

جهاد بشير انقضى نصف عام من عمر الحراك الشعبي والجماهيري العراقي، الذي شهدت أيامه سلسة من التطورات أكسبت المشهد زخمًا بدا على بعض سماته شيء من التعقيد على الرغم من أن منهجه من حيث الغاية والوسائل واضح لا يكدّره لبس.. لكن وبعد الأشهر الستة متصاعدة الأحداث؛ من المهم أن تعاد مجددًا قراءة واقع حال العراق عمومًا، ومدن الثورة منه على وجه خاص، لاسيما وأن للمشروع المقاوم دورًا بالغ الأهميّة في تحديد مصير الحراك لا يقل عن دور أدوات العملية السياسية في ذلك، إنما كل واحد من الدورين يناقض صاحبه في الاتجاه والمطلب. بدأ الحراك الجماهيري والشعبي العراقي أواخر العام المنصرم بمطالب وجهتها الساحات إلى الحكومة تبتغي الحصول فيها على حقوقها التي سلبت منها وإزاحة سوط الظالم المتسلط على ظهور أبنائها جهارًا نهارًا، وفي الحقيقة فإن الجماهير خرجت وغايتها بناء مرحلة جديدة بعيدًا عن النظام الحاكم في العراق، أسوة ببلدان الربيع العربي، وقد ظهر هذا الأمر بجلاء في الشعارات التي رُفعت تنادي بصراحة بإسقاط النظام، وعكست ترجمة هذه الشعارات إلى لغات أخرى كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية وحتى الفارسية؛ مدى وعي الجماهير التي تطالب بذلك وهي تريد مخاطبة الرأي العام العالمي الذي وقف حتى اللحظة عاجزًا عن أن يتفوه بكلمة. وبغض النظر عن حقيقة ما اتقدت شرارة الحراك لأجله؛ فإن أشخاصًا بعينهم ممن لديهم حظوظ ومصالح في العملية السياسية سواء على مستوى وزراء أو نواب؛ فضلاً عن أحزاب أخرى كانت تبتغي صيدًا من انتخابات مجالس المحافظات؛ استطاعوا التسلط على منصات الساحات مستغلين ثقل عشائرهم من جهة والضوء الإعلامي الذي اشتروه بأموالهم من جهة أخرى، ليُظهروا أن مطالب الجماهير هي مجرد حقوق مسلوبة يريدون استرجاعها، ومصالح مغيّبة يبتغون تحصيلها، فحاربوا بشدة مطالب إسقاط النظام، وتحسسوا بشكل لافت من النداء المطالب بإسقاط الدستور، والسبب الأبرز في ذلك هو أنهم جزء من المنظومة التي تطالب الجماهير بإسقاطها. إن (النظام) في العراق بعد 2003 لا يمكن حصره بصورة مجرّدة بالحكومة ومؤسساتها، وهذه من النقاط التي ينبغي أن يتميز بها الحراك العراقي عن بقية حراكات الربيع العربي ويكتسب منها خصوصية، فالحكومات التي تعاقبت على مدى السنوات العشر من عمر الاحتلال ليست إلا محطات يمر عبرها مشروع الاحتلال، وعليه فإن توصيف النظام في العراق يكون بأنه منظومة تتألف من (العملية السياسية) و(الدستور) الذَيْنِ صنعهما الاحتلال، فيما لا تعدو حكومة المالكي ـ وهي امتداد لأربع حكومات سبقتها ـ كونها أكثر من أداة تنفيذية للمخطط الاستراتيجي لهذا النظام. إن العملية السياسية مشروع واسع متعدد الوجهات والمحاور، فقد تعمّد الاحتلال أن يجعله قائمًا على أسس من المحاصصة التي ألقت بظلالها على مسار الأحداث في العراق سواء على الصعيد الطائفي أو العرقي، أضف إلى ذلك قابلية المنتمين إليه في طاعة رجال واشنطن في المنطقة الخضراء وصيرورتهم أدوات لهم تعمل على إذكاء الصراع وتهيئة أجوائه، وعكس نتائجه وتداعياته على الشعب ليأخذ الوضع شكلاً مغايرًا لحقيقته، كل ذلك وفق برنامج الاحتلال الذي يحرص على تقسيم العراق وإعادة رسم خارطة المنطقة، فجنّدهم لتنفيذه مقابل مكاسب منحهم إياها.. وبعيدًا عن الخوض في تفاصيل هذه الأمور التي صارت من البدهيات بالنسبة للمتابعين للشأن العراقي والمختصين فيه، فضلاً عن العراقيين أنفسهم؛ فإن النظام من منظار المصطلح هذا ودلالته على أرض الواقع؛ هو النقطة الأساس التي ينبغي أن تقف عندها دراسة المشهد الذي يرسمه الحراك الشعبي والجماهيري العراقي. وعلى ضوء ذلك؛ فإن العملية السياسية تحوي طائفة من التوازنات المنسجمة مع مصالح الاحتلال وخططه الإستراتيجية، موزعة مهمات المحافظة عليها على الأحزاب المشاركة فيها، وبغض النظر عن المقابل الذي من المفترض أن تستحصله هذه الأحزاب؛ فإنها ملزمة بالمحافظة على هذه التوازنات، ووجه الإلزام ظهر بوضوح في الخطاب شديد اللهجة الذي تلقته أدوات العملية السياسية من وزير الخارجية الأميركي (جون كيري) حينما وصل المنطقة الخضراء في بغداد على حين غفلة من أهلها في الرابع والعشرين من آذار/ مارس الماضي بعد نحو ثلاثة أشهر من انطلاق الحراك الجماهيري العراقي، وخاطبهم ساخطًا بالقول: "عندما يكون التوافق غير ممكن يتعين على المستائين عدم الانسحاب من المنظومة، يجب ألا ينسحبوا..."، فكانت هذه الأوامر المعلنة وغيرها مما هو خفي؛ عوامل حسم بالنسبة للمتسلقين على منصات الحراك، فاتخذوا القرار القاضي بإضعاف الثورة وتحييدها بما لا يتقاطع مع العملية السياسية، ومن هنا اختلفت المفاهيم بين الشارع العراقي الثائر وبعض المنصات التي تحاول حرف بوصلة مساره عبر المتصدرين لها. عمد السياسيون الذين اضطلعوا بمهمة إفشال هدف الحراك وتوجهاته الحقيقة إلى سلوك طريقين، أحدهما: محاولة السيطرة على مراكز صنع القرار في الساحات وبوتقة الخطاب الإعلامي الصادر عنها ضمن إطار محدد لا ينتقد العملية السياسة ولا يأتي على دستورها بالذكر مطلقًا، بل وصل الحال إلى التغييب القسري للافتات الجماهير التي تنادي بإسقاط النظام أو تدعو إلى عدم الاعتراف بالدستور، والطريق الآخر: الهجوم الإعلامي الذي غايته تسقيط القوى الوطنية الرافضة للاحتلال وفي طليعتها هيئة علماء المسلمين، وإزاحتها من المشهد، وتشويه سمعتها عبر تلفيق الأكاذيب واستئجار أشخاص غزوا صفحات التواصل الاجتماعي فسكبوا فيها من سوء الأدب الشيء الكثير، كل ذلك بصورة ممنهجة هدفها الإضرار بالمشروع الذي يناهض العملية السياسة ونظامها، وفق النظرية التي تتبعها الفرق الباطنية بـ"أسقط الناقل؛ يسقط المنقول"، وذلك بعدما أظهروا عجزًا تامًا طوال عقد من الزمان عن مجابهة مشروع هذه القوى الذي يتحلى بالحجة البالغة والمنطق الدامغ. لقد أجادت أدوات العملية السياسية ـ بعد سطوها على بعض منصات ساحات الحراك ـ إلى حد كبير اللعب على وتر الطائفية فاستلهبت مشاعر الجماهير، وحرّضتهم بالخطاب الطائفي المصطبغ بالمظلومية، وعبأتهم بقوة لغرض عزل الشعب العراقي وسلخه عن نسيجه المألوف الذي تعكسه حالة التعايش منذ قرون عديدة خلت؛ واتخذت في سبيل ذلك؛ إعلان الحرب على القوى الوطنية الرافضة للاحتلال والعملية السياسية من جهة، والترويج لأحد أبرز مشاريع تلك العملية وهو تقسيم العراق بدواعي الفيدرالية والأقاليم على أسس طائفية صرفة، في الوقت الذي تواصل حتى الآن كبح الثوار عن استخدام حقهم في الدفاع عن أنفسهم أو انتزاع حقوقهم بالقوة، فكان ذلك من أهم العوامل التي أدخلت الحراك في دوامة من الأزمات استغلتها الحكومة الحالية بإطلاق العنان لميليشياتها في بغداد وسمحت للحرس الثوري الإيراني بمشاركة القوات الحكومية باقتحام ساحة الحويجة وقتل وجرح مئات المدنيين العزّل. إن سلوك الحكومة هذا منسجم تمامًا مع مطالب دعاة الفيدرالية الذين يحاولون بصورة دائمة إيهام الجماهير حكومة نوري المالكي ومن خلفها إيران لا تدعمان خيار الأقاليم، ويغضون الطرف عن أنهم جميعًا مُكلّفون بتطبيق برامج مراحل العملية السياسية وفق مقتضياتها الاحتلالية وفي مقدمة ذلك تقسيم العراق الذي يمر عبر بوابة الفيدرالية التي نص عليها الدستور وجعلها ركنا أساسًا لتمرير بقية مشاريعه في المنطقة التي يخطط الغرب لإعادة رسم خارطتها وفق ما يعبر عنه بعض المراقبين بتسمية سايكس بيكو جديدة.. لذا فإن الخطر المتحقق جرّاء مشروع الفيدرالية أكبر مما يتصوره ثوّار الحراك العراقي، وإذا بقيت خدعة السياسيين منطلية عليهم فلن تتمكن أجيالهم القادمة من إيجاد موضع قدم للعيش على هذه الأرض، فالتداعيات التي سوف يخلفها الإقليم كفيلة بإشعال حرب لا هوادة فيها، تتميز بأنها متعددة الجبهات ومتداخلة أراضي الصراع فيها، حرب ستتجاوز الاعتبار الطائفي، لتشمل اقتتالاً داخليًا بين أبناء الطائفة الواحدة أنفسهم. ومن هنا، وبعد أن بلغ الحراك مبلغه؛ يُعد من الجنون على الثوار أن يرجعوا عنه؛ فإن الواجبات المناطة بهم من أجل الوصول توصيف الحراك الشعبي الثوري بأنه ناجح يؤتي أكله ويجني ثماره المنشودة؛ تتمثل بما يأتي: أولاً: العمل على إسقاط النظام الحالي في العراق، وتقويض منظومته بكافة أجزائها، بدءًا بحكومة المالكي الحالية التي توصف بأنها أسوأ السيئات قياسًا إلى الحكومات الأربع التي سبقتها؛ ومرورًا بنقض الدستور المليء بالألغام الكفيلة بتدمير العراق أرضًا وشعبًا واقتصادًا وتاريخًا، وانتهاءً بالتحرر الكامل من آثار الاحتلال بمحو العملية السياسية وهدّ جميع أركانها.. ويتم ذلك بمواصلة الاعتصامات وتكثيفها وزيادة زخمها، وتصعيد الخطاب المناهض للعملية السياسية وذلك اعتمادًا على الاستعداد الكامل لاستخدام القوة في الدفاع عن الساحات والمدن المحتضنة لها في حال تعرضت لهجمات من جانب الحكومة أيًا كان شكل هذه الهجمات. ثانيًا: صد كل المحاولات الرامية إلى تقسيم العراق وتمزيق نسيج مجتمعه، وذلك بالعمل على إقصاء السياسيين المنتمين إلى العملية السياسية من موضع صنع القرار في الحراك، وإبعادهم نهائيًا عن ساحاته، وهنا يكون للثوار الدور الأبرز في هذه الجزئية ببلورة الأفكار الثورية إلى برامج تطبيقية تطغى على الأوهام التي يُروّج لها ثلة من الحزبيين الذين يبتغون الصعود مجددًا على أكتاف قاعدة الحراك الشعبية، مثلما استغلوها للوصول إلى كراسي المناصب في مجالس المحافظات والمجلس النيابي التي لم تعطِ العراقيين ما يسمنهم أو يغنيهم من جوع. ثالثًا: لا بد من نشر ثقافة احترام العلماء الربانيين التي غيّبها تهور السياسيين، وعلى الثوار أن يدركوا أن العالم الشرعي سياسي محنك يدرك مآلات الأمور ومتمرس بفقه الواقع، لا كما يصوّره لهم سذج السياسة بأنه مقتصر على القضايا الفقهية وليس له شأن بجوانب الحياة الأخرى، فإن هذه المحاولات تأتي في إطار سلخ هوية الإسلام الحقيقية من المجتمع العراقي تمهيدًا لإلباسه ثوبًا آخر لا يمت إلى تعاليم الدين بصلة، بغية فصل الدين عن الحياة، وجعل الإسلام أمرًا مقتصرًا على عبادات محددة، ليتسنى للحرب الصليبية العالمية أن تؤدي دورها مجددًا وتحقق أهدافها بوسائل جديدة. رابعًا: إن التسليم باستبعاد خيار القوة في الحراك الجماهيري العراقي؛ كفيل بهدم بنيانه ونقض أسسه، فإن ساحات صلوات الجمعة في كل أسبوع صاخبة بنداء الجماهير؛ الشعب يريد إعلان الجهاد، وهي الجماهير أنفسها التي تنادي؛ الشعب يريد إسقاط النظام، ومن هنا فإن ثوار الحراك يدركون عمّ يتحدثون، فلقد وصلوا إلى قناعة كافية بأن القوة هي الأداة الأنجع لنضج ثمار حراكهم، وتجلت هذه النظرة بوضوح بعد أحداث الحويجة، وبلغت ذروتها بعد مجزرة جامع سارية بديالى، وحينما علت الأصوات الداعية إلى تشكيل جيش العشائر، رأينا جحافل الشباب الذين هبوا لتلبية نداء الميدان، ولذا فإن التفريط بهذه الطاقة التي منحها الله معشر الشباب ستؤدي إلى انتكاسة عظيمة تُجبر الأجيال القادمة أن تكتب في تاريخها لعنات على أسلافهم لأنهم أهدروا كنوزًا وثروات كان من المفترض أنها سبب لتحقيق كرامة العيش والظفر بالحرية والإنعام بالخير الذي وهبه الله لهذه الأرض. إن الفقرة (رابعًا) لا تتقاطع مع ما تبتغيه الفقرة (أولاً)، بل هي مكملة لها وداعمة لأهدافها، فعلى ثوار الربيع العراقي وحراكه التوفيق بين غايات الحراك وأهدافه من جهة ووسائل تحقيق تلك الأهداف من جهة أخرى، وذلك بالنظر في الإمكانيات التي يتحلى بها الثوار للوصول إلى المبتغى إزاء موقف الحكومة ورعاة العملية السياسية الذين لن يخطر على بالهم إعطاء الثوار مبتغاهم بمجرد المطالبة. خامسًا: مما يوجب لفت النظر إليه في سياق الحديث عن الحراك؛ واقع الحال بالنسبة للاحتلال في العراق، فإن الذين خذلوا المقاومة فيما مضى؛ ما انفكوا يروّجون أكاذيب إدارة أوباما بالانسحاب المزعوم محاولين إقناع الرأي الشعبي العراقي بان الاحتلال كان مقتصرًا على الوجود العسكري فقط، ولا ريب أن هذه من كبرى المغالطات التي تفعل فعلها في اتخاذ جلّ القرارات بالنسبة لمختلف الاتجاهات الناشطة في القضية العراقية عمومًا. إن الوجود العسكري الذي رافق الاحتلال ما هو إلا ذراع واحد من أذرعته، وإن المنطق الذي يتبنى نظرية أن الاحتلال هو الجيش فقط؛ منطق خبيث يتخذ من الوهم بذورًا يزرعها في أفكار الناس، لكي يخرج بنتيجة يريد منها إكساب العملية السياسية شرعية فيفرضها على واقع العراق فرضًا دون أن يترك مجالاً للحديث عن وجوب إزالتها واستبدالها. إن الاحتلال الذي شنته الولايات المتحدة على العراق في 2003 وما يزال جاثمًا على هذا البلد؛ تركيبة مكونة من ثلاثة جوانب: الجانب العسكري: وهو الذي تكفلت المقاومة بصدّه، وعملت على كسره؛ حتى ألجأته إلى الانكماش وإعلان الانسحاب، وحتى لو سلّمنا بأنه انسحاب موهوم وأن العديد من القوات ما زالت متمركزة في قواعد داخلية وخارجية فضلاً عن شركات الحماية الخاصة؛ إلا أن المحصلة في هذه الأمر تؤكد انتصار المقاومة في المرحلة الأولى من مهمتها. الجانب السياسي: ونعني به العملية السياسية، وهي مدار البحث في حديثنا، وقد تكفل الحراك بالسير في اتجاه نقضها وإزالتها. الجانب الإعلامي: وهو الوسيلة التي يعتضد بها الجانبان، ولها الدور الأكبر في ترسيخ مشاريع الاحتلال بكافة اتجاهاتها، وصنع قناعات على المستوى المحلي أو لإقليمي أو الدولي بشأن ذلك. وعليه، فإن قصر مصطلح الاحتلال على أحد هذه الجوانب دون ربطها بالآخريْن، خطأ جسيم، لا ينبغي بحال من الأحوال أن يُتجاوز عنه أو يُسكت عمّن يُروّجه، فيكون لزامًا على الحراك أن يأخذ قادته وثوّاره هذه القضية بنظر الاعتبار عند الحديث عن قرارات أو خيارات أو استخدام وسائل تحقيق الأهداف فيه، لأن إخراج العملية السياسية من كونها ثالثة أثافي الاحتلال، لن يحرف الحراك عن مساره فحسب، بل سيعمل على أن يعود أدراجه وينتهي من حيث بدأ.