الأقاليم.. توطئة للتقسيم

21 أغسطس, 2021

الدكتور رافع الفلاحي

  المقدمة

     في اوائل شهر مايس/ مايو عام 2007، دعا نائب الرئيس الامريكي (جوزيف بايدن ) وكان انذاك عضوا في مجلس النواب الامريكي عن الحزب الديمقراطي، الى تقسيم العراق الى ثلاثة كيانات على اساس عرقي وطائفي (كردية وسنية وشيعية )، تتمتع كل منها بأدارة ذاتية وبأستقلال تام، كجزء من مفهوم( بايدن ) للحلول الناجعة والكفيلة بأغلاق ملف العراق وتأمين الخروج الامريكي من المأزق العراقي، ووقف نزيف الموارد والامكانات البشرية والمادية الامريكية التي ظلت تهدر في العراق منذ الحرب عليه واحتلاله عام  2003 ،والحيلولة قدر الامكان دون تحول هذا المازق الى كابوس مخيف ومستمر ، يعيد لاذهان الامريكيين صورة ماحدث لهم في فيتنام، التي مازالت تفاصيل هزيمة امريكا النكراء فيها ، عالقة في الذاكرة الجمعية للشعب الامريكي برغم مرور نحو اربع عقود عليها .

في السادس والعشرين من ايلول / سبتمبر من عام 2007 ، وبعد اربعة اشهر من دعوة ( جوزيف بايدن ) تلك ، التأم مجلس الشيوخ الامريكي ( وفي ظل ادارة الرئيس الاميركي السابق جورج دبليو بوش ) ، ليصوت على قرار حمل عبارة ( غير ملزم ) يقضي وفقا لمشروع واقتراحات ( بايدن )، الى تقسيم العراق الى ثلاثة كيانات وفقا للاعتبارات الطائفية والعرقية ( كردية/ سنية/ شيعية ). وكان حصول  هذا القرار على ( 75 ) صوتا لصالحه من اصل ( مائة ) مقابل ( 23 ) صوتا ضده ، مؤشرا واضحا على ان القرار قد عبر عن اتفاق نادر الحصول بين الحزب الجمهوري ( الذي كان في السلطة ) والحزب الديمقراطي ( الذي كان في المعارضة ) ، بخاصة في وقت كانت فيه الولايات المتحدة الامريكية تستعد لاستقبال الدورة الجديدة من الانتخابات الرئاسية ، والتي من المؤكد ان يسعى كل طرف فيها ( الجمهوري والديمقراطي ) الى اظهار اخطاء الاخر وعدم قدرته اوحتى عجزه في التعامل مع الملفات الحساسة والمهمة التي تتعلق بمكانة الولايات المتحدة الامريكية وبسياساتها ( الداخلية او الخارجية ) ومصالحها العليا، وبالتالي فليس من الوارد ( نظريا ) ووفقا لمعطيات الواقع وطبيعة وشكل التنافس الانتخابي ، ان يتم التوافق بين الحزبين المتنافسين على معالجة لقضية يمكن ان تكون حجر الزاوية في اقرار من سيكسب الانتخابات .. فكيف تم اذن التوافق في هذه القضية الحساسة والمهمة ،على النحو الذي عبرت به اصوات الذين صوتوا مع القرار والذين صوتوا ضده ؟ وكيف يمكن فهم  سعي حزب يسعى لنيل السلطة من الحزب المنافس، الى طرح مشروع يمكن ان يؤمن لاصحاب السلطة الخروج من مأزق له تأثير مباشر وحاسم ( اذا ما استمر ) في خسارتهم لمعركة الانتخابات ( التي جرت فيما بعد عام  2008 )، بخاصة وان هذه القضية ( قضية احتلال العراق )  سبق وان كانت  الاساس في جعل الحزب الديمقراطي يكسب جولة الانتخابات النصفية ومكنته من نيل الاغلبية في مجلسي النواب والشيوخ الامريكيين ، ومهدت له امكانية  فوز مرشحه للرئاسة على مرشح الحزب الجمهوري لها.

 ووفقا لكل ذلك يبدوان قرار مجلس الشيوخ الامريكي القاضي بتقسيم العراق ، ( ملزما ) للتوقف عنده بعد ستة اعوام على صدوره  ، والنظر في ابعاده وامكانية جعله امرا واقعا ، بخاصة في ظل دستور مفخخ سبق وان اسهم في تهيئة الارضية المناسبة لطرح مشاريع التقسيم ، من خلال ما جاء فيه من مواد خاصة بالفيدرالية وغيرها ، فضلا عن وجود قوى واحزاب على الساحة العراقية ، تجد في تقسيم العراق مصالحها التي تعبر ايضا وضمنا عن مصالح  بعض الاطراف الدولية والاقليمية التي ترتبط بها . فهل يصير ( غير الملزم ) ..ملزما ؟

التقسيم .. المشروع والواقع

--------------------------

    ليس من التهويل في شيء القول، ان قرار مجلس الشيوخ الامريكي الصادر في 26/9/2007 بالموافقة على الخطة التي اقترحها السيناتور الديمقراطي ( جوزيف بايدن ) الذي يشغل اليوم منصب نائب الرئيس الامريكي ( باراك اوباما ) ، والقاضي بتقسيم العراق الى ثلاثة كيانات عرقية ومذهبية، بأنه من اهم التطورات المرتبطة باحتلال العراق ، ولعل مبعث اهميته هذه تكمن في انه عبرعن التوجه الاميركي بالتعامل مع العراق والاهداف الحقيقية للحرب ضده واحتلاله،  فضلا عن كونه قد مثل ( من وجهة نظر العديد من المراقبين والمحللين )الطريقة ( الممكنة او المثلى ) التي يمكن للامريكيين التعاطي معهابعد  اربع سنوات(انذاك) من الاحتلال  لاخراج انفسهم من المأزق الذي بدأ يتسع ويدلل على نهايات مأساوية لايمكن تفاديها باستمرار البقاء في العراق ، في ظل استمرار نزيف الخسائر البشرية والمادية الكبيرة  ،التي لم تكن الولايات المتحدة الامريكية تتوقعها في ظل حسابات كانت ترى الحرب والاحتلال نزهة ومصدرا للثراء والنهب والسيطرة فحسب . كما ان القرار قد جاء ليفصح عن جانب مهم من الاهداف الحقيقية للحرب ضد العراق واحتلاله ، بخاصة وان الاهداف التي كانت معلنة قبل الاحتلال ، قد سقطت كلها مرة واحدة بعد ان تبين كذب الادعاء بوجود اسلحة الدمار الشامل في العراق وضرورة التخلص منها أو كذبة اقامة حكم ديمقراطي  وغيرها من الاكاذيب التي تم صناعتها بعناية في مطابخ دوائر الاستخبارات الامريكية والبريطانية. فأحتلال العراق بالكيفية التي حصل فيها ، وما افصح عنه بشكل واضح من استهداف مبيت ضد كل مايمت لحياة العراقيين من اسباب، ووضع علامات القتل والتدمير والنهب والتمزيق والفرقة على كل البشر والحجر والثروات ، قد جعل من اليسير جدا ادراك ان المستهدف هو العراق الواحد ( شعبا وكيانا وثروات )، وبالتالي فان السعي الى تقسيمه الى كيانات صغيرة ( متنافرة  ومتناحرة ) ، يبدو هدفا منطقيا وواردا في هكذا مخطط شرير ، وبخاصة اذا ما وضعنا في حساباتنا كل  ما فعلته قوات الاحتلال في العراق ، وما تنطوي عليه التجارب الاستعمارية القديمة والحديثة من محاولات لتفتيت البلدان المستعمرة( بفتح الميم ) ، واعتماد المستعمرين على اعادة انتاج واستحضار سياسة ( فرق تسد ) كدليل عمل لتحقيق اهداف العدوانات والاحتلالات.

  ان الحديث عن تقسيم العراق لم يكن وليد مشروع (جوزيف بايدن ) ولا كان بدايه التعاطي معه  مرتبطا بحيثيات قرار مجلس الشيوخ الامريكي ، فطروحات التقسيم سابقة لذلك كله ومهدت خلال سنوات عديدة لجعل التقسيم خيارا مطروحا  للتعاطي مع حالة العراق بعد تنفيذ مشروع احتلاله الذي نفذ عام 2003 ، ولعل من المؤشرات المهمة والواضحة لطروحات تقسيم العراق والتي كانت مقدمة لطرح مشروعه بنحو علني لخصه ( بايدن ) فيما بعد بنقاط محددة ،هي:

*اولا. القرارات التي صدرت بشكل غير مسبوق ( عددا واجراءات ) عن طريق مجلس الامن الدولي  منذ دخول العراق الى الكويت في الثاني من اب / اغسطسس عام 1990 ، والتي ازدادت قسوة ضد العراقيين واستهدافا لوحدة العراق ووجوده كدولة ذات كيان موحد وشعب واحد ، وفي مقدمة هذه القرارات تلك المتعلقة بفرض حظر الطيران في شمال وجنوب العراق وفقا لخطوط العرض،بعد الخروج من الكويت عام 1991،ومن ثم فرض مايسمى بالمناطق الامنة وانموذجهامحافظات الشمال ( السليمانية ودهوك واربيل )، وما يعنيه كل ذلك من محاولات واضحة للتفريق والازاحة والاستبدال والتمزيق وجعل التقسيم حالة مقبولة ( حتى وان كان الجميع يتفق على كونها حالة شاذة ويدعي –كذبا او صدقا - رفضها) .

*ثانيا. مؤتمرات ما كان يسمى انذاك ( المعارضة العراقية ) التي عقدت قبل احتلال العراق ، وباشراف  الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وبتخطيط وتوجيه دوائرهما الاستخباراتية وبالواجهات والشخصيات الدبلوماسية الامريكية والبريطانية، ومن ابرزها مؤتمر بيروت عام1991 ومؤتمر نيويورك عامي 1999 و مؤتمر لندن 2002  . ففي المؤتمر الاول تمت المطالبة بأنشاء منطقة امنة في جنوب العراق على غرار ما كان  في شمال العراق ،الغاية منها ( حسب ادعائهم )هي حماية ابناء الجنوب من (بطش النظام ) . وفي المؤتمر الثاني ( نيويورك ) ،جرت مناقشة موسعة لموضوع الفيدرالية ، باعتبارها الخيار الافضل لعراق جديد، مع التأكيد على ان العراق سيكون على ثلاثة فيدراليات ( شمالية ووسطى وجنوبية ) لابد ان تعد لها الحقوق الدستورية التي تثبت بعد ذلك في الدستور العراقي الذي سيوضع بعد تغيير نظام الحكم في العراق.اما في مؤتمر ( لندن )الذي عقد برعاية ( زلماي خليل زادة ) الذي شغل لفترة بعد الاحتلال منصب سفير الولايات المتحدة في العراق ، فقد تم التركيز فيه بشكل واضح على فكرة تقسيم العراق على اساس الفيدراليات اوالاقاليم، واتخاذ المحافظات الشمالية ( دهوك والسليمانية واربيل ) انموذجا لتاسيس الاقاليم الاخرى في العراق من خلال تفاهمات تجري لاحقا لوضع حدود هذه الاقاليم وفقا لاعتبارات معينة ( ظهر فيما بعد انها اعتبارات عرقية وطائفية ) .

*ثالثا.البحوث والدراسات والتصريحات الاميركية بشان تقسيم العراق ، التي سبقت ماجاء في مؤتمرات  ما يسمى بالمعارضة العراقية قبل الاحتلال، والتي تتماثل بدرجة كبيرة مع ماجاء في مشروع ( جوزيف بايدن ) وقرار مجلس الشيوخ الامريكي الذي استند اليه في موضوعة تقسيم العراق ،وقد اجمعت هذه البحوث والدراسات والتصريحات على ان تفتيت العراق هو احد الاهداف الرئيسة لمشروع الاحتلال ، فطروحات التقسيم ظهرت قبل الاحتلال وقبل ان تجد الولايات المتحدة الامريكية نفسها في مأزق خانق جراء حماقة تنفيذها لمشروع الاحتلال ، نتيجة للخسائر الكبيرة التي استنزفت الكثير من قواها السياسية والاقتصادية والبشرية والعسكرية وجعلت هيبتها مثار شك وحتى مثار سخرية من قبل غالبية دول وشعوب العالم ، والتي هي من النتائج المباشرة للمقاومة العراقية ولخسارة امريكا للحرب في العراق ، وسقوط مبررات الحرب ضد العراق واحتلاله  ،برغم ان الولايات المتحدة ظلت مصرة على  اتباع سياسة التضليل لاقناع العالم بأنها مبررات واقعية وحقيقية ،فضلا عن تعثر مشروع الاحتلال الكبير  الذي كان مصمما على ان يكون درس العراق قابل للتطبيق على دول اخرى وبسهولة اكبر.

 فمشروع التقسيم(وفقا لما سبق وما سيأتي لاحقا ) ليس وليد لظروف مابعد الاحتلال ولاهو تقرير لواقع ما هو على الارض وصعوبة ابتلاع العراق، وقد كانوا يعتقدون الامر يسيرا وممكنا بأقل الخسائر ، وبالتالي فأن مشروع التقسيم لايمكن عده وسيلة من وسائل تفعيل خارطة الخروج الامريكي من العراق بأقل الخسائر الممكنة مع الاحتفاظ بماء الوجه . ولعل مسؤولية الولايات المتحدة الامريكية عن كل ما حصل ويحصل في العراق  من قتل وتدمير ونهب واثارة للفتن الطائفية والعرقية ، منذ عام 1991 وحتى اليوم ( باعتبار ان ما تعرض له العراق من ماسي كبيرة نتيجة الحصار الظالم الذي فرض عليه كان بمسؤولية امريكية مباشرة ومعلنة، وهو حلقة لايمكن فصلها عن الذي جرى بعد ذلك منذ الاحتلال عام 2003 وحتى اليوم  ) ،تنطوي على الكثير من الادلة والاشارات الواضحةعلى كون تفتيت العراق كان هدفا امريكيا- صهيونيا مبيتا منذ سنوات عديدة سبقت احتلاله .

ولعل من المناسب هنا ان نذكربعض  ما جاءفي تصريحات ودراسات عديدة ، تعبر عن حقيقة التوجهات الامريكية لتقسيم العراق، والتي سبقت الاحتلال، باعتباره (دولة مارقة) مثلما جاء في وصف قوائم وزارة الخارجية الامريكية .. او هو من( دول معسكر الشر) الذي صاروصفا حاضرافي احاديث الرئيس الامريكي ( جورج دبليو بوش ) عن العراق ، بخاصة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر / ايلول عام 2001.

 فهذا المؤرخ الامريكي المعروف(برنارد لويس )يكتب مقالا في صحيفة الواشنطن بوست بتاريخ 15/5/2002 يتناول فيه السياسة التي يجب ان تتبعها الادارة الامريكية ازاء العراق ،قائلا : (ان العراق دولة مصطنعة وليس حقيقية وان احتلاله سيكون فرصة لتصحيح الخطأ الذي سبق ان ارتكبته بريطانيا. الطبيعي هو ان يتم تفكيك العراق الى عدة دويلات بحسب الطبيعة السكانية وحسب الانتماءات الدينية والعرقية ...) (1).

ومن بين العديد من الدراسات المهمة التي تناولت موضوع التفتيت بشكل جدي ،تلك الدراسةالتي تصدت لطبيعة الاستراتيجية الامريكية المطلوبة في الشرق الاوسط، والتي اعدها لصالح البنتاغون ( وزارة الدفاع الامريكية)، معهد (راند )للدراسات الاستراتيجية،الذي يعد وحدا من اهم  مطابخ السياسة الامريكية. الدراسة التي اعدت عام 2002، ركزت على ضرورة اعادة النظر في الخارطة الجيوسياسية في الشرق الاوسط وبما يضمن تفكيك الدول المركزية في المنطقة، وطالبت الدراسة لتنفيذ مثل هذا المخطط قيام الولايات المتحدة الامريكية بشن هجمات استباقية ( وفقا لمبدا الرئيس الاميركي السابق جورج بوش القاضي بشن الهجمات الاستباقية ) على العراق ثم الانتقال بعد ذلك الى السعودية وسوريا ومصر(2).

 كما قدمت مؤسسة(ستراتفور) المتخصصة في تقديم الخدمات التحليلية للقضايا الجيوسياسية المهمة ، دراسة اعدتها عام 2002

لصالح الادارة الامريكية،تناولت مستقبل العراق بعد شن الحرب عليه واحتلاله، وتمت مناقشتها مع العديد من المسؤولين الامريكيين

(1)     http://www.washingtonpost.com

(2)الدكتور عبد الاله الراوي ،تفتيت العراق والوطن..مطلب صهيوني-صليبي-صفوي، دراسة، شبكة البصرة الالكترونية ،3/12/2007 .

الكبار في شتى الاختصاصات ،كما وعرضت بعض من تفاصيلها على عدد من المسؤولين في منطقة الشرق الاوسط،وذلك ربما لمعرفة ردود افعالهم وما هوالمطلوب منهم ازاء تنفيذها ، اولوضع ماجاءفي الدراسة من توصيات في موضع الاعتبار لاحتمالية الاخذ بها اثناءتنفيذ الاحتلال ، ومن ابرزها (3) :

  1. ان اي حكومة ستنشأ في العراق بعد الاحتلال سيكون من الصعب عليها ادارة شؤون بلد كبير جدا مثل العراق .
  2. على الولايات المتحدة الامريكية التي ستتولى مسؤولية العراق بعد الاحتلال ، ان تعمل بشكل جدي لتقسيم العراق الى ثلاث دويلات منفصلة  ، كجزء من عملية انهاء العراق القديم وصناعة بديل جديد يمكن ان يكون بكل ( دويلاته ) مواليا للسياسة الامريكية  او( قاعدة) عسكرية امريكية تهدد بشكل مباشر ( ومن قريب ) كل من يجرؤ من دول المنطقة على مخالفة السياسة الامريكية (4) .
  3. ان السنة (في وسط وغرب العراق ) يمكن ان ينضموا الى المملكة الاردنية الهاشمية ، الامر الذي يجعلها دولة اوسع وبموارد اقتصادية تعطيها القدرة على الاكتفاء الذاتي ، بخاصة وان مناطق وسط وغرب العراق تحوي الكثير من الثروات التي تفتقر اليها الاردن وبخاصة النفط . كما ان احتواء سنة العراق تحت مظلة المملكة الاردنية سيبعد احتمالات التماس مع الشيعة ويقطع الطريق امام احتمالات الحروب والمواجهات الطائفية .

_______________________________________

(3)جاري دي.هالبيرت، تقسيم العراق ،مقال لموقع جلوبال ريسيرش الكندي ،ترجمة شيماء نعمان ، شبكة المسلم للحوار الاسلامي ،18/10/2007.

 (4)الدكتور حسن ابو طالب، اوجه خطر كثيرة في تقسيم العراق ، مقال ، صحيفة الاهرام ،3/10/2007 .

  يمنحها الفرصة لممارسة دور شرطي الخليج الذي سبق لشاه ايران السابق ان مارسه طويلا. واذا كان في ذلك مخاوف وعوائق نابعة من طبيعة ( الوضع الكويتي الهش ) او من طبيعة ولاء بعض القيادات الدينية الشيعية في جنوب العراق لايران، فان بالامكان تشكيل دويلة جديدة خاصة بشيعة جنوب العراق شرط ان يتم تامين اسباب قطع الطريق على ايران في التدخل والتاثير على هذه الدويلة ، ويمكن ان يتم ذلك باقامة قاعدة امريكية كبيرة في جنوب العراق تكون احدى مهماتها وقف المد الايراني وابعد تاثيرات ايران في تصريفات السياسة التي ستتبعها تلك الدويلة،بخاصة وان العشائر العربية في جنوب العراق ترفض اساسا التدخل الايراني ويمكنها ان تلعب دورا مؤثرافي هذا الشأن.

ان كل هذه الطروحات والتصريحات وغيرها الكثير من الدراسات والخطط، التي  اسهم في اعدادها العديد من مراكز الدراسات الامريكية وعدد كبيرمن ابرز السياسيين الامريكيين وعلى رأسهم وزيرالخارجية الامريكية الاسبق(هنري كسينجر )الذي قال في الثامن من اذار / مارس 2004، وعبربرنامج ( حوار صعب ) على قناة (بي بي سي ) البريطانية، ان المصير الذي ينتظر العراق سيكون مشابها لمصير يوغسلافيا السابقة( ويقصد طبعا الاتجاه نحو التقسيم كما حصل ليوغسلافيا التي انتهت الى عدة دول ) (5) ،وكذلك حديثه في26/12/2004 لشبكة ( سي ان ان) الامريكية ، الذي قال فيه : لامصلحة لنا في ابقاء العراق موحدا (6) ،وهي نفس العبارة التي قالهافيما بعد لصحيفة لوموند الفرنسية، ( جون بولتون ) السفير الامريكي السابق لدى الامم المتحدة، والذي يعتبر واحدا من ابرز اعضاء جماعة المحافظين الجدد (7) ، فضلا عن اقوال لاتختلف في مضامينها عن ذلك لمستشار الامن القومي الامريكي الاسبق ( زبينغو بريجنسكي ) وللكاتب والمنظر الامريكي (توماس فريدمان ) وغيرهم الكثير، والتي ركزت على فكرة التقسيم وتجذير وتكريس الطائفية في العراق كأداة مهمة وفاعلة في جعل التقسيم ممكنا ، والتي تولى السفير الامريكي ( بول بريمر) تنفيذها بشكل عملي منذ اول يوم صار فيه حاكما على العراق ، من خلال سياسة المحاصصة العرقية والطائفية التي ابتدعها ، والتي ظهرت واضحة في كل القرارات والقوانين التي اتخذها لتفتيت الدولة العراقية ، ومن بينها(قرارحل الجيش العراقي) ومن ثم السعي لتاسيس جيش جديد ولجهزة شرطة واجهزة امنية وفقا لمبدأ المحصاصة والسماح لافراد الميليشيات الطائفية والعرقية الانضمام اليها  فضلاعن ( قانون ادارة الدولة ) الذي

(5) http://news.bbc.co.uk/1/hi/programmes/hardtalk/3543817.stm

(6)سمير عبيد ،تقسيم البلاد واستيلاء اسرائيل على نفط و مياه العراق، مقال ، صحيفة القدس العربي،11/1/2005 .

(7)بولتون ، امريكا ليس لها مصلحة استراتيجية في ابقاء العراق موحدا ، موقع مفكرة الاسلام الالكتروني،30/1/2007 .

قسم المجتمع العراقي عموديا وافقيا ، وكلها قرارات وقوانين هدفها تغيير مرجعية وولاءات العراقيين الوطنية الكبيرة الجامعة فية ، الى ولاءات ومرجعيات طائفية وعرقية نزولا الى مرجعيات صغيرة جدا ( كالمناطقية )، لغرض جعل التناحر والصراع بين العراقيين ممكنا وبالتالي جعل التقسيم مقبولا من الجميع ( حتى وان كان على مضض).

ولم تتوقف المساعي الامريكية لجعل (مشروع التقسيم )ممكنا ،عند المرحلة التي سبقت الاحتلال او التي تولى ( بول بريمر ) تنفيذها ، تمهيدا لقيام ( جوزيف بايدن ) بطرحها في مشروع نال فيما بعد موافقة مجلس الشيوخ الامريكي بتبنيه كقرار ( غير ملزم ) كما قالوا ،ففي 25تشرين الثاني /نوفمبر 2003 نشرت صحيفة (نيويورك تايمز) الامريكية ، خطة لتقسيم العراق اسمها خطة (ليزلي جليب )-الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية الامريكية واحداهم السياسيين والمفكرين في مراكز الدراسات التي تسهم في صناعة القرار الامريكي-، ومفاد هذه الخطة يتلخص في استبدال العراق الواحد بثلاثة دول صغيرة ( كردية في الشمال ، وسنية في الوسط ، وشيعية في الجنوب ) بعدها تسحب الولايات المتحدة الامريكية وجودها العسكري .

ان كل الدوافع التي ساقها الذين يطالبون بتقسيم العراق وفقا لمشروع ( بايدن ) ،والتي تقول مرة باحتواء العنف وثانيةبتجنب وقوع العراق في قبضة حكم دكتاتوري وثالثة في تامين اعلى مستوى من الحقوق و الديمقراطية واخرى باستقرارالاوضاع او حتى بالمحافظة على المذهب، هي في الواقع من ادوات ووسائل الخداع والتضليل والايحاء بان مشروع التقسيم هو وليد الظروف التي نشأت بعد الاحتلال وليس كونه جزء من مخطط الاحتلال الرئيس ، امادوافع التقسيم الحقيقية فانها تكمن في :

*اولا.لما كان احتلال العراق هو المرحلة الاولى من مراحل مشروع الاحتلال الكبير الذي يرسم في النهاية خارطة جديدة للشرق الاوسط ،فأن تقسيم العراق  سيكون  التجربة التي يمكن اسقاطهاعلى دول المنطقة الاخرى وبما يؤدي الى اضعاف الجميع وخلق مجموعة من الدول الصغيرة الفاقدة لاسباب القوة، والتي بها حاجة لاتنتهي للحماية وللمساعدة، وبالتالي ستكون مرهونة الارادة وخاضعة للسياسات التي تفرضها الولايات المتحدة الامريكيةولسطوتها المباشرة وغير المباشرة على كل المقدرات والثروات .

*ثانيا.لما كان من اهم اهداف احتلال العراق هو اضعافه واخراجه من معادلة القوة القومية  المؤثرة على (الكيان الصهيوني) ، لذلك فان تقسيمه لابد ان يكون مطلبا (صهيونيا)بعد ان كان احتلاله كذلك، وبالتالي فان تقسيمه سيكون افضل الحلول لاضعافه وتأمين هذا الكيان.

*ثالثا.لما كان الوضع العراقي الناشيء بعد الاحتلال ، له تداعيات وانعكاسات واضحة على  زيادة مخاوف عموم دول المنطقة من امكانية تاثرها  بما يحصل فيه، فأن تقسيمه بالتالي سيشكل هاجس الخوف الاكبر بالنسبة لهذه الدول ، وسيعطي فرصة للولايات المتحدة لممارسة ضغوط اكبر على هذه الدول من خلال تهديدها بأمكانية تعرضها للمصير نفسه ، بخاصة وان عوامل التفتيت التي تم الطرق عليها لتنفيذ تقسيم العراق يمكن ان تكون موجودة في كل دول المنطقة ، وبالتالي( ايضا ) فأن مشروع تقسيم المقسم سيظل سيفا مسلطا على كل الرقاب ، باعتبار ان مشروع (سايكس بيكو ) القديم لم يكن الامرحلة يمكن ان تعقبها مراحل اخرى في التفتيت .

*رابعا.لما كان العراق قد تحول الى ساحة للمواجهة بين الولايات المتحدة الامريكية والعديد من اعدائها، على حساب الشعب العراقي ، فان تقسيم العراق سيكون رسالة واضحة لكل من يناصب امريكا العداء ،تلقي بتبعاتها على الجميع وبخاصة للدول التي تنطوي شعوبهاعلى اثنيات وطوائف متعددة، وبخاصة دول الجوار العراقي( وفي مقدمتها ايران )التي ستجد نفسها منغمسة ومتورطة في وضع عراقي شائك وخطير يمكن ان يجرها الى خسائر كبيرة ليس بمقدورها تحمل نتائجها الوخيمة . وبغض النظر عن البعض من العراقيين الذين رحبوا بفكرة تقسيم العراق وبمشاريعها الامريكية- الصهيونية ، فان محاولات حثيثة قد بذلت من قبل  المحتلين ومن والاهم واطراف عديدة لها مصلحتها في تقسيم العراق ، لغرض بث الفرقة بين العراقيين ومحاولة جرهم الى احترابات داخلية وانقسامات تؤدي الى جعل فكرة التقسيم قابلة للحياة  من خلال الايحاء بان التقسيم سيؤمن وضعا امنيا واقتصاديا واجتماعيا اكثر صلابة وتطورا مما هو عليه في ظل عمليات القتل والتهجير  التي طالت الكثيرين ، فضلا عن محاولات جرت ومازالت تجري لخلط المفاهيم وبما يسمح بنجاح عمليات التضليل والخداع ، وبالتالي جرنسبةكبيرة من العراقيين الى تأييد اتجاهات وتوجهات التقسيم من دون ان يدركوا انهم يدعمون مشروع تفتيت بلدهم، ولعل الحديث عن الفيدرالية واللامركزية بشكل مغلوط ومضلل ، هوما تسعى اليه هذه الاطراف املا في تمرير التقسيم وجعل قرار مجلس الشيوخ الامريكي ( غيرالملزم )..يصير ملزما بتقسيم العراق. فكيف يمكن فهم حقية الفيدرالية واللامركزيةبشكلها الحقيقي وليس بشكلها المضلل الذي يحاولون تمريره ؟

اللامركزية والفيدرالية

كان الفيلسوف الالماني المعروف ايمانويل كنت (1724-1804 ) يرى، أن الحالة المدنية هي العلاقة بين الافراد في اي شعب من الشعوب ، ومجموع الافراد يسمى الدولة التي تسمى ايضا (الشيء

 العام ) نظرا الى شكلها و ترابطها بالمصلحة المشتركة للجميع

 الذين يجب ان يكونوا ضمن حالة قانونية (8) .

________________________________________

(8)امانويل كنت، فلسفةالقانون والسياسة ، ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي ، وكالة المطبوعات،الكويت ، 1979 ، ص 87 .

ولقد حفزت رؤية الدولة عند (كنت ) ، العديد من الباحثين والمهتمين للقول بان الدولة هي حالة قانونية تنطوي على عناصر ثلاث  هي الشعب والوطن والسلطة ، ولما كانت الدولة حالة عامة فالسلطة هي بالتالي حالة خاصة ،تشكل في حقيقتها عنصرا من عناصربناء الدولة، غير ان تماس الافراد مع السلطة  بشكل يومي وارتباطهم العضوي بها ( سلبا او ايجابا ) ، جعل الحديث عن اشكال الدول ينصرف الى الحديث عن السلطة وطبيعتها، ومع التطور التاريخي لاشكال وطبائع السلطات، وتحت وطأة الضغط الشعبي ، و تنامي الوعي والنهوض الفكري الى جانب التطورات الاقتصادية والاجتماعية،صارت هناك دول تمارس فيها السلطة بطريقة مركزية مطلقة واخرى اقل مركزية،وقد استدعى التطور ( الذي صاحبه بالتاكيد اتجاه العلاقات الاجتماعية وعلاقات الحياة الاخرى والعمل  الى التعقيد ) ،الى توكيل السلطة المركزية بعض صلاحياتها الى الادارات المحلية  ( المحافظات او المقاطعات او الاقاليم )، كجزء من سياسة الادارة الحديثة  والايمان بان السلطات الاقرب الى التجمعات والمصالح البعيدة نسبيا عن المركز،هي الاقدر على تصريف الامور بنحو افضل واسرع ، وكما يدل على ذلك القول العربي المأثور: ( اهل مكة ادرى بشعابها ) .

ولان التطور لايقف عند حدود مادامت الحياة مستمرة ، فقد استدعى ذلك ظهور تجارب عديدة لممارسة الحكم  في مواجهة تجربة الحكم المركزية ، في مقدمتها بالتاكيد ( التجربةاللامركزية )التي افصحت عن حالة توزيع السلطة بين المركز والاقاليم او الوحدات الادارية ، والتي تلاقفتها العديد من الدول  ( كفرنسا وايطاليا وغيرها )،التي وجدت في تطبيقها فرصة للمضي في ممارسة الحكم من دون مشاكل كبيرة ، وبما يؤمن مستوى الامن المقبول الذي يسمح بالمضي في التعاطي مع ما اصطلح عليه ب (الحياة الديمقراطية ) .

 ومع ارتفاع وتيرة نضال العديد من الشعوب لتحقيق استقلالها

والتخلص من الاستعمار والتبعية ، نشأت العديد من تجارب الحكم الجديدة وبتسميات مستحدثة  مثل ( الكونفدرالية ) ، كتعبير ممكن

عن حالة توحيد القوى والجهود ( بالحد الممكن ) والعمل على استثمار الطاقات المادية والبشرية لتطوير حالة ( الكونفيدرالية ) الى استقلال كامل وناجز ، ومن هذه التجربة (وبشكل يحتاج الى شرح لسنا بصدده الان) نشأ مفهوم ( الدولة الاتحادية الفيدرالية ) ،التي حجزت موقعها في قائمة اشكال السلطة والحكم  ،المتظمنة اشكال عدة تتدرج من الدولة البسيطة المركزية الى الدولة المركزية الديمقراطية الى اللامركزية ثم الفدرالية والكونفدرالية والاتحادية وغيرها من اشكال السلطة والحكم الموجودة او التي يمكن ان تظهر مستقبلا (9) ، الامر الذي يدل بنحو واضح على اختلاف المفاهيم والدلالات والاتجاهات،فهذه ( دولة واحدة ) وتلك ( دولة موحدة ) ، وان الخلط بينهما ومحاولة تسويق احداهما باسم الاخرى ، له بالتاكيد غاياته واهدافه التضليلية .

ويعرف المعجم السياسي الحديث (10) الدولةالفيدرالية بأنها: دولة توجد فيها حكومة مركزية ومجموعات حكومات اقليمية، حيث ان كلا من هذين المستوين من الحكم مستقل في مجاله عادة على وفق دستور مكتوب يحميه،يحدد اختصاصات مستويي الحكم  ويضع ترتيبات لتخصيص الصلاحيات المتبقية وتنسيق تداخل الاختصاصات، فضلا عن منح المسؤولية القضائية الى محكمة دستورية او مؤسسة اخرى لاتخاذ قرارات ملزمة،حيث تنشأ الصراعات المتعلقة بتفسير التحديد الدستوري للصلاحيات . وان المجلس التشريعي الوطني في الدولة الاتحادية يضم عادة مجلسا ثانيا تمثل فيه على نحو مباشر ومتساو غالبا، الاقاليم المكونة منها.

_______________________________________

(9) عبد الرحمن حياوي، اللامركزية والفدرالية، المكتبة القانونية ، بغداد ،ط3 ، 2007 ،ص6.

(10)احمد عطية الله السعيد، المعجم السياسي الحديث، بيروت ، 2003 .

هل يصبح ملزما ؟

  ان من يريد ان يكون منطقيا وواقعيا في رؤية ماحصل في العراق منذ عشر سنوات وحتى اليوم ،عليه الاقرار بان الولايات المتحدة الامريكية لم تشن الحرب ضد العراق عام 1991 وتفرض عليه الحصار لنحو ثلاثة عشر عاما، ولم تعاود شن الحرب عليه عام 2003 وتحتله.. من اجل عيون الشرعية الدولية وعيون الكويتيين ومن ثم عيون العراقيين،ولا من اجل التخلص من اسلحة الدمار الشامل او محاربة الارهاب او احلال الديمقراطية كما ادعت، بل عليه أن يقر بان الولايات المتحدة الامريكية هي دولة غازية ومحتلة للعراق وليست محررة، كما يحلو للبعض القول ممن يدفننون رؤوسهم في الرمل كالنعام وهم يحاولون تقديم انفسهم على انهم اكثر اخلاصا لامريكا من الامريكيين الذين باتوا  انفسهم يعترفون علنا بانهم احتلواالعراق وارتكبوا فيه الفضائع .وعلى اساس ذلك ينبغي ان لانغفل حقيقة ان من الاهداف الاستراتيجية الرئيسية للحرب الامريكية ضد العراق واحتلاله،هي تفتيت العراق وسلبه كل مصادر قوته وثرواته  (سواء كان ذلك لتحقيق مصالح امريكا في الهيمنة والاستحواذ واعادة رسم خارطة الشرق الاوسط من جديد ،او لصالح الكيان الصهيوني وتحقيق حلمه في الامتداد والامن وشرعية الوجود )، ومن يراجع احداث العدوان والاحتلال منذ عام 2003 سيجد ان الولايات المتحدة الامريكية كانت تحمل مشروعا للتفتيت والتقسيم تحاول ان تطبقه منذ اول يوم وطأة فيه اقدام جنودها ارض العراق ، و من يقرأ كتاب الحاكم   الامريكي للعراق ( السفير بول بريمر )* عام قضيته في العراق، سيجد مشروع التفتيت واضح امامه من خلال البدايات التي اسسها(بريمر )للعملية السياسية والكيفية التي صمم بها مجلس الحكم لاول مرة في تاريخ العراق ، على اسس طائفية وعرقية، كما ان عليه ان يعود للدستور العراقي الجديد الذي كتبه الامريكي-اليهودي ( نواه

_____________________________________________

*بول بريمر،عام قضيته في العراق، ترجمةعمر الايوبي ،دار الكتاب العربي،لبنان،2006.

فليدمان) ،وسيجده ملغوما بكل مايمكن ان يتفجر في اي لحظة( انية او مستقبلية ) ، ويحيل العراق الواحد الذي نعرفه الى مجرد ذكرى بعد ان تكون (انفجارات ) مواد هذا الدستور قد مزقته الى ثلاثة دول وربما اكثر.

واذا ما وضعنا كل ذلك جانبا ونظرنا الى ما فعلته القوى والاحزاب والشخصيات  المحلية ( والمستوردة ) ،التي منحت الولايات المتحدة الامريكية ولائها واعتبرت الاحتلال تحريرا والكارثة التي حلت بالعراقيين ازدهارا وتطورا وتطبيقا عمليا للديمقراطية،فاننا سنجد بان امريكا قد اطلقت كل هؤلاءللعمل من اجل جعل نسبة كبيرة من العراقيين ترى التقسيم ممكنا اوخيارا لابديل عنه ،لتجريب شكل حياة جديد ربما يكون افضل من اشكال الحياة التي عاشوها (مجبرين) في ظل الاحتلال،ولهذا جرى تكوين اجهزة الجيش والشرطة والاجهزة الامنية الاخرى في وسط وجنوب العراق،وفقا للمحاصصة الطائفية  والميليشياوية ، اما في الشمال فأن البناء العرقي لكل الاجهزة المدنية والامنية قد جرى منذ عام 1991 ،و بعد احتلال العراق عام 2003تصاعد الذهاب باصرارشديد من قبل الحزبين المتحكمين بشؤون السياسة والناس في شمال العراق(الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد  الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني) ، باتجاه التعريق (تكريدا) وتجذير كل ما يقود الى الانفصال، وما تبني هذين الحزبين لفكرة الفدرالية  واصرارهما على اقرارهافي الدستورالعراقي الجديد مثلما جرى اقرارها (قبل ذلك)على يد (بريمر ) في قانون ادارة الدولةالعراقية  ، الا مقدمة للانفصال، وهو نفس الحلم (الخبيث) الذي يراود الاحزاب الطائفية في جنوب العراق وبخاصة( المجلس الاعلى الذي صار بزعامة عمار الحكيم بعد وفاة والده عبد العزيز الحكيم الذي كان من اشد دعاة انشاء اقليم الجنوب على غرار مايسمى باقليم الشمال) ومثلما يراود الحزب الاسلامي الذي صعد في الفترة الاخيرة لهجته المطالبة باقليم سني.

ولم يقف الامر عند هذه الحدود بالنسبة للقوى والاحزاب والشخصيات الساعية الى لعب دور( اداة التنفيذ) للمشروع الامريكي- الصهيوني لتفتيت العراق ،حيث عملوا على ترسيخ الطائفية والعرقية بممارسات متنوعة شملت القتل على الهوية والتهجير والتهميش واشاعة الفساد ودفع العراق بأتجاه الهاوية، الامر الذي يجعل فكرة التقسيم قابلة للتداول بين طيف واسع من العراقيين كجزء من البحث عن فرصة للخلاص من الاوضاع المأساوية التي يعيشونها في ظل الفوضى وغياب الامل في تحسن الاوضاع او حتى ثباتها عند حد معين من السوء، في الوقت الذي تستمر فيه عمليات القضم من جرف الوطن لصالح التكوينات الطائفية والعرقية ، وهذا ما حصل فعلا من خلال استمرار الحزبين الكرديين في شمال العراق بالمطالبة بصلاحيات واسعة  وبمناطق اخرى يصرون على ضمها لما يسمى اقليم كردستان، ولعل مسألة العقود النفطية الكردية ووضع دستور كردي يتحدث في كل فقراته عن اقليم وهويقصد دولة مستقلة ، خير مثال على الاتجاه نحو الانفصال في ظل حكومة مركزية عاجزة عن ادارة شؤون البلاد والعباد وتامين ابسط متطلبات العيش الكريم للعراقيين، كما ان ماشهدناه من محاولات لانشاء الاقاليم في الجنوب( ومنها التي روج لها القاضي وائل عبد اللطيف )لانشاء اقليم البصرة (برغم فشلها ) والدعوات لانشاء اقاليم في الوسط او الشمال او الاقتصار على انشاء اقليم سني، تعطي صورة واضحة عن السعي الحثيث والمحاولات المستمرة من قبل القوى الطائفية لجعل قرار التقسيم ( غير الملزم ).. ملزما، لكن ذلك لايعني ان اصحاب مشروع التقسيم قد نجحوا او انهم اوشكوا على النجاح في تحقيق اهدافهم ، فمثلما هناك فئة معينة تسعى للتقسيم وترى مصالحها في تنفيذه ، فأن هناك الغالبية من العراقيين الذين يجدون مصالحهم ومصالح وطنهم في بقاء العراق واحدا موحدا بكل اطيافه وقومياته واديانه ، والتي شكلت بتنوعها على مدى التاريخ ، حالة قوة وليس حالة ضعف، وهي بالتالي الضمانة الاساسية لفشل اي مشروع للتقسيم والانفصال، فضلا عن عوامل اخرى قد يراها اصحاب مشاريع التقسيم والانفصال سهلة وقريبة وهي في الحقيقة صعبة وبعيدة جدا، وبالتالي فانهم سيخسرون معركة تحويل  (غيرالملزم)الى ملزم ،لان اي مشروع للتقسيم سيولد ميتا وان ولد حيا فانه سيظل معوقا ومشوها لايقرب منه احد وليس له اي (حاجة- لازمة ) في حياة العراق والعراقيين .

ما الذي يسقط المشروع ويوقف عجلة التقسيم ؟

لعل من المناسب هنا التذكير مرة اخرى بان تقسيم العراق هو جزء من المشروع الاحتلالي الامريكي للعراق ، وهو مطلب اثير عند الصهاينة وعدد من الاطراف الاقليمية ( وبخاصةغير العربية) ، وانه فقرة مهمة وواجبة التنفيذ في الاستراتيجية الامريكية الرئيسية  الخاصة بالرؤية السياسية المطلوبة والمقبولة امريكيا للشرق الاوسط ، والتي تقوم اساسا على استبدال الدول القائمة بدويلات تتسم بأحادية الطابع العرقي واحادية الطابع الطائفي، وتحييد هذه الدويلات( دويلات الاعراق ودويلات الطوائف) بجعل كل واحدة منها ضد الاخرى على نحو مستمر(11) .ووفقا لذلك فان  عجلات مشاريع التقسيم لم تتوقف مثلما  كان يظن البعض  اعتمادا على عدم وجود اصوات عالية احيانا تطالب بالتقسيم بشكل مباشر، ولعل جملة من الاستحقاقات الواجب التعامل معها لاحقا او التي جرى التعامل معهاووضعها في الاطار الذي يتلائم ومستلزمات تفعيل عوامل التقسيم  ، يمكن ان تدل بشكل واضح على ان عدم سماع الاصوات احيانا لايعني ان الافعال قد توقفت ، ومن بين اهم هذه الاستحقاقات:

*اولا.قانون النفط والغاز الذي مازال متعثرا بسبب انفضاح اهدافه ووجود راي عام عراقي يقف بالضد من تمريره في مجلس النواب الحالي بعد ان اقرته الحكومة الحالية برئاسة(نوري المالكي) .

 __________________________________

(11)الدكتور مهند العزاوي، عجلة تقسيم العراق مستمرة وخطرة، دراسة، مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية،2008.

غير ان ذلك لايعني ان القانون لن يقر وان العمل على تفعيل اهدافه لم يجر العمل عليها انتظارا لاقراره ، حيث ان المساومات والتجاذبات السياسية والصراع من اجل السيطرة والاستحواذ وقضم المساحات لصالح طرف على حساب طرف اخر، والاستحقاقات الانتخابية القادمة وضرورة الاهتمام بالتحالفات وبتلميع صور المتصارعين على السلطة وضرورة ان يبدو كل واحد منهم حريصا على المفاهيم والقيم الوطنية لكي يضمن لنفسه فرصة الاستحواذ على الجزء الاكبر من الصلاحيات والثروات،وهذا لايمنع ان تكون جميع اطراف العملية السياسية متفقة على تمرير هذا القانون الذي يضمن عمليا ولسقف زمني مفتوح ، سيطرة الولايات المتحدة الامريكية على الثروة النفطية العراقية والتحكم بها لصالح سياساتها وتامين قواعد الامبراطورية الامريكية كقوة وحيدة في العالم، حتى وان توزعت حقولها جغرافيا بين عدة دويلات تقوم على خلفية تقسيم العراق الواحد.

*ثانيا.الاتفاقية الامنية بين الولايات المتحدة الامريكية والعراق واتفاقية الاطار الاستراتيجي لعمل القوات الامريكية في العراق ، التي وقعتها حكومة المالكي واقرها مجلس النواب العراقي في نهاية شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2008 ، والتي ترهن ارادة العراق لاجل غير مسمى ، ستؤمن البنى التحتية للمصالح الامريكيةالاستراتيجية في الدويلات التي سيقسم العراق اليها وفقا لمشاريع تقسيمه المطروحة( وانموذجها مشروع بايدن )،و قد تم تهيئة طرق ووسائل انجازهاواشغالها في انتظار تنفيذ التقسيم.

*ثالثا.قانون الاستثمار العراقي الذي صدر في شهر اذار / مارس 2007 ،الذي يعتبر هو الاخر من العوامل المهمة التي تلعب دورا مهما في تهيئة ارضية التقسيم ،لما له من علاقة بشكل وطبيعة الاقتصاد العراقي المطلوب وبتاثيره المسرع في انجاز عملية  الانقلاب في السياسة الاقتصادية في العراق من ( الاقتصاد المركزي ) الى ( اقتصاد السوق )، من دون تهيئة الظروف والمناخات المطلوبة لاحداث هذا التغييروخلق الاستعداد المناسب لدى العراقيين للتعاطي مع هذا التغيير الجذري في موضوع يلتصق بشكل جذري بحياتهم اليومية وبمستقبلهم ،فقانون الاستثمار هذا يدفع نسبة كبيرة من العراقيين للوقوف في طوابير العاطلين عن العمل الذين صارت نسبتهم بعد الاحتلال(اكثر من70 بالمئة)(12)، فضلا عن كونه يمنح اعفاءات ضريبية وكمركية وتسهيلات ادارية ومالية والكثير من التنازلات للمستثمرين الاجانب، وكأن العراق بلد فقير ولا يملك قدرات بشرية بكفاءات عالية جدا قد لاتتوفر في بلدان كثيرة في العالم.واذا مااضفنا لقانون الاستثمارالجديد هذا، مشروع قانون استثمار النفط المعد بشكل دقيق لضمان سرقة هذه المادة التي تعتبرعماد الاقتصاد العراقي ومصدر التمويل الوحيد (حاليا)، فأن الصورة ستكون واضحة في اطار العمل على تنفيذ مشروع تفتيت العراق وتقسيمه.

*رابعا.الانتخابات التشريعية في 2014،والاستعدادات لها التي تؤكد بما لايدع مجالا للشك انها ستكون الفرصة الجديدة لترسيخ الطائفية والعرقية (بأمتياز) ، ودفع العراق بأتجاه زاوية حرجة جدا يمكن ان تؤدي الى عواقب وخيمة على العراقيين، الذين يعتبرون الخاسر الاكبر من جراء كل ما يجري منذ احتلال العراق عام 2003 وحتى اليوم ،وهي الانتخابات التي تراهن عليها اطراف عديدة داخل العملية السياسية الحالية، للذهاب باعداد غير قليلة من  العراقيين( من جراء نتائجها) باتجاه التعاطي مع فكرة ومشروع التقسيم بنفس مستسلم للياس بعد الكم الهائل من الخيبات  والفسادوالوعود الكاذبة والاخفاقات والانتهاكات.

*خامسا.استحقاقات قضية كركوك.. القضية التي تنطوي على ابعاد خطيرة جعلت غالبية المراقبين والمهتمين بألشان العراقي،

يصفون كركوك بانها اللغم العراقي الاخطر الذي يمكن ان يفجر ______________________________________

(12) صحيفة الشرق الاوسط، العدد9010 ،30/7/2003 .

العراق ، ولعل من ابرز عوامل تفجير هذا اللغم هي سعي الحزبين

الكرديين الى ضم كركوك الى نفوذيهما وبما يجعل حلم الانفصال ممكنا جدا بعد توفير القاعدة الاقتصادية الدائمة المتمثلة بغنى

كركوك النفطي. ولعل تصريحات المسؤولين في الحزبين الكرديين والافعال السياسية والعسكرية واعمال ( التكريد ) المستمرة لتغيير ديموغرافية كركوك ، فضلا عن ماتضمنه الدستور الكردي الذي اقره البرلمان الكردي في شهر تموز/ يوليو 2009 من اعتبار كركوك جزءا مما يسمى باقليم كردستان ،يعطي اشارات ودلائل واضحة عن سعي حثيث لتفعيل مشروع التقسيم وجعله حقيقة واقعة (13).

فهل يمكن عد كل النقاط السابقة بكل ماتتضمنه من عوامل الدفع باتجاه التقسيم، مدعاة للمضي في المشروع ام  (كوابح ) قوية جدا للتنازل عنه والبحث في العوامل التي تبقي العراق متماسكا وواحدا  بكل شعبه وارضه وثرواته؟

ان الاجابة بانها  (كوابح ) وعوامل موجبة لنبذ مشاريع التقسيم حتى من قبل من سعوا اليها ومن يرون مصالحهم في تفعيلها وجعلها واقعا ، تكمن في حقيقة ان (الترياق) يستخرج من( سم الثعبان) ،فالنظربرؤية تحليلية تراعي حسابات الربح والخسارة بشكل دقيق وبوعي يستند لواقع حال العراق بكل عوامل تاسيسه الحديث والقديم ، وطبيعة مكونات شعبه والمواد والطرق التي استعملت لصيرورة وبناء العراق على النحو الذي كان عليه حتى لحظة دخول المحتلين، والسماح بوقوعه تحت طائلة الرغبات غير المشروعةالتي استهدفت تغيير انتمائه و تفتيته الى دويلات للطوائف والاعراق.

 ان هكذا رؤية لابد ان تجعل الجميع يدركون ان تقسيم العراق بكل تراثه القديم وبحضارة اهله الموغلة في عمق التاريخ لالاف

________________________________________

(13)صحيفةالنهار( اللبنانية)،عدة حرب القوميات الاهلية جاهزة، تقرير،العدد724 ،8/9/2009 .

السنين ، غير ممكن ابدا ، وان النقاط السابقة وغيرها تنطوي على عوامل تحمل كمية ونوعية من المواد المتفجرة، يمكن ان يؤدي  تفعيلها الى حصول سلسلة من  النفجارات والزلازل الرئيسية والارتدادية تضرب جميعها كل ارجاء العالم بدرجة قياسية واحدة تبلغ تسع درجات على ( مقياس ريختر) لقياس شدة الزلازل ، الامر الذي يحدث انهيارات وتشققات يستحيل على الجميع تحمل نتائجها وتبعاتها، ويمكن لبعض الملاحظات التالية ان توضح معالم الصورة التي تظهر فيها ( الكوابح ) التي تمنع (غير الملزم ) ان يصير ملزما:

1.ان  الاعلان  عن انتهاء عمليةخروج  قوات الاحتلال الامريكي  من العراق  في نهاية عام 2011، لم يكن خيارا امريكيا  بقدر ما كان اضطرارا بسبب ما لحق بها من خسائر مادية ومعنوية هائلة على يد المقاومة العراقية وتحت ضغط االاوضاع الداخلية الامريكية وبخاصة الاقتصاديه وعدد من العوامل العسكرية والسياسية الاخرى .وهنا علينا ان نتسائل : هل ان امكانية انجاز كل ذلك تحققت في ظل العراق الواحد غير المقسم ام في ظل العراق المقسم ؟

ان الاجابة هنا لاتحتاج الى خبراء في حسابات الربح والخسارة والكلفة ، فتقسيم العراق كان  يعني وسيعني حتميا اندلاع الفوضى والاعمال القتالية بين دويلات الطوائف والاعراق وداخل تلك الدويلا ت(ايضا )  وتشتيت هدف التحرير، واشعال حرب اهلية لن يقف حدود اذاها وخسائرها على العراق والعراقيين حسب، بل سيمتد مهما كانت التحوطات الى عموم المنطقة ،وبذلك يفعل الزلزال فعله في التدمير والانهيارات والتشققات.

2.ان محاولة تشبيه العراق بالهند مثلا( قبل انفصال الباكستان وبنغلادش) اوتشبيهه بيوغسلافيا ، والقول ان التجربة الانفصالية التي جرت فيهما يمكن ان يعاد تطبيقها في العراق  وبالامكان ايضا

 وضع ميثاق كميثاق دايتون(14 ) ،يضمن التعايش السلمي وعدم الاعتداء بين الدويلات التي سيقسم العراق اليها وبينها وبين دول جوارها الاقليمي.. هو في الحقيقة تشبيه قاصر وقول مردود، لان للعراق و لكل هذه الدول طبيعتها في التاريخ ولكل منها بنيتها الاجتماعية المختلفة تماما في كل شيء، كما ان استنساخ (ميثاق دايتون)او اي ميثاق شبيه له واسقاطه على الوضع العراقي ، لايمكن ان يكون عقلانيا، فالقول ان (البوسنة)قد مزقتهامحاولات التطهير العرقي وان العراق يعاني بشدة من التطهير الطائفي والعرقي ( 15)،هو قول فاقد للمنطق والرؤية الصحيحة، فالشروط التي يجب توفرها للمقارنة بين الحالتين غير متوفرة اساسا، لكون العراق (ببساطة شديدة ) لايعاني من من صراع  مجتمعي طائفي اوعرقي ابدا، بل يعاني من برامج سياسية مشبوهة ومصالح ذاتية قاصرة اتخذت من التثوير الطائفي والعرقي وسيلتها للاستحواذ على كراسي الحكم ومحاولة تمزيق العراق واضعافه لصالح اجندات خارجية ، ولم يسجل في تاريخ العراق الحديث والقديم انه كان بلدا ينطوي على صراعات وحروب طائفية وعرقية ، ويخطا كثيرا او يحاول التضليل من يدعي ان جولات القتال المتفرقة التي حصلت بين الحكومات العراقية المتعاقبة واكرد العراق طوال نحوخمسين سنة مضت،هي جولات حرب تطهير عرقي،  وما ترويج الحزبين الحاكمين في شمال العراق( الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الكردستاني) لهذه الفرية الالاغراض سياسية معروفة ، يهدفون من

_________________________________________

(14)اتفاقية دايتون ، موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)، معاهدات/ تاريخ البوسنة والهرسك.

(15)سيار الجميل،مشروع بايدن:تمزيق العراق لاتقسيمه،الحوار المتمدن،20/6 /2007

ورائها كسب تعاطف الرايين العامين المحلي والدولي ، واستغلال ذلك برفع سقف المطالب وقضم اكبرجزء من الامتيازات والصلاحيات غير المشروعة بحجة ( المظلومية السابقة) والتعويض.

كما ان الدول التي خرجت من تحت عباءة يوغسلافيا السابقة، كانت من دول البلقان القديمة (صربيا والبوسنة وكرواتيا ) التي اتحدت بعد الحرب العالمية الثانية(1939-1945) فيما سمي بيوغسلافيا ،وكانت لها حدود معروفة عادت اليها بعد تفكك يوغسلافيا، وهو امر لايمكن ان ينطبق على العراق  لانه (وببساطة شديدة ايضا) لم يتشكل من مجموعة دول (لا حديثا ولاقديما)، وان من يسوقون تجربة العراق في ظل الحكم العثماني  يحاولون التضليل اوانهم لايدركون الفروق ، حيث ان العراق في ظل الحكم العثماني ومنذ القرن السادس عشر ولغاية الحرب العالمية الاولى(1914-1918)، كان مقسما( اداريا) الى ثلاث ولايات وليس الى ثلاث دول،وبالتالي فان نجاح ولادة دول عرقية من يوغسلافيا لايمكن توقعه ابدا في شأن العراق الذي (غزلت) وشائج نسيج مجتمعه( منذ قرون عديدة مضت ) بخيوط النسب والتصاهر والعيش المشترك و المتداخل غير القابل للتمزيق ، والقياس على ماحصل بين البعض من العراقيين بعد الاحتلال الامريكي ، هوقياس خطأ لان كل ماحصل كان في ظروف غير طبيعية وطارئة، وكان من فعل قوى واحزاب طائفية وعرقية لها اجنداتها الخاصة التي انفضحت وسقطت ،حتى وان استطاعت ان تسحب البعض الى ساحات الصراع (لبعض الوقت ) لكنها فشلت في النهاية ان تسحبهم الى هذه الساحات (طوال الوقت)، وبذلك فأن محاولات ولادة كيانات طائفية وعرقية كبديل عن العراق تحميها ميليشيات  وعصابات الاحزاب والقوى المتصارعة على السلطة ، هي محاولات عقيمة لان الحمل فيها بالاساس هو (حمل كاذب ).

3.ان الاشتراط من قبل البعض بان وجود الفيدرالية( وكما ورد في مشروع بايدن ايضا) هو الضامن لنهاية العنف في العراق ، هوقول باطل جملة وتفصيلا وبالتالي فان المراد منه هو دفع العراقيين للاعتقاد بان تقسيم البلاد الى فيدراليات سينهي مشاكلهم كلها وبشكل خاص ( المشكلة الامنية) التي تؤرق حياتهم منذ الاحتلال الامريكي عام 2003 وحتى اليوم،  فالفيدراليات المطلوب قيامها في العراق ، تستند الى النوع الواحد ( عرقيا اوطائفيا)،وهنا لابد من التساؤل: هل ان العنف اقتصر في العراق منذ الاحتلال وحتى اليوم على (المناطق والمدن المختلطة عرقيا وطائفيا) ام ان كل مناطق العراق ومدنه كانت مسرحا لهذه الاعمال وبشكل لايمكن فيها اعتبار هذه المنطقة اوتلك المدينة نالت قسطا اكبرمن اعمال العنف عن سواها الافي حالات معروفة الاسباب والدوافع ،وتستثنى من ذلك مدن ( السليمانية ودهوك واربيل ) لظروفها الخاصة المعروفة وانغلاقهاعلى نفسها بفعل سياسة الحزبين الكرديين الحاكمين فيها الساعيية الى خلق ظروف الانفصال ؟..فهل تجنبت العنف مدن الرمادي والنجف التي تعتبركل واحدة منهما من لون طائفي واحد (مثلا ) ؟ وكيف يمكن التصديق بان عشرات الميليشيات الطائفية والعرقية ستنحسر وتعود الى حواضنها الطائفية والعرقية اذا ما قامت الفيدراليات، وهي ما وجدت اساسا الاللصراع على السلطة والاستحواذ والنهب وهظم حقوق الاخرين ؟ وكيف يمكن رسم حدود هذه الفيدراليات على النحو الذي يقنع الجميع، اذاكانت الغام مايسمى( المناطق المتنازع عليها) توشك اليوم ان تنفجر وتجر الى حرب اهلية ، فكيف سيكون عليه الحال في ظل الفيدراليات الطائفية والعرقية ،بخاصة وان لكل منها ستكون ميليشياته الخاصة المدججة بالسلاح والتي يفترض ان يكون واجبها حماية الفيدراليات المنتمية اليها والدفاع عن مصالحها؟

الاقاليم.. الدعوة ومسوغاتها

 ان الاقليم أو الوضع الفيدرالي هو نص دستوري أقره دستور بريمر بعد احتلال العراق، إذ يمكن المطالبة بالاقليم كما جاء في المادة 119 من الدستور: (يحق لكل محافظةٍ او اكثر، تكوين اقليمٍ بناءاً على طلبٍ بالاستفتاء عليه، يقدم بأحدى طريقتين:

 اولاً : طلب من ثلث الاعضاء في كل مجلسٍ من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الاقليم.

 ثانياً : طلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم تكوين الاقليم.)

وإذا كان هذا المطلب (دستوريا) فما هي دواعي الاعتصامات والحراك الشعبي الواسع والتضحيات الكبيرة بالأموال والأنفس لمجرد المطالبة بالاقليم؟  اذ كان  كل ما يجب هو أن ممارسةالضغط لاقناع ثلثي أعضاء مجلس المحافظة ليصوتوا على الاقليم، أو ممارسة حق التصويت الشعبي وتحقيق نسبة (عشر) الناخبين، ثم يقدم الطلب الى الحكومة المركزية،وهذا  كان يعني أن على المعتصمين أن يتظاهروا منذ اليوم الأول أمام مجالس محافظاتهم وليس في الساحات والشوارع الخارجية، وأن يلقى اللوم في عدم التصويت لخيار الاقليم على أعضاء مجالس المحافظات وليس على حكومة المالكي.

ووفقا لذلك  فان المطالبة بالاقليم وفق النص الدستوري تعني أننا نعترف بالدستور الذي شرع من قبل الاحتلال لخدمة الحكومات الطائفية التي نصبها، وتعني الرضا بتشريعات المحاصصة الطائفية والموافقة على العمل بمقتضاها كليا لا انتقائيا.

 إذا ما هي مشكلتنا مع الحكومة الحاليةإذا كان جل مطلبنا هو العمل وفق نص دستوري مكتوب وواضح، سوى  اننا لم نطالب به بالطرق الأصولية؟

 اما من يقول ان المطلوب هو( اقليم سني) ،فذلك يعني  انه سيقوم على اساس (مذهبي – طائفي )لا على اساس إداري مناطقي،وهو بذلك يكون مطلبا(غير دستوري) ،  واذا كان بمقدور الداعين لقيام مثل هذا الاقليم  الاعلان عن قيامه  بمعزل عن الحكومة والدستور، فان عليهم اولا ان يقولوا للناس كيف سيديرون تمويل هذا الاقليم بمعزل عن ميزانية الدولة المركزية؟ ومن سيدفع رواتب الموظفين في الاقليم ؟ ومن سيدفع لجيش وشرطة الاقليم؟ من سيدفع للخدمات والبنى التحتية؟ من سيضع (حدود) هذا الاقليم وعلاقته بالمركز وبقية أرجاء العراق؟

 وبالعودة الى تاسيس الاقليم وفقا للدستور ، هل فعلا سيتحقق لهذا الاقليم ما يريد اهله من أمن وأمان وازدهار؟ واقع الحال يؤكد ان لاشيء من ذلك سيتحقق ،فالاقليم ليس كيانا مستقلا مطلق الصلاحيات، إنما هو تابع للحكومة المركزية (أو الحكومة الاتحادية) في أهم الجوانب وهي( الدفاع والسياسة الخارجية والثروات والأمن القومي)،فالاقاليم وفقا للدستور تمارس صلاحياتها الدستورية التي نصت عليها المادة (115) من الدستور فيما نصت المادة(110) على الصلاحيات الحصرية للسلطات الاتحادية والتي تؤكد إن وضع سياسة الأمن الوطني هي من الصلاحيات الحصرية للسلطات الاتحادية ولا يحق للإقليم والمحافظة التدخل بها إلا بموجب تخويل من السلطات الاتحادية وان جميع القوات والأجهزة الأمنية وكل ضابط وجندي وشرطي يرتبط دستورياً بالقائد العام للقوات المسلحة الذي لا يحق لغيره استخدام القوات في العمليات العسكرية أو وفقاً لما يحدده مجلس النواب استناداً إلى صلاحياته الدستورية. فضلا عن كون الصلاحيات الحصرية لاتسمح لغير السلطات الاتحادية بالتفاوض مع أية جهة غير عراقية حول أي موضوع كما لا يحق لغيرها التوقيع على أية اتفاقية كانت ولا تعد نافذة مالم يصادق عليها مجلس النواب العراقي حصرياً ، ومن المفيد هنا  ادراج محتوى

المادة (110) من الدستور والتي تنص على:

(تختص السلطات الاتحادية بالاختصاصات الحصرية الآتية:

اولاً :ـ رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي، والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وسياسات الاقتراض والتوقيع عليها وإبرامها، ورسم السياسة الاقتصادية والتجارية الخارجية السيادية.

ثانياً :ـ وضع سياسة الأمن الوطني وتنفيذها، بما في ذلك إنشاء قوات مسلحة وإدارتها، لتأمين حماية وضمان امن حدود العراق، والدفاع عنه.

ثالثاً :ـ رسم السياسة المالية، والكمركية ، وإصدار العملة، وتنظيم السياسة التجارية عبر حدود الأقاليم والمحافظات في العراق، ووضع الميزانية العامة للدولة، ورسم السياسة النقدية وإنشاء البنك المركزي، وإدارته.

رابعاً :ـ تنظيم أمور المقاييس والمكاييل والأوزان.

خامساً :ـ تنظيم أمور الجنسية والتجنس والإقامة وحق اللجوء السياسي.

سادساً :ـ تنظيم سياسة الترددات البثية والبريد.

سابعاً :ـ وضع مشروع الموازنة العامة والاستثمارية.

ثامناً :ـ تخطيط السياسات المتعلقة بمصادر المياه من خارج العراق، وضمان مناسيب تدفق المياه إليه وتوزيعها العادل داخل العراق، وفقاً للقوانين والأعراف الدولية.

تاسعاً :ـ الإحصاء والتعداد العام للسكان.)

كيف يمكن لحكومة المركز أن تحرم (الاقليم) من اية مزايا توفر له الأمن والأمان ؟ لنأخذ (إقليم) الأنبار مثلا:

1. يمكن للحكومة المركزية أن تتحجج بأن حدود العراق مع الأردن وجزء من سوريا يجب أن لاتقع جميعها تحت سيطرة إقليم الأنبار لأسباب أمنية واقتصادية، ويجب تأمين وصول أبناء المحافظات (الشيعية) دون المرور بإقليم الأنبار، فلابد إذا من استقطاع أجزاء كبيرة من الاقليم وربما مد طرق التفافية، على غرار ما تفعله دولة الكيان الصهيوني بالضفة الغربية.

2. النقاط/المخافر/الطرق الحدودية بنص الدستور هي من اختصاصات الحكومة الاتحادية، وهذا يعني أن حدود أقاليمنا مع الأردن وسوريا وجزء كبير من حدود العراق مع المملكة العربية السعودية وجزء اخر من الحدود مع ايران ، سوف تكون مطوقة بجيوش تابعة لحكومة المالكي، وسيتم التحكم بخروج ودخول أبناء الاقليم وبتجارتهم عبر المنافذ الحدودية.

3. ويمكن للسلطة الحاكمة أيضا أن تعتبر الخط الدولي السريع الذي يربط العراق بالأردن وسوريا خطا استراتيجيا وعصب الاقتصاد العراقي، لذا تجب حمايته من قبل الشرطة الاتحادية والجيش والأجهزة الأمنية، وهذا يعني إنشاء المئات من المخافر ونقاط السيطرة على طول الطريق المار بالاقليم، وسيحتفظون بصلاحيات تفتيش ومنع واعتقال من يشاؤون من المسافرين.

4. أما نهر الفرات فلا يقل في أهميته الاعتبارات أعلاه لاشتراك وتأثر المحافظات الشيعية بموارده، لذا فلن تتردد الحكومة المركزية في سن قوانين لـ(حماية) المدن المتشاطئة وذلك من خلال فرض سياسة زراعية أو إروائية مجحفة بحق الاقليم، والأمر ذاته ينطبق على نهر دجلة.

5. وفق سياسات الحفاظ على الأمن القومي المنصوص عليها دستوريا، سوف يحق للحكومة المركزية أن تتدخل عسكريا في أي وقت تشاء في شؤون الاقليم، واعتقال من تشاء، بذريعة أخطار إرهابية خارجية أو داخلية تهدد الأمن القومي، والدستور العراقي يبيح مثل هذه الاجراءات تحت باب (مكافحة الارهاب).

6. سوف يمر خط البترول الاستراتيجي الذي قرر العراق مده الى ميناء العقبة في الأردن عبر إقليم الأنبار، وهذا سيقتضي أن تتم (حمايته) من قبل الحكومة الاتحادية من أن يتعرض للتخريب.

7. الثروات الطبيعية التي يتمتع بها الاقليم هي ليست ملكا لها وفق نصوص الدستور، وإنما يتم التعامل معها وفق قانون البترودولار، وتعود موارد تلك الثروات الى الحكومة الاتحادية لتقوم بتوزيعها بعد ذلك وفق قرارتها السياسية.

*ما هو مصير بغداد والمناطق المختلطة طائفيا في مشروع الاقليم ؟

1. نحن نعلم أن معظم الانتهاكات التي يتعرض لها سنة العراق إنما تحصل في المدن والمناطق المختلطة طائفيا، وعلى وجه الخصوص بغداد وضواحيها، وبما أن بغداد ستكون خارج مشروع الأقاليم التي ينادي بها البعض، فكيف ستحل مشكلة الانتهاكات والتي من أجلها خرجت المحافظات السنية في اعتصاماتها؟

2. قد يجهل البعض أن عدد السنة في بغداد لوحدها يقارب عدد السنة في محافظة الأنبار بأجمعها، وأن هناك نحو مليوني سني في المحافظات ذات الغالبية الشيعية، فكيف يغفل المنادون بالأقاليم مصير هذا العدد الهائل؟

3. قد يظن البعض أنه لو نشأ إقليما للسنة في العراق فإن على السنة المقيمين في بغداد أو المحافظات الشيعية أن يبادروا بـ (الهجرة) الى الاقليم السني للحفاظ على ارواحهم، وهو مقترح ينم عن  جهل وتضليل وسذاجة. الموضوع لايتعلق بنزوح بضع مئات من العوائل، إنما بنزوح نحو ستة ملايين شخص وما يتبعه من خسارة لمنازلهم وممتلكاتهم ومصالحهم ومحالهم التجارية ووظائفهم وعلاقاتهم الاجتماعية، أي أنها ستكون واحدة من أكبر عمليات التدمير الاجتماعي في تاريخ العراق.

4. إن المطالبة بالاقليم السني قد تتطور الى صراع مذهبي تدفع باتجاهه الحكومة وميليشياتها الطائفية، حينذاك سوف ترتكب واحدة من أكبر مجازر التطهير و التهجير الطائفي بحق سنة العراق تحت لافتة (ارحلوا الى إقليمكم)، على غرار المجازر التي وقعت بين الهند وبكستان أثناء التقسيم، وبالتأكيد سوف تستغل بعض الأعمال الانتقامية هنا وهناك لتأجيج الصراع، وبذلك سنذهب بالعراق الى امرين متلازمين: أولها تقسيم العراق ، وثانيها القضاء على قوة السنة في العراق وإهداء نصفه لايران.

*الحالة الكردية هل تصلح للقياس؟

يستدل المطالبون بمشروع الاقليم بحالة الأمن والاستقرار والازدهار التي يتمتع بها إقليم كردستان، ويسعون للبرهنة على أن خيار الاقليم سوف يوفر لسنة العراق نفس المزايا التي يتمتع بها إقليم كردستان. ويمكن الرد على هذا الاستدلال على النحو الاتي :

1. الأكراد هم شعب يختلف عن شعوب الدول التي يسكنون معها عرقيا ولغويا، وهم يتوزعون بين اربعة دول هي العراق وسوريا وتركيا وإيران. وقد بدأ (نضال) الأكراد للحصول على حق تقرير المصير منذ أربعينيات القرن الماضي، وخاضوا في العراق وتركيا معارك مسلحة دموية على مدى عقود من الزمن، ودفعوا عشرات الآلاف من الضحايا لأجل تحقيق أهدافهم، ولم يصلوا اليها بعد، أما العرب السنة فهم فاتحو العراق الاسلامي وتعاقبوا على حكمه منذ أن فتح العراق على يد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وحتى 2003، وهم جزء من نحو 350 مليون عربي سني في أرجاء العالم العربي، فهل تصح مثل تلك المقارنة؟

2. لقد تأسس المشروع الكردي الانفصالي منذ أيامه الأولى في أحضان أعداء الأمة ومن كانوا يمكرون لها شرا، فقد نشأت أول الأحزاب الكردية في كنف الاتحاد السوفيتي في الخمسينيات، وانصبغت بالفكر الشيوعي الماركسي الملحد، ثم وجدت الصهيونية العالمية في القضية الكردية خنجرا مسموما لطالما طعنت العراق ودول المنطقة به، ولم تخف القيادات الكردية منذ الخمسينيات ارتباطها الوثيق بالموساد الاسرائيلي والسافك الايراني. ثم وجدت بريطانيا وأمريكا في دعم القيادات الكردية خير وسيلة لاضعاف العراق والمنطقة بأكملها، ومهدت بذلك لاحتلال العراق وتدميره وتمزيقه. ولولا وقوف الارادة الغربية الصهيونية الايرانية خلف المشروع الكردي في شمال العراق لما كان هناك إقليم كردستان، ولكان (الحكم الذاتي) الذي منحهم إياه العراق يعتبر إنجازا هائلا بالمقارنة مع وضع الأكراد في تركيا وإيران وسوريا.

3. وعلى العكس من ذلك تماما، فإن الإقليم العربي السني في العراق سيكون إقليما معاديا للاحتلال وللصهيونية وللأطماع الايرانية ولسياسات التدخل الغربي في العراق والمنطقة، وسوف يكون مناصرا وداعما لثورات الربيع العربي وعلى وجه الخصوص الحالة السورية المجاورة،لذا فلن تحرص أيا من دول الغرب على دعم أو تأييد أي إقليم يضم أغلبية سنية، وسوف يقفون الى جانب المالكي وحكومته الطائفية ولو اباد سنة العراق عن بكرة أبيهم، بعد اتهام الاقليم باحتضان العمليات الارهابية، ولنا في سوريا خير شاهد ودليل. فهل تصح المقارنة بين المشروعين الكردي والعربي السني؟

4.هناك من يقول أن حكومة المالكي لن تستطيع التعرض لاي كردي في بغداد أو غيرها بسبب حماية الاقليم له، وهذا ما  سيتحقق لنا عندما يكون لدينا إقليم سني. هذا  القول  غير صحيح  وومضلل ولا يصلح للمقارنة ، لأن القيادات الكردية لاتشكل خطرا على المشروع الفارسيبنحو مطلق تماما،، بل هم متعاونون معه لتحقيق مصالحهم، ولايشكلون مهما كان عددهم خطرا على التركيبة السكانية في بغداد، ولايتعاطفون مع ثورات الربيع العربي وخصوصا سوريا المجاورة، وأخيرا وهو الأهم فإن الدول الكبرى تحمي مشروعهم في العراق والمنطقة.. فأين المقارنة مع سنة العراق؟

5.أما إقليم كردستان فان عدم خضوعه للسلطات الاتحادية ليس لكونه إقليم ولكن لكون الحكومة الحالية( السلطة الاتحادية)غير قادرة على بسط سلطاتها عليه لأسباب عسكرية وسياسية داخليةوإقليمية ودولية لخصوصية وضع الأكراد ومطلبهم التاريخي بتقرير المصير وتأسيس دولتهم القومية ، كما إن الأكراد يمتلكون قوات منظمة ولديها أسلحة ثقيلة من تركة الجيش العراقي السابق (بما في ذلك الدبابات والمدافع ومقاومة الطائرات  وغيرها الكثير )وقد لاحظنا كيف كانت استعداداتهم العسكريةحازمة وقوية لإرسال رسائل إلى رئيس الوزراء(نوري المالكي ) بأنهم سيواجهون القوات الاتحادية بكل قوة إذا ماتجاوزت الحدود المتفق عليها عندما حاول قبل أشهر القيام بنشاطات عسكرية تصوروها إنها تستهدف دخول الإقليم أو الأراضي موضع الخلاف أو لقياس مدى رد فعلهم وقدرتهم على مواجهته ولهذا السبب فان السلطات الاتحادية كانت تستجيب لطلبات إقليم كردستان من نواحي عدم التدخل عسكرياً وامنياً ومنحهم حصتهم بما في ذلك التي تنفذها الوزارات الاتحادية مباشرة من قبلها أو عبر دوائرها في المحافظات حسب اتفاقات سابقة.

*عدم مشاركة شيعة العراق في الحراك الشعبي..هل تصلح لتسويغ انهاء  الحراك؟

البعض ممن يحاولون  انهاء الحراك الشعبي الذي بدا منذ نحو خمسة اشهر ، يسوقون جملة من التبريرات والاسباب الواهية في مقدمتها ان  شيعة العراق لن ينضمواالى الحراك الشعبي ، وسوف تقتصر الاعتصامات والمظاهرات على المكون السني فقط، وهذا يعني استحالة إسقاط الحكومة من خلال الثورة السلمية كما حصل في عدد من دول الربيع العربي.والحقيقة ان الامر يجب ان ينظر له وفقا لما يلي:

1. إن الذين خرجوا في المظاهرات المليونية في مصر لم يتجاوزوا في أفضل الحالات 2 مليون، من مجموع 90 مليون مصري، وكثير من المصريين وقفوا على الحياد ينتظرون من الرابح والخاسر، فإن خرج 2 مليون سني وبقي 15 مليون شيعي على الحياد – كما هم الآن – فهذه نسبة أفضل بكثير من الحالة المصرية، فضلا عن ذلك فان نصف الشعب اليمني قد وقف ضد النصف الآخر في انتفاضته التي نجح فيها في تغيير النظام. ومن قال أن الانتفاضات الشعبية تقتضي اشتراك جميع افراد الشعب؟ يكفي أن جزءا واعيا ومؤمنا بقدراته  وامكاناته هم من يريدون التغيير.

2. تعيش المحافظات الشيعية جميعها الآن حالة متصاعدة من الصراع الداخلي بين الأحزاب الشيعية لأسباب منها ما هو عقائدي ومنها ما هو نفعي تنافسي. فالتيار الصدري يمكر بحزب الدعوة ويكيد له بعدما خسر مواقعه وتلقى ضربة قاسية من حكومة المالكي، والمجلس الأعلى لايطيق حزب الدعوة أو التيار الصدري معا، وهما يبادلناه الكراهية، وقد دخل الى الساحة منافسون جدد سوف يشكلون خطورة على جميع اللاعبين الشيعة، وذلك هو تيار الحسني الصرخي، المرجع العروبي الذي يرفض الوصاية الايرانية ويؤيد اعتصامات المحافظات السنية،فضلا عن كون شيعة العراق  يعيشون اليوم في أسوء أوضاعهم المعاشية والخدمية، ويفتقد العديد من ابناءهم الى أبسط مقومات الحياة الانسانية الكريمة، وكثير منهم قد فقد الأمل بأحزابهم ومرجعياتهم التي لم ينالوا منها خيرا،ولعل نتائج وطبيعة ونسب المشاركة المتدنية جدا، في انتخابات مجالس المحافظات التي جرت في شهر نيسان2013،خير شاهد على حقيقة العلاقة بين شيعة العراق والاحزاب الطائفية الشيعية الحاكمة.

3. بعد عشر سنوات من البؤس والشقاء وصل عدد من شيعة العراق الى استنتاج مفاده أنهم غير قادرين على الحكم، وأن استفراد الشيعة بالسلطة لن يزيد العراق الا صراعا ودموية وشقاء وخرابا، وهي مشكلة ثقافات ومعتقدات تمنع الفرد الشيعي وخصوصا المتدين منهم من التعامل مع (الآخر المختلف) بروح التسامح والمواطنة، وذلك بتأثير التعبئة الطائفية المتواصلة التي يتعرضون لها والتي تصف سنة العراق والعالم بأنهم أحفاد قتلة الامام الحسين وغيرها من الأوصاف العدائية والاقصائية.

4. إن شيعة العراق سيكونون أكثر أمنا من بطش بعضهم بعضا، وأكثر ازدهارا ورخاءً، إذا ما عاد الحكم الى شخصيات وطنية قادرة على استيعاب جميع التنوع العراقي في إطار المواطنة واحترام المعتقدات، لذلك لن يحتاج الحراك الشعبي العراقي الى نصف العراق الشيعي إن اختار أن يبقى في حالة الانتظار،وهو انتظار لن يطول اذا ما تذكرنا أن أكبر وأقوى المظاهرات ضد حكومة المالكي في 25 شباط 2011، كانت في مدن البصرة والديوانية والناصرية، وعليه لا يمكن ان نستبعد انضمام المحافظات الشيعية الى غيرها للاطاحة بحكومة المالكي، هذا إذا ما استمر الحراك الشعبي في المحافظات السنية  في خطابه الوحد غير الطائفي والتقسيمي، وكان قادرا على الصمود والثبات، الامر الذي سيوسع مساحة الحراك افقيا لاستيعاب جميع افراد الوطن في ثورته العادلة.

5.اذا كان العراق بوضعه الحالي ، والتدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية على اعلى المستويات وفي كل القطاعات،وبخاصة  التدخلات( الايرانية) ، فكيف سيكون حال الدويلات الصغيرة في مواجهة مثل هذه التدخلات وحماية نفسها من الادوار الاكبر التي يمكن ان تلعبها ايران (مثلا)، وامكانية سلب حقوقها التي كانت مثبتة كحقوق للعراق اساسا..بخاصة في ظل عدم وجود اتفاقية او ميثاق دولي او اقليمي جرى الالتزام به او احترامه من قبل الدول والقوى في عالم  يكيل بمكيالين ويفرق اساسا بين الحقوق اعتمادا على (ماتمتلكه الدول من مصادر وامكانات القوة) ؟

ووفقا لذلك كله فان موضوعة الاقليم ستنحصر في امرين:

اولا.اما أننا نطمح لتغيير بعض فقرات الدستور من خلال البرلمان ليكون الاقليم بمواصفات أفضل، ولن نتوقع بالطبع من حكومة (طائفية) أن توافق على مثل هذا التعديل، مخافة أن يصبح الاقليم السني وسوريا ما بعد الأسد وبدعم دول الجوار قوة هائلة سوف تقضي على الحلم الصفوي في العراق والمنطقة.

ثانيا.واما أننا نرفض الدستور جملة وتفصيلا ونسعى لاسقاطه،الذي سيعني بالضرورة إسقاط الحكومة والبرلمان، اي الايمان بخيار الثورة الشاملة وما يمثله حراكها الشعبي منذ نحو خمسة اشهر،وإذا ما نجحت هذه الثورة فسيعود الحكم في العراق ليد أبنائه الشرفاء، حينذاك هل هناك حاجة وقبول للانحسار في أقاليم وقد ملكنا زمام الدولة بأكملها؟

وهكذا فأن الدعوة للاقاليم هي في حقيقتها توطئة للتقسيم وللمشاريع المرتبطة به ، لكن النظر بنحو دقيق  الى موضوعة التقسيم بكل مقترباتها وفي مقدمتها الاقاليم ،، الذي يأخذ  بالاعتبار كل وجهات النظر المؤيدة والرافضة، ويسلط حزم الضوء المناسبة على كل الزوايا،سيؤدي في النهاية الى الخروج بنتيجة مؤداها ان مشاريع تقسيم العراق تولد ميتة مهما تعددت ارحامها ، لان حملها كاذب بالاساس . وان محاولة انجابها( بالتلقيح الصناعي) وتامين حاضنات خاصة لتنشأتها،سيؤدي الى صناعة الغام شديدة الانفجار تاتي على حصون الجميع وتجرهم الى خسائر لا يملكون القدرة على تحملها ، وبالتالي فأن احاديث التقسيم ومشاريعه، لاتعدو عن كونها احاديث للتخويف والضغط ومصيرها سيؤول الى الاهمال ، وبالتالي فان اصحابها سيضطرون للتراجع عنها والا فأنهم سيخسرون في النهاية كل شيء ، ولا يصح الا الصحيح ولن يصير (غير الملزم) ملزما .

مقالات اخرى

Melbourne Web Design & Development
menu-circlecross-circle linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram