

عمر النقيب تلّقى العالم العربي والأمريكي خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي ضمَّن برنامجه الانتخابي للوصول إلى البيت الأبيض؛ قرار انسحاب القوات الأمريكية ( المحتلة ) من العراق في نهاية عام 2011م، بحفاوة وبهجة رُسمت على جميع الوجوه، حتى الشارع العربي الذي أخذ يُدافع عنه معتبره المخلص الذي لطالما حلم عنه. وأقرَّ سحبَ عددٍ من قواته في عام 2009م، على أن تُبقي الولايات المتحدة من جنودها في العراق ما يقرب عن خمسين ألفًا، سيخرجون جميعًا بتاريخ 31/12/2011م، حسب ما سُمي بالاتفاقية الأمنية بين قوات الاحتلال الأمريكي والسياسيون في العراق في عام 2008م. لكن هل ستحظى هذه الاتفاقية بالتطبيق أم ستكون كغيرها من الاتفاقيات التي تمتطيها القوات الغازية؛ لتمرير مشاريعها في العراق ؟. وعلى كل حال فإنَّ هذه الاتفاقية تُفندها أفعال القوات الأمريكية هناك، وإدارتها أيضا، علاوة على أفعال وتصاريح من اجترأ على تمثيل الشعب العراقي، ومنها: فإذا كان هذا حال السياسيين في العراق، وتصرفات القوات الأمريكية، ومطامعها الواضحة؛ فمن المستحيل أن تترك القوات الأمريكية العراق بهذه السهولة خاصة وأن الأمريكان ما احتلوا العراق بالسهل، والعراقيين ما استقبلوهم بالورود، وأن من في العملية السياسية لا يؤمن بوجود دولة بمعناها المؤسساتي والإداري كما صرح بذلك عزت الشابندر عضو التحالف الوطني عن دولة القانون، حيث قال: أن لا دولة في العراق. وهذا ما يردده اكثر الذين هم في الحكومة الحالية. فمعنى هذا أن الانسحاب أصبح أدراج الرياح، أو أصبح في درج من بات يتحكم بثروات العراق وأهله. وأصبحت فرحة الأمس نغصة اليوم في حق من راح يُطبِّل لأوباما، ويقول: ماذا تريدون من الرجل بعد اليوم، ها هو أعلن الانسحاب من العراق. وكأنَّ لسان حالهم يقول: ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ [القصص: ٨٢] . أما على افتراض أنَّ القوات الأمريكية ستنسحب فما هو السيناريو المُحتَمل ؟. المتتبع لتصريحات الساسة في العراق؛ يقع في خاطره من أول وهلة اجابة لهذا السؤال: أنَّ الحرب الأهلية هي التي ستكون عنوان العراق بعد الانسحاب. وهذا السيناريو هو الذي تراهن عليه حكومة نوري المالكي اليوم؛ لتُوحي للشعب العراقي أنه والاحتلال؛ صمام الأمان، وهذا ما يدعيه قادة الاحتلال. وقد ذكرتْ عدة مراكز أمريكية وغربية وعربية سيناريو الانسحاب، وما بعده بالشكل الذي يحفظ ما أتت به أمريكا للعراقيين والعرب، لحفظ ماء وجهها. وقبل البدء بذكر ما هو محتمل بعد الانسحاب الأمريكي، من الممكن أن نُرجِّح سيناريو على آخر ولكنه ترجيح محتمل ولا يصل إلى اليقين، وهو متوقف بالدرجة الأولى على شكل الانسحاب، وعلى قرار وقناعة الشعب العراقي الذي منه المقاومة. فإذا جاء الانسحاب بما يُرضي المقاومة العراقية التي أجبرت الاحتلال على التفكير الجدي بالانسحاب - وهذا من المستبعد وقوعه – أو بما يُلبي رغبة الشعب العراقي في الحرية؛ فإنَّ التوقعات ستكون مختلفة عمّا لو جاء شكل الانسحاب كعادة الأمريكان بالالتفاف على القوانين والواقع. ومع هذا فمن الممكن أن تُفْهَمَ ملامح المرحلة القادمة. وبالحقيقة هناك عدة سيناريوهات متوقعه في العراق بعد الانسحاب منها: - ما أصدره مركز الشؤون الدولية التابع لجامعة نيويورك حيث اصدر تقريرًا يتضمن ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل العراق لما بعد الانسحاب الأمريكي الذي قال التقرير أنه سيتحقق بحلول عام2010. السيناريو الأول يقضي بظهور قائد وطني من وسط الفوضى التي تسود البلاد، يكون مستقلاً عن كل اللاعبين الإقليميين والدوليين، يقوم هذا القائد المفترض بتأسيس مصداقيته بوصفه الشخص الذي يُوحِّد البلاد بجميع طوائفها وقومياتها. ويؤكد التقرير: أن بحلول عام 2010؛ وبسبب فشل الإسلاميين؛ وتعاقب حكومات ضعيفة في بغداد، ستقتنع أعداد كبيرة من العراقيين باستبدال الديمقراطية والحريات، بالديكتاتورية. وتقول الدراسة: إنه يتعين أولا تحقيق الانسحاب الأمريكي من العراق بشرط أن يتم تعويضها بجيش عراقي يُمثل جميع أطياف الشعب، على أن يكون قويًا إلى الحد الذي يمهد الطريق؛ لظهور مثل هذا القائد عن طريق انقلاب عسكري يُهيئ المناخ الملائم لعقد علاقة متوازنة مع الولايات المتحدة، وباقي دول المنطقة. كما أشارت إلى أنَّه من المبكر جدًا التنبؤ بشخصية هذا القائد إلا أنها لا تستبعد أن يكون " الفريق عبود قنبر " قائد خطة فرض القانون الحالي المرتبط برئيس الوزراء نوري المالكي شخصًا مؤهلاً؛ لتنفيذ هذا السيناريو، مستشهدة بتاريخه العسكري. - أما السيناريو الثاني والذي أصدره المركز نفسه، ويتلخص: باحتواء الفوضى في العراق، والحيلولة من دون انتشارها في منطقة الشرق الأوسط؛ بإقناع دول الجوار بأنَّ انهيار العراق، وانتشار عدوى الأفكار الثورية، وحالة اللااستقرار؛ ستؤدي إلى تهديد هذه الأنظمة التي عليها العمل سوية، لتجنب انتشار حالة الفوضى في العراق إلى أراضيها. - أما السيناريو الثالث والذي بيَّن ملامحه نفس المركز، فيتمثل في: عراق غارق في فوضى حرب أهلية، تطال آثارها دول الجوار بطوفان اللاجئين، وتنامي نفوذ الجماعات الإرهابية وتهديدها، وتآمر الدول على بعضها بعضا؛ لتقويض كل دولة استقرار الأخرى، والساحة هي العراق. - وهناك سيناريو رابع: وهو أن يكون العراق لقمة سائغة للإيرانيين مما يُعَدُّ احتلالاً آخر له. وهذا ما يتوافق مع سيناريوهات إيران بعد الانسحاب والذي يقضي بتقسيم العراق إلى دولتين سنية وشيعية. - وأما السيناريو الخامس: وهو اقتتال بين فصائل المقاومة العراقية مما يؤدي بالبلد إلى فوضى عارمة. - وسيناريو سادس تسربت معلوماته من الإدارة الأمريكية، يقضي: أن تُبقي القوات الأمريكية جزءً من قواتها في العراق، والجزء الكبير يخرج خارج العراق في قواعده الدائمة في الكويت مثلا، بحيث يكون قريبًا عنه، واستبدال التكتيكات الخشنة الكمية بالتكتيكات الناعمة النوعية. وإعادة هيكلة السفارة الأمريكية في العراق باستبدال لفظ السفير بالرئيس ولها نائبان، واستخدام إطار الشراكة الإستراتيجية مع العراق باتفاقات فرعية كثيرة تُعطي الشرعية القانونية لهذه القوات المتبقية. ويكون عدد هذه القوة ما يقرب من 16000 جندي؛ مما يُتيح للجانب الأمريكي المراقبة والسيطرة التامة على تصرفات الحكومة العراقية. وأضافت هذه المعلومات المتسربة بأنَّ الخبراء الأمريكيين أطلقوا على هذه العملية تسمية: "احتلال العراق بوسائل السيطرة الذكية ". هذه أغلب السيناريوهات المحتملة وقوعها في عراق ما بعد الانسحاب الأمريكي منه. ومنها ما جانب الصواب، وأخرى غلَّبت مصلحة القوى المتنفذة على الشعب العراقي، من غير اعتبار لمصالحه ولا لرغباته التي باتت قاب قوسين أو أدنى من الوصول الى هدفها خاصة بعد المظاهرات التي عمت العراق. وأنا أعتقد أن أي سيناريو كُتب قبل ربيع الثورات العربية؛ لا بدَّ من مراجعته. فالشعب العراقي جزء من هذه الأمة ضارب في تاريخها، كما هو امتداد لأصالتها. خاصة وأنَّ الشعب العراقي ومقاومته الشرسة من الصعوبة بمكان أن يُتجاهلا في رسم خريطة مستقبله، وهو حافل بالثورات على الأجنبي، بل وعلى من يدنس أرضه وعرضه. فأي توقع في احتمال وقوع الطائفية في العراق، أو جعل هذا التوقع عنوان ما بعد الانسحاب؛ فإنه توقع قاصر عن إدراك الحقيقة على ما ينبغي، فالشعب العراقي أثبت للجميع بما لا يدع مجالاً للشك أنَّ الطائفية عليه دخيلة، وجاء بها الاحتلال، وإن أوضح واقرب دليل على ذلك حادثة النخيب،([2]) والتدخل المسفر من قبل قوات المالكي في كربلاء على أهالي الأنبار. وهذه تصرفات حكومة نوري المالكي المستمرة ، والتي باتت مكشوفة لدى الشعب العراقي. ولكن عندما تعرض أو تحلل تصرفات الشعب العراقي ترى الوعي الكافي عند الشعب والعشائر؛ لتجاوز هذه العقبات التي يتكئ عليها الاحتلال وحكومة المالكي. فما قام به شباب وشيوخ الموصل والأنبار وكربلاء على حدٍّ سواء؛ في تفويت الفرصة على من قام بهذه الجريمة. حيث أنهوا هذه الأزمة المفتعلة بخطاب موحد بين أهالي المحافظتين، يؤكد على الوحدة والتصدّي لمخططات الفتنة والفرقة. والاحتلال قائم بينهم، والحكومة متنفذة في نشر الفتنة والطائفية. وهذا الوعي الكامل يمنحنا تصورًا متفائلاً للحال نفسها مع انعدام الاحتلال وذيوله، وإرجاع العراق للعراقيين. إذن احتمال الطائفية، والحرب الأهلية بعيد جدًا، بل ليس في حساب الشعب العراقي. والعراقيون متجانسون فيما بينهم، بل عاشوا فترة طويلة بعد الاحتلال من غير قتال ولا نزاع إلى أن حصل تفجير سامراء في 22/2/2006؛ ليشعل حربًا لم تكن في حساب الشعب العراقي، قامت بها مليشيات حكومة الجعفري في وقتها ومليشيات الأحزاب المتنفذة بتمويل وعون مباشر من قوات الاحتلال الأمريكي وإيران. وأما ما يذكر من جعل العراق لقمة سائغة للإيرانيين، فالشعب الذي انطلقت منه أسرع مقاومة وأقواها، وأركعت أعظم قوة وأكبرها؛ لا تبالي بمن هو أدنى، وهذا في حساب من يحلم أن العراق له بعد الانسحاب. وما الكلام عن تقاتل فصائل المقاومة واختلافها فيما بينها إلا كسراب يحسبه الظمآن ماء يرويه من عطش اللهث وراء ثروات العراق. وإن أوضح دليل على هذا، فصائل التخويل التي وحَّدت قيادتها تحت رجل واحد وهو الشيخ حارث الضاري، وجميع الفصائل متفقون في الهدف والرؤيا، وإن اختلفت الآليات. وما تناقلته المراكز من توقع خروج رجل وطني بعيد عن التدخلات الخارجية، والمرشح لهذه العملية ( قنبر ). فلو لم يكن في هذا السيناريو إلا قنبر فكفا بهذا السيناريو فشلاً. ومن البعيد جدًا أن يقبل الشعب بدكتاتوري بعد هذه التضحيات، بل يصنعه بنفسه؟!!. ومن القصور العقلي أن يُنظر إلى الشعب العراقي خاصة بعد هذه المحن بهذه السذاجة، حتى من يتبع المراجع في العراق أصبح لديه من الوعي ما يجعله قادرًا على فهم حقيقية الأمور؛ وهذا ما ثبت في دعوة مقتدى الصدر في جمعة ما سُميت بـ( شكر الحكومة) فمن أجابه؟. هل خرج الشعب العراقي وملء الشوارع أم أجابته الأعداد التي هي أقل من القليل. فلم يبق لدينا إلا سيناريو واحد، وهو: السيطرة النوعية على العراق، وإعادة هيكلة السفارة هناك. وهذا ما رفضته المقاومة في عدة محافل ومن خلال أكثر من بيان، وهو: خروج جميع القوات الأمريكية وإلا فضرباتها لا تقف، ومحاولة إهمالها هلاك لمن قام به. واعتقد أنَّ الحل الأمثل لا يكون لحساب مُكوِّن على الآخر، ولا لتقوية جهة على حساب إضعاف أخرى، ولا بالتغاضي عن ميليشا تفتك بالشعب العراقي على حساب أمنه وسلامته، ولا بلملمة حكومة رجالها لا تعرف مكانة العراق ودوره البارز في المنطقة، ولا بحكومة اغلب وزرائها من مزوري الشهادات، ومنتسبي المليشيات. الحل إذن هو: انسحاب أمريكي كامل للأراضي العراقية، وبناء جيش عراقي لا ينتمي لجهة وإنَّما انتماؤه للبلد ومما يسهل ذلك مثلا: التجنيد الإجباري، وإعادة الكفاءات في الجيش السابق التي ثبتت وطنيتها للبلد ولم تتورط بقضايا فساد أو اجرام بحق الشعب، وإعطاء الشعب العراقي حرية انتخاب حكومة يراها ممثلة له بعد حكومة وطنية انتقالية تدير شؤون البلد لحين انتخاب الحكومة الدائمة، وكتابة دستور عراقي يُكتب بأيادي شعبه لا يؤتى به مترجمًا، ولا مانع إن رأى الشعب العراقي تحالفًا أو اتفاقًا مع هذه الدولة أو تلك ولكن بعد سيادة وحرية كاملة له؛ وهو ليس بدعًا من الشعوب ولا من الحكومات العربية. [1] - ألقى الخطاب باربيل في يوم 6/ 9/ 2011م. [2] - قامت مجموعة مسلحة في يوم 12/9/2011م بقتل اثنين وعشرين عراقيًا في الطريق المؤدى الى سوريا، خمسة منهم من أهل الفلوجه والبيقية من أهل كربلاء. وتشير أصابع الاتهام إلى قيام قوات نوري المالكي بتلك الجريمة؛ لإثارة النعرة الطائفية، وللفت الانظار عن جريمة قتل هادي المهدي الذي قتل بكواتم قوات نوري المالكي حسب أهل هادي المهدي. هذا ما اتفق عليه أهالي المغدورين من الفلوجة وكربلاء.