحر قزوين, وتوقيعها مؤخرًا بروتوكول تعاون نفطي مع كازخستان في مجال تقاسم ثروات النفط في بحر قزوين, وإطلاق تسمية (الخليج العربي الثاني) على بحر قزوين في الوقت الذي أغلب دول العالم لا تقول كلمة العربي وتكتفي بالقول بالخليج وكذلك دول الخليج, هذا إذا اعترفنا أن البعض منهم يسمي الخليج العربي بالخليج الفارسي, لكن روسيا بإعلامها المقصود هذا تريد أن تربط مصيرها الاقتصادي القادم بدول الخليج العربي والتي تمتلك واحدًا من أكبر احتياطات النفط في العالم في إشارة لسحب البساط من تحت الولايات المتحدة الأمريكية والذي بدأ بالانحسار تدريجيًا وتحجيم دورها في المنطقة, هذا بالإضافة إلى سعي روسيا لوضع مكانتها العسكرية والاقتصادية موقع الند المكافيء لواشنطن وحلف شمال الاطلسي وفرض شروطها على المنطقة بما فيها ملفات أوكرانيا والقرم وسوريا , لذلك فإن التحالف الرباعي والاتفاقات الروسية مع الدول المطلة على بحر قزوين يندرج ضمن الصراع الدولي في الشرق الأوسط الذي لن يتوقف على الجانب العسكري العملياتي فقط, بل وعلى الجانب الاستراتيجي أيضًا والذي ستتغير فية خارطة المصالح والنفوذ مستقبلا. السيادة العراقية في ظل التحالفات الدولية 18. تعتبر السيادة من أهم أسس التنظيم الدولي والتي بموجبها تنظم العلاقات بين الدول وتحدد الحقوق والواجبات ,والسيادة هي مفهوم قانوني, وهي شرط أساسي لقبول أي دولة كعضو في المجتمع الدولي, وهناك تعاريف عديدة للسيادة , فمنهم من عرفها بأنها السيطرة على الرعية في الداخل والاستقلال والتحرر من أية سلطة خارجية, وآخرون يرون أنها السلطة العليا التي لا تعلو عليها سلطة, والقسم الآخر يعتبرها مقومات مادية تمكن الدولة من حكم أفرادها داخليا وتواجه بها الدول خارجيا, وغيرها من وجهات النظر ولكن في العموم هي سلطة الدولة التي من خلالها تمارس القيادة داخليا وخارجيا: أ. داخليًا: عن طريق بسط نفوذها وسلطاتها عل أقاليمها ومحافظاتها ومدنها وتطبيق الأنظمة والقوانين دون تمييز أو إقصاء وأن تكون سلطة الدولة شاملة ولا تعلو عليها سلطة أخرى أو تنافسها في فرض إرادتها. ب. خارجيًا: وهو تنظيم علاقاتها الدولية على ضوء أنظمتها الداخلية وحريتها في إدارة شوؤنها الخارجية وتحديد علاقاتها بغيرها من الدول وحريتها بالتعاقد أو التحالف وحقها في إعلان الحرب أو التزام الحياد دون تدخل خارجي. 19. من هنا يتضح لنا أن مفهوم السيادة مرتبط بمفهوم الاستقلال, فالدول المستقلة هي الدول القادرة على ممارسة مظاهر سيادتها على الصعيدين الداخلي والخارجي دون تدخل اقليمي أو دولي, ولو طبقنا تعريف السيادة ومفهومها على العراق سيتبين لنا أنه لا توجد دولة في العراق, بل سلطة هجينة متنوعة التكتلات الطائفية والعرقية والقومية وجميعها مسلوبة الإرادة الداخلية والخارجية, فالمليشيات اليوم هي صاحبة الصوت الأعلى فوق السلطة, وحادث اختطاف العمال الأتراك في بغداد بوضح النهار ليس ببعيد وفوق هذا تشتبك المليشيات مع ما يسمى [قيادة عمليات بغداد] وتحرق همراتهم وتأسر جنودهم وتطالبهم بالاعتذار لأنهم خرقوا منطقة مسؤولية عمل هذه المليشيات, وكذلك حادث إطلاق صواريخ الكاتيوشا المتكرر على أماكن تواجد مجاهدي خلق في مطار بغداد الدولي , ويخرج أحد زعماء هذه المليشيات ليتبنى عملية القصف, في ظل صمت حكومي مطبق , وغيرها من الحوادث الكبيرة التي تنفذها هذه المليشيات المتعددة الآباء ذات الأم الواحدة وهي إيران "الفارسية", ناهيك عما تمارسه السلطة الطائفية بحق أهل السنة في المحافظات الست المنتفضة [ بغداد-ديإلى-الأنبار-صلاح الدين- التأميم-نينوى] من قصف وقتل وتهجير وخراب ودمار وتمييز واقصاء والتي أغلب مدن هذه المحافظات خارج سيطرتها , لذلك فإن هذه السلطة فقدت سيادتها داخليًا, وفيما يخص السيادة الخارجية, فالعراق اليوم إجراؤه وأراضيه تصول وتجول الدول فيه من كل حدب وصوب, وقراراتها ليست بيدها بل من يقرر اليوم هي واشنطن وإيران, وقرار الدخول في تحالفات ليس بيدها بل بيد إيران وهذا ما حدث في التحالف الروسي الأخير, وبهذا فإن العراق اليوم هو فاقد للسيادة التي انتزعت منه أصلا عند إحتلال العراق عام 2003 من قبل الولايات المتحدة الأمريكية, واليوم من يتفاوض ويتحالف ويقرر مصير العراق هي إيران على ألا تخرج من الحدود المرسومة لها من قبل واشنطن , وهذا ما حدث لسوريا أيضًا فمن يفاوض ويقرر هي موسكو وليس نظام بشار. المد والجزر في الموقف الأمريكي 20. إن السياسة الخارجية الأمريكية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر أظهرت الحاجة لاستراتيجية تمكنها من الإنتقام لهيبتها كدولة عظمى ومدافعة عن حقوق الإنسان, ولذلك روجت لنشر ديمقراطيتها الزائفة تحت شعار محاربة [الإرهاب] ولكن هذه الاستراتيجية سرعان ما كشف الجميع زيفها وتناقضها في الفعل والتطبيق, فأمريكا التي غزت أفغانستان والعراق تحت ذريعة الإرهاب هي من أتت بسلطتين دمويتين في كلا الدولتين المحتلتين ساهما بنشر الدمار والخراب والطائفية والعنصرية, ومن جانب آخر فقد حافظت أمريكا على نظام بشار الدكتاتوري الإجرامي بترددها المقصود أو غير المقصود وباركت إنقلاب السيسي في مصر على الشرعية المصرية, وعدم الإعتراف بحق حماس الانتخابي في فلسطين, ناهيك عن جرائم القتل والإغتصاب التي ارتكبتها القوات الأمريكية بحق العراقيين في سجن أبي غريب والفلوجة والحويجة وحديثة وغيرها. 21. الأزمة المالية التي عصفت بقطاعات واسعة من الاقتصاد الأمريكي والنفقات العالية جدًا على حربي أفغانستان والعراق والبالغة [ 4 – 6 ] تريليون دولار أثرت على سياسة (أوباما) في الشرق الأوسط واعتماد الدبلوماسية كركن أساسي في حل الأزمات مع القليل والمحدود من التدخل العسكري , وهذا ما دفعه إلى سحب القوات الأمريكية من العراق بعد الخسائر الكبيرة التي كبدتها المقاومة العراقية لقواته المحتلة, ولجوئه لشن عمليات تخصصية محدودة باستخدام الطائرات المسيرة [الدرونز] كما حدث في اليمن لتصفية قادة تنظيم القاعدة, ثم تطورت استراتيجيته بعد سيطرة تنظيم (الدولة الإسلامية) على مدن كبيرة في سوريا والعراق ليكون تحالفًا دوليًا جويًا "ستينيًا" لشن هجمات تعرضية جوية على أهداف منتخبة لتنظيم (الدولة الإسلامية) معتمدا على عامل الوقت في استنزاف التنظيم واضعاف قدرته القتالية وإيقاف تمدده السريع في المنطقة , ولهذا جميع التصريحات سواء من جنرالات البنتاغون وسياسيي الحزبين الجمهوري والديمقراطي وفي مقدمتهم الرئيس باراك (أوباما) كانت تشير إلى طول فترة المعركة [ 10 – 20 ] سنة , وحتى الأمين العام للامم المتحدة (بان كي مون) قال: إن تنظيم الدولة أبعد من أن يهزم قريبا , لذلك وبعد فشل الاستراتيجية الأمريكية العسكرية وما سبقها من فشل سياسي في المنطقة وإمكانية تنظيم (الدولة الإسلامية) إلى جر أمريكا وحلفائها من الحشود البرية الطائفية إلى معارك استنزاف والتي يحرص أغلب القادة العسكريين من "ذوي الخبرة" تجنبها لما لها تأثير كبير على المعنويات واقتصاد الدول نتيجة طول أمدها, اتخذت الولايات المتحدة جانب السكون المتذبذب حيال التدخل الروسي والتحالف الرباعي , بل إن بعض سياسييها اعتبره شأنًا داخليًا, وهذا السكوت المجبر هو نتيجة حالة الجمود العسكري في الاستراتيجية الأمريكية الفاشلة وباعتراف (أوباما) بعد أن ألقى اللوم على سياسة (بوش) الابن الخاطئة باحتلال العراق, وكذلك باعتراف الكثيرين من أعضاء مجلس الشيوخ وفي مقدمتهم السيناتور الأمريكي عن الحزب الجمهوري ورئيس لجنة الخدمات المسلحة [ جون ماكين ] الذي ذهب أكثر من هذا وقال: "إن سياسة (أوباما) ضائعة" , وكذلك اتهم السيناتور الأمريكي (غراهام) سياسة (أوباما) التي وصفها بأنها تبيع سوريا إلى روسيا وإيران خلال جلسة الكونغرس بحضور وزير الدفاع (آشتون كارتر) ورئيس أركانه الجنرال (دنفورد). 22. أمريكا ومنذ ولاية (بوش) الابن وبعده (أوباما) امتازت استراتيجيتها العسكرية بالعبثية والاعتماد على المبدأ الفيزياوي الفعل ورد الفعل وهذا يتنافي مع قوانين الحروب ومبادىء المعركة سواء على المستوى الاستراتيجي أو التعبوي , وظهر هذا واضحا خلال ولاية (أوباما) , فاستراتيجيته غير واضحة وغير متكاملة واقواله تنافي افعاله المتغيرة باستمرار والتي نستطيع ان نطلق على مواقفه بالأرجوحة فهو يصعد بتصريح وقرار ويهبط بآخر ينافي ما صرح به، وتطابق معه وزير خارجيته (جون كيري) صاحب التصريحات المناخية التي تتغير باستمرار وفقا للظروف الجوية السائدة , وشملت الاستراتيجية العسكرية العملياتية الأمريكية منذ بدء العمليات الجوية وتشكيل التحالف الستيني على مراحل عدة، والتي تعتبر مكملة لمراحل سبقتها في العراق, فبعد أن قامت واشنطن بتجهيز وتسليح ما يسمى بالجيش العراقي انتقلت إلى مرحلة الاستشارة العسكرية العملياتية منها والاستخبارية واللوجستية, ثم انتقلت لمرحلة التدريب عن طريق مستشاريها الذين وصل عديدهم إلى ما يقارب ال [5000] مستشار أمريكي وهم من قادة الجيش الأمريكي بمختلف الصنوف ليؤسسوا مقرات لهم في بغداد والتاجي والحبانية والبغدادي, هذا بالإضافة لمستشارين ومدربين من باقي دول التحالف ومنهم الاستراليون والإسبان الموجودون في واسط وبسماية, وبعد الفشل الكبير التي منيت بها الحشود المليشياوية بجميع مسمياتها وانكسارها أمام تنظيم "الدولة" على الرغم من الدعم الجوي لدول التحالف , لم يكن خيار أمام الولايات المتحدة الأمريكية إلا الانتقال لدمج ثلاث مراحل بمرحلة واحدة نتيجة لتسارع المواقف العسكرية الدولية منها والمحلية, وهي تجنيد العديد من عناصر الصحوات وتدريبهم والقيام بالتخطيط والتنفيذ لادارة المعارك وتكثيف الطلعات الجوية لتواكب الطلعات الجوية الروسية في سوريا, وقامت بتغيير جنرالاتها وفي مقدمتهم رئيس الأركان وتعيين [ جوزيف دنفورد ] وهو ضابط مارينز وعمل أمر كتيبة للمارينز في العراق وكان قائد القوات الأمريكية والحلف الأطلسي في أفغانستان للفترة [شباط2013 لغاية اب 2014] وهو من أقنع البيت الأبيض ببقاء عشرة آلاف جندي أمريكي في أفغانستان , وهذا ما سينعكس على خططه العسكرية في العراق وميوله لتواجد القوات الأمريكية البرية تدريجيًا وفق متطلبات الموقف التعبوي والميداني, وكذلك تم تعين الجنرال [ماكفارلاند] كمشرف على العمليات العسكرية في سوريا والعراق وأيضًا هو لديه خبرة عملية في العراق وسيتم إرسال متحدث عسكري أمريكي لشرح العمليات العسكرية وكذلك سيتم إرسال مراقبين جويين , والمعروف عن عمل هؤلاء المراقبين هو مع القوات العسكرية القريبة من خطوط الاشتباك وبالتنسيق مع الطئرات التي تنفذ ضربات جوية لزيادة الدقة في الاستمكان والتدمير ولتقديم الجهد الجوي المناسب للقطعات البرية , كل هذه الإجراءات وما يرافقها من إرسال التعزيزات العسكرية وطائرات الأباتشي وزيادة عدد القوات الأمريكية تحت غطاء المستشارين والذي تستخدمه واشنطن للحصول على الحصانة لقواتها العاملة في العراق وتحميها من أي مسائلة قانوية للجرائم التي سترتكبها في العراق وتحت هذا المسمى [المستشارين] تشير إلى تحول واشنطن من حالة الاكتفاء الجوي إلى العمليات الجراحية التخصصية ضمن مبدأ تكامل الاسلحة في إدارة المعركة , علمًا أن أمريكا ليست وحدها في العراق بل معها تحالف دولي وإن كان بسيطًا ولا يرتقي إلى مستوى المعركة, ولكن دول التحالف مستمرة بإرسال المدربين والأسلحة والمعدات والجنود بالإضافة لدعمها الجوي , وهنا سيعتمد البنتاغون على تعبئة الجمع بين التقنية العالية للأسلحة والمعدات مع السرعة في حشد القوات المتمثل بالقوات المحمولة جوًا والمتواجدة حاليا في الكويت بما يقارب الأربعة آلاف جندي مارينز , ولكن يجب ألا يغيب عن أعيننا أن الفترة الزمنية المتبقية للرئيس (أوباما) وهي تدخل ضمن الوقت الحرج [ Critical Time] وأي خسارة لجندي أمريكي أو طائرة سوف ينعكس سلبًا على موقف حزبه الديمقراطي المتراجع أصلا في الانتخابات الرئاسية القادمة, ولهذا ستكون مهمة (أوباما) في المنطقة ليست سهلة ومليئة بالمفاجأة التي لا تسر حلفاءه وأصدقاءه. 23. وفي جميع الأحوال فإن التغاضي والإيحاء باللامبالاة الأمريكية تجاه التحالف الرباعي الروسي والإيراني السوري العراقي هو فشل جديد للسياسة الأوبامية في الشرق الأوسط يضاف إلى الفشل العسكري السابق لسلفه جورج (بوش) الابن بغزوه لأفغانستان والعراق , وقد يذهب بعض المحللين الاستراتيجيين ويفسر هذا التباطؤ والتردد حيال التحالف الرباعي بالمقصود وهو تكتيك لجر روسيا للتدخل العسكري في المنطفة والتي تعتبرها أمريكا منطقة استنزاف عسكري لإغراق روسيا في المستنقع السوري العراقي وإنهاك الدب الروسي , مما يعيد للأذهان السيناريو الأفغاني عندما تدّخل الجيش الأحمر السوفيتي في نهاية 1979 لدعم الحكومة الموالية له في كابول آنذاك والذي تحول إلى ورطة كبيرة استنزفت القوات السوفيتية لعشر سنوات عجاف من المواجهات العسكرية العنيفة وحرب العصابات ضد فصائل المجاهدين الأفغان التي حظيت آنذاك ببعض الدعم من الولايات المتحدة الأمريكية, والذي افقدت هذه المعارك ركائز الاقتصاد السوفيتي وحملته تكاليف باهظة وخسائر كبيرة على مستوى الأرواح والمعدات والسلاح , وكان لهذه المعارك الأثر الكبير في انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكيك أمبراطوريته في أوربا الشرقية ونهاية الحرب الباردة , لذلك يرى البعض بأن التغافل الأمريكي ماهو إلا انتهاج سياسة التوريط لروسيا في المنطقة وإنهائها كليًا, أيضًا قد يكون وراء هذا البرود الأمريكي حيال التحالف الرباعي هو لجعل روسيا أن تقاتل المسلمين نيابة عنها أن تبعد نفسها عن الشبهات والاتهامات التي لاحقتها بقتالها للمسلمين في افغانستان والعراق, ومن هنا جاء التعاون الصهيوني الروسي الأخير وكذلك بعض الدول العربية كمصر والإمارات والجزائر وقد تلتحق الكويت وعمان بهما وبقاء أمريكا بعيدًا عن هذا التحالف تراقب وتخطط وغيرها ينفذ, وفي كل الأحوال ستكون الغايات والأهداف الدولية والأمريكية على حساب الشعوب وسحقها وتدميرها. موقف دول الخليج العربي من التحالف الرباعي 24. بداية يجب أن نضع حكومات دول الخليج العربي في إطارها الحقيقي, وهو أن أغلب قراراتها عبارة عن صدى لقرارات الولايات المتحدة الأمريكية السرية منها والعلنية , وأمريكا تنظر لهذه الحكومات نظرة وظيفية بحسب ما تقدمه هذه الدول من خدمات, وعلى هذا القياس تبني واشنطن علاقاتها بها , وأمريكا استطاعت ان تنتهج سياسة شيطنة الخصوم مع حكومات الخليج العربي وإبقائها في دوامة النزاعات الطائفية بمساعدة شرطيها الجديد في المنطقة المتمثل بحكم ولاية الفقيه في إيران واذرعها المليشياوية التدميرية, وما حدث في اليمن وتنامي نمو الحوثيين وانقلابهم على شرعية الدولة ليس ببعيد عن التخطيط الأمريكي والتدبير الإيراني وجر السعودية وبعض دول الخليج العربي والمنطقة إلى حرب استنزافية لا يمكن ايقافها والمحافظة على حالة اللااستقرار العسكري في المنطقة, وبالتالي الانتعاش الاقتصادي والمالي لشركات صناعة الاسلحة وخفض أسعار النفط , ناهيك عن الشروط التي ستفرض على دول الخليج العربي لإيقاف هذه الحرب , وهذا التعاون الأمريكي – الإيراني ليس بجديد وفضيحة (إيران كيتIran Gate) خلال حرب الثمانينات بين العراق وإيران دليل واضع على هذا التعاون وعززه الاتفاق الأخير حول الملف النووي الإيراني وما تضمنته الملاحق السرية التي لم يطلع عليها سوى إيران وأمريكا والتي من المؤكد تحوي في طياتها الكثير من المفاجاة لدول الخليج العربي والمنطقة العربية والشرق الأوسط سواء على مستوى الخارطة الجغرافية أو السياسية . 25. إرباك المنطقة عسكريًا وسياسيًا أفقد حكومات الخليج العربي وحدة قرارها, فالسعودية والإمارات يدعمون السيسي في مصر وتقف قطر بالضد من ذلك , ونظام بشار البعض منهم يطالب بتنحيته والآخر يرى خلاف ذلك وهذا ليس في حكومات الخليج العربي بل على المستوى العربي جميعا فعمان الخليجية تسير إرضاء إيران وكل ما تريده في المنطقة والكويت متذبذبة بين هذا وذاك ولا يمكن الوثوق بمواقفها, ونتيجة لحالة التشظي هذه فقد غاب الموقف الخليجي الواحد وظهرت مواقف منفردة لكل منها وفق المصالح الفردية وهذا ما خطط له الكيان الصهيوني وأمريكا وربيبتهم في المنطقة إيران, لذلك القرار الخليجي ذهب مع الريح وحلت محله رغبات خليجية متفرقة هنا وهناك, وما نشاهده من لقاءات حول ملف سوريا ماهو إلا ذر الرماد في العيون ولإعطاء صبغة عامة بأن الحل السياسي يسير مع الحل العسكري , فسابقًا كان التفاوض مع نظام بشار ثم تطور مع إيران واليوم مع روسيا وإيران وفي المستقبل قد يتطور الأمر للتفاوض مع الصين وروسيا وإيران والشعب السوري هو من يدفع الثمن وحده، كما دفع ويدفع الشعب العراقي عامة وأهل السنة خاصة الثمن من قتل وتهجير واعتقال ونزوح قبلهم . 26. بعد كل هذا التفكك الخليجي وما يرافقه من انشغال تركيا في أوضاعها الداخلية الأمنية والانتخابية وموقف سيسي مصر المترنح بين المصالح الفردية وعقدة "الاخوان المسلمين" واستراتيجية مسك العصا من وسطها , وهذا ما صرح به وزير خارجيته [ سامح شكري ] بأن دخول روسيا بما لديها من إمكانيات وقدرات هو أمر نرى أنه سوف يكون له أثر في محاصرة الإرهاب في سوريا والقضاء عليه, في الوقت الذي ترى فيه روسيا كل من يعارض نظام بشار أنه "إرهابي" , هذه التحديدات وغيرها رمت بثقلها على أن يكون موقف دول الخليج العربي خجولة ولا ترتقي لمستوى الموقف ولا تتعدى التصريحات الإعلامية والاستنكارات والشجب وهذا ما مسموح لها به ولا يسمح لها الخروج عنه, وبالتالي بقاؤها في حالة الانكماش وترضية الأطراف , فمنهم من سارع لفتح سفارات في العراق ومنهم من ذهب لزيارة بشار الأسد وآخرون ذهبوا ليغروا روسيا ماليًا بعقد صفقات سلاح على الرغم من أن عقيدة جيشه التسليحية هي أمريكية , لذلك لا يمكن التعويل عليهم بإيجاد حل لقضية العراق وسوريا, وهذا ما تبين بوضوح عند الثورة السلمية لأهل السنة في المحافظات الست المنتفضة عام 2012 وما تبعها من ثورة مسلحة بعد مهاجمة قوات المالكي ساحات الاعتصام , فلم نجد أي رأي عربي داعم لهذه الثورة بسلميتها أو حربيتها, عدا الإعلام القطري المتمثل بقناة الجزيرة الفضائية , والسؤال هل إن حكومات الخليج العربي وصلت لمرحلة الاحتظار السياسي؟ وهل أدركت نهايات اللعبة الصهيونية - الأمريكية – الإيرانية في المنطقة ولكن بعد فوات الاوان ؟ أو أنها لم تفق بعدُ من سباتها ؟! التسابق في الصراع العسكري الروسي – الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط 27. أخطر ما في التحالفات العسكرية أن تتحول إلى تنافس وتسابق في المستوى العملياتي والتعبوي, سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ , وهذا ما يحدث الآن على الساحتين السورية والعراقية, ففي الوقت الذي كانت تسير عليه العمليات الجوية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على وتيرة واحدة تقريبا ويتصاعد في حالات قد يتطلبها الموقف الميداني, نرى اليوم وبعد دخول روسيا على الساحة العسكرية بتحالف غايته المعلنة محاربة الإرهاب, بدأت أمريكا من تصعيد زخم الهجوم الجوي المتنوع المهام والذي يشمل ضربات جوية تعرضية وطلعات استطلاع ومراقبة جوية ليتطور العمل العسكري للقيام بعمليات إنزال جوي كما حدث في الحويجة على موقع احتجاز تابع لتنظيم (الدولة الإسلامية) , والتي كانت غاية هذا الإنزال معنوية ورمزية أكثر من كونها تعبوية فهي وفق مبدأ الكلفة والتأثير تعتبر فاشلة عسكريا وفقًا لحجم القوة وتاثيرها على سير العمليات, ولكن تعتبر ناجحة إذا اعتبرت العملية من ضمن العمليات المعنوية ذات البعد الرمزي في هذا التوقيت والظرف , بغض النظر عن هوية السجناء أو المحتجزين الذي تم اطلاق سراحهم, ولكن هذا التطور القتالي يدخل ضمن التسابق في التصعييد الأمريكي الروسي وسياسة فرض الوجود العسكري في المنطقة , ولذلك سنرى في الأيام القادمة الكثير من هكذا عمليات في سوريا والعراق لما لها تاثير إعلامي ومعنوي أكثر من التأثير التعبوي على ساحة العمليات , وهذا ما تحتاجه أمريكا في هذه المرحلة والتي ستحذو موسكو حذوها, لأن الطلعات الجوية بشقيها التعرضية والاستطلاعية ستفقد تاثيرها الإعلامي شيئا فشيئا. 28. التحالف الرباعي سيعطي أفضلية لروسيا في عملياتها العسكرية, وأمريكا ستتخذ إجراءات عسكرية دون أخذ الأذن من أحد وبالتالي سيتطور الصراع ويزداد على الرغم من التصريحات الأمريكية والروسية بشأن التنسيق العسكري فيما بينهما, والتعبئة الروسية الحالية ستعتمد على تكثيف الطلعات الجوية التعرضية وستزداد لتصل إلى 100 طلعة جوية يوميًا نظرًا لسياسة استعراض القوى واستهلاك بعض الأسلحة الجوية من الترسانة الروسية المتكدسة, يقابله أعمال امريكية تخصصية في بعض ساحات العمليات سواءً في سوريا أم في العراق الذي ستكون له الحصة الأكبر من هذه العمليات نظرًا لموقف واشنطن المؤيد من السلطة في العراق وخبرتها السابقة فيه والعدد الكبير لمستشاريها في العراق . 29. (بوتن) صاحب العقيدة الاستخبارية لا يمكن أن يغفل عن مسعى واشنطن لاستنزافه في سوريا وتوريطه بمعارك لا تبقي ولا تذر, لذلك ومن خلال التحالف الرباعي سيسعى لتطوير عمله العسكري ليشمل بغداد من خلال الضغط والنفوذ الإيراني في المنطقة , ولذلك ستقدم موسكو الكثير من المساعدات العسكرية للحشود المليشياوية في العراق وتزويدها باسلحة دفاع جوي متطورة لتشكل تهديدًا للطيران الأمريكي والمروحي منه بشكل خاص والمتمثل بطائرات الأباتشي , هذا فضلاً عن صواريخ أرض – أرض لفرض قوة المليشيات كقوة رئيسة في العراق ناهيك عن الدعم الكبير لحزب الله اللبناني في سوريا وترجيح كفة نظام بشار على جميع القوى المناهضة له عسكريا , وفي المقابل لن تقف واشنطن مكتوفة الايدي إزاء هذا التصعيد, بل وهي صرحت علنا بارسال قوات خاصة امريكية لسوريا والعراق للقيام بعمليات استشارية وتخصصية في المنطقة, هذا على المستوى العملياتي, اما على مستوى نوع السلاح فهو لن يكون بعيدًا عن هذا التسابق العسكري, فروسيا ستزج بخيرة طائراتها من الجيل الخامس وفي مقدمتها [ السيخوي 35 ] وهي طائرة متعددة المهام والتي تستطيع الوصول إلى المجال الجوي التركي خلال دقائق والتي لن تعطي فسحة زمنية كافية للطائرات التركية وحلف شمال الاطلسي لاعتراضها, وبالمقابل أمريكا ستستخدم قاعدة انجرليك في تركيا بشكل كبير وتنشر طائرات تخصصية للاسناد القريب، منها طائرات [ A-10] لتنفيذ طلعاتها الجوية والتي ستكلفها مبالغ أقل مما لو استخدمت طائراتها العاملة من حاملات الطائرات والتي ستختفي تدريجيا من مياه الخليج تحت ذريعة الصيانة الدورية, وكذلك ستستعرض بطائرات التفوق الجوي نوع [ f22] الرابتور والتي يبلغ سعر الطائرة الواحدة (356) مليون دولار وهي مصممة لمواجهة القوات الجوية الروسية وهي ذات التقنية المزدوجة بين التخفي والمديات الطويلة والارتفاعات العالية، وسيتطور الأمر للعجلات والآليات المدرعة, وستكون الساحتان العراقية والسورية عبارة عن معرض للأسلحة الأمريكية والروسية ولكن ليس لغرض الترويج لها فقط بل للتدمير أيضًا, مع الاخذ بنظر الاعتبار أن التركيز العسكري الأمريكي سيكون واضحًا وكبيرًا في العراق , يقابله عمل عسكري روسي واضح وكبير في سوريا . 30. سيشمل هذا التسابق العسكري بين القطبين الروسي والامريكي سياسة التلويح بالقوة عن طريق المناورات العسكرية الجارية حاليا والتي ستتوسع أكثر قرب منطقة الصراع وهذا ما يحدث الآن, فروسيا تجري مناورات عسكرية في شرق المتوسط بمشاركة سفن حربية وطرادات ومدمرات, وشملت المناورات المدفعية والمضادات الجوية, وفي الوقت الذي تجري فيه الولايات المتحدة الأمريكية مناورات في الجانب الغربي من البحر المتوسط ويشارك فيها( 36000) جندي من حلف الأطلسي من جنود النخبة موزعة على 240 وحدة عسكرية مع 130 طائرة مقاتلة و60 سفينة حربية لتنفيذ مهام الحرب الشاملة الالكترونية والكيميائية والبايلوجية والتقليدية , وهذه أول مرة يسجل فيها البحر الأبيض المتوسط مناورات عسكرية متعددة لدول ضمن تحالفات متنافسة, ولن يتوقف الطرفان عند هذه المناورات بل ستشهد المنطقة مناورات أخرى تشمل الخليج العربي وكذلك البحر الأسود وقزوين, وفي ضوء هذا كله يجب أن لا ننسى أن أمريكا تحاول الانسحاب عسكريا من المنطقة والتفرغ للنمو الصيني السريع والذي تعتبره التهديد الحقيقي المقبل لمصالحها. الخاتمة 31. المسلمون عامة والعرب خاصة عندما يتكلمون عن دول العالم من غير المسلمين لا يسمونهم بأديانهم ومعتقداتهم , فلا يقولون الصين البوذية ولا أمريكا الصليبية ولا إيران المجوسية ولا روسيا الارثدوكسية أو القيصرية أو حتى الشيوعية , ولكن الغرب عندما يريد أن يوصفنا أو يتحدث عنا اليوم يسمينا بالشرق الأوسط بدلاً من الوطن العربي الذي يدل على وحدة المنطقة ارضا وشعبا , واليوم يتكلمون عن ذهاب الشرق الأوسط , وسوف لن تكون هناك حدود سورية أو عراقية مستقبلاً, كل هذا لغرض تقوية الحاجز البشري العنصري المتمثل بالكيان الصهيوني, وبالتالي وضمن جميع هذه التسميات هم يصفوننا بالإرهاب تحت مسمى الإسلام المتطرف ويصنفوننا إلى جماعات ارهابية وصديقة وفقا لمصالحهم ومشاريعهم في المنطقة, وهذا ما قاله (بوش) الابن عند غزوه للعراق بأنها "حرب صليبية" وكذلك (بوتن) وكنيسته الأرثوذوكسية بأنهم يقودون حربًا مقدسة على غرار الحرب الخمينية على العراق والتي وصفها بأنها حرب الإسلام ضد الكفر, فكيف لبعض الدول العربية والإسلامية أن يقتنعوا أن هؤلاء الطواغيت أحفاد القياصرة والكنائس ونار المجوس لن يدافعوا عن حقوقهم , ألا يدركون أن عدوهم مشترك وهو الاسلام ؟! ألا يعلمون أن جميع هذه التحالفات وإن اختلفت في التطبيق فغايتها واحدة وهو تقسيم المنطقة وفق النظام الشرق الأوسطي الجديد بما يخدم مصالحها ويؤمن ربيبتها دولة صهيون . 32. الضعف وفقدان القرار العربي الموحد والتردد الغربي والأمريكي حيال الملف السوري هو من شجع روسيا للتدخل العسكري وإنشاء تحالف رباعي وبالتالي موسكو هي من ستتفاوض عن سوريا وهي من ستفرض شروطها, فاليوم انتفت الحاجة لوجود مفاوض سوري واقتصر الأمر على المفاوض الروسي الذي هو من يقرر مستقبل سوريا العربية الإسلامية, وفيما يخص العراق فالعراقيون لن يلوموا الروس على هذا التحالف, بل بالدرجة الأساس يقع اللوم على الولايات المتحدة الأمريكية التي غزت العراق وحولته من دولة ذات سيادة إلى بلد ممزق ذي تبعية إيرانية, وفي ظل التحالف الروسي الأخير جعلته يتطاير بين ريح صفراء مجوسية وريح حمراء قيصرية , واليوم الساحة العراقية السورية مفتوحة للجميع وتحقيق المصالح متاحة وتصفية الحسابات ممكنة, والمعارك مستمرة ضمن حرب استزاف طويلة, والخاسر الوحيد هما الشعبان السوري والعراقي, وستبقى منطقة الشرق الأوسط تعاني من استمرار التنافس والصراع العسكري الدولي, ما لم يكن لحكومات هذه المنطقة قرار موحد سيادي ينقلها من مرحلة التبعية في القرار إلى السيادة الكاملة واستقلال المواقف, وإلا سيصل قريبًا الخطر الفارسي الصهيوني لعقر دارها, ولن تفيدها أسلحتها المكدسة المشتراة جبرًا بمليارات الدولار, وبالتالي ننسى بأن هناك شيء اسمه "وطن عربي" لا قدَّر الله. 33. ختاما نقول: إن جميع التحالفات تعمل من الجو, وإن تحركت أرضًا هي وعملاؤها فلن يعرف الأرض إلا أصحابها, ومن يحسم المعركة في هكذا حروب هي البندقية ومسك الأرض بعد توظيف طوبغرافيتها, و(بوتن) سيذهب في النهاية إلى تدمير نفسه بعد أن جعل إمّعات العصر (سليماني) وبشار يتقدمون صفوف الرجال, كما دمر خصمه (بوش) نفسه في العراق بعد أن قدّم اشباه الرجال من الصحوات , وفي النهاية سيبقى القرار للشعوب والمقاومة المنبثقة من أهلها سواء الإسلامية منها أو الوطنية والتي ستنكسر على صخرتها جميع مشاريع الطغاة التقسيمية والفارسية والتي ستتشظى فيما بينها نتيجة تضارب المصالح, وليس أمام الشعبين من خيار سوى الأخذ بالأسباب والتوكل على الله. التدخل الروسي المباشر في سوريا وتداعياته المستقبلية على خارطة الشرق الأوسط د. وسام الدين العكلة أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بداية لا بد أن نشير إلى أن التدخل الروسي في منطقة الشرق الأوسط ليس وليد اللحظة بل تعود جذوره إلى عشرات السنوات وتجذَّر في المنطقة بشكل كبير خلال الحرب الباردة التي انطلقت بعد الحرب العالمية الثانية بين القطبين الرئيسين في العالم ( المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي ) واستمرت أكثر من أربعين عاماً، وتراوح هذا التدخل ما بين الدعم السياسي والعسكري - أحياناً - في أغلب الأزمات والحروب التي مرت بها المنطقة خلال تلك الفترة، مروراً بالوقوف إلى جانب الأنظمة الحاكمة في بعض الدول العربية وتقديم الدعم السياسي والمعنوي لها، وانتهاءً بتزويدها بكافة صنوف الأسلحة التقليدية والمتطورة. إلا أنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وخروج روسيا "الوريث الشرعي له" مفككة ومنهارة اقتصادياً، إضافة إلى بروز النظام العالمي الجديد (نظام القطب الواحد) بقيادة الولايات المتحدة بعد حرب الخليج الثانية بدء نجم النفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط بالأفول شيئاً فشيئاً حتى انتهى الأمر باحتلال العراق من قبل القوات الأمريكية عام 2003 وطرد جميع الشركات الروسية التي كانت تسيطر على قطاع الطاقة في بلاد الرافدين وتستأثر بجميع العقود والامتيازات التي منحها إياها نظام الرئيس العراقي " صدام حسين " آنذاك. بعد وصول "فلاديمير بوتين" إلى السلطة عام 2000 استطاع تجاوز الأزمات المالية والسياسية والفوضى التي كانت تعصف بروسيا وتدفعها نحو الهاوية، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل عمل "بوتين "على احتكار السلطة في البلاد من خلال قضائه على المعارضة، معتمداً في ذلك على رفاقه في جهاز المخابرات السابق (كي جي بي)، والدعم والتعاون غير المحدودين من جانب الكنيسة الأرثوذكسية كما كان يفعل القياصرة لقرون. أما على الصعيد الدولي فحاول " بوتين" استعادة الأمجاد الروسية القديمة من خلال استعراض قوة بلاده على المسرح الدولي واتخاذه من الولايات المتحدة عدواً له على المستوى العالمي، وفرض تنامي نفوذ بلاده في عدد من الملفات وعلى رأسها الملف النووي الإيراني التي تعتبر روسيا الداعم الوحيد له منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي واستثماره للضغط على الولايات المتحدة خلال المفاوضات الماراثونية التي دارت حوله منذ عام 2003 كونها طرف أساسي فيها، إضافة إلى ابتزاز بعض دول المنطقة خاصة الخليجية منها لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية. إلا أن ثورات الربيع العربي التي اجتاحت المنطقة وتلقُفِها من قبل الولايات المتحدة بدأت تؤثر على النفوذ الروسي في المنطقة العربية التي تعتبر الأهم لروسيا من الناحية الجيوسياسية خاصة بعد استفراد حلف الناتو بالسيطرة على ليبيا من خلال قرار مجلس الأمن الدولي 1973، وتوجيهه الضربة الأخيرة لروسيا في المنطقة خاصة من الناحية الاقتصادية حيث قُدرت الخسائر الروسية نتيجة فقدان مصالحها والامتيازات التي كانت تحظى بها قبل الإطاحة بالزعيم الليبي " معمر القذافي " بأكثر من أربعة مليارات دولار. بعد اندلاع الثورة السورية استشعرت روسيا بالخطر القادم من الشرق على آخر معاقلها في منطقة البحر الأبيض المتوسط لذلك اتخذت قراراً لا رجعة فيه وهو الوقوف إلى جانب النظام السوري دون تزحزح رغم الوعود والمغريات الكبيرة التي قدمت لها من قبل بعض الدول في المنطقة خاصة المملكة العربية السعودية مقابل التخلي عن نظام " بشار الأسد "، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل قدمت لهذا النظام الدعم السياسي على أعلى المستويات خاصةً في مجلس الأمن الدولي حيث أحبطت روسيا أربعة مشاريع قرارات تدين ممارسات النظام وانتهاكه للقانون الدولي وحقوق الإنسان وارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وحالت دون إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية. هذا إلى جانب الدعم العسكري غير المحدود والمتمثل بتزويد النظام بكافة صنوف الأسلحة التقليدية والمتطورة والطائرات والدبابات القتالية، إضافة إلى مده بالخبراء والمستشارين العسكريين والأمنيين. ورغم كل التطورات التي مر بها الملف السوري خلال السنوات الماضية لم يكن التدخل الروسي المباشر بهذه الصورة التي رأيناه بها مطروحاً حتى قبل فترة وجيزة من بدء الغارات الجوية في 30 أيلول/سبتمبر الماضي. فما هي الأسباب والخلفيات التي دفعت روسيا إلى اتخاذ هذا القرار الاستراتيجي الهام بهذه السرعة وتحولها إلى رأس الحربة في الحرب الدائرة على الساحة السورية؟ دوافع التدخل الروسي وأهدافه: يرى الكثير من المتابعين أن الحرب في سوريا قد دخلت مرحلة جديدة وقد تكون حاسمة مع بدء الغارات الجوية الروسية على الأراضي السورية، حيث اعتبرها الكثير من هؤلاء بأنها ستعجل من إنهاء هذه الحرب والتوصل إلى حل سياسي يصب في صالح بقاء " بشار الأسد " على رأس السلطة ويدعمون ما ذهبوا إليه بالتطورات السياسية التي أعقبت هذه الغارات من حراك دبلوماسي وسياسي كبير امتد ليشمل حضور نحو 17 دولة إضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لمؤتمري فيينا وما سبقهما من قمم رباعية جمعت وزراء خارجية الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والمملكة العربية السعودية، إضافة إلى تقديم موسكو ورقة عمل تتضمن مجموعة من النقاط أهمها إجراء عملية اصلاح دستوري في البلاد تمتد 18 شهراً واطلاق عملية تفاوضية بين النظام والمعارضة برعاية الأمم المتحدة. في حين ذهب آخرون إلى أن التدخل العسكري الروسي ستكون له نتائج وخيمة وستغرق روسيا في مستنقع لن تستطيع الخروج منه بسهولة، وسيكون لهذا التدخل ارتدادات خطيرة على روسيا ذاتها على المستوى السياسي والاقتصادي قد تؤدي إلى استنزافها وتفككها على غرار ما حدث للاتحاد السوفييتي جراء تدخله العسكري في أفغانستان وهذا ما تطمح إليه بلا شك الولايات المتحدة الأمريكية. لا شك أن روسيا تسعى من وراء هذا التدخل المباشر إلى تحقيق مجموعة من الأهداف يأتي على رأسها دعم نظام "بشار الأسد" وانقاذه من السقوط بعد أن أدركت خلال الأشهر الأخيرة أنه بات في وضع محرج جداً، الأمر الذي دفعه إلى طلب المساعدة العسكرية من موسكو بشكل مستعجل. الهدف الآخر الذي يأتي على سلم أولويات الروس هو تعزيز قدرات جيش النظام خاصةً في خطوط التماس في الجبهات المطلة على الساحل السوري والعاصمة دمشق من خلال محاولة الغارات الروسية إبعاد الخطر عن هذه المناطق الاستراتيجية ومساعدة قوات النظام على استعادة بعض النقاط الهامة التي خسرتها خلال الفترة الأخيرة وهو ما عملت عليه القوات الجوية الروسية في الأيام الأولى لحملتها حيث تركزت غاراتها على مناطق في أرياف حمص وحماه واللاذقية دون أن تستهدف أية منطقة خاضعة لسيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية". أما الهدف الأخير والذي عادت تحت ذريعته روسيا إلى المنطقة فهو محاربة الإرهاب من خلال توجيه بعض الضربات لمقرات تنظيم "الدولة الإسلامية" وهي نفس الذريعة التي شكلت واشنطن على أساسها التحالف الستيني السنة الفائتة للعودة إلى المنطقة بعد أن خرجت منها نهاية عام 2011. إلى جانب ذلك تسعى روسيا إلى تعزيز نفوذها في سوريا وحماية مصالحها في الوقت الذي بدأت تشعر فيه بسيطرة الإيرانيين على كافة المفاصل الجوهرية في الملف السوري وشعورها بالقلق من تقارب طهران من واشنطن وخروجها من الصفقة التي أبرمت في " فيينا" حول البرنامج النووي الإيراني دون تحقيق أي مكاسب حقيقية، فضلاً عن المحاولة الروسية لحرف الأنظار الدولية عن الأزمة أوكرانيا وإخراج موسكو من العزلة التي وُضعت فيها بعد ضمها جزيرة القرم العام الفائت. أما فيما يتعلق بأهم الدوافع التي أسهمت في التدخل الروسي المباشر في الصراع السوري فهي الاستراتيجية المرتبكة التي اتبعتها إدارة " أوباما " حيال الملف السوري خلال السنوات الماضية، فموسكو ترى في هذه الاستراتيجية عامل ضعف للإدارة الأمريكية وبالتالي عليها استغلال هذا الضعف للعودة بقوة إلى منطقة الشرق الوسط ومنها إلى العالم من خلال البوابة السورية وهو ما نجحت فيه حتى الآن، حيث استطاع بوتين أن يقنع بعض القادة الأوروبيين بوجهة نظره لحل القضية السورية وضرورة التوصل إلى حل سياسي من خلال مرحلة انتقالية يقودها "بشار الأسد" أو على الأقل يكون الجزء المهم فيها. إذاً، استراتيجية معاكسة لاستراتيجية "أوباما" اتبعها "بوتين" استطاع من خلالها قلب حسابات واشنطن واستراتيجيتها السياسية والعسكرية في المنطقة، وفرض من خلالها أمر واقع على واشنطن والدول الأوروبية لا خيار لهم به سوى مسايرته فيه على الأقل في جانب من استراتيجيته التي تدعي محاربة الإرهاب في سوريا وهو ما توافق عليه واشنطن وبعض العواصم الأوروبية رغم اختلافهم مع موسكو حول المستقبل السياسي لسوريا وفيما بات يعرف بـ " عقدة الأسد "، وساهم في ذلك الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها باريس في 14 تشرين الثاني/نوفمبر التي دفعت فرنسا إلى إعلان استعدادها للتنسيق العسكري مع موسكو، وسبقتها واشنطن التي قبلت على مضض بهذا المتغير الجديد حيث سارعت وزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون) لتوقيع مذكرة تفاهم مع نظيرتها الروسية بشأن الضربات الجوية فوق سوريا بذريعة عدم حصول احتكاك أو حوادث بين الطائرات الروسية وطائرات التحالف في الأجواء السورية المزدحمة بالطيران الدولي. سياسياً، ما دفع واشنطن إلى التقارب الحذر مع روسيا هو اقتناع بعض أركان إدارة الرئيس " أوباما" بأنه لا يوجد مخرج للأزمة السورية دون إشراك روسيا وإيران في مفاوضات سياسية حول سوريا مبنية على مبادئ "بيان جنيف 1 " مع تعديل طفيف في الرؤية الأمريكية يتمثل بقبول بقاء " الأسد " في المرحلة الانتقالية وإدراكها أن الانتقال إلى مرحلة ما بعد " الأسد " لن تكون سهلة بل ستكون عسيرة جداً في ضوء الصراعات الداخلية ومخاوفها من الفوضى وعمليات الانتقام التي قد تستهدف بعض الأقليات التي ورطها نظام " الأسد" في الصراع المسلح ضد بقية الشعب السوري، ناهيك عن التجاذبات الإقليمية والدولية التي تتنازع القضية السورية طيلة السنوات الفائتة. عقبات سياسية وعسكرية واقتصادية أمام استمرار التدخل الروسي: رغم تأكيد القادة الروس على قدرة بلادهم على استمرار تمويل الحملة العسكرية في سورية لعدة سنوات دون أن تتأثر من الناحية الاقتصادية إلا أن هذا الأمر يخالف الواقع، فكلنا يعلم أن روسيا تعاني من عقوبات مفروضة عليها من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على خلفية الأزمة الأوكرانية، والعملة الروسية (الروبل) في أدنى مستوياتها، إلى جانب التكلفة اليومية الباهظة للغارات التي تشنها مقابل النتائج المتدنية لهذه الغارات والتي قد تدفع روسيا رغم مكابرتها إلى إعادة النظر في سياستها تجاه التمسك بالتدخل العسكري لدعم نظام "بشار الأسد"، وهذا سيدفعها في نهاية المطاف إلى البحث عن مخرج من هذه الورطة يؤمن مصالحها ويحفظ ماء وجهها. على الصعيد العسكري ورغم مرور نحو شهرين على بدء العدوان الروسي على سوريا وتنفيذ أكثر من 2500 غارة (أكثر من 90% منها استهدفت المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوري الحر) لم تستطع روسيا تحقيق النتائج التي كانت ترجوها على أرض المعركة، واقتصر الأمر فقط على انجاز جزئي تمثل في فك الحصار عن مطار "كويرس" العسكري بريف حلب الذي كان تحت سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" منذ كانون الثاني/ يناير سنة 2014. في حين أن الخسائر أكبر بكثير من هذا الإنجاز سواء على الجانب الإيراني أم على الجانب الروسي، وتحمل الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له الخسارة الأكبر من الناحية البشرية حيث فقد العديد من ضباطه وجنرالاته الكبار، ومن لم يقض من هؤلاء الجنرالات في الحرب العراقية – الإيرانية قضى على الأرض السورية خلال الشهرين الماضيين. أما الجانب الروسي فكانت خسارته على الصعيد المعنوي أكبر بكثير حيث تشعر موسكو بمرارة كبيرة من الذل والإهانة التي تعرضت لها من الدول الغربية على خلفية اسقاط طائرتها فوق سيناء بعد مرور حوالي الشهر على بدء غاراتها الجوية في سوريا. ونتيجة لهذا الفشل العسكري اضطرت موسكو لعرض هدنة بين قوات النظام وجيش الإسلام في الغوطة الشرقية بهدف وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين قابلة للتجديد كبادرة حسن نية لإطلاق عملية تفاوضية بين الطرفين بوساطة روسية، وتجدر الإشارة إلى أن الغوطة الشرقية تعتبر منطقة استراتيجية هامة جداً كونها تشكل الخاصرة الأهم للعاصمة دمشق وقد أخضعها النظام لحصار خانق لثلاث سنوات بهدف تركيع أهلها إلا أنه لم ينجح في اقتحامها وبقيت شوكة في حلقه حتى هذه اللحظة. إلى جانب كل ذلك ما شهدناه وتابعناه خلال الشهرين الماضيين أن الثوار على الأرض والمدنيين على حدٍ سواء استطاعوا امتصاص الصدمة ولم تستطع هذه الغارات خلخلة وضع الجبهات الهامة من الناحية الاستراتيجية على خطوط التماس التي بدأت الغارات الروسية باستهدافها في ريف حمص واللاذقية وإدلب وحماه، بمعنى أنه لم يحصل أي تقدم على الأقل حتى هذه اللحظة لقوات النظام على الأرض تحت هذا الغطاء الجوي المكثف. فالثوار والسكان اعتادوا على مثل هذه الغارات خلال السنوات الماضية مع فارق في كثافة هذه الغارات وسرعتها ودقتها أحياناً واتساع حجمها التدميري واختلاف الفاعل وهو "الطيار الروسي" بدلاً من "الطيار السوري". في حين أن الحرب النفسية والإعلامية الكبيرة التي مهدت ورافقت هذه الغارات من قبل النظام وحلفائه داخل سوريا وفي المنطقة لم تؤثر على معنويات الثوار على الأرض، بل على العكس تماماً حيث رأى الكثير منهم أن التدخل الروسي المباشر ربما سيعجل من نهاية المعركة مع النظام وما الخسائر الكبير التي تعرضت لها قوات النظام خاصة في ريفي حماه وحلب وتدمير أكثر من 100 دبابة ومدرعة خلال الشهرين الماضيين إضافة للخسائر البشرية الكبيرة إلا خير دليل على ذلك. التداعيات والارتدادات الإقليمية للتدخل الروسي: لا شك أن التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا ستكون له نتائج وارتدادات خطيرة على موسكو، ومن شأنه تأجيج التطرف وتهديد المصالح الروسية في المنطقة والعالم وسيكون ذريعة لهجمات تستهدف هذه المصالح، وربما ما تعرضت له الطائرة الروسية فوق شبه جزيرة سيناء أولى هذه الارتدادات وبالتأكيد سيلحقها الكثير من العمليات التي ستستهدف الرعايا والمصالح الروسية في المنطقة وهي كثيرة ولا تتمتع بالحماية الكافية التي تتمتع بها المصالح الأمريكية. وهو ما عبر عنه البيان المشترك الصادر عن حكومات كل من فرنسا وألمانيا وقطر والسعودية وتركيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر 2015 بشأن العمليات العسكرية الروسية في سوريا، حيث اعتبر البيان أن هذه العمليات العسكرية تشكل تصعيداً إضافياً وستؤدي فقط إلى تأجيج المزيد من التطرف بحسب ما جاء في البيان المذكور. إلى جانب ذلك سيزيد التدخل الروسي المباشر من تزايد التوتر بين الدول التي تملك مصالح في منطقة الشرق الأوسط في ظل عدم التوصل لاتفاق مشترك وتقاطع مصالحها مع المصالح الروسية والإيرانية في المنطقة. فضلاً عن تزايد حالة الاحتقان الطائفي بسبب تصدر روسيا قيادة الحرب على ما تعتبره "الإرهاب السني" الذي بات يهدد أمنها القومي ( على حد تعبير العديد من المسؤولين الروس) ومباركة الكنيسة الأرثوذكسية لهذه الحرب ووصفها بـ "الحرب المقدسة"، حيث سيشكل ذلك بيئة خصبة لنمو نشاط التنظيمات المسلحة ويشكل ذريعة لزيادة حالات التطرف وجذب المتطرفين إلى المنطقة خاصةً من الدول الإسلامية (ذات الأغلبية السنية) التي تقع تحت السيطرة الروسية. على الصعيد ذاته سيزيد تدخل موسكو المباشر في سوريا من حالة الانقسام السياسي بين دول المنطقة بخصوص العديد من القضايا خاصة تلك التي تتعلق بوضع خارطة طريق للحل السياسي للأزمة السورية وتصنيف المجموعات المسلحة إلى مجموعات إرهابية تضاف إلى قائمة الإرهاب وأخرى معتدلة يمكن التنسيق معها لبلورة حل سياسي لبدء المرحلة الانتقالية ومشاركتها فيها وشكل هذه المرحلة ومدتها والجهة المخولة بقيادتها. التدخل الروسي والقانون الدولي: من الناحية القانونية تعتبر الغارات الروسية على الأراضي السورية خاصة على الأحياء التي يقطنها مدنيون عدواناً صارخاً للقانون الدولي ويخالف أبسط المبادئ التي يقرها ميثاق الأمم المتحدة التي تدعو الدول الأعضاء إلى الامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة، وضرورة حل النزاعات الدولية بالطرق السلمية، كما تخالف معاهدات جنيف الأربع لعام 1949 التي تنص على حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة، إلى جانب مخالفة موسكو لقواعد القانون الدولي الإنساني ولعدد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تحرم استخدام الأسلحة والقنابل العنقودية والأسلحة يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر. بالمقابل يعتبر تذرع روسيا بطلب رئيس النظام السوري المساعدة العسكرية منها باطلاً من الناحية القانونية لأنه فقد شرعيته باعتراف أغلب الدول الأعضاء في الأمم المتحدة حيث يعتبر سحب أو طرد سفراء النظام وقطع العلاقات الدبلوماسية معه من قبيل سحب الاعتراف بشرعية الحكومة في القانون الدولي، إضافة إلى أن هذا الطلب مخالف بالأساس للقواعد الدستورية التي وضعها النظام ذاتها لأن هذا الأمر يحتاج إلى إقرار من السلطة التشريعية وعلى وجه الخصوص الفقرة 6 من المادة 75 من دستور النظام لعام 2012 التي تنص على " ضرورة إقرار المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تتعلق بسلامة الدولة ( وهي معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التي تتعلق بحقوق السيادة ) من قبل مجلس الشعب قبل نفادها" وهو الأمر الذي لم يتم قبل بدء العدوان الروسي ولا حتى بعده. التدخل الروسي ومستقبل الحل السياسي في سوريا: رغم التصريحات التي صدرت عن الجانب الروسي حول قرب إطلاق عملية سياسية في سوريا، وتشكيل لجنة تمثل وزراء خارجية تسع دول (اجتمعت بتاريخ 12 تشرين الثاني/نوفمبر على هامش مؤتمر فيينا 2) للاتفاق على لائحة موحدة تضم المجموعات المسلحة التي سيتم تصنيفها كمجموعات إرهابية واختيار الأردن مكاناً لاجتماع المسؤولين العسكريين والأمنيين لهذه الدول للتوافق على هذه اللائحة. إضافة إلى توافق الأطراف الدولية على استضافة المملكة العربية السعودية لمؤتمر مخصص للمعارضة السورية سيعقد منتصف كانون الأول/ديسمبر 2015 لاختيار وفد موحد للتفاوض مع وفد النظام. رغم كل ذلك تبقى ثلاث عقبات رئيسة تقف عائقاً أمام بلورة أي حل سياسي في سوريا، وستساهم بشكل أو بآخر بفشل الجهود الدبلوماسية الدولية التي بذلت وستبذل لوضع خارطة طريق لإنهاء الأزمة في سوريا. أهم هذه العقبات وأكثرها صعوبة ربما هي تلك التي تتعلق بوضع لائحة تضم الجماعات التي سيتم تصنيفها كمجموعات إرهابية وبالتالي يتم قصف مواقعها من قبل التحالف الدولي والطيران الروسي على حد سواء. فروسيا وإيران تصران على إدراج جيش الفتح (وسط وشمال سوريا) وحركة أحرار الشام الإسلامية (شمال سوريا) وجيش الإسلام (ريف دمشق) على هذه اللائحة، بالإضافة إلى جبهة النصرة وتنظيم "الدولة الإسلامية" لإحراج التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لقصف مواقع هذه التنظيمات وعدم الاقتصار على قصف مواقع جبهة النصرة وتنظيم "الدولة الإسلامية". بالمقابل ترى المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا عدم إمكانية إدراج الفصائل المذكورة على هذه القائمة كونها تحمل إيديولوجية معتدلة تختلف عن إيديولوجية تنظيم القاعدة وتفرعاتها ( جبهة النصرة – تنظيم الدولة الإسلامية ) ويمكن لهذه الفصائل القبول بدولة مدنية ربما يكون الإسلام فيها المصدر الرئيس للتشريع على غرار ما كان الوضع عليه في سوريا قبل انطلاق الثورة السورية ( تنص المادة الثالثة من دستور الجمهورية العربية السورية لعام 1973 على أن دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع ). العقبة الثانية: قد تكون أقل صعوبة ولكن مهمة للغاية وهي تلك التي تتعلق بتشكيل وفد يمثل المعارضة السورية في المفاوضات التي ستتم مع وفد النظام برعاية الأمم المتحدة. والإشكالية هنا هي كيفية تحديد أسماء هؤلاء الأشخاص والتوافق عليهم من قبل جميع الأطراف. لذلك تم التوافق بين المشاركين في ( مؤتمر فيينا 2 ) على استضافة المملكة العربية السعودية لمؤتمر يخصص لاختيار وفد موحد يمثل المعارضة السورية لإجراء المفاوضات المفترضة مع وفد النظام بداية العام المقبل. العقبة الثالثة: التي سيكون لها تأثير بارز في فشل المفاوضات هي ما بات يعرف بــ " عقدة الأسد " فأي حل سياسي لا يتضمن رحيل الأسد عن السلطة ووضع جدول زمني واضح ومقبول لذلك، سيكون مصيره الفشل، فضلاً عن الخلاف حول شكل المرحلة الانتقالية وكيفية إدارتها والحكومة التي ستقودها وموقع الأسد فيها والصلاحيات التي تملكها. بالمحصلة، وإن بدت روسيا قوية ومصرة على المضي في عملياتها العسكرية في المنطقة وفرض رؤيتها وتحقيقها بعض الانتصارات التكتيكية هنا وهناك، إلا أنها باتت في مأزق وورطة حقيقية على ما يبدو لن تستطيع الخروج منها بسهولة، وهي أنها أصبحت رأس الحربة في الحرب على الإسلام السني بذريعة مكافحة الإرهاب ولن تحقق أية انتصارات ملموسة بدون إنزال قوات برية، لذلك يتعين عليها البحث عن استراتيجية جديدة للخروج منها بعقلانية تبدأ بوقف غاراتها الجوية في سورية والاعتذار للشعب السوري عما تسببته في قتل آلاف المدنيين منهم، والتعاون مع كافة الأطراف الدولية للتوصل إلى حل سياسي يجنب المنطقة المزيد من الدمار ويحافظ على علاقاتها ومصالحها مع كافة دول المنطقة وشعوبها والتخلي عن سياسة التعنت في مواصلة تمسكها ببشار الأسد الذي قتل وشرد الملايين من السوريين وحول المنطقة إلى بؤرة تجذب كافة التظيمات المتطرفة. الولايات المتحدة الأمريكية وقضايا الشرق الأوسط: موقف دولة أم ترتيب نظام دولي؟ عمار عبيدي كاتب وباحث من تونس مقدمة إن دراسة الموقف الأمريكي تتطلب الإجابة عن سؤال لماذا ندرس موقف واشنطن ؟ قبل الإجابة عن سؤال ما هو الموقف الذي تتخذه هذه القوة العالمية في حد ذاته ؟ لا بد في البداية من القول إن تحديد الموقف الأمريكي عند البعض من بني جلدتنا هو مناسبة "سعيدة" لأخذه كمقياس لتصرفات بلدانهم بل يريد المشرفون على بعض الدول معرفة توجهات واشنطن بغرض محاكاته وتجنب الحياد عنه اتقاء لردة فعلها. وعند بعض النخب يعتبر اكتشاف الموقف الأمريكي فرصة لمواجهته بحثا عن دور البطولة... وفي الحقيقة تتنوع ردّات فعل المسؤولين السياسيين والباحثين والإعلاميين لكن نادرا ما نجد في عالمنا العربي والإسلامي تفاعلا مُعَقْلنا لردة الفعل الأمريكية؛ وكثيرا ما يقرَأ هذا الموقف على منحيين؛ الأول تنزيله في إطار "تأليه" واشنطن والثاني وضعها في موضع المتآمر وبغض النظر عن صحة الاتجاهين فإن الباحثين دائما ما يتمسكون بفصل السياسات الأمريكية عن بقية قوى "مركز القرار الدولي" بل يذهب بعضهم إلى جعل روسيا كمقابل للسياسة الأمريكية . وهي في الحقيقة طرق مختصرة للخروج عن القراءة السليمة لما تتطلبه الإجابة عن سؤال ما هو الموقف الأمريكي من قضية بعينها. ولتجنب الدخول في قراءات شبيهة بما سبق لا بد من تنزيل الموقف الأمريكي في سياق منظومة كاملة تسمى النظام الدولي لها مركز وهامش،* فالولايات المتحدة هي جزء -صحيح هي جزء مهيمن- لكنها في الأخير تبقى جزء من "لعبة" لها قوانينها التي يجب أن تسير فيها وليس بإمكان واشنطن فرض شروط أكثر مما يتحمله هذا النظام . إذن هذه الحدود التي سنتناول من خلالها الموقف الأمريكي تجاه قضايا المنطقة العربية -الإسلامية قبيل الثورات وحتى وصول المأزق في المنطقة إلى مستويات تنذر بالحرب. النظام الدولي يرى أغلب الباحثين في مسألة العلاقات الدولية أن موقف الولايات المتحدة يمكن دراسته بمعزل عن بقية متطلبات المشهد الدولي وهو رأي يختزل عمق الإنكار للنظام الدولي القائم في العالم ويلخص الدكتور عبد العزيز بن عثمان بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث هذه الرؤية بقوله: إن "الولايات المتحدة الأميركية حسمت تعاملها مع منطقة الشرق الأوسط وفقا لرؤية استراتيجية اتضحت معالمها بعد أحداث 2001، ثم 2003، وإسقاط نظام صدام حسين، ثم تبلورت قبل أحداث ما يسمى الربيع العربي وما زالت هذه الاستراتيجية مستمرة حتى الآن، بل وسوف تتبعها في المستقبل وكلما اقتضت المصلحة الأميركية ذلك، هذه الاستراتيجية لا تضع في اعتبارها مصالح شعوب ودول منطقة الشرق الأوسط، وترتكز فقط على تحقيق المصالح الأميركية والإسرائيلية بغض النظر عن مصالح الآخرين بما في ذلك الدول صاحبة الشأن". ويواصل الكاتب أنّ "الاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط تنطلق من مرتكزين اثنين، الأول، يتمثل في اتخاذ القرار السليم بعد تجربة جميع الخيارات والبدائل، أو كما قال الزعيم البريطاني "ونستون تشرشل": إن "الأميركيين يفعلون الشيء الصحيح بعد تجريب كل البدائل الأخرى"، والمرتكز الثاني، يعتمد على دور المؤسسات الأمنية، والاستخباراتية، ومراكز الفكر وليس الدور العسكري المباشر".([1]) صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية هي رأس النظام الدولي وأساسه لكن معالجة الوضع الأممي تمر عبر مركز متكامل للقرار يتحكم الفاعل الأمريكي في جزء مهم منه، لكنه يحتاج إلى بقية مكونات هذا الفضاء "écosystème". لذلك يقول "ثعلب السياسة" الأمريكية ووزير خارجيتها السابق هنري كيسنجر "إن أميركا، بعد أن أتاحت للصين فرصة زيادة قوتها العسكرية، وسمحت لروسيا بالتعافي من اضطراباتها الداخلية، ووفرت لهما شعوراً زائفاً بالقوة، عملت على السيطرة على سبع دول شرق أوسطية -لم يسمها- غنية بالموارد، "لأنك إن سيطرت على النفط تتحكم بالدول، وإن سيطرت على الغذاء تتحكم بالشعوب"، وهي في طريق استكمال هذا الهدف."(2) يظهر من كلام كيسنجر أن خطوات روسيا خصوصا الأخيرة في سوريا هي ضمن دور محدد اختارته واشنطن وليس خارج النظام الدولي كما يظن بعض الذين يحنون للثنائية القطبية وما زالوا ينتشون بسكرتها ولم يوقضهم سقوط جدار برلين ولا غيره من مآسي روسيا المتتالية. ويبيّن الرسم البياني التالي مختلف الدوائر التي تشكل مركز النظام الدولي وطرق اشتغالها: بناء على ما تقدم فإن القرار الدولي يمر عبر شكلين: الأول : مباشرة من الولايات المتحدة نحو الهامش في صيغة أفعال مباشرة مثل التدخل العسكري أو غير مباشرة عبر اللوبيات الاقتصادية والإعلامية أوفي صيغة أفعال أو إملاءات تكون في بعض الأحيان في شكل اقتراحات وفي البعض الآخر تكون في صيغة أوامر مباشرة وتهديد. الثاني: يكون عبر فسح المجال وإعطاء الضوء الأخضر لشركاء الولايات المتحدة في القرار الدولي مثل الموافقة على التدخل الفرنسي في مالي... أو عبر قرارات دولية يتم تجهيزها في مقرات الأمم المتحدة لإعطائها صبغة قانونية حتى لا يظهر الوجه الوحشي للنظام الدولي. وهنا لا بد من ملاحظة منهجية مهمة إذ لا يمكن دراسة العلاقات الدولية بنفس المنهج فدراسة علاقة الولايات المتحدة بروسيا لا يمكن دراستها بنفس الطريقة التي ندرس بها علاقة الولايات المتحدة ببلدان العالم العربي والإسلامي. لأن علاقتنا كدول مكونة لهامش النظام الدولي مرتهنة بقرارات مركز النظام الدولي بينما تخضع علاقة روسيا أو فرنسا بالولايات المتحدة إلى ضوابط ثنائية خاصة بنظام محدد داخل مركز القرار الدولي . وهنا من الضروري الإشارة إلى أن نواة "المركز" لها مميزات عديدة غير أن تلك الصفات القيادية أبرزها حيث يقول عالم السياسة الأمريكي "هانز مورجنتاو" إنّ: "مفهوم الهيمنة والسيطرة على العالم، والذي يعكس في باطنه شعوراً دفيناً بالتميز والتفوق الحضاري والثقافي كان المحرك الرئيس للسياسة الخارجية الأمريكية، وهو المفتاح الرئيس لفهم هذه السياسة منذ نشأة الولايات المتحدة الأمريكية كدولة فيدرالية وحتى الآن".(4) إذا تتغيّر القيادة الأمريكية ليستمرّ العقل الأمريكيّ في تقديم نفسه قائدا ومركزا تدور بقيّة دول العالم في فلكه، "أوباما" – مثلا - أتى بالتغيير فعلا لكن هذا التغيير لا يشمل إلا الخطاب الأمريكي تجاه الشرق الأوسط وطريقة التحاور مع الدول لكنه لا يشمل السياسة المتبعة هناك، فقد جاء ليكمل ما بدأه سلفه "جورج بوش" وليتم ما بدأه أسلافه منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1789 ألا وهو جعل الولايات المتحدة قائدة العالم لكن بنفس جديد قصد "إعادة صوغ أمريكا" وإعادة هيبتها أمام العالم على يد "جيل جديد" من الأمريكيين بعد أن "تشوهت" جراء الأزمات المتلاحقة. العراق في معركة أمريكا ضد الجهاديين: لقد شكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 منعرجًا في تأريخ العالم المعاصر واُعتبرت -إلى اليوم- نقطة فاصلة ليس في مسار السياسة الخارجية الأمريكية بل حتى في بناء نظام دولي جديد حيث أن تحالفاته قائمة على جملة من القيم المشتركة أهمها "الحرب على الإرهاب"، ويظهر هذا التحول جليا لدى متابعتنا للاستراتيجيات الأمريكية تجاه البلدان العربية الإسلامية، إذ"عمدت أجهزة الإعلام الصهيونية في إسرائيل والولايات المتحدة إلى اِستغلال أحداث سبتمبر 2001 فوجهت أصابع الاِتهام إلى العرب والمسلمين مشعلة بذلك فتيل صراع الديانات الذي عبر عنه بوش بدون تحفظ عند إعلانه الحرب الصليبية في اليوم الثاني للحادث".(5) هذه الحرب العالمية ضد الجهاديين كانت ذريعة مباشرة لعديد من الحروب بداية من أفغانستان مرورا بالعراق ووصولا إلى مالي. لكن التطورات التي شهدها العراق تميزت بغرق القوات الأمريكية في مستنقع الطائفية وهو ما قلب موازين القوى في السياسة الأمريكية حيث عاد الحزب الديمقراطي الأمريكي إلى الساحة السياسية الأمريكية "بفضل" هذه الوضعية؛ إذ اِستعمل المرشحون الديمقراطيون عجز إدارة بوش عن الحد من "عدد الضحايا" في الأراضي العراقية للفوز في اِنتخابات الكونغرس يوم 7 نوفمبر 2006 بعد 12 عاما من سيطرة الحزب الجمهوري على السياسة. وبعد أكثر من خمس سنوات عن اِحتلال العراق تعالت الأصوات الجمهورية والديمقراطية المطالبة بتحديد جدول زمني للاِنسحاب من هناك واِستمر "باراك أوباما" في معارضة هذه الحرب مع ضرورة الاِنسحاب من الأراضي العراقية و"أن النصر النهائي على أعدائنا لن يأتي إلا عن طريق إعادة بناء تحالفاتنا وتصدير مثلنا ومبادئنا التي تجلب الأمل وتتيح الفرص لملايين الناس حول العالم، لكن كل ذلك لن يتحقق ما لم نضع نهاية للحرب في العراق"(6)، وهو ما لم يحدث إلاّ سنة 2011 أي بعد أشهر من اندلاع ثورات الربيع العربي وبعد 3 سنوات من فوز أوباما بكرسيّ الرئاسة الأمريكية. وخطاب القاهرة الشهير الذي ألقاه أوباما واعتبره المتابعون للشأن السياسي نقلة في الخطاب الرسمي الأمريكي لم يعرف ترجمة إلى أرض الواقع مما أعاد التفاؤل بتغير السياسات تجاه المنطقة إلى مستوياتها الدنيا. ولم تخرج أهداف السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، منذ احتلال العراق وصولا إلى اندلاع ثورات الربيع العربي، عن السيطرة على أهم مصادر الطاقة في العالم المتمثلة في النفط العربي، كأكبر مخزون للنفط العالمي، وإعادة رسم خارطة القوى السياسية في منطقة الشرق الأوسط، حيث اتخذت الولايات المتحدة "الحرب على الإرهاب" ذريعة لبسط نفوذها على كامل منطقة الشرق الأوسط أمام صمت عالميّ واجه شعارا أمريكيّا حاسما وهو "من هو ليس معنا في الحرب على الإرهاب فهو داعم له". وبقيت الحالة العراقية مثالا واضحا على لامبالاة النظام الدولي تجاه دول المنطقة فالمشكل الاساسي الذي أثاره الاحتلال الأمريكي وهو مشكل تغول الطائفة الشيعية ومن وراءها من حلفائها الإيرانيين بيّن عمق تغلغل النظرية الواقعية في التعامل السياسي الأمريكي حيث سلمت البلد إلى الأيادي الطائفية التي تعمل من أجل فكرة دينية -عادة ترفضها الولايات المتحدة- بحجة مقاومة فكرة دينية أخرى. وهذا الأمر الذي أدى إلى وضع كل العائلة السنية في العراق داخل أقفاص الإقصاء والسجون والتعذيب والقتل هو دليل على أن الولايات المتحدة لا تنظر للأمور من منظور أيديولوجي فقط بل تنظر من زاوية الربح والخسارة فقد تحالفت ضمنيا وعلنيا مع الإيرانيين ضد السنة العراقيين لأنها تعتبر أن بقاء نفوذها في المنطقة مرتبط بقوة الطائفة الشيعية ومدى قدرتها على وقف الصحوات الإسلامية المختلفة (السياسية والجهادية ...). وليست الولايات المتحدة الأمريكية وحدها من كانت تحرس الطائفة الشيعية والإيرانية الموالية لها في المنطقة بل كان ذلك في إطار سعي كل شركاء القرار الدولي من القوى الكبرى للمحافظة على حوار مع إيران عبر الوسيط الإيراني ولم يؤثر التخوف من المشروع النووي على نظرة النظام الدولي للحكومة الطائفية ومن وراءها بل حرص النظام الدولي على التستر في أحيان كثيرة على مجموعات مسلحة طائفية لو كانت تنتمي للجانب السني لكانت مشكلة دولية "خطيرة" بامتياز. هذا الوضع تدعم بعد ثورة أهالي المحافظات السنية، حيث كان مركز القرار الدولي يفكر في طريقة إيقاف المد الشعبي أكثر من تفكريه في مصير المواطنين الذي يتعرضون "لإبادة مذهبية" وعمليات تهجير واضحة. وتبينت هذه النظرة البراغماتية الأمريكية بعد الثورة السورية التي فضحت تعاطي دول المركز مع جريمة الدولة التي ارتكبتها السلطات السورية. الربيع العربي "يفاجئ" أمريكا كان هناك لدى النخب التي رفضت الربيع العربي حنين لاعتبار هذا الانفجار الشعبي الهائل مجرد مؤامرة على الأنظمة العربية غير أن هذا الحراك جاء في فترة كانت الولايات المتحدة تنتظر أن تحسم أمر حربها ضدّ "الإرهاب" لبسط الاستقرار في المنطقة عبر إعادة تأهيل الأنظمة لا تغييرها بالقوة للحفاظ على مصالح الولايات المتحدة الأمنية، والذي من شأنه أن يُرسى في نهاية المطاف "قيم الديمقراطية" في دول المنطقة وفق رؤية قوامها المحافظة على الحلفاء والدفع نحو التغيير. أدت ثورات الشعوب إلى "تخبّط ظرفيّ" عاشته السياسة الخارجية الأمريكية ذلك أنّه في تونس عندما اندلعت الثورة في 17 ديسمبر 2010 ظلّت الولايات المتحدة تترقب بـ"قلق" ما يحدث، ومع تطور الوضع وبداية ظهور بوادر سقوط النظام أظهرت الخارجية الأمريكية خطابا وفاقيا تعرض فيه نفسها في جلباب الوسيط بين الشعب والنظام. وصرحت وزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون" في يناير 2011 لفضائية الجزيرة أن الحكومة الأمريكية تراقب ما يحدث في تونس دون أن تقف إلى جانب النظام على حساب الشعب ولا العكس بالعكس، بدوره، صرّح الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" أن "مصالح أمريكا ليست معادية لآمال الشعوب"، وهو ما يُمثل تحولا "ضروريا" في المواقف الأمريكية تجاه حراك لم يدع للنظام الدولي فرصة لمعاداته. وبدأت الأمور تسوء "لشرطيّ المنطقة"، حيث اندلعت الثورة المصرية في 25 يناير 2011، وهو ما أثار مخاوف الإدارة الأمريكية من انتقال "عدوى" الثورات إلى دول الوطن العربي خاصة المحيطة منها بفلسطين، لكّنها توقعت سقوط حليفها الثاني حسني مبارك بعد سقوط زين العابدين بن علي، وهو ما قد يربك العلاقات المصرية_الأمريكية، والمصرية_الاسرائيلية ويغير خريطة التحالفات في الشرق الأوسط. وشجعت الثورتان التونسية والمصرية ونجاح الشعوب في اسقاط دكتاتوريات "عريقة"، قيام الثورة اليمنية ثمّ الثورة الليبية في فبراير 2011، أمّا واشنطن فلم تغير سياستها بالسير الحذر خلف الشعوب الشعب وهو في حقيقة الأمر إعادة تموقع كانت تنتهجه للحفاظ على دور القائد مصدر القرار في تقرير مصير دول منطقة الشرق الأوسط. ومثلت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية لقوات التحالف الدولية في حربها على نظام "معمر القذافي"، في عملية عسكرية عرفت بـ" فجر أوديسا"، "تحولاً جذرياً" في سياسة واشنطن، فهي تأتى بعد تسعة أشهر فقط من وصف الولايات المتحدة للنظام الليبي "بالحليف الاستراتيجي"؛ على خلفية تعاون ليبيا في مكافحة الإرهاب وقضايا منع الانتشار النووي، لتظهر المفارقة بين إعلان واشنطن تأييدها لخلق مجتمعات أكثر حرية في الشرق الأوسط وتأييدها للسلام "كفلسفة"، والحفاظ على مصالحها في المنطقة في ظل أنظمة موالية لها في المنطقة غير ديمقراطية، وفق ما أوردته الباحثة في العلوم السياسية "نسرين جاويش".8 هذه المواقف التي لم تكن مرتاحة أبدا للثورات تدعمت خلال السنتين الماضيتين بشكل جعل الرأي الأمريكي أكثر وضوحا من قبل؛ إذ أن العلاقات بين واشنطن والقاهرة "لم تتدهور" بعد الانقلاب وعزل الرئيس السابق محمد مرسي، ويبرز ذلك عدم قطع المساعدات العسكرية الأمريكية التي تقدر بـ1.3 مليار دولار سنويا لمصر. وقال الباحث "ميشال شيسدوفسكي" في المعهد الكندي "غلوبال ريسارش" "إن وكالات الأنباء حاولت التمويه عن دور الولايات المتحدة في دعم عزل مرسي، وفي نهاية المطاف إحالة أوراقه إلى فضيلة المفتي، مستدلة على ذلك بإعراب إدارة الرئيس باراك أوباما عن "قلقها" إزاء الحكم، وانتقاد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية قرار المحكمة بأنه "لا يتسق مع التزامات مصر بالقانون الدولي". "واعتبر الموقع أن الحديث عن توتر العلاقات بين واشنطن والقاهرة بعد عزل مرسي هو جزء من الخيال والوهم، حيث ضربت إدارة الرئيس أوباما بالقانون الأمريكي عرض الحائط واستمرت في تقديم المعونة التي تقدر بـ1.5 مليار دولار سنويا، فيما واصل الجيش المصري حملته العنيفة ضد المتظاهرين التي أسفرت عن مقتل نحو 60 شخصا يوم 8 يوليو 2013."9 بجمع الرؤى الأمريكية في العراق أو في سوريا يتبين ضعف الدعم الأمريكي للخيارات الديمقراطية وسعيها لتأمين بعض المصالح الضيقة مثل أمن إسرائيل وأمن حلفائها الخفيين دون التفكير في حلفائها المعلنين في دول الخليج وربما سمحت الولايات المتحدة لدول الخليج والتحالف العربي المعروف بعاصفة الحزم إلا أنها لم تكن منذ البداية مهتمة بما يكفي بالحوثيين كجماعة دينية مسلحة تحاول السطو على السلطة بالقوة لتحكم نظرتها الدينية في المجتمع اليمني وهو موقف أمريكي غير منسجم مع دعواتها المتكررة لمحاربة "الإرهاب" الذي تعرفه الدوائر الأمريكية بأنه الجماعات الدينية التي تحاول السيطرة على السلطة وفرض رؤيتها الدينية على المجتمع. هذا الاختلال العجيب في الموقف الأمريكي يكشف مدى فهم النظام الدولي للخصوصية الإسلامية السنية القوية ويضع كل المسلمات حول سياسة الولايات المتحدة محل مساءلة. سوريا... كانت الثورة السورية في مارس 2011، وقد وصف عدد من المحلّلين الموقف الأمريكي من هذه الثورة بـ"الملتبس" حيث أنّه رغم اعتبار أمريكا للنظام السوري كأحد محاور الشر في المنطقة لـ"ممانعتها" المزعومة لـ"دولة إسرائيل"، إلاّ أنّ الإدارة الأمريكية لم تبد "حماسا واضحا" للثورة بل صمتت وتأخرت، قياسا بموقفها من معمر القذافي مثلا. وضغطت إدارة أوباما على حلفاء الولايات المتحدة العرب والإقليميين، وفي مقدمتهم دول الخليج وتركيا، داعية إياهم إلى التريث في دعم الثورة، وهو ما أدى إلى إحالة هذا الملف إلى مجلس الأمن، لكن روسيا والصين أفشلتا صدور أي قرار يدين النظام السوري، ثمّ طلبت أمريكا وتبعتها أوروبا، من الشعب الحوار مع النظام ومحاولة التوصل معه إلى حل سياسي، قد يفضي إلى قبوله بمبدأ تداول السلطة سلمياً. واللافت أنّ رفض واشنطن فكرة التدخل العسكري، بأي شكل، كان مبكراً جداً، ففي مقابلة مع شبكة "سي بي إس" الأمريكية بتاريخ (28/3/2011)، أجابت كلينتون عن هذا السؤال، بـ "لا"، ولتعليل إجابتها هذه قالت: "إن كلاً من هذه الأوضاع له خصوصيته...لكن من المؤكد أننا نتأسف بشدة للعنف في سورية". وهو موقف ليس مبنيا على قناعة بأن بشار الأسد "مجرم حرب" كما يراه أغلب الشعب السوري بل هو موقف تقف وراءه غايات براغماتية بحتة فالمسؤولون الأمريكيون يرون "أن اختيار التعامل مع الرئيس السوري بشار الأسد على أنه حليف سيؤدي بالولايات المتحدة بالتأكيد إلى خسارة أي دعم سني. إذ إن التعاون مع زعيم مدعوم من إيران، مركز القوة الشيعية في المنطقة، والذي قتل آلاف السنّة المعارضين، سيعني أن واشنطن هي جزء من الهجوم ضد السنّة." 10 هذا أقصى ما تخشاه الولايات المتحدة أو على الأقل دينيس روس أحد أهم السياسيين في الولايات المتحدة خلال العشريتين السابقتين. رغم أنّ الموقف الأمريكي كان على الدوام متظاهرا بالداعم للمعارضة السورية إلاّ أنّه كان يخطو خطوات ثقال فالرئيس الأمريكي رفض بشدّة – حينها – أيّ تدخّل عسكريّ في سوريا بل لعل الموقف الأمريكي ذهب نحو "تطرف أكبر تجاه القضية السورية حينما "عارض الرئيس الأمريكي باراك أوباما فكرة إنشاء ملاذ آمن على الحدود مع تركيا بهدف تأمين المدنيين ووضع حد للهجرة نحو حلفائها في أوروبا. وتلاعبت الولايات المتحدة بالملف السوري عبر التدويل في محاولة لإلحاق الملف السوري بالملف الفلسطيني حيث يتم استدراج الثوار إلى معركة سياسية شبيهة بحلقة مفرغة لاستنزاف قدراتهم وإرهاقهم لكن هذا تكسر على صخرة لم تتوقعها الولايات المتحدة إذ بين الوقت أن المفاوضين السوريين في جينيف منعزلون تماما عن الجماعات المسيطرة في الواقع وهو ما أفشل خيار الإرهاق عبر المفاوضات واجترار الفشل الفلسطيني. التدحرج نحو التدخّل العسكريّ الغريب في الموقف الأمريكي أنه تجنب الدخول في الملف السوري عسكريا طيلة سنتين من التقتيل الذي طال المواطنين العزل من طرف فاعل طائفي ديني لا يمت للديمقراطية بصلة، كما تجنب من قبل تسوية الملف العراقي وعزف عن سحب البساط من حلفائه الطائفيين الذين يتبنون المشروع الإيراني وهو الآخر لا يمت للديمقراطية بصلة لكن الإرادة الأمريكية وإرادة النظام الدولي تدحرجت بسرعة نحو التدخل العسكري وتشكيل تحالف دولي فور ظهور فاعل "سني" واحد لا يروق لهم. وحاليا تقود واشنطن 60 دولة في التحالف الدوليّ ضدّ تنظيم الدولة في سوريا والغريب إن بقاء هذا النوع من الحياد من طرف واشنطن ليس احتراما للثورة بل سببه الخوف من وضوح صورة الولايات المتحدة كمنحاز للنظام السوري وهو ما قد يقوي مصلحة الفاعلين الجهاديين، كما ترفض الولايات المتحدة مسألة خوض حرب ضد النظام السوري بل لم يطرح الموضوع على الفاعلين السياسيين في العالم أصلا ولم يكن وهو ما يتناغم مع المصالح مختلف الفاعلين في النظام الدولي خصوصا روسيا. وقد يرى البعض أن روسيا خاضت حرب سوريا الآن بعدما أخذت عبرة من خسارة النظام الليبي وخسارة النظام العراقي السابق لذلك تحاول الآن التمسك ببشار الأسد لكي لا تعيد خطأ ليبيا والعراق؛ وفي الحقيقة هذا الرأي غير سليم لاعتبارات مهمة أولها: - لم تخسر روسيا العراق بل تدعم موقفها فيه بعد سيطرة حليفها الإيراني على مفاصل الدولة ففي بداية سنة 2005 فور تركيز الحكم الذي جاء به الاحتلال الأمريكي "دعا رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي رؤساء كبريات الشركات الروسية إلى زيارة العراق لإجراء محادثات عملية مع الجانب العراقي. وقال المالكي في كلمة ألقاها وقتها في موسكو إن الكثير من الشركات العالمية تتنافس حاليا للحصول على عقود في العراق. وأضاف أنه يود دعوة رؤساء الشركات الروسية المشاركين في اللقاء إلى زيارة العراق للتباحث مع زملائهم العراقيين حول المسائل المتعلقة بمشاركتهم في تنفيذ مشاريع على الأراضي العراقية." بل يشدد المهتمون بالعلاقات بين البلدين إلى أن التبادل التجاري بين البلدين نما بـ10 أضعاف خلال بعد احتلال العراق. - وبالنسبة لليبيا وما يشاع حول رفض الروس التدخل فيها فإنه من الضروري التأكيد على أن كل المجتمع الدولي خسر هذه المعركة وليست روسيا وحدها لاعتبارين الأول هو أن القذافي كان في أيامه الأخيرة قد دخل في تسويات مع الغرب من خلال حوار جدي مع الولايات المتحدة ومن خلال تسليم مشروعه النووي وتعويض ضحايا لوكربي أما الاعتبار الثاني فهو أن الوضع الحالي ليس في صالح أمريكا وحلفائها ولا في صالح روسيا على حد السواء وأن خسارة القذافي ليس لها معنى في ميزان القوى الحالية. وفي المحصّلة تدخل النظام الدولي عسكريا مرتين خلال الربيع العربي الأولى كانت خلال الثورة الليبية لإسقاط حكم العقيد القذافي والثانية في سوريا ليست ضد نظام بشار وإنما ضد التيار السلفي الجهادي. وفي الحقيقة ليس هناك تضارب بين التدخل الأول الذي جاء في سياق عالمي مهتم بالثورات وبالتحرك الشعبي الذي جعل من النظام الدولي مجبرا على القيام بدور ما لكن في سوريا كان مركز النظام الدولي يمتلك حجج "قوية" تمنعه من التدخل حيث ينظر العالم بعين الريبة للتيار الجهادي الذي يحتل مركز الصدارة من بين معارضي النظام السوري. أزمات تتكدس ويعتبر الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى "دينيس روس"، أنّه خلال ربع القرن الماضي، تعاملت كل إدارة أمريكية مع الأزمة واحدة على الأقل في الشرق الأوسط. أما اليوم (أي بعد الربيع العربي)، فقد اندلعت مجموعة غير مسبوقة من الأزمات في كافة أنحاء المنطقة، قد تشكّل كلّ واحدة منها بمفردها تحدياً كبيراً للولايات المتحدة، وفق رأي روس. فبعد أن كانت واشنطن تُطبق قبضتها على دول الخليج وثرواتها فضلا على أنظمة الحكم في شمال إفريقيا، وهي تخوض حربيها في العراق وأفغانستان "ضدّ الإرهاب"، أصبحت اليوم تواجه تغير أنظمة الحكم في ليبيا وتونس واليمن ومصر، وخصوصا التغييرات الجذريّة في سوريا وفي العراق (إثر انسحابها عسكريّا) وتمدّد تنظيم الدولة الإسلاميّة في كلّ منطقة الشرق الأوسط وعملياتها "المباغتة" في عدد من الدول الغربية. واعتبر"دينيس روس" أنّ الأمر الذي يقلق أكثر، هو تعرّض نظام الدولة في الشرق الأوسط إلى الانتهاك...فإذا فشلت هذه الدول، فسيتم ملء الفراغ الناتج عن ذلك من قبل مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة من غير الدول. ولا يعتبر تنظيم «الدولة الإسلامية» السبب الوحيد لهذا الانهيار. حاليّا، "تسعى الإستراتيجية الأمريكية إلى السيطرة على الأوضاع المتفجرة في كامل أنحاء منطقة الشرق الأوسط حفاظا على مصالحها النفطيّة وعلى أمن إسرائيل فضلا عن الحفاظ على دورها كقائد للعالم والعقل المدبّر لأزماته وحلولها، "فهي تسعى إلى منع تعميم حالة الفوضى في مصر واحتواء تداعيات الانقلاب على سلطة الإخوان المسلمين، ومتابعة احتواء إيران، واستكمال الملفّ الخاصّ بضبط برنامجها النووي، ومتابعة التنسيق مع تركيا، ومساعدة دول مجلس التعاون الخليجي على بناء قدراتها الدفاعية والأمنية." وفي الحقيقة كلام روس يختزل رؤية كاملة هي حصيلة ما خلص إليه منتدى سياسي أقامه معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى12 تحدث فيه كل من دينيس روس القيادي السابق لرئيسين الأمريكيين جورج بوش وبيل كلينتون، وستيفن هادلي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش وروبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى منذ 1993، أن الولايات المتحدة مارست في السنوات الأخيرة سياسة "انسحابية" إذ يلوم هؤلاء واشنطن على التخلي عن حلفائها خلال الثورات العربية والمقصود بحلفاء الولايات المتحدة هم المملكة العربية السعودية -طبعا مملكة ما قبل صعود سلمان - والإمارات العربية المتحدة باعتبارها احدى أهم دعامات سياسة معاداة الإسلاميين وإسرائيل لكن حسب ..-. .... الذي يصف طرح الانسحابية بالساذج فان " فرضية الانكفاء الأمريكي النسبي عن التدخل المباشر هي فرضية صحيحة انطلاقا من مقارنة سياسة اوباما في الشرق الأوسط مع سياسات سلفه جورج بوش ...".13 غير ان المعادلة التي يطرحها هؤلاء وهي معادلة إعادة الاعتبار لدور حلفاء الولايات المتحدة تضع المملكة العربية السعودية والإمارات في سياق خدمة مصالح إسرائيل دون الأخذ بعين الاعتبار الظروف الجديدة في الشرق الأوسط خصوصا التحالف الإماراتي مع روسيا وإيران من جهة والاتفاق النووي الإيراني الأمريكي من جهة أخرى . هذا الطرح هو بمثابة دعوة السعودية لضرب مصالحها في الصميم والعمل على تدمير كل آمالها في التموقع السليم كأكبر قوة عربية وإسلامية في المنطقة بل هذا الطرح هو دعوة عقيمة للاستسلام لطموحات الصهاينة من جهة والإيرانيين من جهة أخرى. الملف النووي كلمة سر لقد سبق وأن قلنا أن النظر لعلاقات الولايات المتحدة الأمريكية لا يجب أن يكون من زاوية ضيقة قوامها انفراد الولايات المتحدة بالفعل وكأنها تحكم العالم وحدها بل وجب النظر إلى ديناميكية حركة النظام العالمي ككل. ولعل من بين أكثر الملفات التي كشفت جزء مهما من هذا النظام هو الاتفاق النووي مع إيران حيث وضعت هذه الخطوة طريق ما يحصل اليوم من إطلاق ليد إيران وروسيا في المنطقة خصوصا في سوريا. هذا الملف أثبت بكل تفاصيله أن العالم لا تحكمه الولايات المتحدة بشكل مطلق مثلما يظن أغلب الباحثين ومثلما يروج الأمريكيون أنفسهم فلم يكن مسموحا للروس بدخول المنطقة إلا بعد إرغام حلفائهم الإيرانيين بالعودة إلى الحضيرة الدولية وتسليم الملف النووي على طبق من ذهب -صحيح أن إيران تتلاعب بهذه النقطة لكن الولايات المتحدة مجبرة على اقتناص الفرصة، هذا الاستسلام الإيراني قابله سخاء كبير من النظام الدولي الذي يحتاج الحماس الإيراني في إيقاف الثورات السنية في العراق وسوريا واليمن. لذلك كان الصمت الدولي مريبا تجاه كل المليشيات الطائفية الشيعية فلا يكاد يوجد مسؤول أمريكي يلوم إيران وعملائها على تصرفاتهم ضد أهل السنة ولا يتحدث أحد ضمن دائرة مركز القرار الدولي (وذلك يشمل دولا مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا...) عن هذا الموضوع. وهو ما أعلنه صراحة الرئيس التركي في حواره مع قناة الجزيرة في بداية ديسمبر 2015 حين قال " إن هناك تحالفاً ثلاثياً يتشكل في العراق من روسيا وإيران والسلطات العراقية، أنشئ لتأسيس سلطة طائفية لم تكن موجودة من قبل، متهما إيران والعراق بالتعاون مع الطائفية في سوريا." هذا الكلام طبعا لم يأت على ذكر النظام الدولي بتفاصيله لكنه أشار إلى إرادة ترسيخ حكم طائفي في المنطقة وهو ما يعني الحفاظ على حد أهم المرابط الدولية في المنطقة وهو النظام النصيري وفي هذا الإطار يؤكد الدكتور أكرم حجازي على أن محافظة النظام الدولي على بقاء النظام النصيري "لم يكن مصادفة بقدر ما سوريا الطائفية كانت صاحبة وظيفة محددة تضطلع بمهمة احتواء كل حركات التحرر والتمرد والاحتجاج التي من الطبيعي أن تظهر ردا على تفكيك العالم الإسلامي وهدم نظام الخلافة. وحتى اليوم لم تتبدل هذه الوظيفة أو تتغير حتى يمكن القول أن الطائفة استُهلكت أو استنفذت أسباب تَصدُّرها الحكم في سوريا. وحتى اللحظة ما زالت الطائفة تحظى بامتياز دولي يجعل من سوريا مربطا دوليا آمنا للنظام القائم منذ مائة سنة مضت. لذا فإنْ قلنا أنه ثمة حل سياسي فهذا يعني أنه ثمة بديل، ولأنه لا بديل عن الطائفة فإنه ما من حل إلا بها. ولأنها عاجزة عن الانفراد في حكم سوريا، بسبب إرثها الدموي وما يجري اليوم، فهي إذن لا تزال موضع امتياز، لكنها بحاجة إلى إعادة تأهيل أو إسناد طائفي من الطوائف والأقليات الأخرى. وعليه فقد سبق وقلنا أن الحل المقترح لدى « المركز» هو إقامة سلطة طوائف على شاكلة لبنان. وهذا ليس تحليلا بقدر ما هو منطوق « المركز» نفسه.14 هذه المرحلة التي أعقبت الاتفاق النووي ستكون لها نتائج سلبية جدا خصوصا بعد التحرر التام لإيران من الحصار المفروض عليها وستحاول استثمار الصراع في الشرق الأوسط لمزيد خدمة مصالحها المتنامية مع النظام الدولي. لكن الذي قد يزيد من قوة طهران وحلفائها هو عدم فهم دول المنطقة لضرورات المرحلة التي تتطلب عددا من الشروط أهمها: * فهم العلاقات الدولية على أساس أن الموقف الدولي ليس منقسما تجاه دول الهامش التي تضم دول العالم الإسلامي بل الاختلاف في الموقف الدولي هو محاولة للضغط وتحسين شروط التفاوض ففهم قوانين النظام الدولي بشكل صحيح يمكن من وضع خطط مناسبة لمواجهة مع بقية الأطراف. * وضع خطة للتعامل مع القوى الكبرى في النظام الدولي وفق فهم صحيح لهذا النظام ولا تجدر بالدول الإسلامية خصوصا الاصطفاف وراء حلف أمريكي أو روسي أو غيرهما بل السعي إلى البحث عن حلف أقرب وأكثر بحثا عن مصالح مشتركة. * المطلوب فهم الموقف الأمريكي بأكثر عمق من كونها دولة محاربة للإرهاب وتنشر الديمقراطي في المنطقة بل هناك ثغرات في هذه "الرواية" وجب التدبر فيها وإعادة قراءة النظرة النمطية للولايات المتحدة. * لا شك أن وضع المنطقة بعد الاتفاق النووي أصبح أكثر تعقيدا لذلك من الضروري الإعداد جيدا للمراحل القادمة خصوصا إذا تواصل التحرر الإيراني من القيود الدولية. إيران وتركيا.. تحديد أسس الصراع .. أ.طلعت رميح كاتب من مصر يمكن قراءة الوضع العربى باوضح صوره من خلال قراءة حالة الصراع بين تركيا وإيران في داخل الدول العربية، ويمكن قراءة التغيير الحاصل في التوازنات الكلية للوضع الإقليمي من خلال قراءة الحالة التركية الإيرانية أيضًا. ومن خلالها يمكن الإجابة عن التساؤل المستقبلى المتعلق بمدى امكانيات استمرار النظام الرسمى العربى، واحتمالية أن يحل محله نظام إقليمي يندمج فيه النظام العربى أو دولة. كما أن العلاقات التركية الإيرانية تطرح العنوان المستقبلى لاسرائيل، بقدر ما تقدم قراءة للتغييرات الجدية الحاصله في حالة التوازن –الصراع في الوضع الدولى، إذ المنطقة صارت نقطة إعادة ترتيب موازنات النظام الدولى، الذى يتشكل الآن انطلاقا من أحداثها وحروبها والتدخلات الجارية فيها. لقد تغيرت الأوضاع في الشرق الأوسط، أو دارت دورة التغيير في داخل المنطقة العربية وحولها لتنتج وضعية جديدة، وإن لم تنتقل بعد إلى مرحلة تشكيل نظام إقليمي جديد، فالمنطقة العربية كانت تعيش وضعًا مستقرًا في توازناته الداخلية وفي مواجهة محيطها الإقليمي، قبل اندلاع حرب الخليج الثانية، وهو ما مكنها من تكريس قدر من جهودها لمواجهة الكيان الصهيونى كصراع حربى وحيد في الإقليم، ومن الحفاظ على استقرار دولها وحماية سياجاتها الحدودية، فانقلب حالها لتصبح المنطقة الأكثر اضطرابا وحروبا دموية من بين كافة مناطق العالم، وهي في طريقها لصراع أشد تعقيدًا وشدة وضراوة –مما تعيشه الآن- بحكم اتساع مساحة التضارب والتناقض العنيف بين الأبعاد القومية والعرقية والطائفية، والدينية والوطنية، وبين ما هو ديموقراطي أو ليبرالي، وما هو ديكتاتوري ولكل توجه قوى داخلية وإقليمية ودولية تدفع اتجاهه وتعتبره عنوان مصلحتها وتسعى لحسمه بوسائل العنف، تلك الحالة من تفجر الصراعات الدموية قد تدفع المنطقه في طريق بلورة وتعميق ما حدث من تغيير، ليصبح حالة توازن إقليمية جديدة -قد تفضى إلى نمط جديد مستقر من علاقات القوى أو يتشكل على أساسها نظام إقليمي جديد -أو في طريق انتاج حالة عميقة من الفوضى والحروب المتتالية التى قد تتوسع إلى مدى أبعد وتأخذ طابعًا إقليميًا ودوليًا أكثر وضوحًا في سماته وأشد تعقيدًا في طبيعة علاقات المشاركين وأهدافهم، بحكم تضارب المشروعات الدولية والاقليمية المطروحة لإعادة صياغة الحالة الجغرافية والسياسية لدول الإقليم جميعها، وبالنظر للاستخدام المتوسع للعمليات العسكرية . وإذا كانت نقطة الارتكاز في استكمال متغيرات الوضع الإقليمي تتعلق بإنهاء ما تبقى من النظام الرسمى العربى وإعادة تشكيل الخرائط ومعالم القوى، بعد تحول كثير من الدول العربية والإسلامية إلى وضعية الدول الفاشلة التى تعمها الصراعات الداخلية والاقتتال، فإن الدورين التركي والإيراني، هما محورا التأثير المباشر في التغيير الجاري والمستقبلي إقليميًا، وبينهما الكيان الصهيوني الغائب الحاضر في كل ما يجري، والذى يتعزز دوره في المرحلة الراهنة –على الأقل- بحكم انزياح عوامل القوة العربية المواجهة له نحو الصراعات الداخلية والإقليمية والدولية الجارية بعيدا عن مواجهة هذا الكيان، إذ تحولت حالة الصراع منذ انطلاق الرصاصة الاولى في حرب الخليج الاولى، من التركيز على القضية الفلسطينية –في قلب العالم العربى-إلى معارك الاطراف أو في الطوق الخارجي في العراق وسوريا والصومال والسودان ..الخ. وتأتي أهمية دراسة الدورين التركي والإيراني في الإقليم من التأثير المتعاظم لدورهما داخل الدول العربية، بعد خلوها من قدرة نظامها الرسمى- إلا من إطار شكلي -ومن ارتباط كلا الدولتين بتحالفين دوليين متناقضين في مصالحها إلى درجة الصراع الحاد والمتصاعد- بأفق استراتيجى قتالي- على الأرض العربية، وبعملية واسعة وعميقة لإعادة تشكيل معالم قوة الاطراف الدولية انطلاقا من النتائج الكلية للصراعات الجارية، فاذ ترتبط تركيا بحلف الأطلسي كعضو تاريخى فيه، فإيران اليوم في وضع التحالف "المعلن" مع روسيا والحكمين الطائفيين في سوريا والعراق –وهو أمر سيزداد وضوحا في المستقبل القريب-كما هي أقرب إلى الانضمام الكامل إلى منظمة ميثاق شنغاهاى. وهى ارتباطات وتحالفات وصراعات حربية تجرى في ظل تنامي تبلور مشروع امبراطوري إيرانى-فارسي ومشروع تركي اسلامي (عثماني) يعيدان صياغة المستقبل على خلفيات تأريخية لقد تبلور المشروع الفارسي تحت راية طائفية ووفق نموذج دعم دور الأقليات عموما والشيعة خصوصا في داخل الدول العربية والاسلامية وعلى حساب الأغلبية السكانية الكاسحة، وهو ما جرى ويجري بآليات متعددة على رأسها الأعمال الحربية، وباعتماد مختلف الأدوات الاستراتيجية التى اعتمدها الصهاينة لإقامة مشروعهم الاستعماري في فلسطين والمنطقة العربية –بما في ذلك التطهير العرقى والطائفي واقتلاع البشر والتغيير الديموغرافي -ويقابله تبنى تركيا مشروعا مناقضا يعمل لأجل إعادة تشكيل أوضاع دول المنطقة والوضع الإقليمي، وفق بعدين ديموقراطي وسني وباعتماد أساليب القوة الناعمة لبناء نظم سياسية تعددية ديموقراطية تحقق الحرية للأغلبية السكانية في الدول العربية، وهو ما سيؤدي بالدولتين إلى توسيع صراعهما وتحويله إلى نمط صراع إقليمي ممتد ومتمدد، وربما إلى صدام مباشر بينهما. وقد سبقت إيران تركيا في بلورة مشروعها الأمبراطوري وفي إنفاذ خططها في داخل الدول العربية، خاصة في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين، غير أن تركيا قد بلورت مشروعا واضحا الآن، ودخلت مرحلة حشد التحالفات مع وفي داخل الدول العربية، وتطوير النفوذ والدور على الأرض-على حساب وفي مواجهة ما حققته إيران- سواء لمنع ومواجهة العملية الجارية لحصارها (من إيران وروسيا ) أو للدفاع عن مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية والاستراتيجية أو باعتبارها الخط الأمامي لأوروبا ولحلف الأطلنطي في مواجهة عودة روسيا للتمدد بالقوة العسكرية، فضلا عن ما تتابعه من خطوات اقتراب متعاظمه من حالة وفكرة الدولة الإسلامية (السنية) داخليا، وهو ما سيؤدي بالدولتين إلى مزيد من الانغماس في الصراعات الجارية في مواجهة بعضهما البعض على الأرض العربية وفي دول الجوار الإقليمي لكل منهما أيضًا. وقد زاد من خطورة التطورات والسيناريوهات المحتملة للحالة الصراعية التركية الإيرانية، دخول روسيا على خط التدخل العسكري في سوريا، بما شكل دعما لإيران ومشروعها واشتباكا ذا طابع استراتيجي مع تركيا فالتدخل الروسي شكل دفعة من قوة دولية للصراع بين تركيا وإيران بالدرجة الإولى . وفي ظل هذا المشهد السياسي والعسكري المعقد والمتصاعد، في دينامياته بدى أن تركيا وإيران في طريقهما للتخلى عن "النموذج" الذى استقرت عليه حالة الصراع بين الدولتين خلال الأزمة الثورة السورية، إذ مارسا الصراع ضد بعضهما البعض عبر الآخرين، فيما حافظ كل منهما على مصالحه الاقتصادية مع الآخر. لقد انحازت كل من تركيا وإيران إلى أحد طرفي الحرب والقتال في سوريا، دون أن تتأثر علاقاتها الاقتصادية والسياسية، بل جرى تطوير تلك العلاقات بين البلدين دون تأثر بحالة الصراع الحربي الجارية بين الطرفين على الأرض السورية. وجاءت أزمة مجموعات التدريب العسكري التركية في العراق (معسكر بعشيقة) وحالة الاضطراب الجارية في إقليم كردستان العراق -على خلفية تحيزات لإيران وتركيا- بين القوى الكردية المتصارعة، وتحالف إيران عسكريا مع النظامين الطائفيين في سوريا والعراق –وكلاهما مشروع إيراني ينتج حصارا لتركيا داخل حدودها -والصراع الروسي التركي المتنامي بعد إسقاط القوات الجوية التركية لمقاتلة روسية، ووقوع تحيزات متصاعدة بين الدول العربية وفي داخل المجتمعات العربية لكلٍ من المشروعين الإيرانى والتركي على خلفية الارتباط المباشر مع الدولتين، وقبل كل ذلك، التغييرات الحاصلة في أوضاع إيران ما بعد الاتفاق النووى وإطلاق عاصفة الحزم في اليمن، لتشكل في مجموعة منظومة عوامل شكلت حالة دفع لتبلور أسس الصراع بين القطبين الإقليميين، ولتحولهما إلى وضعية أو مرحلة جديدة من الصراع التاريخي بين الدولة العثمانية (1299 ) والدولة الصفوية (1501 )الذى انتهى بانهيار الأخيرة (1736 )،ثم تجدد لاحقا بنشأة المملكة القاجارية (الجعفرية -1794) التى سقطت بدورها (1925 ) بعد انقلاب عائلة بهلوى عليها. الآن يتجدد الصراع حاملا ظروف وأجواء إقليمية ودولية جديدة، بما يطرح احتمالات الوصول بالإقليم إلى وضعية جديدة كليا. البيئة الإقليمية وانفتاح آفاق الصراعات كانت نقطة البداية لاطلاق التغييرات الحادة في الشرق الأوسط، هي ما جرى من تغييرات في إيران، حين نجحت ثورة الخميني في إطاحة شاه إيران. لقد حددت ثورة الخميني ملامح المشروع الامبراطوري الفارسى ووفرت له الغطاء الأيديولوجى والدعائى "الشيعي"، وهي نجحت في تشكيل جهاز دولة من نمط جديد قادر على التخطيط وإدارة التنفيذ لهذا المشروع .وكان طبيعيا أن تشتبك إيران "الجديدة في مشروعها "مع العراق (حرب الخليج الأولى) في وقت باكر لتشكلها، وأن تتحرك لتأسيس كيانات سياسية في كل من لبنان وسوريا والعراق ولبنان ودول الخليج تباعا لأحداث التغيير في مواقف الكتل السكانية الشيعية، لتكون السند والوقود في تمددها وتوسعها أو استعمارها للدول العربية المستهدفة. وإذ نجح العراق في صد الهجمة الأولى، بحكم قوة الدولة والمجتمع العراقي وبسبب تماسك النظام الرسمى العربى، في تلك المرحلة، فكانت الخطوة الثانية التي أطلقت التغييرات الأشد وضوحًا وحدة، هى الحرب والعدوان الأمريكي لغزو العراق واحتلاله من قبل الولايات المتحدة، التى أخرجت العراق من موازنة القوة العربية تجاه الإقليم، وحولته من وضعية الدولة القوية المستقره القادرة على صد وإفشال الهجمات "الفارسية"، إلى ساحة مفتوحه للصراعات الاقليمية، وهو أدى لاختلالات حاده بالتوازنات الإقليمية. لقد شكل إخراج العراق من ساحة توازن القوة في الإقليم عملية جراحية خطرة أدت إلى تضاعف عوامل قوة دول المحيط العربى (تركيا وإيران والكيان الصهيونى ) وبشكل خاص إيران –التى كانت شريكا رئيسًا في عملية الغزو والاحتلال- والمستفيد المباشر منه – بما فتح الطريق أمامها للعب دور أساس في تحديد اتجاهات حركة الأحداث في الإقليم أو المنطقه العربية أو في داخل الدول العربية انطلاقا من سيطرتها على العراق، ولذا حققت تطويرا لوجودها في كل من سوريا ولبنان واليمن ودول الخليج . وكان أن اندلعت وقائع وأحداث الربيع العربى، فكانت الحركة الاستراتيجية الثالثة للتغيير الحاد والحاسم والعنيف في الإقليم العربى، إذ تحولت الدول العربية بإجماليتها إلى ساحة للصراع، وفي ذلك لم يكن جاهزا لطرح مشروعات محددة بشأن إعادة رسم خرائط الدول السياسية والعقائدية والاجتماعية، إلا الدول الثلاث التى كانت الأكثر جهوزية في الإقليم لاستثمار وإعادة توجيه الصراعات الناشبة جراء تعثر عمليات التغيير. دخلت المنظومة العربية إلى وضعية الانهيار، وتحولت المجتمعات العربية إلى مشارك فاعل في الصراعات التفتيتية والتدميرية لنفسها،بعدما تحولت بعض الدول العربية إلى موقع الدول الفاشلة، فصارت الدول والمجتمعات العربية ساحة ومساحة صراع إقليمي-دولي لا يتوقف. حالة الصراع واتجاهاتها كان الصراع الجاري في سوريا ومن قبله الصراع الجاري في العراق، نقطتي ظهور ملامح الصراع بين تركيا وإيران، غير أن كلا الدولتين كان مدركا لضرورة الصراع مع الكيان الصهيونى أيضًا، وإن اختلفت الأهداف والاستراتيجيات. كانت إيران واعية بحكم مشروعها المتبلور بشكل أبكر من تركيا بضرورة هذا الصراع فمارسته على خلفيات أهداف بعضها يتعلق بحشد مواقف الرأي العام العربي والإسلامي لتقليل حالات المقاومة لمشروعها الاستعماري وبعضها يتعلق بممارسة الضغوط على المواقف الغربية –عبر قاعدتها المتقدمة في المنطقة- للوصول إلى تسوية تحقق لها المضى في مشروعها الفارسى. وجاء تحرك تركيا (أردوغان) تاليًا، في اتجاه الصراع مع الكيان الصهيوني، وإن بطرق مختلفة، إذ تحركت تركيا خطوات للمشاركة في محاولات فك الحصار المفروض على قطاع غزه –انتجت صراعا بعد قيام القوات الصهيونية بقتل مواطنين أتراك كانوا على متن السفينة التركية مرمرة-كما طورت علاقاتها على نحو ما مع منظمات المقاومة الفلسطينية وإن بحذر، وهو ما تواكب مع خطوات اقترابية أخرى مع فصائل المقاومة السنية في العالم العربى أيضًا. وجاء تحرك تركيا متناسبا مع طبيعة الحكم وارتباطاته الاستراتيجية مع الغرب، وربما استهدفت تركيا استخدام الصراع مع الكيان الصهيونى كوسيلة لإضعاف النفوذ الصهيوني الذى تحقق في داخل تركيا نفسها قبل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم، وللتملص من تبعات اتفاقات استراتيجية اختطتها الحكومات التركية السابقة مع الكيان الصهيونى –وكان الأمر قد وصل قبل حكم حزب العدالة والتنمية حد توقيع اتفاقات عسكرية استراتيجية-كما جاء موقف تركيا (اردوغان) على خلفية الوصول إلى وضعية أكثر اقترابا من الحركات الرافضة للمشروع الصهيونى والمقاومة له، بقدر ما جاء تحركا مرتبطا بخلفيات فكرية وعقائدية تتعلق بالحزب الحاكم في تركيا .غير أن كلا الدولتين-تركيا وإيران- قد أبرزت إدراكا في كل تلك الصراعات بأن المحتوى الجوهري لمضمون الصراع يتعلق بإنماء النفوذ داخل الدول العربية بالدرجة الأولى. كما كان الصراع بين الدولتين باكرا أيضًا، وإن لم يكن حادًا في أول الأمر. لقد طرحت كل من إيران وتركيا مشروعا متناقضا مع الآخر،غير أنهما مارسا صراعهما وفق حالة اقترابية، وقد كان المشهد معبرا في لبنان ( 2010)، حين قام الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد بزيارة إلى لبنان استقبله فيها حلف 8 آذار بقيادة ميلشيا نصر الله تحت شعار "خوش امديد"، فتبعه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بزيارة إلى لبنان في نفس العام، استقبلته فيها مجموعة 14 آذار تحت شعار "أهلا بالطيب" .وهناك بدى المشهد فارقا بين المستقبلين والزيارات حتى البروتوكلية منها فضلا عن اختلاف المضمون السياسي للتصريحات.كان المشهد اعلانا ببداية الصراع بين تركيا وإيران على خلفيات مشروعين متناقضين على الأض العربية. وانعطف المشهد إلى حالة صراعية أوضح، حين اندلعت الثورة السورية، إذ انحازت إيران عسكريا لبشار، وصارت القوة العسكرية الفاعلة في دعمه خلال العمليات العسكرية ضد الثوار وادخلت ميلشياتها في لبنان والعراق، وحرسها الثورى، وأعلنت النفير العام بين الشيعة حتى في باكستان وأفغانستان، فيما انحازت تركيا إلى صف الثوار السوريين وأعلنت وقوفا قاطعا ضد بقاء بشار الاسد، وفي ذلك لعبت تركيا الدور الأكبر في دعم الثورة السورية، مستندة إلى موقف السعودية وقطر المساند للثوار السوريين،حتى وصلت حد التحالف الاستراتيجي مع دولة قطر وإلى تطوير العلاقات مع العربية السعودية إلى مدى بعيد، تتضح ملامحه يوما بعد يوم. لم يجر الصراع في سوريا أو عليها، وفق مصالح آنية مباشره أو وقتية بين تركيا وإيران، بل جاء مرتبطا بمشروعين اتضحت ملامحهما بحده في مرحلة انطلاق ظاهرة الربيع الديموقراطي العربي، التى أظهرت تمايزا ثم صراعا بين الدولتين في عموم الإقليم. وقفت تركيا في صف المشروع الديموقراطي وحركة الشعوب، وأبرزت انحيازا نابعا من طبيعة نظامها السياسى ومشروعها الذى يمزج بين الديموقراطية –تحت ظلال العلمانية المفروضه على الدولة التركية تاريخيا-وصارت قوة الدعم الرئيسة لحركة الشعوب وبشكل خاص للاتجاهات الاسلامية الأقرب إلى التماهي مع الرؤية والمشروع التركي. فيما وقفت إيران -بعد تردد مؤقت- مع النظم الاستبدادية على أساس طائفي ومع الحركات الطائفية المسلحة. لقد حاولت إيران استثمار حالة الربيع وفق منطق براجماتى مصلحي وصراعى يتغير من البحرين التى شهدت حراكا مدعوما من إيران تحت عناوين ديموقراطية إلى العراق وسوريا إذ وقفت، بالحديد والنار ضد الحرك الشعبى الديموقراطي . رأت إيران في الربيع الديموقراطي فرصة لنقل تجربة التفكيك التى مارستها في العراق، ووقفت ضد خيارات الشعوب وفي صف الثورات المضادة وهو ما أضاف لها رصيد استراتيجى جديد في علاقاتها مع الدول الغربية التى وقفت في الجانب المضاد للثورات، بما فتح آفاقا جديدة أمام علنية العلاقات الإيرانية الصهيونية، بعدما صار الطرفان في وضعية المواجهة مع الثورات وفي وضع العداء للديموقراطية المنتجة لخيارات الشعوب، حتى صارا متشاركين في دعم وادارة الثورات المضادة وفي إعادة رسم وتوجيه الأحداث نحو تفكيك الدول والمجتمعات. وقد وصل الأمر حد الدخول في تحالف استراتيجي علنى بين إيران والكيان الصهيوني عبر روسيا، التى ابتكرت نمطا من الحلف "الدوار" الذى تشكل حولها، خلال القتال في سوريا، إذ كانت الضامن بحدود المصالح والدور في سوريا، لكل من إيران وميلشياتها من جهه، والكيان الصهيونى من جهه أخرى،. لقد تبلور المشروعان التركي والإيراني على الأرض وخلال الصراعات، ولذا، جرى التساؤل حول الموقف التركي حين أطلقت المملكة العربية السعودية عاصفة الحزم، أو حول الدور التركي من تلك الخطوة الاستراتيجية السعودية في مواجهة النفوذ والدور الإيرانى في اليمن وعن ما إذا كانت تركيا ستأخذ بخطوة استراتيجية مشابهة في سوريا، استنادا إلى تحالف مع السعودية وقطر، غير أن انحسار رد الفعل الإيراني -على قصف دول التحالف للمتمردين الحوثيين وصالح - عند حدود الدعم الخلفي للحوثيين –ديبلوماسيا وسياسيا وعسكريا - جعل تركيا في موقع الاحتياطي الاستراتيجي (ضمن عوامل أخرى) فظل النموذج المعتمد بين تركيا وإيران في سوريا .صامدا لم تتخل تركيا وإيران عن حالة الحرب الموضعية، من خلال مساندة طرفي القتال دول الوصول حد الصدام المباشر بين الدولتين. وهكذا تواصل الصراع عند هذا المستوى، حتى جرى تفجير الأزمة سياسية حادة حول وجود قوات تدريب تركية في معسكر بعشيقه قرب الموصل، لتكون مكان وموقع تطوير إيران –المستندة إلى التحالف مع روسيا –لصراعها مع تركيا، إذ وصل الحال بمليشيات إيران في العراق حد التهديد بقتال العسكريين الاتراك ! والان تتحرك الأحداث على نطاق أوسع بين الدولتين، بعد إعلان المملكة العربية السعودية قيام التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب. لقد حمل التحالف الجديد دلالة كبرى حين جرى رفض طلب إيران الإنضمام إليه، فيما انضمت تركيا وباكستان (أكبر دول جوار إيران)ضمن نحو 34 دولة إسلامية قررت المشاركة. وبذلك صارت إيران في وضع المعزول بين الدول الإسلامية التى تقيم ولأول مره عبر تأريخها المعاصر كيانا عسكريا، كما صارت إيران في مواجهة وضع تحالفي مضاد لتحالفها المعلن مع روسيا –والحكمين الطائفيين في العراق وسوريا –كما صارت في مواجهة احتمال توسيع مفهوم ومضمون الإرهاب ليشمل ميلشياتها المتحركة في الإقليم، بما يحدث إنقلابا جوهريًا لمصلحة "السنة" ويعيد ترتيب دوران عجلة الصراع ضد الإرهاب لمصلحة الرؤية والمشروع التركي لا الإيراني. العراق ساحة المواجهة الأكثر صدامية تتغير الأوضاع في سوريا وتتجه حركة الصراع نحو تغيير التحالفات وإعادة ترتيب علاقات القوى واتجاهات حركة القتال، وفق ملامح حالة التفاوض-الصراع الجارية مؤخرا، وتشير الدلائل على أن إيران ستكون الدولة الأكثر خسارة عند الحصاد النهائي لنتائج الصراع الدموي الذي عاشته سوريا، وامتداداته التى ستجري عقب انتهاء المفاوضات والتسويات الجارية. فسوريا القادمة لن تكون سوريا الطائفية، والوضع الذى حققه حزب نصر الله وميلشياته خلال حكم الأسد، لم يعد كما كان بل هو هو إلى تراجع أكبر في لبنان..الخ . لقد راهنت إيران على بقاء النظام الطائفي الخاضع لهيمنتها في سوريا وكانت الداعم الأكبر لبقائه ما قبل أحداث الربيع السوري، وهى تشددت في ضرورات الاحتفاظ برأس النظام خلال المراحل الأولى للثورة، ووصلت حد المغامرة بالتدخل العسكري المباشر لدعمه من خلال خبراء كبار من حرسها الثوري وميلشياتها على الأرض السورية، وعلى راسها ميليشيا حسن نصر الله اللبنانية، الذى اعتبر الزج بها في سوريا، أحد أهم المؤشرات على استعداد إيران للتضحيه بأهم نقاط ارتكازها الميلشياوي والطائفي في المنطقة العربية للحفاظ على بشار ونظامه، إذ تحمل الحزب وميلشياته خسائرا عسكرية كبيرة، والأهم أنه فقد أسس دعايته والملامح الجماهيرية التى حققها له ولإيران من خلال جولات الصراع العسكرى مع الكيان الصهيونى. ومع تطور حركة المعارك وحدوث انكسارات لقوات النظام وميلشياتها، تحولت إيران إلى سيناريو تراجعي، إذ سعت للاحتفاظ بجزء من سوريا وفق خطة سوريا المفيدة –التى تتشكل من دمشق وطريقها الاستراتيجي عبر حماه إلى الساحل السوري -لكن الخطوات الاستراتيجية الإيرانية عادت للارتباك والخساره مجددا بعد نجاح تركيا والسعودية وقطر في توحيد مجموعات واسعة من الفصائل المسلحة بما أحدث تطويرا للنشاط العسكرى قطع الطريق على إنفاذ خطة سوريا المفيدة، بما أدى إلى التدخل العسكري الروسي، الذى جاء منقذا لبشار ولإيران وميلشياته من خسارة المعركة، وهو أدى بالمقابل لإنهاء حالة الهيمنة الإيرانية على القرار السوري لمصلحة الدور الروسي، كما لم يعد ورادًا إنفاذ خطتها في تشكيل سوريا المفيدة –كمعبر استراتيجي لمساندة ميلشيا نصر الله-بعد أن دخلت الأزمة السورية مرحلة المفاوضات وإقرار منع تقسيم سوريا. وهو ما سيصب لمصلحة تركيا التي وقفت في صف الثوار والثورة السورية، وإن هي لن تحقق كل ما أرادت. لقد فشلت الرهانات الإيرانية في سوريا، بما صار دافعا لإيران لتعويض خسارتها في سوريا عبر تعميق سيطرتها على العراق، خاصة وإن حسم معركة سوريا، على حساب إيران لا ياتى كخسارة فريدة من نوعها، بل هو يأتى فيما قوات عاصفة الحزم تتحرك لحصار مركزى السيطرة لحلفاء إيران في صنعاء وتعز –بعد حسم المعركة استراتيجيا منذ وقت طويل-وهو ما يعنى خروج إيران من اليمن، كما يأتي في ظل تصاعد الحصار في دول الخليج على تمدد النفوذ الإيراني، كما وصل الأمر حد إعلان التحالف العسكري الاسلامي لمحاربة الإرهاب مستبعدًا مشاركة إيران ..الخ . تلك العوامل تجعل من المعركة حول العراق معركة حسم استراتيجي بالنسبة لإيران، ولكن الأمر كذلك لتركيا والدول العربية المتحالفة معها، إذ يمكن القول بأن مرحلة إهمال القضية العراقية قد ولت . وفي ذلك سيكون ما حققته إيران، أحد عوامل شدة الصراع وسبب ضراوته. لقد هيمنت على قرار السلطة السياسية بعد أن عززت نفوذها ودورها على حساب الاحتلال الأمريكي، كما تملك إيران حاليا أدوات عديدة في السيطره والسطوة المجتمعية في العراق، فضلا عن ما يفرضه ويتيحه الجوار الإيراني للعراق، الذى هو بلد ملىء بالثروات، كما هو نقطة الصدام الاستراتيجية تاريخيا بين العرب والفرس وبين الدولة العثمانية والدولة الصفوية تأريخيًا ..الخ . لكن أهمية العراق للعرب وتركيا ذات طبيعة استراتيجية على الجانب الآخر، خاصة بعد التجربة الحالية لإيران في العراق .وفي المواجهة، تبدو القوى العراقية المواجهه للاستعمار الإيرانى للعراق ذات دور قوى وفعال، إذ في العراق قوة مقاومة تقاتل احتلال الولايات المتحدة وإيران منذ نحو 12 عاما دون انقطاع، وهى قوة مجربة حققت انتصارًا تأريخيًا ضد قوات الاحتلال الأمريكي وأجبرتها على الانسحاب، كما هي تحمل زادًا عقائديًا في الصراع مع إيران، فضلا عن ما تحظى به من تأييد ودعم شعبى بسبب الممارسات الطائفية الإجرامية للاحتلال الإيرانى وميلشياته في الجنوب كما في وسط وشمال العراق، كما أن أوضاع تركيا مختلفة في العراق مختلفة عن أوضاع تركيا في سوريا، إذ هناك سوابق عسكرية ورصيد من التدخلات العسكرية في شمال العراق بحكم قيامها لمرات عديدة باستخدام قوتها العسكرية في محاربة حزب العمال الكردستانى على الأرض في شمال العراق وبالنظر لتشكيل تركيا منظومة علاقات تأريخيًا مع طرفي الصراع الكردي في مواجهة الطرف الآخر المرتكن تأريخيًا لعلاقاته مع إيران، كما تسود في الأوساط التركية رؤية تتحدث عن وجود مناطق عراقية في الشمال سبق وإن انتزعت من تحت سيادتها التركية خلال عملية تقسيم سايكس بيكو، كما تحظى تركيا بنمط متصاعد من الاقتراب من قوى مجتمعية عراقية. وهكذا فنحن أمام صراع أشد وضوحًا في ملامحه، وهو يأتي في ظل ظروف وأجواء الاضطراب الهائل الذى يعيشه العراق، بحكم فشل الدولة التى شكلها الاحتلال وتشكيل الحشد الطائفي بديلا للجيش، ولحدوث تمايزات بين الموقفين الأمريكي والإيرانى داخل أروقة السلطة الراهنة، ومن قبل ومن بعد لافتقاد الحكم أية ملامح مشروعيه أو ملامح قوة داخل أوساط الرأي العام العراقي، الذى تتصاعد في داخله حركة مضادة للاحتلال والاستعمار الإيراني الفارسي باعتباره استعمار استيطاني..الخ . ولذا جاء التصعيد الإيرانى ضد تركيا عبر الحكم الراهن في العراق وتصعيده إلى الجامعه العربية ومجلس الأمن وحلف الأطلسي اعلانا بمدى الخطر الذى تشعر به إيران من الوجود التركي في شمال العراق، الذى هو امر مختلف عن الحالة التركية في سوريا التى لم ترق إلى مستوى وجود قوات تركية على الأرض السورية . وهكذا بات الوضع العراقي كاشفا لتبلور الصراع بين الطرفين الإيراني والتركي، ومؤشرا على صراع قادم على الأرض العراقية، تشارك فيه قوى متعددة بحكم التحالف الإيرانى الروسي وبسبب الوجود العسكرى الأمريكي، وبحكم التحالف المتنامى بين تركيا والسعودية وقطر، فضلا عن المعركة الجارية على أرض العراق في مناطق وسط العراق والتوترات الناشبة بين قوات الحشد الطائفي والبشمركة الكردية ..الخ . سيناريهات الصراع الإيرانى التركي في ظل التدخل العسكري الدولي في الإقليم تتوسع مناطق الصراع أو الاشتباك غير المباشر بين تركيا وإيران، دون حل لأى منها. وإذا كانت المنطقة العربية هى ساحة الصراع الساخن-المتوسع يوما بعد يوم-بين الطرفين، فثمة منطقة صراع أخرى بات الصراع متناميا فيها على خلفية دخول روسيا على خط التأثير والتغيير بالقوة العسكرية في الإقليم. فهناك في مناطق آسيا الوسطى وفي مناطق تأثيرات التحالف الإيراني الروسي، تتحرك ملامح تمدد الصراع. فما هي السيناريوهات المحتملة ؟ السيناريو الأول :استمرار حالة الصدام الموضعى على طريقة الحرب الباردة : وهو الاحتمال المرجح على غيره. إذ تتوفر كثير من الدلائل على عدم استعداد الدولتين للدخول في صدام مباشر، كما تتوافر شروط مقيدة للطرفين تقلل احتمالات الاندفاع نحو سيناريوهات الصدام المباشر. والأغلب أن تظل الدولتان في حالة حرب المشروعين دون حرب الدولتين . وإذ تتغير طبيعة العوامل الدافعه للاستمرار في هذا السيناريو بين مرحلة وأخرى، فثمة ثوابت تقيد الطرفين من الاندفاع لصدام كبير مدمر، يتعلق بعضها بطبيعة قوة الدولتين ومقدراتهما الشاملة (اقتصاديا وعسكريا) وظروف الانقسامات السياسية الداخلية وطبيعة الاختلافات العرقية والقومية، ويتعلق بعضها الآخر بتعدد ساحات صراع الدولتين مع أطراف أخرى في الإقليم، إذ إيران في وضع اشتباك في عدة دول عربية، وتركيا مهددة بصراع مع روسيا، فضلا عن تخوفات باحتمالات جرها إلى صراعات مع دول أخرى في جوارها المرتبط بروسيا، ومن يتابع الحروب في الجوار الشمالى لكل من تركيا وإيران سيجد أن النزاعات والحروب شكلت المشهد العام في تلك المنطقة، سواء الحرب بين أرمينيا وأذريبيجان أو بين روسيا وجورجيا، كما أن آخر التدخلات الروسية قد جرت في أوكرانيا التى تتشاطا مع تركيا في البحر الأسود ونتج عنها سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم التى تعلو الجغرافيا التركية في البحر الأسود. ويمكن القول إن ثمة عوامل أخرى تمنع ولوج طريق الصدام المباشر تتعلق بإمكانية الوصول إلى حالة تقسيم النفوذ والمصالح في الدول محل النزاعات، كما أن الدولين لم تستنفذا بعد طرق وأساليب ممارسات الصراع غير العنفية بينهما، وهو ما يتيح الحصول على مكاسب لكلا الطرفين دون صدام مباشر .كما أن لكلا الدولتين ارتباط بتحالفات مع قوى دولية تستطيع لجم الصراعات ومنع تطورها -وهو ما ظهر مؤخرا في سوريا إذ كان لارتباط تركيا بالأطلسي دوره في منع تصاعد الصراع مع روسيا-وكما أظهرت تجربة المفاوضات في سوريا، فالدول المتصدره لإدارة المشهد هى روسيا والولايات المتحدة، إذ جرت المفاوضات بينهما لا بين إيران وتركيا ولا بين الأطراف العربية وتركيا وإيران.وكذلك يمكن القول إن الدولتين في موضع الإدراك لخسارة كل منهما في حالات الصدام المباشر لمصلحة الأطراف الدولية ولمصلحة دول أخرى في الإقليم .فضلا عن وجود مصالح جدية مشتركة بين الطرفين على صعد الاقتصاد خاصة . وهنا يمكن تصور استمرار الصراع لمرحلة طويلة، بحكم الخلفيات التأريخية للصراع بين الدولتين بأبعاده العقائدية، وللأهمية الحاسمة للمناطق والمصالح التى يجرى الصراع حولها (خاصة العراق وسوريا).غير أن ما تتعرض له إيران من نزيف في عوامل قوتها وعلى صعيد ما حققته من مشروعها داخل الجسد العربي، بما يحدث اختلالا في التوازنات لمصلحة تركيا، قد يصعد عوامل الصراع ويدفع إيران إلى مغامرات جنونية في العالم العربى، بما قد يدفع تركيا للذهاب في طريق الرد العسكري ولو على على الأرض العربية، وفي ذلك لا يستبعد يلجأ أحد الطرفين الدوليين المتصارعين في الإقليم، إلى دفع إيران وتركيا إلى محرقه تبدد معالم مشروعيهما وقوتهما . الحرب الاقليمية "بضبط" دولى واذا كان أقصى ما توقعه السيناريو الأول، ان تجرى صدامات بين الدولتين على أرض عربية هنا أو هناك، فإن احتمالات الصدام الإقليمي الواسع ليست مستبعده كليًا وتحتل مرتبة السيناريو الثاني، إذ تتوفر بعض الدوافع لولوجه، لعل أخطرها تاثيرا، وقوع أحداث كبرى في الإقليم . ولعل أهم الدوافع لاحتمالات وقوع هذا التطور، تتعلق بتوسع المشروع الإيرانى ولطبيعته العقائدية، إذ قد تنحو إيران نحو عمليات غزو واحتلال لدولة خليجية –الكويت أو البحرين مثلا-بما قد يفجر صراعا إقليميا في المنطقة وصدامًا مباشرًا بين الدولتين .كما أن وقوع حالة فراغ قوة في الإقليم بسبب التغييرات الحادة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه دول الخليج، وتصاعد الدور العربى والإسلامى للمملكه العربية السعودية إلى حد تشكيل تحالف إسلامي عسكري، قد يكون أحد دوافع إيران للشعور المتزايد بالخطر على نفسها لا على مصالحها ونفوذها ووجودها الاستعمارى في المنطقه العربية، وبشكل خاص إذا وصل الأمر حد التحرك العميق في العراق أو بشأن قضية الاحواز . وعند التفكير في احتمالات وقوع صدام تركي إيراني، فالسؤال الأول يتعلق بالقرار الدولي، وهو قرار يرتبط بموازنات بالغة التغقيد، غير أن ثمة مؤشرات على احتمالات توفر إرادة دولية للدفع بالبلدان لهذا السيناريو، وفق حالة الحرب المسيطر عليها أو المنضبطة بضوابط عدم التوسع لتصبح حربًا عالمية. ويمكن القول إن روسيا ستلعب أعلى الأدوار في هذا الدفع بإيران للصدام مع تركيا كبديل لصدام روسي تركي مباشر، خاصة وقد بدأت حراكا إعلاميًا وسياسيًا للتأثير على مواقف الأطلسي من تركيا. إطلاق الحرب العالمية أو الوصول إلى حافتها ثمة احتمال لسيناريو ثالث، تقل احتمالاته في ظل طبيعة توازنات القوى الدولية، التى تشير على نحو حاسم بأن لا غالب في مثل تلك الحرب المحرقة . كما أن المرحلة الأخيرة قد أثبتت إمكانية وقوع أحداث وحروب دون التحول إلى صدامات كبرى، فجرت الحروب في يوغسلافيا السابقة والحرب في اليمن والحرب بين أذربيجان وأرمينيا وفي جورجيا وأوكرانيا،ولم تتحول إلى نزاع عسكري ياخذ الصبغة الدولية. غير أن المتابع لبعض الكتابات والتهديدات ولعمليات الحروب الجزئية هنا وهناك، يلحظ ورودا لمثل هذا الاحتمال وإن كانت احتمالات وقوعه ضعيفة. فهناك ما كرره الخبير الاستراتيجى الأمريكي المخضرم هنرى كيسنجر من احتملات إطلاق مثل تلك الحرب انطلاقا من الشرق الأوسط . وهناك التهديدات الروسية بقصف تركيا بالسلاح النووي، وهو ما ستراه الدول الغربية أو حلف الأطلسي تهديدا حقيقيا لدولها ومجتمعاتها بغض النظر عن فكرة أو حالة عضوية تركيا لحلف الأطلسي . سيناريوهات الدور الخليجي الإقليمي على أعتاب النظام الدولي الجديد وسام الكبيسي كاتب وباحث من العراق مقدمة لابد منها: كان قيام ثورة الخميني في إيران في أواخر السبعينات من القرن الماضي، إيذان بمتغيرات عديدة، وبداية دوامة من الصراعات البينية المستمرة، والتدخلات في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، واللعب بأوراق جديدة وعوامل غير معهودة في التنازعات السابقة بين دول المنطقة. لا يستطيع الباحث مهما حاول الإبتعاد عن نظرية المؤامرة تجاوز ثلاثة أمور رئيسة: - أولها ما توعد به وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، دول النفط العربية عشية توقف الحرب بين العرب والكيان المحتل لفلسطين عام 1973، حيث وضعت أمريكا خططها فور انتهاء تلك الحرب لحماية أمن اسرائيل، واحتلال منابع النفط، ومؤخرا فقد أعلن كسينجر في مقال له، نشره موقع الـ(سي إن إن)([2]) عن اضطرار أمريكا لتقليل طموحاتها وفقا لتلك الخطة، عندما قال؛ "قد قبلت الولايات المتحدة فعلياً بالدور العسكري الروسي. على الرغم من ألم ذلك على مهندسي نظام عام 1973"، مشيراً إلى الدور الروسي الجديد في سوريا. - وثانيها أن مرشد الثورة الإيرانية الخميني حط في طهران بطائرة أقلعت من الغرب ليقتلع عرش نظام الشاه الذي كان يوصف بأنه شرطي الغرب على الخليج، ومن يرجع لمذكرات سوليڤان (آخر سفير أمريكي في طهران قبل سقوط الشاه)، سيرى حجم الخذلان الذي شعر به شاه إيران السابق، وهو يرى حلفاءه في الغرب يتخلون عنه ويسلمونه لعمائم الملالي. - وثالثها أن الخميني جاء متسلحاً بفكرة تصدير الثورة للمحيط الإيراني، ومبدأ استمرار الزخم الثوري ونصرة المضطهدين والمستضعفين، وهي عين الفكرة التي نودي بها عشية الثورة الفرنسية الكبرى تجاه العواصم المحيطة بباريس، وهي للمفارقة، نفس العاصمة التي احتضنت مرشد الثورة الإيرانية الخميني لعدة سنوات قبل انتقاله المفاجيء من المنفي إلى كرسي الحكم!. لا يمكن للباحث بعد كل ذلك، وبعد النظر في (كرونولوجيا) الواقع الإيراني المعاصر، أن يرجح أن ما هيأت وأعدت له إيران من عوامل وعناصر صراع بُعيد الثورة، كتشكيل القوى الفاعلة من غير الدول، وصنع الخلايا النائمة في محيطها الإقليمي، وتشكيل وتمويل اللوبيات السياسية والإقتصادية والإعلامية إقليميا ودوليا، إن كان كل ذلك يمثل قراءة مسبقة وتنبؤاً بطبيعة المرحلة؟، أم أنه قام بدفعٍ من دوائر دولية أكثر قدرةً على رسم وتحديد المرحلة الحالية؟، خصوصاً إذا ما لاحظنا أن قرار تشكيل الحرس الثوري ككيان مواز للقوات النظامية الإيرانية، لم يأخذ أكثر من ثلاثة أشهر بعد قيام الثورة، وأن ما يسمى بـ(أحزاب الله) المتكونة من رعايا شيعة في دول المنطقة لم تحتج لأكثر من ثلاث سنوات للإعلان عن أنشطتها، في ظل صمتٍ وغض طَرْفٍ دولي غريب ومريب!، بل أُضيف للصمت هدايا مجانية دولية - مقصودةً كانت أم قدَرية - تمثلت بأسقاط أشرس جارين خصمين لطهران، في كابول وبغداد، خلال أقل من سنتين أحدهماً يمثل ضداً نوعياً عقدياً (طالبان)، والآخر يمثل ضداً نوعياً قومياً (نظام صدام حسين)، حيث قامت حكومة الولي الفقيه على أسس ركوب موجتين والجمع بين بعدين، قومي فارسي، وعقدي اثنا عشري، واختطفت القومية والمذهب وتوابعهما وجمعت السلطة والوصاية عليهما في يد شخص واحد، بذريعة أنه النائب عن الإمام الغائب وفقا لمعتقدات الشيعة الاثناعشرية.!. لكن ما يستطيع الباحث أن يجزم به، هو أن عناصر وعوامل الصراع الجديدة هذه والسكوت الدولي أزاء أعمالها المخالفة للقوانين الدولية، وتدخلاتها السافرة بالشأن الداخلي لدول مستقلة معترف بها دولياً، قد غيرت من طبيعة هذا الصراع، ومن قواعد ووسائل الحوار والتفاوض والإشتباك بين القوى الإقليمية المتنازعة، ولم يعد مجدياً التعاطي مع المشهد عبر عوامل الدولة التقليدية لوحدها، كما لم يعد بإمكان أي دولة من دول المنطقة الدفاع عن سيادتها ومصالحها من داخل حدودها، في ظل التهديدات المستمرة والمتعددة، والفوضى العابرة للحدود والأحلام الإمبراطورية الفارسية التوسعية. ولذا سيتناول هذا البحث طبيعة العلاقات الإقليمية وتأثير المتغيرات الدولية المتوقعة عليها، ثم يعرج على ملامح أولية للمشروع القادر على منافسة المشاريع الأخرى في المنطقة، بما في ذلك أهم أسباب التوتر والتنازع الداخلية وسبل حلها وتقوية الصف الداخلي، وصولاً أخيراً إلى الطرق المثلى - بنظر الباحث - في مواجهة الأحلام التوسعية الإيرانية وكبح جماحها. قراءة أولية في الواقع الإقليمي والدولي نحن الآن نعيش في فاصلة تأريخية بين نظام دولي بدأت إجراءات دفنه، ونظام بدأنا نسمعُ أصوات مخاض ولادته، ولذا فلا بد هنا من مقدمة عن طبيعة ومواصفات مرحلة الانتقال التي تعيشها الدول والمجتمعات الآن وهي تنتقل من نظام إلى آخر سواء كان الانتقال من نظام دولي إلى نظام آخر، ومن نظام إقليمي إلى آخر ومن نظام محلي إلى آخر، وأول مواصفات هذه الفاصلة التاريخية التي يعيشها العالم منذ نهاية الحرب الباردة، أن نهايتها غير محددة ولها ثمن باهظ، وتسود فيها الفوضى والعنف والأمل والخوف والغموض، وقد تؤدي إلى استقرار في مكان وفوضى في آخر، وتقدم في زمان وانحسار في آخر، لكنها عموما مرحلة فاصلة تكسر الخوف وينكسر فيها التوازن التقليدي بين القوى المحلية والاقليمية والدولية([3]). وفي نظرة سريعة إلى الأحداث المتسارعة من حولنا نلاحظ أولاً التداخل الكبير في أدوار اللاعبين محلياً وإقليمياً ودولياً، كما يحصل عادة على مشارف وخلال الحروب العالمية الكبرى... فبعد أن كنا نلحظ بوضوح تمايزاً في الأدوار يبدأ بلاعبين محليين يتصارعون بالوكالة - على الأغلب - مصطفين خلف قوىً إقليمية، وجدنا هذه القوى الإقليمية مضطرة للدخول بوجهها الحقيقي إلى حلبة الصراع ولا تكتفي بأذرعها المحلية، ثم تطورت طبيعة الصراع وتعقدت حتى اضطرت بعض القوى الدولية الكبرى إلى النزول إلى هذه الحلبة مدفوعة بفيض متناقض من الكوابيس والأحلام، وخيبة الأمل بالوكلاء الإقليميين والمحليين، والغريب أن الجميع يرقص على حبل واحد متذرعاً بمحاربة الإرهاب، حتى بات يكاد هذا الحبل أن ينقطع بهم فيسقط أغلبهم أو جميعهم في هاوية سحيقة، تكمن في قاعها حروب لا تبقي ولا تذر. الغريب أن هؤلاء اللاعبين يتنافسون في إعلان حربهم للفصيل الذي ينطبق عليه مسمى الإرهاب - وفق معاييرهم المطاطة - متجاهلين حاجتهم جميعاً لبقاء هذا اللاعب كمبرر لتدخلهم، أو لحماية نظم ظالمة تعمل بالوكالة عنهم على حساب شعوبها المقهورة، أو لإظهار أهمية استمرار هذه النظم كبديل عن الفوضى والإرهاب، وهم يتجاهلون أن تجفيف المستنفعات أفضل وأرخص كلفةً بكثير من مكافحة البعوض، وفقاً لرؤية الرئيس الفيلسوف علي عزت بيغوفيتش رحمه الله، وأن كف أيدي تدخلهم عن المنطقة وترك شعوبها لتقرر مصيرها، وتحاسب أو تكافيء حكامها بنفسها، وحل قضية الشعب الفلسطيني وإنهاء كل قضايا الإحتلال المدعومة بالفيتو الدولي، هي أولى الخطوات لتجفيف هذه المنابع والقضاء على الإرهاب بلا رجعة. والباحث إذ يتابع المشهد اليوم لا يفوته أن يلاحظ الفرق بين طريقة تفكير اللاعبَين الدوليين، الروسي والأمريكي باعتبارهما اللاعبين الظاهرين بقوة في مسرح الأحداث، فعندما تظهر موجة عاتية أمام الدب الروسي فإنه يلبس درعه ويواجهها بصدره بكل قوة وبسالة، وربما أنساه عناده التفكير بالمآلات وحساب الإحتمالات، وعلى النقيض من ذلك نرى الثعلب الأمريكي يحني رأسه للموجة ويدعها تعبر، ثم لا يلبث أن يلحقها وهو يراقبها حتى إذا هدأت وقاربت على التكسر عند الشاطيء ركب الموجة ووصل إلى الشاطيء وهو محتفظ بكامل قوته، وهذا يقودنا إلى التفكير بطريقة تفاوض كل طرف منهما، حيث تقدم روسيا المواجهة على التفاوض، بينما تفضل الولايات المتحدة استخدام المواجهة كأداة من أدوات التفاوض، تسخينا وتهدئة. هذا الاختلاف في السلوك يفسر لنا حجم الحروب والخسائر والهزائم التي خاضها وذاقها الروس، في حين اكتفي الأمريكان بخوض الحروب الصغيرة غير متكافئة الأطراف، وغالباً ما يذهب حتى لهذه الحروب عبر تحالفات من عشرات الدول، أو الدخول إلى ميادين الحروب الكبرى بينما تكاد تنتهي، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها، رفع يديه ملوحاً بعلامة الإنتصار وحاز على مفاتيح التمكين بأقل كلفة وأعظم مكاسب، وظهر بصورة المخلِّص عبر نافذة مشاريع الإعمار لما دمرته حروب كان هو من ساهم في إشعالها والتخطيط لها ورسم سيناريوهاتها، وليسترد من خلال هذه المشاريع وبعيون آلته الإعلامية الجبارة بعضاً من البريق الذي يغطي التدهور الأخلاقي، وأخيراً فهو يرجع بأكبر غنيمة من أموال مشاريع إعادة الإعمار نفسها عبر جيوب شركاته العولمية الكبرى. أمرٌ آخر لا يفوت الباحث أن يبحث عنه، وهو السؤال عن التدخل الروسي المباشر في المنطقة اليوم، فهل يأتي هذا التدخل في سياق التنافس مع أمريكا على صناعة النظام الدولي الجديد، عبر إحياء الأحلام والأحلاف الإمبراطورية القديمة في استدعاء لتجربة تأريخية بثوب جديد في مقابل النموذج الأمريكي للنظام الدولي الجديد القائم على العولمة الإقتصادية والأمركة الثقافية، والشراكة التصالحية، مستغلةً - أي روسيا - بعض التعطيل الذي أصاب المشروع الأمريكي في أفغانستان والعراق، وما تبعه من خسائر مادية وبشرية وأخلاقية نالت من هيبة القوة الأمريكية؟ أم أنه يأتي في إثر اتفاقات خفية تقوم على نظرية زبغنيو بريجنسكي التي أطلقها أواخر القرن الماضي في كتابه عن أوراسيا أو رقعة الشطرنج الكبرى؟، عندما أكد على أن أمريكا القرن الحادي والعشرين تستبدل المواجهات بالشراكات الممكنة بما يحقق المصلحة الأمريكية كشريك أكبر، ويُنتج للشريك الآخر مصلحة أكبر من التي سيجنيها بالمواجهة مع القوة الأمريكية. أم أن أمريكا جرت رجل روسيا للدخول في مستنقع صراعات الشرق الأوسط لاستنزاف قواها وتبديد إمكاناتها وإشغالها عن السعي لتشكيل أحلاف دولية في مواجهة المشروع الأمريكي، وذلك يساعد أمريكا على التفرغ لسعيها في محاولة تعطيل الصعود الصيني وبروزه كقوة مستقبلية قادرة على التنافس مع أمريكا على قيادة النظام الدولي الجديد. نحن إذاً نقف إزاء خيارين أمام فاصلة تأريخية كبرى، وقوى دولية تتنازع على الشرق الأوسط عموماً ومنطقة الخليج على وجه الخصوص، فبالإضافة إلى أمريكا وروسيا لدينا دول الإتحاد الأوروبي والصين واليابان، وكلها معنية بالصراع في الشرق الأوسط ومآلاته وآثاره الاستراتيجية والسياسية والإقتصادية والتسويقية، فهل ثمة فرص سانحة كامنة في حالة عدم الاستقرار الدولية والإقليمية يمكن أن تستثمرها دول الخليج العربي للخروج من المأزق الذي تمر فيه إقليمياً ودولياً؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال لا بد من وضع حقيقتين مهمتين: أولاً: شاعت بعد سقوط بغداد عاصمة الخلافة قبل قرون مقولةً انهزاميةً مفادها (إذا قيل لك أن التتار سيهزَمون فلا تصدق)… ولكن مع أول انتصار صغير وقع قرب غزة بدأ المسار يتحول، ثم ما لبث أن بدأ الناس يثورون على الأمراء الذين نصبهم التتار، ثم بدأ الإنكسار الحقيقي للتتار بعد معركة عين جالوت، التي وقعت في بلاد الشام، وإذاً، فكما تم طرد الصليبيين من القدس على يد صلاح الدين، وكما تم هزيمة التتار على يد قطز، فإنه لا وجود لأسطورة الجيش الذي لا يقهر... ثانياً: لا يمكن الركون الدائم إلى القوى العظمى في تحقيق مصالح دول المنطقة، بل عليها السعي لتحقيق مصالحها بنفسها، فإن كانت واشنطن قد أكدت سابقاً على لسان تشاك هاغل وزير دفاعها السابق على أنها ستبقي على وجودها العسكري في الخليج وما حوله، حتى مع توقيع اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني([4])، وهو الأمر الذي كرره جون كيري وزير الخارجية الأمريكي عبر اتصال هاتفي مع وزراء خارجية دول الخليج عشية إعلان الإتفاق النووي، وفقاً لتصريح نقلته قناة الجزيرة عن الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عبداللطيف الزياني([5])، فإن قراءة في السلوك الأمريكي عند الصراعات والحروب الكبرى قد يجعلها تنسحب من المنطقة لفترة قد تطول أو تقصر وقد يكون ذلك قريباً جداً، فعند الفواصل التأريخية الكبرى تقفز المصالح بقوة على حساب المباديء والوعود، وذلك سيوقع الكثير من دول المنطقة في حرج شديد ما لم تتهيأ لتحالف ينبني عليه مشروعها الذاتي. وعودة للحديث عن الفاصلة التأريخية فعلى المستوى الدولي سيدخل العالم إذاً في فجوةٍ تمتد بين أفول نجم الولايات المتحدة كقطبٍ أوحد وقائد للنظام الدولي الجديد، وبين بروز إحدى القوى الصاعدة المتنافسة، كما توقع بول كينيدي في أواسط ثمانينات القرن الماضي في كتابه (صعود وهبوط القوى العظمى)، وزبغنيو بريجنسكي قبل أربع سنوات في كتابه ( رؤية استراتيجية… أمريكا وأزمة السلطة العالمية)، وما سيرافق ذلك من فوضى عالمية ومناطقية، تحتاج من دول الخليج سرعة ودقة القراءة والاستعداد التام، عبر تمتين الجبهة الداخلية وإعادة رسم الأحلاف الخارجية بما يتناسب مع سياساتها ومصالحها. وأما على المستوى الإقليمي فإن التنافس الإيراني - التركي، والحرب الباردة الدائرة بينهما منذ عقود تعطي الفرصة للسياسة الخليجية للعب دور الظل وتحديد اتجاه ودرجة ميلها بين الطرفين بما يقلل الضغوط على دولهم ويحفظ لها أمنها وعمقها الاستراتيجي الخليجي - القومي، وهي علاقة يحددها نسبياً، لحدٍّ كبير، موقع أمريكا من خارطة القيادة العالمية، وطبيعة علاقتها بالمملكة تحديدا في المرحلة القادمة. نحن إذن أمام سيناريوهين أحدهما في حالة أفول النجم الأمريكي وتخليه عن موقع القيادة العالمية، والآخر في حالة قدرة الولايات المتحدة على تخطي صعوبات هذه المرحلة الحرجة وتحمل أعباء القيادة، في عالم باتت تتنازع فيه القوى دولياً وإقليمياً، وتتغير أوزانها خلال العقد الواحد أحياناً، ويجب علينا أن نحلل ونستنتج ونتنبأ تحت سقف هذين السيناريوهين لتلمس المسار الأسلم للمملكة ودول الخليج الأخرى في ضوئهما خلال العقود القادمة. على الاحتمال الأول، فإن عليها الإسراع في بناء مشروعها (الخليجي) الخاص، وما يتطلبه ذلك من تمتين وضع حلفائها في العراق واليمن وبلاد الشام، حيث لم تعد سياسة الوقوف على مسافة واحدة من أطرافها مجديةً، في ظل استغلال القوى المضادة السيىء لهذه السياسة، والتمدد الواسع لمشروع ولاية الفقيه ومحاصرة دول الخليج، الذي جاء في إثر إدارة المملكة تحديداً ظهرها لتركيا وتقاربها النسبي مع إيران، وهو تمدد لاقى قبولاً أمريكياً ودولياً يثير تساؤلات كثيرة وكبيرة، وعلى المملكة هنا أن تأخذ في الاعتبار متغيرات الواقع الذي تشكل خلال عقود، والتحرك بما تحتمله الظروف المحلية والإقليمية والدولية، وبات على الرياض أن تختار بين أنقرة وطهران، حيث بات من الصعب عليها أن تبقي على نفس المستوى من العلاقة معهما، أو الاصطدام بهما معاً، وأظن أن الكفة هنا تميل أكثر باتجاه أنقرة التي تُظهر مبدئيةً وعقلانيةً وفهماً جيداً لظروف المنطقة والعالم، على خلاف براغماتية طهران وعدوانيتها، فإن كان شعار العلاقة السعودية - التركية هو التنافس وتنازع الطموحات، فإن العلاقة الإيرانية - السعودية تمثل بحق - على الأقل من طرف إيران - صراع وجودٍ معقداً وموغلاً في استدعاء إسقاطات مزيفةٍ من التاريخ، ناهيك عن أن أبواب المستقبل مشرعة أمام انفتاح الجغرافية السياسية التركية في العقد القادم. وأما دولياً فعلى احتمال أن استطاعت أمريكا تجاوز بعض مصاعبها، فإن من الواضح أنها قد تستمر بقيادة الركب العالمي ولكن عبر تحالفات وشراكات معقدة، وليس عبر الاستفراد والتحكم كما تمنى منظرو قرن الحلم الأمريكي، وفيما يخص منطقتنا فيبدو من الصعب أن تتمكن قوة أمريكا وحدها من حسم الملفات الأمنية والسياسية فيها دون التنسيق مع القوى الإقليمية الفاعلة، وتركيا مرشحة أكثر من غيرها للقيام بهذا الدور، وسيكون نصيب المملكة (والخليج معها) من دور في المنطقة بمقدار ما تحققه من فاعلية وتأثير، وليس بمقدار قوة علاقتها بأمريكا فقط، وقد علمتنا التجارب أن الأمريكيين ليس لهم صديق وأنهم يقدمون المنافع والمصالح على الحقوق والمبادىء، وتعاملها مع الملف السوري اليوم أوضح مثال على ذلك. إن ذلك يتطلب من الطاقم السياسي والديبلوماسي لدول الخليج، والمملكة على وجه الخصوص، عدة أدوار يتداخل بعضها مع بعض منها: - انفتاح أكبر على القوى ذات التأثير الدولي، وخصوصاً روسيا والصين، بما لا يؤدي إلى القطيعة مع الولايات المتحدة. - مشاغلة المشروع الإيراني وتصعيب مهمته في التمدد وزيادة كلفتها، والبحث عن أوراق ضغط إيرانية داخلية، من باب المعاملة بالمثل، والحذر من التمدد اللامنطقي بالمقابل، الذي يوسع العداوات ضد السياسات الخليجية في المنطقة، والاستعاضة بشراكات وتحالفات واسعة الطيف. - تقوية الصف العربي والمساعدة على إزالة الاحتقانات المجتمعية والتنازعات السياسية، وأول ما تبدأ بمعالجة الشرخ الذي حصل في العملية السياسية المصرية وانعكاساتها المجتمعية الخطيرة؛ لأهمية مصر كعمق استراتيجي للخليج، ويتم ذلك عبر الحث على إعادة رسم مسار ديمقراطي لا يحابى فيه ولا يستثنى منه أحد، وتوسع فيه دوائر الحوار، والسعي لتقديم ضمانات متبادلة وتفاهمات تزيل المخاوف المحلية والإقليمية، وتزيد منسوب الاطمئنان عند كل الأطراف. - على دول الخليج، والعرب عموماً أن يحسموا علاقتهم بالدين والدولة والامة، وأن يرسموا عقدهم الإجتماعي الخاص ويكتبوا دستورهم المستقبلي النابع من منظومتهم التراثية والقيمية، لأن من الواضح أن التغيير سيطال شكل الدولة ووظائفها وعواملها وعلاقاتها، وإلا فلتنتظر الشكل الذي ستستقر عليه الدولة في ظل النظام الدولي القادم، وما يتبعه من صراع داخلي بين دعاة الحفاظ على هوية الأمة ودعاة محاكاة النماذج المنتصرة، وهو الصراع الذي خدم ويخدم مشاريع الأعداء والخصوم. - تمتين الصف الخليجي والتحول التدريجي إلى الكيان الكونفدرالي. - الانفتاح الداخلي وتشجيع المجتمع على ممارسة حقوقه الدستورية، وعدم المساس بحرياته وحقوقه الشخصية.... وهكذا، وهذا كله على فرض قدرة أمريكا على الاستمرار في قيادة الركب الدولي كما أسلفنا، حيث يصف بعض الباحثين السياسة الخارجية الأمريكية بأنها سياسة جيبية تصعد بتدخل مباشر وتنزل بتدخل غير مباشر، وأننا في مرحلة التدخل غير المباشر فقط، وأنه لا صحة للانكفاء أو لأفول النجم الأمريكي. أما في حالة توضح الرؤية وازدياد المؤشرات التي توقعها البعض الآخر، من احتمالية أفول النجم الأمريكي، وتخليه عن قيادة الركب العالمي، فعلى دول الخليج أن تحث الخطا مسرعةً لتشكيل تحالف قوي في المنطقة يقوده رأسان متفاهمان هما تركيا والمملكة للمنافسة على ملء الفراغ الاستراتيجي، وهي فرصة ليقوم في المنطقة مشروعها الخاص المبني على موقعها الاستراتيجي ومواردها وإمكاناتها، والانعتاق من نظام عالمي رهيب كُبِٓلت به أيدي الأمة لقرن ونيف من الزمان، وإلا فستُسحق داخل رحى صراعات الآخرين ومشاريعهم، واضطرابات ما بعد فراغ القيادة الدولية، ثم تؤول إلى قيود التبعية لقرن، وربما لقرون لاحقة من الزمان. ولا يفوتنا هنا أن نبين بأن هيمنة المشاريع الإقليمية والدولية الأخرى على المنطقة الخاضعة لنفوذ تنظيم الدولة "داعش" سيكون مؤلماً للطرفين الخليجي والتركي، حيث سيشكل فاصلاً جغرافياً بينهما لأول مرة منذ قرون أولاً، وسيجعل دول الخليج تحت رحمة المشروع الصفوي، كما إنه سيكشف ظهر تركيا للجارين الكبيرين روسيا والإتحاد الأوروبي، ويفقدها واحداً من أهم وأنشط الأسواق لتصريف وتصدير بضائعها. لا يفوتنا هنا أن نبين بأن هذا المشروع قد يستلهم فكرته من المشروع الأوروبي في كبح جماح المشروع الصفوي، حيث قام هو الآخر لكبح جماح الطموحات الفرنسية بعد انتصار ثورتها والعمل على تعميم ( أو تصدير) الثورة، وانتهى بعد عدة معارك في منتصف العقد الثاني من القرن التاسع عشر بانتصار التحالف الأوربي وهزيمة المشروع الفرنسي بقيادة نابليون، وبروز دول كبريطانيا وبروسيا ( ألمانيا اليوم ) وظهور النمسا كقوة جديدة في إثر تلك الفاصلة التأريخية. لا بأس هنا أن نرجع إلى التأريخ قليلاً، لتفحص مسار خط الخلافة الذي انتقل بمراكز قيادة الأمة المسلمة طوال ثلاثة عشر قرناً، ونسأل أنفسنا؛ هل كانت حركة خط الخلافة بدءاً من المدينة المنورة وصولاً إلى إسطنبول ومروراً ببغداد والشام -والقاهرة- حركة بحكم التغلب فقط؟ أم أن هذا التغلب هو الذي قام على أسباب رسمت خط الخلافة وحددته داخل هذه الرقعة الجغرافية دون غيرها من ولايات الدولة الإسلامية؟. إن قوة أي دولة أو تحالف تأتي من اجتماع عدة عناصر قوة؛ فبالإضافة إلى الجغرافيا هناك القوة الاقتصادية والبشرية والعسكرية، وحيث أن هذه العناصر لم تجتمع إلا في هذه الولايات من الدولة الإسلامية، كان مركز الخلافة يدور بينها ولم يخرج عنها إلا نادراً، وببعض التفاصيل نجد أن هذه المنطقة ملأى بالموارد الطبيعية؛ فالبحار والأنهار تحيط بها وتقطعها من عدة جهات، وفيها أراض شاسعة صالحة للزراعة، وكانت مركزاً للعلوم التجريبية والنظرية، وشكل توفر المال والعلم والصناعة والزراعة وتطور طرق النقل والتنقل عناصر جذب بشري لهذه المنطقة، ولا ننسى الرمزية الدينية حيث تحوي هذه المنطقة قبلتي المسلمين والمساجد الثلاث الأكثر قدسية لديهم، كل ذلك يقويه العامل الجغرافي حيث تجمع هذه المنطقة طرق الاتصال وممراته بين قارات العالم وهي منطقة ذات أهمية استثنائية وفقا لكل النظريات الجيوبوليتيكية؛ فخط الخلافة يقع بين مضيقي هرمز وباب المندب من جهة المملكة والخليج، والبوسفور والدردنيل من جهة تركيا، وعلينا أن نتذكر هنا بانفتاح الجغرافية السياسية التركية في العقد القادم، بعد تحررها من بعض المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي أُجبرت تركيا على التوقيع عليها قبل قرن من الزمان بعد سنوات من انتهاء الحرب العالمية الأولى، وهذا سيعطيها ديناميكية عالية وقوة مضافة، خصوصاً إن استطاعت الحفاظ على تصاعد نسق أدائها الاقتصادي، ولنتخيل الآن قدرة هكذا تحالف إقليمي على تشكيل قوة اقتصادية إقليمية قوامها اقتصادان من مجموعة العشرين (تركيا والسعودية)، والوزن الإقتصادي الناتج عنهما. من يتحكم بهذه المضائق الأربعة يتحكم بحركة التنقل ونقل البضائع والمواد الأولية والوسيطة، وبعبارة أخرى يتحكم بعصب حياة العالم إلى حد كبير، وهذا ما عملت أمريكا عليه خلال العقود الثلاثة الماضية، واليوم لا تستطيع أي قوة في المنطقة أن تفكر بفرصة الاضطلاع بدور دولي كهذا لوحدها، ما لم تعمل على حشد عناصر قوة المنطقة مجتمعة وإعادة تشكيلها. في عالمٍ يسعى إلى الهيمنة على المنطقة عبر التدخل المباشر، أو عبر تقوية المشروع الشيعي، بات لزاماً التفكير بجدية بقيادة للعالم السني، كقيادة إيران للعالم الشيعي، هذه القيادة يمكن أن تقوم اليوم عبر تحالف استراتيجي تركي - سعودي قادرٍ على جمع كل قوى المنطقة (التقليدية والعلمانية وذات المرجعية الإسلامية) وضبطها في إطار مشروع كبير يعمل على تحقيق طموحات شعوب المنطقة، وهو حلفٌ يجمع كل عناصر القدرة على الوجود جغرافياً وديموغرافياً واقتصادياً وعسكرياً وموارد، ناهيك عن الرمزية الدينية المعتدلة والمنضبطة التي تمثل ركيزةً أساسية في المشاريع الكبيرة، كما يرى جون جاك روسو وشوبنهاور وغيرهما حين أكدا أن الإرادة الوجدانية هي أكبر محرك للتاريخ، وليس العقل ونتاجاته. بل يذهب المفكر الكويتي د. عبد الله النفيسي أبعد من ذلك فيقول: "لو تم لقاء سعودي - تركي فإنه سيغير موازين القوى بالمنطقة، ويُفشل مشروع التخادم الإيراني الأمريكي"، وواضح أن كلامه صحيح بنسبة كبيرة، ذلك أن المشروع الأمريكي في المنطقة يستعمل الأذرع الإقليمية للمشروع الإيراني وخططها القائمة على تصدير الإيديولوجية ونشر بؤَر فوضى الفكر والسلاح، وصناعة المليشيات بموازاة الجيوش الرسمية كورقة تأجيجٍ للصراعات العرق-طائفية، وإن قدرة أي مشروع في المنطقة على تعطيل مشروع الولي الفقيه في إيران وتحجيم دوره ومنعه من الهيمنة على ما اصطلحت عليه طهران (الهلال الشيعي)، يقطع الطريق على المشروعين مرةً واحدة، كلياً على إيران، ومرحلياً بنسبة كبيرة على أمريكا. وكما يشكل فراغ السلطة العالمية فرصةً وتحدياً لدول المنطقة، فإن الفراغ الذي أحدثه تمدد تنظيم "الدولة" في المنطقة الواصلة بين المملكة وتركيا (المنطقة السنية من العراق والشام)، وقطع أوصال الهلال الشيعي، يشكل هو الآخر فرصةً وتحدياً ستؤثر نتائجه بشكل كبير على رسم القوى المستقبلية للشرق الأوسط، فلا أرى اليوم واجباً على دول المنطقة أهم من تقوية العرب السنة في هذه المنطقة ومساعدتهم على ملء الفراغ الذي سيتمدد فيه خصومهم إن أُهمل؛ وذلك عبر جمعهم وإسنادهم مادياً ومالياً وعسكرياً واستخبارياً وإعلامياً، والأهم من ذلك ضم القوى والجماعات الثورية والموارد البشرية المسكونة بالظلم والاضطهاد والتهميش والخوف من المجهول وانسداد آفاق الحلول المستقبلية، إلى مشروع كبيرٍ يبعدهم عن الجماعات المغالية والتنظيمات المتشددة. فسحر هذه الجماعات في عيون أكثر الشباب المتحمس من أبناء هذه المنطقة سيزول بمجرد رؤيتهم لمشروع يدافع عنهم ويساعدهم على تحقيق طموحاتهم والتخفيف من مصائبهم ومصاعبهم؛ لأن الكثير من الموتورين لا يجدون بديلاً عن هذه الجماعات بغياب المشروع الجامع، وذلك إن حصل فسيكون بداية الخطوات لرسم التحالف الاستراتيجي لخط الخلافة، ولا نعني هنا عودة منظومة الخلافة الإسلامية بتفاصيلها التاريخية، وإنما الاستدعاء الجيو-استراتيجي لعناصر القوة الكامنة في دول المنطقة والبحث عن صيغ تحالفية وتشاركية تجعل منها قوة يحسب حسابها. المواجهة مع إيران: قبل الحديث عن هذه المواجهة لا بد من الحديث عن عدة محددات للعلاقة بين دول الخليج وإيران، من أبرزها الجوار الجغرافي والإمتدادات الإجتماعية والعلاقات الإقتصادية (حيث أن عدد الشركات الإيرانية في الخليج يقدر بعشرات الآلاف مع ارتفاع مستوى الشراكة الإقتصادية والصادرات والواردات بين إيران ودول الخليج، وخصوصاً مع الإمارات والكويت) والتداخلات المذهبية والتنازع التأريخي على الأرض وعلى الصدارة الدينية. إن إيران اليوم تبدو كعربةٍ من طراز قديم تمارسُ صعوداً، ولكنها تسير في جبلٍ حادٍ وعرٍ متعرجٍ لا توجد في طريقها إلا القليل من محطات التزود بالوقود، فبعد ثلاثة عقودٍ ذهبيةٍ من التحرك الهادىء وتشكيل الحدائق الخلفية للتمدد الفكري والعنفي، عند اقتضاء الظروف، والمحافظة على قوتها المادية وكوادرها البشرية، ها هي اليوم تستنزف كل قوتها في صراعات اضطرارية داخل حدائقها الخلفية، الحدائق التي ما عادت صافيةً لها تماماً كما كانت تتمنى، ولا يخفي أن خسائرها من المال والسلاح والقوى البشرية والكوادر العليا والخلايا الاستخبارية تمثل استنزافاً كبيراً، لا يقل عنه استنزاف سمعتها وسمعة ذراعها الأقوى في المنطقة (حزب الله اللبناني) وفضح شعاراتهم النارية الزائفة، وبات قيام تحالف استراتيجي من قوى المنطقة يمثل الإطلاقة الأخيرة التي ستضطر طهران بعدها إلى التفكير بالانكفاء إلى داخل حدودها أو الانتحار. ولكن السيناريو الأفضل لا يكمن في مواجهة إيران في حدائقها الخلفية فحسب، بل الذهاب أبعد من ذلك، واللعب معها بنفس أسلوبها واستخدام العوامل من غير الدول عبر تقوية دور الشعوب غير الفارسية في إيران وتشجيعها على المطالبة بحقوقها، ودعم فصائلها التحررية، فإيران تبدو اليوم كرجل اغتر بقوته الناتجة عن إمكاناته الذاتية والهدايا الخارجية، وعششت أحلام التوسع الإمبراطوري في ذهنه، فبات يتمدد بلا حساب لمعطيات التأريخ والجغرافيا والديموغرافيا، مستغلا غياب المشروع المنافس إقليمياً والإرتخاء الذي أصاب دول المنطقة ليتمدد إلى أربع عواصم عربية، طامعاً منها بالمزيد، وهو اليوم يرنو بعينه صوب مكة والمدينة ورمزيتهما لمشروعه وأوهامه الاعتقادية، ويمكن تشبيهه اليوم بمارد صغير يضع قدميه في صنعاء وبيروت ويستعمل يديه في دمشق وبغداد، بينما رأسه في طهران. فمع أهمية إعمار ما هدمه المشروع الإيراني من بناء عمراني ونسيج اجتماعي في اليمن ولبنان، ومع أهمية العمل على إطفاء الحرائق التي يعمد مشروع ولاية الفقيه لإشعالها في كل من سورية والعراق، فإن من الضروري للتحالف الإقليمي المرتقب أن يعمل على مشاغلة إيران من الداخل، لما يمثله (إثارة أعشاش الدبابير) الكامنة في شقوق البيت الإيراني من إشغال للرأس في طهران وجعله يتجرع من نفس كأس التدخل في شؤون الآخرين وتفجير أوضاعهم الداخلية، خصوصا وأن دعم الكثير من هذه القوى لا يتعارض مع القوانين والمعاهدات الدولية، لأن هذه القوى تنبع من شعوب، وتقوم على أراض احتلتها إيران خلال القرنين الأخيرين، مما يعطيها الحق بالنضال كحركات تحرر وشعوب مطالبة بالاستقلال وتقرير المصير. مع أهمية عدم التقليل من المزايا والمكاسب التي سيحصل عليها المشروع الإيراني بعد مرحلة الاتفاق النووي الإيراني، وخصوصاً في الجانب الإقتصادي الضروري لضخ الدماء في عروق المشروع التي كادت تتيبس بضغط من تناقص الموارد المالية من جهة، وزيادة الحاجة للإنفاق التي ترافق التمدد والتوسع من جهة أخرى، وفي ظل تهديد إفلاس الخزينتين في بغداد وطهران بعد الانخفاض الكبير في أسعار النفط وهبوط إيراداته إلى أقل من النصف، فإن من المهم عدم المبالغة في ذلك أيضًا، إذ أن مردود العائدات الإقتصادية المتوقعة بعد هذا الاتفاق في المدى المنظور لن يكون كبيراً، فوفقاً لمحافظ المصرف المركزي الإيراني، ولي الله سيف، في رسالة وجهها للرئيس روحاني، فإن إجمالي ما سيعود على إيران من أرصدتها المجمدة لا يتعدى 26 مليار دولار في المدى القريب (عربي21، ما حجم أرصدة إيران المجمدة، وكم سيستعاد منها بعد الإتفاق النووي؟، 21 يوليو/ تموز 2015)، بينما يرى آخرون أن الأرصدة المتوقع استعادتها يتراوح بين 7 و20 مليار دولار، وكل ذلك في ظل الإبقاء على مستويات التصدير اليومي للنفط حالياً، والإنخفاض الذي تشهده أسعار النفط، واستمرار تناقص احتياطيات النقد الأجنبي، وعودة مسلسل انخفاض العملة بعد التحسن القليل الذي طرأ عليها منتصف يوليو تموز الماضي، بعد توقيع الإتفاق النووي. وعلى دول الخليج وتحالفها المأمول أن تعمل على استغلال هذا النضوب الإقتصادي النسبي في الإجهاز على أحلام المشروع الإيراني التوسعية وإعادتها إلى وضعها الطبيعي داخل حدودها المعروفة قبل استحكام تمددها بحكم العوامل الخارجية والداخلية، وقبل أن تستعيد عافيتها الإقتصادية عبر عودة الإستثمارات الأجنبية واستعادة أسعار النفط عافيتها. لا تستطيع إيران أن تستمر في أداء دور الأخ المشاغب، وتمثل نموذج اللادولة بما ينتجه من فوضى شاملة في المنطقة، والمجتمع الدولي لن يقبل باستمرار لعبها هذا الدور، مع انتفاء الحاجة إليه، وبروز الحاجة لاستقرار المنطقة، لذلك نرى هنري كسينجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق يصرح بقوله "على الولايات المتحدة أن تقرر لنفسها الدور الذي ستلعبه في القرن ال21. الشرق الأوسط سوف يكون لدينا الأكثر إلحاحا وربما أصعب اختبار. السؤال ليس قوة السلاح الأمريكي ولكن عزيمة الأميركيين لفهم واتقان العالم جديد"٠ ومن المرجح أن تتراجع إيران تحت ضغوط دولية وإقليمية، عن نموذج اللادولة وعن تبني ميليشيات الفاعلين من غير الدول، وتعود لتأدية دورها كدولة في مثلث النظام الإقليمي (مع تركيا والسعودية) من داخل حدودها الوطنية، ووفقا لهنري كسينجر فإن "دور إيران يمكن أن يكون حاسماً. يجب على الولايات المتحدة أن تكون على استعداد للحوار مع إيران"، ولكن ذلك الحوار سيكون لهدف محدد، وهو أن "تعود إلى دورها كدولة ذات سيادة داخل حدودها المقررة, وتحترم سيادة باقي الدول"، ويرى الباحث أن دعوة إيران مؤخرا للمفاوضات في ڤيينا جاءت لتوسيع إطار التفاوض، وتحويله من تفاوض حول الشأن السوري، إلى تفاوض حول مجموع الملفات الساخنة في منطقة الشرق الأوسط، وحل المشاكل المتعلقة بالمنطقة في حزمة واحدة. عودة لما تحدثنا عنه بخصوص الفاصلة التأريخية فإن المشروع المأمول قد يجد فرصة كبيرة في استعادة وزنه الطبيعي في ظل تغير الأوزان المتوقع حدوثه مع تصاعد أحداث هذه الفاصلة، وقد بدأت بوادره بالظهور عبر صعود نجم المملكة العربية السعودية وزيادة وزنها النسبي جيوبوليتيكيا كلاعب إقليمي كبير، بعد غياب لاعبين مهمين تأريخياً هما مصر والعراق عن التأثير الإقليمي، وهي مهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة، فروسيا اليوم تخوض تجربة غير مأمونة العواقب في المنطقة وتراهن بكل قوتها على حصان واحد، وربما يكون الحصان الخاسر. أما الولايات المتحدة فإن التحديات التي تواجهها كثيرةٌ، تشاك هاغل (وزير الدفاع السابق) قال في أحد لقاءاته التلفزيونية؛ إن المتشددين الإسلاميين مجرد واحد من التهديدات الأمنية التي تواجه المسؤولين الأمريكيين، وأضاف أن أمريكا تواجه ما وصفه بـ"تجمع تهديدات" لم يشهد لها مثيلاً منذ عشرات السنين. وتابع أن التعامل مع هذه التهديدات يتطلب مساعدة دولية. وأردف هاغل "لا نستطيع القيام بذلك وحدنا..يتعين أن يكون مع شراكات ومع تحالفات..لا نستطيع فرض إرادتنا على أي دولة.. هذه حماقة كاملة"، وقريب من هذا هو ما أكده زبغينيو بريجينسكي حيث قال إنه لن تكون الولايات المتحدة متمتعة بذات المكانة الدولية والتفرد بالزعامة خلال الفترة المشار إليها؛ نظراً للتوزع الجيوسياسي الذي يصيب مؤشرات القوة المختلفة. وفي مقال له قبل شهرين على سي إن إن، يرى السيناتور الجمهوري الأمريكي البارز جون ماكين أن التدخل العسكري الروسي في سوريا نيابة عن الرئيس السوري بشار الأسد، هو أحدث تطور كارثي في الشرق الأوسط في ظل إدارة الرئيس الأمريكي أوباما، وهو نكسة مذلة أخرى للولايات المتحدة. ولكن كما كان الحال في الأزمات السابقة، البيت الأبيض لا يعرف كيف يتصرف من جديد. ومع أن البعض يوافق على هذا الطرح ويرى أن روسيا تحاول الظهور كمنافس قوي لأمريكا على منطقة ممتدة من القرم إلى سورية، مرورا بأوراسيا أو رقعة الشطرنج الكبرى وفقا لوصف بريجنسكي، لكن البعض في أمريكا يرى الأمر من زاوية أخرى، بمعنى أن أمريكا ورطت روسيا في وحل الصراعات الشرق أوسطية، وذلك لتتفرغ بدورها لمواجهة التنين الصيني وتقليل طموحاته الكبيرة وقدرته على الظهور كمنافس كبير، في طريقه ليصبح نداً كاملاً للمشاريع الأمريكية وخططها في بناء النظام الدولي الجديد. الخلاصة إن النظام الدولي والشرق الاوسط والدول العربية تعيش كلها حالة مخاض تأريخية وهي جميعا تنتقل من نظام قديم إلى آخر لم يستقر بعد، وتشكل هذه الفاصلة أنسب وسط محلي واقليمي ودولي للبحث عن أوزان وأدوار جديدة، فعندما تشعر دولة كأمريكا بالعجز عن العمل بمفردها والحاجة إلى شراكات مع قوى إقليمية ودولية، يصبح التفكير بأدوار جديدة وأوزان جديدة، في عالم متجدد، ضرورةً ملحةً، وليس ضرباً من الخيال. قراءة سياسية في التحالف الرباعي في العراق د. ناصر الفهداوي([6]) تشهد منطقة الشرق الأوسط([7])اليوم.. صراعاً كبيراً يرتسم من خلاله مشهد بالغ التعقيد؛ تتداخل فيه أطراف متعدّدة وتحالفات متشعِّبة تحمل أهدافاً معلنة وأخرى سريّة لا تعلن للرأي العام العالمي، وتهدف هذه التحالفات إلى إعادة رسم وتشكيل المنطقة ودولها ورسم خارطتها من جديد، وتريد هذه التحالفات تحقيق مشاريع كبيرة وطويلة الأمد تهدف إلى الهيمنة على الدول وبسط النفوذ عليها، مما أدى إلى احتياج مُـلـحٍّ لدراسات معمّقة ومستفيضة للوصول إلى أهداف وغايات هذه التحالفات وارتباطها فيما بينها وفهم مراحلها واستشراف أبعادها المستقبلية وسبر أغوارها وجذورها التاريخية. ومع الأزمة التي ظهرت مع الثورة السورية ووقوف النظام السوري بالضد من ربيع الشعب السوري، ومواجهة نظام "بشار الأسد" للثورة السورية بالحديد والنار والبطش والتنكيل وارتكاب أبشع جرائم انتهاكات حقوق الإنسان، وارتكاب جرائم الإبادة ضد الإنسانية على الشعب السوري الأعزل، ودخول حكومتي (إيران، والعراق) وميليشياتهما الإجرامية للبطش والإجرام ضد الشعب السوري وإبادته بمجازر مروّعة، فبرز تحالف دولي كبير للوصول إلى حل سياسي أو عسكري لما يجري في سورية، وقد أدّى ظهور "داعش" على خط الأزمة السورية إلى تنسيق دولي مشترك نتج عنه تحالف دولي كبير يضم أكثر من (60) دولة لمعالجة الملف السوري وأزمة شعبه، ثم بدا أن هذه التحالف غير متعجّل للوصول إلى حل للملفات السورية من بطش النظام وظهور "داعش" التي سرعان ما اختلفت مع فصائل المعارضة السورية وأشغلتها عن التوجه بقتالها للنظام السوري وإزالة "بشار الأسد" ونظامه عن الحكم، وبدا أن هذا التحالف غير مقنع لأطراف دولية لأنه لم يعالج الوضع في سورية بصورة جدّية وحاسمة، وظهر وكأنه لا يريد تحقيق طموحات الشعب السوري في التغيير وحقه في الحرية وتحقيق العيش الكريم، وأدخل هذا التحالف الشعب السوري في دوّامات اللقاءات الدولية ومؤتمرات التنسيق ومبادرات الحلول المرتبكة غير المُجْدية بإزالة نظام الأسد. وبتاريخ 28/9/2015 تم الإعلان عن "مركز عمليات مشترك للتنسيق الاستخباراتي" يتألف من أربعة دول؛ هي:(روسيا، وإيران، والعراق، وسوريا)، وتمت تسميته بـ"مركز التنسيق الاستخباراتي الرباعي" ومركزه في العاصمة "بغداد" قرب السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء.. ويبدو أن هذا التحالف الجديد جاء امتداداً ورديفاً للتحالف الدولي لمعالجة الملفات السورية؛ ليستدرك بصورة غير مباشرة الأخطاء التي قد يقع فيها التخالف الدولي في سوريا، وأخذ يخلط الأوراق ويشغل الرأي العام عن عجز التحالف الدولي القائم في سوريا عن تقديم رؤية للحل، ثم اتجه إلى أن يأخذ دوراً تكامليّاً مع الحلف القائم في سوريا، ومعزّزاً لدور التحالف ومشاريعه في الإيغال بمعاناة شعوب المنطقة وازدياد وتعاظم معاناتهم، ثم أتى بدول مثل (إيران، وروسيا) وجعلهما من الأدوات اللاعبة في الصراع، وجعلهما ممثلين عن العراق وسوريا في جميع التفاهمات الدولية، وقد أصبحتا (إيران، وروسيا) هما اللتان تمثلان النظام السوري في المحافل والمؤتمرات واللقاءات الدولية، وأصبحت إيران هي التي تمثل العراق وتفرض رأيها في المؤتمرات الدولية التي تعنى بالشؤون العراقية، في الوقت الذي تفرض روسيا رؤيتها للحل في سوريا، ولا رأي للحكومتين (العراقية والسورية) فيها.. وسَبَقَ أن مَـنَـحَـت الولايات المتحدة الأمريكية المشروعية للنووي الإيراني، وأن أمريكا قد أعلنت إيران دولة نووية ومنحتها الصفة الرسمية ووضعتها طرفاً مفاوضاً بكل ما يمنحه "البروتوكول الدبلوماسي الدولي الرسمي" لطرف دولي مفاوض، وأمريكا هي التي ستسهّل دخول إيران للنادي النووي "وهذه هدية فوق الدول الإسلامية والعربية خاصة المباعة من أمريكا إلى إيران وروسيا" فهي هديّة خالصة (فوق البيعة) إلى إيران.. وأظهرت الولايات المتحدة الأمريكية استخفافاً مقزِّزاً ومَمْجُوجاً بعقول حلفائها من الحكومات العربية. وقد أطلق الكثير من المحللين والمتابعين من ذوي الخبرة والدراية بحركة ومسارات السياسة الدولية وتحالفاتها على هذا التحالف بأنه (التحالف الرباعي + 1) ويضيفون للتحالف الرباعي وجود الطرف الأمريكي باعتباره اللاعب الأبرز والطرف المؤثر في مجريات الأحداث، والراسم للسياسات الجارية في دول المنطقة وإدارته للصراع على مجمل ملفات الساحة الدولية؛ وكذلك لعدم وجود اعتراض واضح من الولايات المتحدة الأمريكية على هذا التحالف وفي بعض التصريحات أبدت رضاها عليه،، أو أن المراقبين يطلقون على التحالف بأنه (التحالف الرباعي + 2) ويضيفون "إسرائيل" ـ الكيان الصهيوني الغاصب ـ إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية باعتبار التكامل والتنسيق بين (روسيا، وأمريكا، وإسرائيل) في جميع التحالفات الدولية الناشئة في الساحة الدولية،، وما من تحالف ينعقد إلاّ ومصالح الكيان الصهيوني من أوليات انعقاده وأن أمن "إسرائيل" في مقدّمة المصالح المتحققة من هذه التحالفات. التحالف الرباعي كان منعقداً وقائماً من الأصل ومنذ سنوات ليست بالقليلة، وإنما احتيج للإعلان عنه وإظهاره للعلن باعتباره رقماً صعباً يفرض نفسه أمام سياسات دولية بدت قلقة من الفوضى التي تموج بالمنطقة دون الوصول بها إلى مراحل منظورة للوصل إلى حلّها، ودون أن ترى دول كثيرة أية بوادر للحلول لمشاكل المنطقة والتطرّف الذي يجرف شباب الأمة، وهناك ذرائع تجرّ الشباب للطريق الخاطئ دون تقدّم دولي في علاج المشاكل أولية التي وصلت إلى مراحل معقّدة.. وقد وجدَت الأطراف الدولية وفي مقدّمتها دول الخليج العربي أن مشاكل المنطقة تنتقل من التعقيد إلى الانحدار نحو هاوية مجهولة وعدم جدّية الأحلاف في تقديم الحلول المناسبة للفوضى العارمة التي تجتاح دول المنطقة وتنتقل من سيّئ إلى أسوأ.. وعدم طرح السبل المناسبة والكفيلة بعلاجها بجدّية.. والدول المتحالفة أدركت أن هناك تملمُلاً دولياً إزاء الحلول التي تطرحها الدول الإقليمية فيما تدّعيه، وأن هذه الدول وصلت إلى قناعات مهزوزة إلى درجة ما؟ في جدوى هذه الحلول ناهيك عن جدّية الدول الإقليمية "الكبرى" باتخاذ خطوات حقيقة فاعلة ومؤثرة وحاسمة لحل المشاكل التي تهدد أمن الدول الإسلامية والعربية منها على وجه الخصوص، وأن أحوال العالم الإسلامي وصلت إلى مراحل تهديد أمنها الدولي والمجتمعي والإنساني وهُدِرَت ثروات الدول وأُنفقت مئات مليارات الدولارات على مدى عقود من الزمن وقُتِل الملايين من شعوب الدول، ونزح الملايين منهم، وهاجر عبوراً للبحار ومشياً على الأقدام الملايين منهم فراراً من الحروب والبطش ولم تصل دول المنطقة وحكوماتها إلى حلول تنهي مآسي ونكبات الشعوب ولم تعالج الأخطار التي تهدد كيان الدول وتزعزع أمنها وإنما تزداد يوماً بعد آخر،، فإذا بالعالم يتفاجأ بإعلان هذا التنسيق الفاعل والمخاتل!، والانتقال إلى التعامل معه إلى سياسة "فرض الواقع" أمام الدول العربية، وإعلان أمريكا قبولها به ومباركتها له وأنه لا يتقاطع مع التحالف الدولي العامل في سوريا وهو مكمّل له. ومراحل إعلان "الحلف الرباعي + 2" تم تمريرها على عجل وبظرف أيام على أن هذه الحلف عبارة عن "خلية استخبارية" تضم الدول الأربع، وثم الانتقال للتعبير عنه على أنه "مركز تنسق استخباراتي" يضم أربع دول، ثم صارت التصريحات بعد شهر تعلن عنه صراحة ودونما مواربة أو مخاتلة بأنه "تحالف رباعي" يتكامل مع التحالف الدولي القائم في لـ"محاربة الإرهاب" في سوريا.. ثم ظهر التنسيق على أشدّه عندما أعلنت روسيا بأنها تنسق مع الولايات المتحدة الأمريكية في جميع العمليات الجارية في العراق وسوريا، والزيارات المتبادلة بين وزراء دفاع دول (روسيا، وأمريكا، وإيران، وإسرائيل). أمّـا عن حقيقة وجود الطرفين "تكملة العدد"، والوجود "الديكوري" من حكومتي (العراق، وسوريا) إنما هو لتكملة العدد في الحلف، ووجود صوري ورمزي مع دولتين متحالفتين تجمعهما مصالح تاريخية واستعمارية ضد دول المنطقة، ووجود (العراق، وسوريا) جاء لحاجة التحالف إلى الأراضي العراقية والسورية لنشر جيوش الهيمنة والاحتلال من معظم الأطراف الدولية مع وجود غطاء جوّي أمريكي وروسي بالتنسيق مع "إسرائيل" خصوصاُ في تنفيذ الضربات الجوية من الأجواء السورية.. وكذلك فإن إيران أخذت تنشر جيوشها من (الحرس الثوري، وقوات التعبئة "الباسيج"، وقوات وزارة الدفاع) في العراق وسوريا بغطاء جوي (أميركي، روسي، إسرائيلي).. وقد أعلنت "إسرائيل" بأنها تنفذ ـ بالتنسيق مع روسيا وأمريكا ـ ضربات في العمق السوري ولتوفير الغطاء الجوي لقوات الحكومة السورية وميليشيات حكومتي (إيران، والعراق), فالجامع لهذه التحالفات المنعقدة في العصر الحاضر هو أنها تحالفات تقاسم النفوذ والهيمنة وتحقيق أهداف مكسبيّة ذاتية ولا تهمّها ملفات دول المنطقة الشائكة ولا المشاكل العالقة بين دول "الشرق الكبير" ونخص بالذكر منه ما يُصطلح عليه بـ"الشرق الأوسط"، فهي تحالفات تسوية وتفاهمات بين الدول الكبرى وتستخدم حالة الخداع والتضليل السياسي والإعلامي أمام الرأي العام العالمي لتمرير مشاريعها التآمرية ضد دول المنطقة وشعوبها،، ويغلب على هذه التحالفات تنفيذ مشاريع الهيمنة والوصول إلى إخضاع الدول تحت الوصايا الدولية واستخدام (دولاً إقليمية وحكومات مرتهنة للسياسات العالمية) وتجعلهما أدوات وواجهات لتنفيذ مشاريعها وأهدافها في (تأمين الوجود والانتشار العسكري، وتأمين مصادر الطاقة وتحقيق أحلام النفوذ والهيمنة التي تعيد وتحفظ صورة العظمة للدول الكبرى).. وفي السياسة التي ينتهجها الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" فإن "هناك ثلاثة مواضيع تحظى بحضور بارز في السياسة التي انتهجها بوتين على امتداد فترة حكمه إلى حد أنها أفرزت خطوطاً فاصلة في غاية الأهمية، وحددت المنحى الذي سلكته القضايا الأخرى في تطورها.. أول هذه الموضوعات هو: الأمن العسكري الذي صاغت له دوره الحيوي حرب الشيشان الثانية والقِرم، واللجوء إلى القوة العسكرية، وهذه التي أضحت المنصة التي انطلق منها بوتين نحو الرئاسة. والثاني: هو أمن الطاقة؛ والاستفادة من ثروات الطاقة، وهذا الهدف قد تعزّزت أولويته القصوى بفضل هيمنة قطاع النفط والغاز على الاقتصاد الروسي بشكل واضح. والثالث: كلا الموضوعين السابقين يشكّلان القوة الدافعة والعنصرين الأساسيين لقوة روسيا والتي يُـسْبَغ عليها تقليديّاُ بمفهوم (العظمة) وإعادة إرسائه من جديد"([8]). وأن "بوتين" يحدّد مساره السياسي الشخصي بعرض نفسه بأنه "قائد قومي" للشعب الروسي، وأنه يتجه بسياسته العامة إلى التوجّه بروسيا بأنه يُعيدها على سكة عظمة "روسيا القيصرية العظمى" التي تتناغم مع الحس القومي الروسي، وعدم لجوء "فلاديمير بوتين" إلى اتخاذ مسار سياسي ينتهج أيديولوجيا جديدة.. والوجود الروسي الذي طرحته الولايات المتحدة الأمريكية بالخفاء وفرضته على السياسة الدولية في العراق وسوريا والاتجاه به إلى دول أخرى لإعادة القطبيّة (الأمريكية ـ الروسية) واعتبار روسيا دولة عظمى مقبولة في نادي الدول العظمى، واتخاذهما سياسة القطبين المؤثرين اللاعبين في السياسة الدولية ولإخراج روسيا الاتحادية وإبعادها عن طائلة العقوبات الدولية كما حدث لها في (الشيشان، وجورجيا، وأوكرانيا) باعتبار أن الدول العظمى لا تُفْرَض عليها عقوبات، وتنسيق تقاسم مصالحهما ونفوذهما في منطقة "الشرق الكبير" والدول الأخرى. والحلف الرباعي "+2" أعطى إلى روسيا مساحة "جيواقتصادية"، وأن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي فتحت أمامها أبواب اقتصاد سوق السلاح، فبوجودها وبأحلاف دولية أممية فإن روسيا فتحت آفاقاً لبيع سلاحها وتصريفه في معالجة مشاكل دول المنطقة وأخذ فاتورة السلاح من دول قدّمت تعهداتها بدفع فاتورة السلاح الروسي الذي يستخدم في إشعال وتدمير المنطقة، وفي مقدّمة هذه الدول (إيران، والعراق، وسوريا). وإعطاء الولايات المتحدة الأمريكية إلى روسيا الاتحادية مساحةً سياسيةً ونفوذاً مباشراً وانتشاراً عسكريّاً واسعاً في مساحتها وهيمنتها، يأتي بمقابلة موقف "بوتين" بعد أحداث (11/ أيلول ـ سبتمبر 2001) بمسارعته لعرض مساعدات استخباراتية والقبول بوجود عسكري أمريكي في "أسيا الوسطى" التي كانت تُـعَـدّ مناطق نفوذ صرف لروسيا الاتحادية وشكل مهم من أشكال الهيمنة والعظمة الروسية، على الرغم من معارضة المؤسسة العسكرية الروسية ووكالات الاستخبارات، ومن دون مقابل.. وهذا يكشف شكل التحالفات التي تتفق على أهدافها الخفية وأنها مجرد وسائل للهيمنة وتكريس الاحتلال([9]). تحالفات فاعلة أم ممارسة لسياسة الهيمنة والنفوذ؟.. استغلال لمواطن الضعف والفراغ: شعوب العالم تطمح إلى وجود تحالفات فاعلة من اجل تحقيق السلام ورفاهية الشعوب، والتحالفات البنّاءة في المجتمعات الدوليّة والتي تطمح لها شعوب العالم هي تحالفات التوازن التي تؤدي إلى مخرجات فاعلة لجميع الأطراف المشاركة فيها.أما التحالفات التي ظهرت في العقود المتأخرة فإنها تحالفات من اجل الحرب القتل ونشر الدمار واستنزاف ثروات الدول وهدر مواردها وطاقاتها، والتي أدّت بالتالي إلى مصادرة وجود دول ومصادرة قرارها وإرادة شعوبها. وتؤشر هذه التحالفات حالات مؤسفة من الوهن والضعف الدولي وضعف الأداء الدبلوماسي، وانعدام ممارسة نهج السياسات الدولية الكفيلة بتحصين سيادة الدول وتعزيز أمنها، وقد ظهرت الكثير من الدول كم هي هشة ولا مشروع لها ولا جذور! وأنها تفكّر بعقول وأدمغة غيرها.. كشفت الحالة العربية خصوصاً والإسلامية عامّة وجود فراغ سياسي وفراغ في المنهجية والأنظمة الدولية، استغلتها دول أخرى لتشكيل تحالفات دولية، مستخدمةً التضليل والزيف والخداع السياسي والإعلامي، لتمرير مشاريعها في ممارسة النفوذ الاستعماري والتدمير والتخريبي ضد دول المنطقة وطموحات شعوبها ومستقبل أجيالها. وهناك مؤشرات ومعالم تشكّل عوامل الإغراء أمام التحالفات المشبوهة للانقضاض على دول المنطقة وتقويض أمنها وانتهاك سيادتها ونهب ثرواتها ومصادرة قرارها وتدجين شعوبها وإخضاعها للهيمنة والنفوذ وتضييع مستقبل أجيالها واحتلالها بشكل مباشر، وتشكل ظواهر (الفراغ السياسي في دول المنطقة، والتراجع الدولي، وفشو حالة الخذلان في القرار الرسمي للدول التي تتعرض للاحتلال من التحالفات المشبوهة وخذلان القوى المناهضة للاحتلال) مرتكزات إغراء للدول الطامعة في الهيمنة على كل دولة تغفل عن هذه المظاهر الجوهرية، وعندما تبرز حالة الفراغ في منطقة ما؟ فإن هذا يغري طرفاً مقابلاً لإملاء وشغل هذا الفراغ وهذه نتيجة حتمية.. وانعقاد التحالفات الاحتلالية والمشبوهة هي نتيجة للفراغ الناتج في دول المنطقة، وعندما يظهر معالم تُـرجِّـح كفّة الحرب في دول منطقة "الشرق الأوسط والأدنى" فإن هذا يؤشر من دون أدنى شك وجود حالات الفراغ والتراجع والخذلان وهناك من يتحالف بصورة عاجلة لشغل هذا الفراغ واستغلال حالات الانكفاء الدولي في المنطقة([10]).. "وإذا شاءت دول الشرق الأوسط وشعوبها الاستقلال فيجب عليها أن تكون قادرة على صون استقلالها ضد التوسع وهيمنة التحالفات، وضد أي شكل من أشكال الجور والطغيان"([11]).. و"التاريخ يؤكد إن رغبة روسيا في التوغل في الشرق الأوسط ليست حديثة العهد. فقد كانت السياسة الروسية منذ أيام القياصرة تسعى دائماً إلى السيطرة على أراضي الخلافة العثمانية والوصول إلى البحر الأبيض المتوسط عن طريق المضايق التركية، ثم السيطرة على إيران والخليج العربي الذي يفتح لروسيا الطريق إلى المحيط الهادئ"([12]).. وهو ما يصطلح عليه حديثاً الأطماع الروسية في السيطرة على (المياه الدافئة، ومنابع الطاقة، وتحقيق الانتشار العسكري). وهناك ملامح تؤشر حالة الفراغ في دول المنطقة، وتشكّل بمجموعها مرتكزات إغراء لتشكيل تحالفات احتلالية للهيمنة وبسط النفوذ، ومن أبرزها: 1 ـ التراجع العربي والتراجع في معظم الدول الإسلامية. 2 ـ الفراغ السياسي، وعدم امتلاك مشروع الدولة، وعدم امتلاك رؤىً ومشاريع بنّاءة تتضمّن أسقفاً زمنية ومرحليّة محددة، وتحديد الأدوات الفاعلة في بناء الدول واعتمادها وعدم التفريط بها. 3 ـ فشل الدبلوماسية الدولية في الدول العربية ومعظم الدول الإسلامية الأخرى، أمام الدول الكبرى والسياسات الدولية المخاتلة والخادعة. 4 ـ أوهام المؤتمرات ذات اللافتات الكبيرة التي أظهرت الأجيال والرموز كأنه كمن يحرث في البحر ليزرع بذور مبادرات للخلاص.. وتكريس خداع "صروح الخيالات السياسية" التي لم تُـثْــمِـر شيئاً منذ قرون، وفشل مبادرات الدول لعربية في "رأب الصدع" ومشاريع "الردع العربي" ومبادرات "الدفاع المشترك"([13]).. ما أدّى بالمنطقة ـ في نهاية المطاف ـ إلى فقدان الثقة بين أغلب العناصر الفاعلة والأسس البنّاءة في المجتمعات. 5 ـ الغطاء الأممي الرسمي للكثير من المبادرات السلبية على الساحة الدولية، وتبرير الإبادات التي ترتكبها أدوات تلك الدول الكبرى المشكّلة للتحالفات، الأمر الذي أدّى إلى تغييب وغياب الإطار الدولي الضامن للحلول الحقيقية والمؤثرة والكفيلة لقضايا المنطقة،، إضافة إلى أن المنظمات الدولية الكبرى والإقليمية والمحلية أصبحت أدوات بأيدي المتسيّدين في التحالفات. 6 ـ الخذلان العربي الرسمي من قبل الحكومات والأنظمة الحاكمة للشعوب، والنفاق السياسي القاتل والمخزي، وعدم الجدّية في دعم القوى الضامنة لوجود الدول وحصانة سيادتها ومنعتها أمام الدول الطامعة. 7 ـ انعدام وجود الكفاءة والقدرات المناسبة في المواجهة مع الخصوم، وفي التعامل مع القضايا المصيرية للدول ووجودها وهوّيتها واستقلالية قرارها وممارسة سيادتها على أراضيها. 8 ـ الأمّية السياسية وتغييب الثقافة السياسية لدى أجيال الأمة، وتجهيل الشعوب بمآلات الأحداث ونتائج التحالفات المحيطة بهم، ما أدى إلى غياب حالة التفاعل الإيجابي مع الواقع وعدم إدراك التحدّيات، الأمر الذي جعل منهم أرضاً خصبة لتمرير كل التحالفات المشبوهة والدسائس والمكائد والمؤامرات وتضييع الدول وهدر الثروات. كل هذه المؤشرات التي تُشّـخّـص في معالم الواقع العربي جعلت منه سلعة رخيصة في سوق التحالفات الدولية.. وسقوط أغلب الدول رهينة للاحتلال التحالفات وتسلّطها على شعوب المنطقة. ولذلك لا رادع اليوم أمام دخول حكومات مرتهنة للاحتلال وتابعة للدول الكبرى وخاضعها لقرارها، وتسليمها لدول المنطقة وإخضاعها تحت هيمنة دول استعمارية تدميرية دموّية، كما حصل في التحالف الرباعي، وقد جاءت حكومتا (العراق، وسوريا) لتسلّم دولتين وشعبيهما تحت ربقة وعبودية الاحتلال وتحالفاته الدولية. التحالفات المشبوهة.. قواعد الانطلاق الجديدة نحو الهيمنة والنفوذ: ما من تحالفات معلنة اليوم إلاّ وهي تُضمِر بين طيّات تحالفاتها أهدافاً سرية هي أكثر من المعلن من أهداف التحالفات، وهي الملاحق السرية التي تكون أهم من الأهداف المعلنة ذاتها، والتحالفات المشبوهة المنعقدة في العقود الأخيرة يجمعها التوافقات المصلحية بين الأطراف الدولية والأنظمة الفاعلة والمؤثرة والتي تعمل على تنفيذ مشاريع هيمنة وبسط نفوذ على دول لا تملتك مشاريع وجود حقيقي وفاعل، ولا تمتلك "مشاريع دولة"، وتأتي التحالفات الوهمية والصورية وهي تخفي توافقات كبرى تفوق التحالفات؛ وقد استخدمت التحالفات الجديدة كمنصّة لإشعال حروب كارثية في دول المنطقة مستخدمةً ذرائع خادعة ومضللة بذريعة "نشر الديمقراطية" التي باتت مفضوحة ومخزية لتاريخ الدول الكبرى، وكذلك ركوب شعارات زائفة مثل "محاربة الإرهاب"، وهي تسيء لكل شعارات السلام والتعايش والسلم الأهلي والدولي والمجتمعي والإنساني؛ لأنها أساءت استخدام "عملية السلام" وجعلتها ذريعة لمشاريعها ومطامعها التدميرية لدول المنطقة للهيمنة عليها.. والأنظمة الدولية الكبرى اليوم تخدع شعوب العالم في عقدها للتحالفات باستخدام هذه الذرائع الواهية، وفي حقيقتها انها تستخدم هذه التحالفات كـ"قواعد انطلاق" لإعادة تأسيس "الإمبراطوريات" العظمى المصادرة للحريات والدول والشعوب([14])، والانفراد بدول العالم المستضعفة. وعندما تؤسس التحالفات على أساس الانتشار العسكري واستعراض الأسلحة التدميرية واستخدام "القوة الصلبة" ـ العسكرية ـ وتغليبها على "القوة الناعمة" ـ المساعي السياسية السلمية ـ فإن هذا يكشف عن وجود أبعاد غير معلنة من هذه التحالفات تتعدّى عن كونها مُبْرمة من اجل حل قضايا الدول ومشاكلها، وإنما هي تحالفات هيمنة وتقاسم نفوذ، وتنتهج معها النهج القمعي والبطش بحركات التحرر الوطني، وشيطنة القُوى المناهضة للهيمنة والاحتلال وتجريم الفصائل المقاومة للاحتلالات المختلفة واتهامها زوراً وبهتاناً بتهمة "الإرهاب"، "ولأن تأسيس الكتل والأحلاف والقواعد العسكرية التي تتيح فرصة التدخل في الشؤون الداخلية لعدد من البلدان النامية، يشغل مكاناً هامّاً في السياسة الاستعمارية المعاصرة وتطبيقها العملي. وفي سنوات الحرب يستخدم المستعمرون هذا الأسلوب في الغالب؛ حيث الأساليب الأخرى تعطي مفعولاُ أقل... وتستخدم الدول الإمبريالية هذه الكتل والأحلاف لمواجهة حركات التحرر الوطني؛ ولضمان وتعزيز مواقع الاحتكارات الإمبريالية في البلدان المُسْـتَـعْـمَـرة والتابعة"([15]). وروسيا تدفعها اليوم رغبة شديدة وجامحة في إحياء نفوذها في "أوراسيا" وخارج أوراسيا وتتجاوز الحدود الأمنية المضطربة لآسيا إلى التخوم الشرقية لأوروبا، وتريد أن تستخدم مؤسساتها الإعلامية للظهور بـ"بروباغندا" للترويج والدعاية لظهور "روسيا القيصرية" الحديثة؛ وبوجود بصمة كبيرة لروسيا في آسيا الوسطى وحضورها الجغرافي في شمال شرقي تلك القارة فلا يمكن إغفالها من حيث أنها أصبحت لاعباً مهمّاً السياسة العالمية المعاصرة؛ وذلك بحكم حجمها ومواردها وقوتها العسكرية التي لا يستهان بها([16])، وهذا سيمنحها دافعاً قوياً للظهور بانطلاقة كبيرة وفاعلة ومؤثرة في جميع ملفات السياسة الدولية، الأمر الذي سيؤدي بها إلى مسك مفاتيح اللعبة والهيمنة على أدوات الصراع يمكّنها من بسط نفوذها "الجيوسياسي" لتحقيق أهدافها في مصادرة إرادة الشعوب لمشاركة أمريكا في التلاعب بمقدّرات الدول ونهب ثرواتها ومصادرة قرارها ووجودها. استثمار حالة "داعش" وشعار "محاربة الإرهاب" لتبرير التدخل وتمرير مشروع الهيمنة: الأطراف الكبرى المحورية والأطراف التابعة لها في التحالفات كلها؛ قد درجت على استثمار حالتي (داعش، ومحاربة الإرهاب، ونشر الديمقراطية، وتحقيق السلام) وتوجيه إدارة الصراع في دول المنطقة لصالحها، وهناك تجيير للكثير من الأحداث لصالح أطماع الدول الكبرى دون أن يشعر الطرف الخصم بأن ثمار أفعاله تصب في صالح الطامعين بدول المنطقة، وقد تلجأ الدول الكبرى إلى صناعة أطراف بمفاعيل تختلقها في مواجهة خصمها وتستدرجه لتحقيق أهداف كبيرة وبعيدة الأمد، وتستثمر حالة غياب الوعي وإدراك المخططات كي تصب ثمرات الأحداث ونتائجها لصالحها.. وإذا وجدت التحالفات الدولية نفسها مستفيدة من خصمها فإنه تعمل على إطالة أمد المواجهة مع خصمها.. وقد تجرّه إلى نزاعات يكلّفها بعض التبعات لكنه يستنزف خصمها تدريجيّاً وتجعل منه سبباً وذريعة وجواز مرور لتدمير المنطقة وهدر ثرواتها وطاقاتها ومقدّراتها.. وهذه هي السياسة المتبعة بين (روسيا، وأمريكا، والكيان الصهيوني، ودول أخرى) ([17]). وبعض الأطراف تكون ورقة مساومات دون أن تشعر، تتلاعب بها الأطراف الدولية لتحقيق مشاريعها وتمرير مخططاتها.. وتسقط هذه الأطراف رهينة بأيدي الخصوم وتستخدمها ورقة ضغط وذريعة وأداة لتحقيق مخططاتها وترسيخ احتلالها ونشر قواتها ونشر تدميرها لدول المنطقة دون أن تدرك تلك الأطراف بأنها أصبح رمحاً بأيدي أعدائها تغرسه في قلب الدول التي تريد أن تمرر مشاريع هيمنتها عليها. موقف روسيا بالضد من الربيع العربي.. دافع مشترك للتحالف الرباعي: روسيا وقفت بالضد من الربيع العربي، وتخشى من التمدد الديمقراطي، وهذه معضلة الأنظمة الشمولية الاستبدادية أنها تحذر وتخشى من الديمقراطية الحقيقية وليست المزعومة التي تَعْبُرُ بها الولايات المتحدة الأمريكية كجواز مرور لتمرير حروبها لإشعال وتدمير المنطقة بأن كل من يرفض ديمقراطيتها فإنه "إرهابي"،،وروسيا لا تريد أن تنهج السياسة الغربية في تمرير نفسها وفرض قطبيّتها على النظام الدولي. فهي تقف بالضد من الربيع العربي، ووقفت بالضد من ثورة مصر السلمية في ربيعها العربي بتاريخ (25/ يناير ـ كانون الثاني 2011) مع العلم أن جميع دول العالم احتفل بها وكان العالم كله قد رحّب بها حتى عن الإنسانية جمعاء قد احتفلت بالثورة المصرية وبالشباب المصري، إلاّ "روسيا الاتحادية" فإنها صمتت إزاء الثورة ورحّبت بكل الذي حدث ضد ثورة مصدر من تداعيات ودعمت الانقلابيّين.. وروسيا صمتت عن ربيع (تونس، وليبيا).. ولكنها وقفت بصراحة ضد ربيع مصر. روسيا تخشى من حرية الشعوب وتخشى من تمدد الربيع العربي وتخشى من تمدد الديمقراطية في آسيا لأن هذا يقلقها تماماً وتظن أنه يهدّد مصالحها ونفوذها ولا يتواءم مع نهجها وسياستها، وهي تريد من الشعوب أن يخضع لها ويغيّر نظرته تجاهها، ولا تريد ان تتغيّر مع طموحات الشعوب وتطوّر الأنظمة الدولية في التعايش والسلام.. وحتى في الداخل الروسي فقد رأى العالم النهج السياسي الروسي وكيف تعاملت روسيا مع البرلمان الروسي في (تشرين الأول/ أكتوبر 1993) وكيف حدثت مصادمات مسلحة وخطيرة بين القوات الموالية لـ"بوريس يلتسين" والمتمردين المحتجين على مرسومه بحل البرلمان، والذين حاولوا السيطرة على مقر عمدة موسكو وعلى مبنى التلفزيون الروسي الرئيس، وقد أدّى هذا إلى مقتل العشرات، إلاّ أن يلتسين استطاع السيطرة على الأمر وذلك بعد تدخل الجيش، وتم إلقاء القبض على (روتسكي، وحسبولاتوف) النائبين المهمّين في البرلمان وتوجيه تهمة تنظيم الاضطرابات العامة إليهما([18]). مع العلم أنهما كانا يمارسان مهامهما الديمقراطية في المحافظة على البرلمان وتمسكه بالحفاظ على النهج الروسي. وإيران تتفق تماماً مع الرؤية الروسية وهذا من المشتركات الكبرى التي تجمع التحالف الجديد "الرباعي +2 (أمريكا، وإسرائيل)"؛ وإيران بطشت بـ"الثورة الخضراء" واستخدمت الحرس الثوري وكل قواتها الحكومية وميليشياتها للإجهاز على ثورة الشعب الإيراني.. وكذلك حكومات الاحتلال المتعاقبة في العراق وكيف تعاملت مع ثورة العراقيين التي وقفت بوجه الاحتلالية (الأمريكي ـ والإيراني) وكيف أن تلك الحكومات استخدمت أبشع الأساليب من اجل الاجهاز على الأصوات المطالبة بالحقوق المغتصبة والمطالبة بالتغيير.. ورأى ويرى العالم كيف تعامل نظام الطاغية "بشار" مع الثورة السورية، وأرسلت إيران له آلاف المقاتلين من الميليشيات والقوات الحكومية وميليشيات عراقية مع "شبّيحة" النظام وكيف قتلوا نصف مليون مواطن سوري وهجّروا (13) مليون مواطن سوري. تذكرة الحرب الممنوحة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى روسيا: الولايات المتحدة الأمريكية هي من منحت تذكرة الحرب إلى روسيا الاتحادية؛ لرفع الحرج عن أمريكا وعدم بروزها إلى الواجهة في ضرب أهداف واضحة الغايات والمآرب وتؤدي بالنتيجة إلى إضعاف الوجود العربي المنتمي إلى العمق الاستراتيجي العربي والإسلامي بمقابل تقوية الطرف الإيراني وبسط نفوذها ودعم الأدوات العاملة في مشروع هيمنتها على دول المنطقة بالمال والسلاح والغطاء الدولي بالقرار الرسمي الأممي وبالغطاء الجوي بترسانات أسلحة الجو (الروسية، الإيرانية، والإسرائيلية،، والدول الأخرى).. وهنا قد وجدت السياسة الدبلوماسية الأمريكية صديقها "الحليف الكبير" والضد المتواطئ معها وهو (روسيا الاتحادية)؛ وهو على أتم الاستعداد لتنفيذ السياسة الأمريكية لتحقيق المصالح المشتركة بينهما وتنفيذ ضربات داعمة لصالح حكومتي (العراق، وسوريا) دون أن تكون أمريكا في الواجهة ومن دون أن تكون في موقف محرج أمام الدول الحلفاء الخاضعين لرؤيتها.. وفي المقابل تحقق روسيا الاتحادية أهدافها ومشاريعها في الوصول بجيشها وترسانات أسلحتها وصواريخها الباليستية الحاملة للرؤوس النووية إلى "المياه الدافئة"، وتحقيق أهدافها في ترسيخ قطبيّتها الدولية مع الولايات المتحدة الأمريكية وتحقيق الطموحات الروسية في ضمان الهدفين الأساسيّين في الاستراتيجية الروسية في تحقيق الانتشار العسكري والوصول إلى مصادر الطاقة التي تعتمدهما كمصدر للوصول إلى تحقيق أهداف "روسيا العظمى".. وأمريكا تحقق أهدافاً لمشاريع إيرانية تتحقق من هذه الأحلاف الدولية القائمة في العراق وسوريا؛ بأن هذه الأحلاف تخلصها من أعداء كثيرين وتضعف بشكل كبير خصومها في الخليج العربي ودول المغرب العربي.. وتحفظ هذه التحالفات لها حليفاً مهمّاُ وضامناً لمصالحها وتحقيق مشاريعها وهو "بشار الأسد" ونظامه.. وبالمحصّلة فإن الكيان الصهيوني تتحقق مصلحته بضمان أمنه مع وجود (إيران، وحكومة العراق، وبشار ونظامه) باعتبارهم ضمانة أكيدة لتحقيق أمن دائم لـ"إسرائيل".. مع وجود الطرف الروسي كلاعب كبير بالنيابة عن أمريكا لتحقيق أمن "إسرائيل" في الوقت الذي أقيمت مناورات عسكرية بين (روسيا وإسرائيل) للتنسيق العسكري (أرضاً، وبحراً، وجوّاً) لإيصال رسائل طمأنة بالنيابة عن (حكومة العراق، وحكومة سوريا، وإيران) إلى إسرائيل بأنها ليست هي المقصودة من الوجود العسكري العراقي والإيراني والسوري والروسي. في الوقت الذي تنسّق روسيا الاتحادية بالنيابة عن إسرائيل مع بقية أطراف الحلف الرباعي. وكذلك فإن أمريكا منحت تذكرة الحرب بالنيابة عنها لخوض معارك لا تريد أن تكون هي الواجهة لها وأن هناك من يخوض الحرب نيابة عنها بعد أن تعرّفت على جميع أقطاب المعارضة السورية وفصائلها وقادتها؛ لتتجاوز محنة المعضلة التي وقعت فيها في مواجهة فصائل المقاومة العراقية التي واجهتها في احتلالها للعراق، حيث كانت فصائل المقاومة التي استنزفت جيوشها مبهمة أمامها ولا تعرف أغلب قادتها ولا تملك خارطة واضحة عن فصائل المقاومة، وقد دخلت أمريكا في نفق الهزائم في ميدان المواجهة مع فصائل المقاومة العراقية؛ لأنها لم تكن تملك قواعد معلومات لترسم من خلال خريطة مواجهة لخوض معارك ناجحة وللتصرف بوجهة مشروع فصائل المقاومة كما تريد.. لكن الولايات المتحدة الأمريكية وصلت إلى مرحلة تشخيص جميع معالم المواجهة في سوريا وتحديد ما تضربه من الأهداف.. ثم استعارت سوريا لتقاتل عنها بالنيابة وتضرب أهداف لا تريد أن تظهر أمريكا بأنها هي من تستهدفها.. وبذلك أصبح تقويض جهود القُوى المعارضة في سوريا هدفاً سهل المنال وسائغ التحقيق. دخلت روسيا في الصراع بزَخَـم مستغرب وهي تملك خارطة القوى الثورية في سوريا وتملك قاعدة معلومات تفصيلية عن قوى المعارضة جميعها؛ وقد تسلّمت ذلك كله من أمريكا.. وأخذت تقصف بأول أسراب طائراتها المنتشرة في قاعدتها في "طرطوس" المحافظة السورية الساحلية.. وإيران رحّبت بالدور الروسي الواسع وتناول روسيا لأكثر من ملف في ساحة السياسة الدولية لأن الدور الروسي أزالها تماماً من واجهة الإرهاب وكذلك أزال أدوات إيران المتمثّلة في حكومات (العراق، وسوريا، وادوات أخرى في المحيط العربي) الذين أدخلتهم "لعبة السياسة الدولية" في "الحلف الرباعي"، وألغى العالم شيئاً اسمه (إرهاب حكومتي سوريا والعراق)، وأكسب إجرامهما الصفة الدولية ووهبهما الحصانة الدولية.. وإذا تم تطوير "الحلف الرباعي" وإدخال أطراف أخرى من أمثال "حكومة المخلوع صالح الداعمة للمشروع الحوثي الإيراني، وحزب الله اللبناني الخاضع لولاية الفقيه، وميليشيات ناشئة في دول الخليج" فعندها سيكون أي تحرّك لأطراف هذا الحلف وأية اعتداءات وانتهاكات لسيادة دول إسلامية ومنها العربية على وجه الخصوص قد اكتسب الصفة الرسمية الدولية لأنه منطلق على أساس أنه تحركات الحلف الدولي. وكذلك فإن ترحيب إيران للدور الروسي جاء للتغطية على فشلها في مواجهة المعارضة السورية ووصولها إلى حقيقة أنها أصبحت عاجزة عن المحافظة على "بشار الأسد" ونظامه بعد أن نقلت إيران وبرضىً من المنظومة الدولية الأممية والدول الكبرى وفي مقدّمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي رضت للدور الإيراني في سوريا وضد دول المنطقة عموماً وهي تنقل ميليشياتها وميليشيات عراقية ولبنانية لوضع المحددات أمام المعارضة السورية ولتمرير التفاهمات الدولية العالمية "بالنيابة" دون محاسبة ودون وضع أية محددات لمشروع الهيمنة الإيرانية على الأرض والذي يؤمّن بالنهاية تمرير التفاهمات الدولية ويضمن ديمومة أمن "إسرائيل"، وتكون الأرض للهيمنة الإيرانية وتأمين المصالح للدول الكبرى الفاعلة في التحالفات الدولية، حتى إن المسؤولين وجميع السياسيين الإيرانيين أخذوا يصرّحون للعالم بأن عليهم أن يعملوا على ضمان ديمومة وجود "بشار الأسد" ونظامه باعتباره الضمان الأكيد لأمن "إسرائيل".. ولهذا وصلت التفاهمات الدولية إلى تطوير الدور الروسي وإعطائه نفوذ أكبر في المنطقة وتم تسليمه قيادة حلف رديف للتحالف الدولي العامل في الساحة السورية وتم إعلان "التحالف الرباعي". والملاحظ على روسيا وغرورها وانطلاقتها المتوحشة ضد دول المنطقة وهي لم تملك سوى أدوات قليلة من مفاتيح اللعبة الدولية وتأثيراتها على دول المنطقة،، إذن كيف ستكون حروبها وتصرفاتها وإجرامها إذا ما تعاظمت مساحة النفوذ "الجيوسياسي" في الشرق الكبير والعالم الإسلامي بصفة عامة؟! وهناك عامل في بالغ الأهمية وضَـعَـتْـه الولايات المتحدة الأمريكية وجعلها تعطي لروسيا الاتحادية مساحة سياسية في مناطق نفوذها لتمنحها شراكة واسعة في النفوذ "الجيوسياسي"؛ وهو أن روسيا لن تتردد من استخدام أية أسلحة فتّاكة ومُدمّرة، حتى المحرّمة دوليّاً والكيمياوية والنووية منها، وفي يوم السبت صدر تصريح عن "فلاديمير بوتين" في خطاب متلفز من القنوات الروسية يهدّد فيه قائلاً:" أود التأكيد على أننا لم نستخدم حتى الآن كل قدراتنا، لدينا المزيد من الوسائل العسكرية.. وسنستخدمها إذا لزم الأمر"([19])، ويبدو أن روسيا قد أخذت وعوداً بحماية دولية وحصانة لذلك، إذا ما اضطر لاستخدام الأسلحة المحرّمة دولياً،، والملاحظ على روسيا في أول نزولها "الهستيري" المتوحش واستخدامها لطيرانها في الأجواء السورية أنها أخذت تقصف بصورة عشوائية وتستهدف المعارضة المعتدلة والجيش الحر والمدن والبلدات والقرى السورية بصواريخ وقنابل فتّاكة وفراغية واستخدمت كذلك "الفوسفور الأبيض" المحرّم دولياً، واستهدفت المدنيّين والمركبات المدنيّة وقوافل الإغاثة الإنسانية في قصفها الشديد واستهدفوا الدوائر الداعمة للجهود الإنسانية في إغاثة النازحين والمهجّرين، حتى توحّش الروس تماماً في استخدامهم للقوة المفرطة في تدميرهم للمدن.. وكأن الحرب الروسية المتمثلة في الدور الروسي أخذت بعداً آخراً لا يصلح عليه إلا أن تصفه بأنها تأخذ نمط "الحرب الدينية" المدمّرة لترتبط بتصريحات الكنيسة الكاثوليكية الروسية بأن الجيش الروسي يخوض "حرباً مقدّسة".. وتغلب على النهج الروسي في الحرب وطموح الانتشار العسكري بما يتصّف بهستيرية القوة والتوحش والجنوح باتجاه غرور غطرسة القوة. مقتضيات ومستلزمات المرحلة الراهنة.. التحالف الذي تحتاجه المنطقة: التحالف الذي تحتاجه المنطقة والأمة الإسلامية بأسرها هو تحالف دولي مستقل عن الإملاءات الأمريكية والروسية وسائر الدول الإقليمية العظمى، يعالج مشاكل دول المنطقة ويلبّي طموحات شعوبها، ويعالج الأخطاء التي وقعت فيها السياسات الأمريكية الفوقية المتعالية والتي جرّت الويلات على دول المنطقة، ولم تُسعف مشاكل الأمة المستعرة ولم تُقدّم لها أية حلول حقيقة أو فاعلة. فبروز تحالف دولي جديد ومستقل وغير خاضع للتبعية الأمريكية ولا يتعارض مع مصالحها المتبادلة مع دول المنطقة يمثل: 1 ـ المملكة العربية السعودية: بما تمثله من عمقها الإسلامي والإقليمي، وباعتبارها تمثّل القطب الدولي العربي الإسلامي الذي يحتضن قبلة المسلمين ومهبط الوحي ووجهة المسلمين، وما تتمتع به من قبول وثقة وتأثير في العالم الإسلامي يأسره. 2 ـ قَـطَـر: ذات السياسة الدولية الفاعلة والمؤثرة في المحيط العربي والإسلامي بشكل عالم، وما تمتلك من رؤىً للحل وخبرة في إدارة الملفات الدولية، وتأييد دولة قّطَر لطموحات الشعوب. 3 ـ تركيا "العثمانية": التي تحضى باطمئنان الشعوب الإسلامية قاطبةً، وبما تحمل من عمق تاريخي وتجربة سياسية ناجحة وعمق حضاري أخّاذ وطاقات صناعية كبيرة وموقع جغرافي وسط بين الدول العربية والدول الغربية، فهي تجمع بين الأصالة الضاربة في عمق التاريخ والمدنية المعتدلة. 4 ـ ماليزيا: النموذج الدولي الحضاري في التقدّم العلمي والمشاريع الحديثة ورصانة السياسة الدولية التي لا يمكن أن يُـؤشّـر عليها بمؤاخذة في سلوك سياسي دولي.. وما تملك من طاقات إدارية للشؤون الدولية. 5 ـ جمهورية مصر العربية: خزين العنفوان العربي، ورأس القارة الأفريقية والعنصر الفاعل والمؤثر فيها، وما تملك من طاقات بشرية وقُوىً فاعلة ومؤثرة في العالم الإسلامي. 6 ـ باكستان: القدرات المؤثرة والطاقات الفاعلة في قضايا الأمة، وما تمتلكه من قدرات تصنيعية وإبداع علمي، وما تتمتّع به من موقع جغرافي آسيوي، وهي الدولة الفاعلة في موقعها وفي القارة، وقدراتها العسكرية المكنونة لصالح الأمة وقضاياها المصيرية. هذه الأطراف الدولية الفاعلة ـ دون التفريط بالدول الأخرى وطاقاتها الفاعلة ـ إذا اجتمعت في تحالف دولي حقيقي وفاعل ورصين، يشخص المؤامرات ويقف بوجهها ويصمد أمامها، ويُدرك الأخطار المحدقة بالأمة ووجودها، ويحدّد سقوفاً زمنية وآليات محددة وفاعلة وكفاءات قيادية مخلصة ونزيهة،، فإنه هذا التحالف هو غاية حلم الأمة وطموحات شعوبها، وسيكون عندها التحالف القطبي المتصدّر للتأثير في العالم، وستكون الأمة به في الصدارة. إن تحالفاً دولياً ينال ثقة أجيال أمتنا الإسلامية ويحقق طموحات شعوبها ويسعى إلى خلاصها من التبعية والخداع والتضليل لجدير بأن ينال ثقة المسلمين عامّة ويستقطبهم، ويميل بهم عن السلوكيات الخاطئة وغير المقبولة، ويبعدهم عن كل الخيارات التي تجنح بهم التصرفات الخاطئة. وإن تحالفاً بمثل هذا المستوى لكفيل بإزالة جميع التداعيات التي صاحبت السياسات الخاطئة التي انتهجتها أمريكا ومن معها من الدول الكبرى.. وبمثل هذا التحالف تَسقط جميع الذرائع والسياسات التي أوصلت دول المنطقة الغليان والتطرّف والسلوكيات التي ترفضها الأنظمة الدولية،، ومعه سيزول الاستقطاب العاطفي الذي يستهوي المندفعين وستتراجع أجيال الأمة عن سلوك طريق الانتقام بعد أن تنتهي المظالم ويفشو العدل. وظهور إعلان التحالف الإسلامي الذي أعلن عنه في المملكة العربية السعودية دولة العدل والخير ومعها تأييد عشرات الدول الفاعلة والمؤثرة ممكن أن يكون محور التحالف الذي تنشده أجيال الأمة الإسلامية؛ ليحل محل التحالفات المصلحية التي تضحك به الدول الكبرى على أذقان حكومات دول المنطقة وتخدع به شعوب الأمة،، وستتراجع أمامه كل الدول الطامعة بالأمة التي تحلم أن تهيمن على دول المنطقة وتصادر وجودها وتحتل أرضها.. وعندما يكون تطبيقاً حقيقياً على أرض الواقع والفعل والتأثير ستنتهي معه كل المشاكل وتزول مع كل السلوكيات والسياسات الخاطئة وتندحر كل المؤامرات وتفشل كل المخططات التي تريد النيل من الأمة ودولها. أثر الصراع الجاري في العراق وسوريا على دول الخليج العربي د. فراس الزوبعي كاتب وباحث من العراق ليست دول الخليج العربي بمنأى عن الصراع الدائر في العراق وسوريا، ليس في الصراع الحالي فحسب، بل في كل الاضطرابات والحروب التي حدثت في السابق إذ كان تأثرها واضحا، وفي الحرب العراقية الإيرانية خير مثال وشاهد، لكن الصراع الحالي كان وقعه أكبر وآثاره أشد على دول الخليج العربي وبنسب متفاوتة فيما بينها، وقد اتضح هذا الأثر في جوانب عدة أهمها الجانب الأمني والاقتصادي والاجتماعي، ولا شك فإنها آثار سلبية، لكن من بين هذه السلبيات تظهر بعض الإيجابيات التي انعكست على المجتمع والدولة، وهنا ترد مجموعة أسئلة، أهمها: لماذا كان للصراع في العراق وسوريا أثر كبير على دول الخليج العربي بشكل واضح وكبير؟ ومن هو محور هذا الصراع ومحركه الأساس؟ وما هو الأثر الأمني لهذا الصراع على دول الخليج العربي، وما هو الأثر الاقتصادي، والأثر الاجتماعي؟ وكيف تبرز في خضم كل هذه المشكلات جوانب إيجابية لهذه الآثار. لقد وقع المحتل الأمريكي في خطأ كبير وجسيم عندما قضى على الدولة عند احتلال العراق، فحل المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية ووزارة الإعلام وكثير من مؤسسات الدولة التي بدونها لا يمكن أن تسمى الدولة دولة، ومع القضاء على الدولة بقي المجتمع فانفرط عقده وتوزعت الولاءات والانتماءات والكيانات على جهات مختلفة ومتقاطعة فكريا ودينيا وإيديولوجيا، كانت أمريكا تريد تجربة نظرية "الفوضى الخلاقة" وإن شئت فقل "الهدامة" وفي هذه النقطة يظهر الاختلاف الكبير بين المحتل الأمريكي والمحتل البريطاني الذي سبقه بتسعين سنة تقريبا، ومع أن كلاهما احتلال بغيض، لكن المحتل البريطاني تحمل مسؤولياته تجاه البلد المحتل وعمل على الحفاظ على مؤسسات الدولة العثمانية بل طورها، فأصبح ضباط الجيش العثماني العراقيين قادة للدولة الحديثة في العراق التي كانت وقتها المملكة العراقية، أما أمريكا فبعد أن عملت عكس ذلك ودمرت مؤسسات عمرها عشرات السنين عادت لتبنيها باللصوص والمجرمين والطائفيين، ونتيجة فعلها هذا فأن العراق لم يعد دولة بالمعنى السياسي للدولة وإنما مجموعة كيانات وهذا خلل كبير حصل في الأمة كما أن الحالة في سوريا مقاربة مع وجود الحكم المركزي، لكن في المحصلة النهائية لا يوجد هناك طرف واحد يحكم في كلا البلدين ولا يمكن لأحد أن يدعي ذلك، والأهم من ذلك كله أنه لم يعد هناك وجود حقيقي لبلد اسمه العراق وآخر اسمه سوريا بحدودهما المعروفة، فهذه الحدود موجودة فقط في مكاتب وزراء الخارجية لكلا البلدين أما على الأرض فالخارطة مختلفة تماما ومتغيرة أيضًا، كما أن الأرض أصبحت ساحة لتصفية الحسابات تنفذ عليها مشروعات لدول أخرى لا علاقة لها بالبلدين، ولا شك أن هذا الحال بهذه الصورة يعد سببا مهما في كون أثر الصراع جاء شديدا ومختلفا على دول الخليج، لكنه ليس السبب الوحيد فهناك أسباب أخرى منها أن أرض العراق وسوريا فيها أكثر من لاعب دولي ليست دول الخليج العربي واحدا منهم، فالدول الستة لم يدخل أيا منها لاعبا أساسيا مباشرا في هذا الصراع، كما أنها لا تملك استراتيجية بعيدة الأمد واضحة الأهداف في العراق وسوريا واختارت أن لا تتدخل على عكس الأطراف الأخرى التي لها استراتيجيات بعيدة بما فيها تنظيم الدولة "داعش" الذي له تكتيكات آنية ويجيد التعامل مع المتغيرات لصالحه، هذه الدول والمنظمات تشارك في عملية تحول استراتيجي كبيرة في العالم، لم تحدث منذ الحرب العالمية الأولى، في حين تبتعد دول الخليج عنها، هذا بالإضافة إلى أن دول الخليج العربي لها أهداف مختلفة، هذه الأمور بمجموعها تجعل أثر الصراع مختلفا هذه المرة على دول الخليج العربي. أما محور هذا الصراع ولاعبه الرئيس فهو إيران التي وجدت في احتلال العراق فرصة ثمينة لابتلاعه والسير بمشروعها الحالم بإعادة تشكيل امبراطورية فارس، فاستخدمت كل ميليشياتها وعملائها الذين احتضنتهم سنين طويلة لهذا الغرض، ولتحقق أهدافها أثارت الفوضى ونشرت القتل والدمار والتهجير وقدمت المساعدة لأمريكا بشتى أنواعها، وراهنت على الصراع الطائفي ونجحت فيه إلى حد كبير، وهنا لابد من الإشارة إلى أن إيران تدير هذا الصراع وعينها على محيط العراق ومنه دول الخليج العربي لا سيما الكويت والبحرين وأجزاء من المملكة العربية السعودية وبالتالي فإن إدارتها لهذا الصراع جاءت بطريقة تخدم توجهاتها مع دول الخليج العربي، وعليه لا بد أن تكون لهذا الصراع آثاره على دول الخليج، وبعد سنوات من إدارة الصراع في العراق حصل ما سمي بالربيع العربي واشتعلت النار في سوريا التي كانت إيران حاضرة فيها من قبل وجاهزة لأخذ زمام قيادة الصراع هناك أيضًا، فتوسع نشاطها وأصبح خط الصراع أطول من ذي قبل. هذا الصراع أول آثاره على دول الخليج العربي هو الأثر الأمني، فالعراق الذي كان درعها على الجبهة الشرقة حتى بعد أحداث غزو الكويت وفرض الحصار عليه، أصبح اليوم ممزقا يمر بمرحلة تفكك وتصدع وانقسامات ولا يقوى على صد الخطر الفارسي عن نفسه فضلا عن قدرته على صد الخطر عن دول الخليج العربي، وبات بوضعه الجديد يشكل خطرا على دول الخليج العربي، وهذا الخطر نابع من جملة أمور أهمها أنه تحول من دولة مؤسسات إلى دولة ميليشيات فأصبح مثالا لمفهوم الدولة الفاشلة حتى أن آخر دراسة في هذا الجانب خلصت إلى أن العراق احتل المركز الثاني في الدول الفاشلة في حين تصدر المركز الأول الصومال التي لا يوجد أفشل منها في العالم أما العراق فلا يوجد أفشل منه إلا الصومال وهي الدولة الوحيدة التي يعد العراق متقدما عليها، وانعكاسات هذا الفشل تؤثر سلبا على أمن واستقرار دول الخليج العربي. كذلك فقد تحول العراق إلى أرض خصبة جاذبة وحاضنة ومفرخة للجماعات المسلحة القادمة من خارج الحدود والتي يصنفها العالم منظمات إرهابية كتنظيم القاعدة في السابق وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" حاليا، وعشرات الميليشيات الشيعية التي تمارس الإرهاب تحت ظل وحماية الحكومة ودعمها وتمويلها، وكل هؤلاء يجدون في دول الخليج أهدافا مشروعة لعملياتهم فهم يعادون حاكمها وشعوبها علنا، يضاف إلى ذلك أن المشروع الإيراني اتخذ من العراق منطلقا له، ولا شك أن هدف إيران إسقاط أنظمة الحكم في دول الخليج والسيطرة عليها، كما أعلن أتباعها أكثر من مرة في مملكة البحرين، ومن هرب منهم من دولة الكويت إلى لندن، وأخيرا التمدد الشيعي الذي انطلق من العراق أيضًا وأخذ يتوسع في أكثر من بقعة وضاعف نشاطه في دول الخليج العربي، كل هذه أمور تشكل الخطر الأمني على دول الخليج والتي بات أثرها واضحا ولها فعاليات على أرض الواقع ففي المملكة العربية السعودية بدأ أتباع إيران بالتململ في المنطقة الشرقية من المملكة مستغلين أوضاع الصراع في العراق وسوريا، وكذلك الحال في دولة الكويت، أما في مملكة البحرين فكان الوضع أشد تعقيدا عندما حاول أتباع إيران بتنفيذ انقلاب عام 2011 تحت عنوان الحراك السياسي والمظلومية الزائفة، ولم يجرؤوا على هذه الفعلة لولا أنهم شعروا بالاستقواء بعد تمكن إيران من احتلال العراق، وحتى بعد أن فشل انقلابهم لا زالت العصابة الحاكمة في بغداد تعلن عن دعمها المتواصل لجموع الغوغاء التابعين لإيران في البحرين وتقدم لهم التدريب عندما يسافرون إلى العراق بحجة أداء مراسم الزيارة، وأكثر من ذلك فهي ترسل لهم الأسلحة عبر البحر وقد ألقت السلطات الأمنية في البحرين القبض على زورق محمل بالأسلحة قادم من العراق إلى البحرين، والحال في دولة الكويت لا يختلف كثيرا عن الحال في مملكة البحرين، فقد اكتشف السلطات الأمنية هناك شبكة إرهابية تابعة لإيران تخزن أسلحة بكميات كبيرة تحت الأرض، ولا شك أن هذه الأحداث أثرت على الجانب الأمني في دول الخليج العربي وجاءت كلها عقب الصراع في العراق وسوريا ومرتبطة به. أما الأثر الاقتصادي فهو كبير وخطير وقد بدأت إرهاصاته عند بداية اندلاع الصراع في العراق وتغير مشهده الذي أربك دول الخليج التي لها حدود برية معه وبدأت تضع في حساباتها تكلفة تأمين حدودها مع العراق، مرة من تنظيم القاعدة وخلفه "داعش" وتارة أخرى من الميليشيات الشيعية التي تجاوزت التهديد إلى القيام بعمليات عسكرية كتلك التي حصلت باتجاه الكويت عندما أطلقت إحدى الميليشيات المرتبطة بإيران صواريخها التي وقعت في أرض الكويت، كذلك فإن استمرار الصراع يجعل دول الخليج مشغولة بنفسها الأمر الذي يؤثر على برامجها الداعمة لبعض الدول العربية مثل مصر ولبنان والأردن، بالإضافة إلى أن دول الخليج العربي لم تعد قادرة على جذب الاستثمارات الأجنبية إلى أراضيها كما كانت في السابق بسبب الصراع الدائر في المنطقة كونها أصبحت منطقة غير مستقرة مع أن دول الخليج لا تشهد هذا الصراع، الأمر الذي كبدها بعض الخسائر نتيجة تراجع الاستثمارات الأجنبية، وما زاد الطين بلة تراجع أسعار النفط، وقد صدر تصريح عن بنك الكويت الوطني في وقت سابق أشار إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر في دول مجلس التعاون شهد تراجعاً للعام الخامس على التوالي خلال العام 2013، وذلك وفقاً لتقرير الاستثمارات العالمية السنوي الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) للعام 2014، حيث تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في دول المجلس من 28 مليار دولار في العام 2012 ليصل إلى 24 مليار دولار العام الماضي 2013، بتراجع قدره 14.6%، وجاء هذا التراجع في قيمة الاستثمارات في الوقت الذي يشهد الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً تقدما. وإذا تفاقمت الاثار الاقتصادية عن وضعها الحالي فستقابل بتذمر شعبي وهذا له تبعات غير محمودة على دول الخليج العربي. أما الآثار الاجتماعية فهي الأخطر لأن الصراع الدائر في العراق وسوريا أدى إلى الاصطفافات الشعبية داخل دول الخليج، فمشاهد العنف والقتل والتفجير والتهجير أدت إلى تكتلات مع هذا الفريق أو ذاك خصوصا وأن الصراح اخذ شكلا طائفيا وأن التنوع الطائفي واقع في دول الخليج العربي، والنتيجة أن تخلخلا معينا حصل في البنية الداخلية للخليج، وإذا تفاقم هذا الامر سيؤدي إلى عدم الاستقرار في المستقبل. وفي خضم كل هذه الآثار السلبية للصراع الدائر في العراق وسوريا على دول الخليج العربي تبرز إيجابيات تعد أثرا لهذا الصراع، فقد أدرك مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي خطورة الجار الإيراني عليهم، وتنبهوا لعدو يعيش بينهم ويحمل هويتهم لكن ولائه لإيران بالكامل ويسعى جاهدا لجعل بلاده خاضعة لإيران منضوية تحت مشروعها، وعرفوا كيف يتعاملون معه داخليا خصوصا وأن هذا العدو كشر عن أنيابه وأظهر ولاءه لإيران رافعا برقع التقية، وأصبح الخطر الإيراني هاجس كل من يعيش على أرض دول الخليج العربي، ووصلت بعض الدول إلى قناعة بضرورة الحد من الخطر الإيراني والتعامل معها خارج حدود دول الخليج. بعد كل ذلك فإن الصراع في العراق وسوريا لا يمثل شأنا داخليا فآثاره تعد الحدود وأثرت على دول كثيرة منها دول الخليج العربي، ولا بد لهذه الدول أن يكون لها استراتيجية بعيدة الأمد للتعامل مع آثار الصراع ومحاولة إخماده خارج حدودها وأن تكون لاعبا أساسيا في منطقة الصراع لتدرأ عن نفسها الخطر. * دول المركز هي مجموعة القوى الكبرى التي تتحكم في مسار كبريات القضايا وتضع قانون اللعبة العالمية ويعرفه الدكتور أكرم حجازي في مقال له نشر في مركز المراقب للدراسات بتاريخ 16-6-2011 تحت عنوان تأملات في شريط العاصفة الشعبية بأنه النظام الذي أرست قواعده القوى المنتصرة بعد الحربين العالميتين، الأولى والثانية، ليس فوضويا ولا عبثيا. فهو منظم تنظيما محكما يخدم مصالح هذه القوى، ويدار بطريقة صارمة. لكنه، بطبيعة النشأة، نظام تحكمه القوة وقيم الهيمنة والاستعلاء والتمايز بين البشر على مستوى الجغرافيا والجنس واللون والدين والرأسمال والثقافة. فلا حق ولا باطل ولا صواب أو خطأ ولا عدل أو مساواة إلا ما تراه القوى الكبرى أو « المركز».أما « الهامش» أو القوى الضعيفة، التي لا شأن لها في بناء هذا النظام، ولا هي دعيت إلى المشاركة في بنائه، فعليها أن تقبل به وتجتهد، في إطاره، لكي تبقى وتستمر، أو لتحظى ببعض الحقوق أو الامتيازات. أما أن تخرج عن النظام أو أحد أركانه فعليها أن تتحمل ما ينتظرها من عواقب وخيمة. معادلة تنطبق على الدول والشعوب والمؤسسات والجماعات والأفراد .. ([1]) مقال نشر له في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 19 نوفمبر 2015 (2) عبد اللطيف سعدون-إنها طبول الحرب http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/12/1/%D8%A5%D9%86%D9%87%D8%A7-%D8%B7%D8%A8%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8#sthash.2S7SaFPC.BoCKhW2c.dpuf (3) الدائرة الكبرى هي مجمل النظام الدولي أما بقية الدوائر فهي تعبر عن بقية المكونات التي تتمركز الولايات المتحدة في وسطها كمركز ثقل (أو نواة النظام الدولي بالمفهوم الفيزيائي) وحولها تدور بقية قوى المركز التي تشارك أمريكا القرار الدولي (يمكن أن نسميها إلكترونات النظام الدولي) بينما تمثل الدوائر الأقل حجما دول هامش النظام الدولي وتليها دول هامش الهامش والتي يكون دورها أكثر من ثانوي في هذا النظام العالمي (4) (http://www.badil.org/ar/publications-ar/periodicals-ar/haqelawda-ar/item/1956-art3.html) (5) حوات(محمد علي)،العرب وأمريكا:من الشرق أوسطية إلى الشرق الأوسط الكبير،ط 1،مكتبة مدبولي،القاهرة،2006،ص 152. (6) خطاب أوباما يوم 2 أكتوبر 2002 في مدينة شيكاغو. 8 "نسرين جاويش" - دراسة بعنوان "الويلسونية الجديدة: تحولات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بعد الثورات" http://www.siyassa.org.eg/NewsQ/2213.aspx 9 الباحث "ميشال شيسدوفسكي"- المعهد الكندي "غلوبال ريسارش" http://www.globalresearch.ca/was-washington-behind-egypts-coup-detat/5341671 10 (دينيس روس -مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى- http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/success-in-syria-depends-on-influence-in-moscow) 12 مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى هو أحد أهم المراكز البحثية المؤثرة في السياسة الخارجية الأمريكية 13 محمد المصري سياسات الولايات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط - مجلة سياسات عربية العدد السابع مارس 2014 14 دكتور أكرم حجازي - الثورة السورية ومسارات التدويل: « الكمائن» و« الهررة»- (13-1)- 18مارس 2013 موقع المراقب للدراسات ([2]) هنري كسينجر : الأولويات الإستراتيجية لأمريكا في الشرق الأوسط (مقال منشور على موقع سي إن إن). ([3]) د. عبدالستار، عمر، أثر النظام الدولي والاقليمي على تمدد داعش أو انحسارها، ندوة أقامها (موقع الخليج أونلاين، اسطنبول، 10 يناير/كانون الثاني 2015) بتصرف. ([4]) هاغل، تشاك، وزير الدفاع الأمريكي السابق، في محاضرة أمام "منتدى أمن الخليج" في البحرين، نقلاً عن، (وكالة الأنباء الفرنسية، 7 ديسمبر/كانون الأول 2013). ([5]) (موقع الجزيرة نت، 7 يوليو/تموز 2015). ([6]) أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية. ([7]) مصطلح "الشرق الأوسط" بالنسبة لروسيا هو: جزء من "الشرق الكبير" الذي يمثل عندها إحدى وخمسين دولة شريكة في منطقة المحيط الهادئ والشرقين الأدنى والأوسط وآسيا الوسطى والجنوبية، ولا شك أن هناك تبايناً في دور كل من هذه الدول الخاص في سياسة روسيا الاتحادية الخارجية.. فهناك دول يؤمها الكثير من الأثرياء الروس للاستجمام، وهناك شركاء استراتيجيون تتميز العلاقات معها بعمق خاص وبمغزى كبير. ينظر: عودة روسيا إلى الشرق الكبير، تأليف: س. غ. لوزيان، ترجمة: د. هاشم حمادي، طبع دار المدى (بيروت ـ لبنان)، الطبعة الأولى (2012 م): ص 9]. ([8]) ينظر: القوة العسكرية وسياسة الطاقة.. بوتين والبحث عن "العظمة" الروسية، تأليف: بافل باييف، الطبعة العربية من نشر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية (أبو ظبي ـ الإمارات)، الطبعة الأولى، تاريخ الطباعة (2010 م): ص (7 ـ 8). ([9]) ينظر: الشراكات الاستراتيجية في آسيا.. توازنات بلا تحالفات، تأليف: فيديا نادكارني، الطبعة العربية من نشر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية (أبو ظبي ـ الإمارات)، الطبعة الأولى، سنة الطباعة (2014 م): ص 253. ([10]) ينظر: الاستعمار والفراغ في الشرق الأوسط، تأليف: ماهر نسيم، طبع المطبعة العالمية (القاهرة ـ جمهورية مصر العربية)، الطبعة الأولى، سنة الطبعة (1957 م): ص 19. ([11]) الاستعمار والفراغ، ماهر نسيم: ص 97. ([12]) الاستعمار والفراغ، ماهر نسيم: ص 105. ([13]) ينظر: أزمة الدبلوماسية العربية، تأليف: الدكتور بطرس بطرس غالي، طبع دار لكتاب العربي (القاهرة ـ جمهورية مصر العربية)، سنة الطباعة (1969 م): ص 30 وما بعدها. ([14]) ينظر: الإمبراطوريات.. منطق الهيمنة العالمية من روما القديمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تأليف: هيرفرد مونكلر، الطبعة العربية من نشر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية (أبو ظبي ـ الإمارات)، الطبعة الأولى، سنة الطباعة (2008 م): ص 97 وما بعدها، وص 261 وما بعدها. ([15]) ينظر: السياسة الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية، تأليف: فاخروشيف ـ طبع دار التقدم (موسكو ـ روسيا الاتحادية)، من دون تاريخ للطبع: ص 177 ـ 178. ([16]) ينظر: الشراكات الاستراتيجية في آسيا.. توازنات بلا تحالفات، تأليف: فيديا نادكارني: ص 8. ([17]) تشريح نزاع الشرق الأوسط، تأليف: يفغيني ماكسيموفييتش بريماكوف، ترجمة: سعيد أحمد، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي (دمشق ـ سوريا)، سنة الطبع (1979 م): ص 137. ([18]) صناعة القرار في روسيا والعلاقات العربية ـ الروسية، تأليف: نورهان الشيخ، طبع مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت ـ لبنان)، الطبعة الأولى، سنة الطباعة ( 1998 م): ص 51. ([19]) موقع البشير للأخبار، رابط الموقع الرسمي:)3)
وتطويرها خطوة خطوة لإعادة صياغة الإقليم ضمن تحالفات دولية متعادية !
الجذور التأريخية والأبعاد والتأثيرات المستقبلية