

قدَّم هذه القراءة د. عمار عبد الكريم- مدير التحرير. هذا الكتاب من الكتب الجديرة بالقراءة، بل ( لابد أن يقرأ) كما قال المفكر والكاتب - سامي عامري -، المؤلف كتبه بلغة هادئة، ناصحة، للتحذير من سرطان العلمنة، وهو صيحة نذير من داخل الحركة الإسلامية، ومراجعة هادئة هادفة صادقة حانية، لتصحيح الهدف، وتصويب المسار. الكاتب: د. البشير عصام المراكشي أمضى دراسته الأكاديمية الأولى بمدينة مراكش، ثم انتقل إلى الرباط لإتمام الدراسة حتى حصل على شهادة مهندس الدولة في الاتصالات من المعهد الوطني للبريد والاتصالات بالرباط. - حصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة سنة 1421هـ من وحدة (مناهج البحث في العلوم الإسلامية). موضوعه: (المنهج الإسلامي في دراسة روايات السيرة النبوية). - حصل سنة 1430هـ على الدكتوراه في الفقه وأصوله، تحت عنوان: (المصالح والمفاسد في المذهب المالكي وتطبيقاتها المعاصرة). له إجازات علمية عديدة في العلوم الشَّرعية النقلية والعقلية، وذلك من خلال تلقيه العلم الشرعي على نخبة من علماء الأمة. عن الكتاب: تناول الكاتب قضية في غاية الأهمية، الكتابات فيها بين الشح و القلة، و بين النخبوية في الأسلوب فاختار موقعا وسطا بينهما و قد وفق في ذلك، فقدم رؤية نقدية من الداخل لخلل منهجي نابع من الداخل، فرصد أهم الرواسب العلمانية الفاسدة في فكر التيارات الإسلامية المعاصرة، و تنبيه هذه التيارات إلى ضرورة إصلاح التصورات الفكرية المؤسسة للعمل الإسلامي في أفق بناء صرح الإسلام في الأمة من جديد، متهما أيها "بتمرغها في حمأة العلمانية" بدرجات متفاوتة، فكان عنوانه الفرعي: (رصد تسرب التأصيلات العلمانية إلى فكر التيارات الإسلامية المعاصرة) ، يقول الدكتور البشير في مقدمته: فهذه رؤية نقدية من الداخل، لخلل منهجي نابع من الداخل.. فكاتب هذه الكلمات ابنٌ وفيّ من أبناء الحركة الإسلامية.. ارتضع من لبنها.. وتغذى من ثمار دوحتها السَّامقة، لها عليه -بعد الله عز وجل- فضل الإيجاد التربوي، والتَّشكيل الفكري، علق عليها -بعد الله تعالى- آمالاً كبيرة في إحياء الأمة وبعث مجدها الغابر، وشاركها آلامًا كثيرة في المخاض الفكري العسير والممارسة العملية المحفوفة بالأشواك.. وبنى لها في قلبه صرحُ حب عامر تؤثثه الغيرة على هذه الحركة الإسلامية من الانحراف عن الغايات السامية، ومن الخلل في المفاهيم والتصورات، وما أكثر ما تكلم الناس عن الاضطهاد الخارجي، والحملات التشويهية، والقمع المنهجي.. ولكن ما أقل من يجد الجرأة ليرجع الخلل إلى منبعه الأصلي، فيكافئ بين عوامل الإفساد الداخلية والخارجية. ولست أشك أن بعض المنتسبين للحركة الإسلامية يتعالون على النقد بسبب كِبْر مستحكم، يجعلهم يُحلّون أنفسهم في مرتبة الذي لا يتطرق الخطأ إلى أقواله وأفعاله! ولا أشك أيضًا أن بعضهم يعانون من نوع تواضع مَرَضي، يجاوز هضم النفس إلى تعمّد جلدها، ويجعلهم يسوّون أنفسهم بعتاة الفجار المناوئين للدين والمسيئين للأمة! وبين الكبر المانع من رؤية باطل النفس، وجلد الذات الذي يحجب رؤية باطل الآخرين: ضاع الحق وانتفش الباطل!. فالأول يضخّم الأمل، وينخر القدرة على التخطيط المحكم. والثاني يقتل الأمل، ويغرق النفس في أوحال الاستكانة، والرضا بالأمر الواقع. ولست أرضى للحركة الإسلامية -التي أعتبرها ضميرَ الأمة اليقظ وقلبها النابض- تضخم الأمل ولا دبيب القنوط. ولأجل ذلك، رأيت من واجبي أن أبادر إلى بيان بعض مكامن الخلل في الحركة الإسلامية، لأنني لا أعتقد فيها العصمة، وأعيذ أبناءها وقادتها من اعتقاد ذلك؛ دون أن أجحف بحقها فأسويَها بالتيارات الفكرية التي تسعى لدفن القيم، ولوأد الدين. وشتان بين من أراد الخير وسعى إليه فلم يصبه -أو أصاب بعضه-، ومن أراد شرًا محضًا، أدركه أو لم يدرك منه شيئًا! وإنني لأرجو ألا أكون ظالمًا لأحبتي، فظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند -كما يزعم ابن العبد-، ولو كان الظلم حلالاً طيبًا، لما جاز لي أن أظلم عشيرتي وأقاربي، فكيف والظلم مذموم على كل حال؟!. إن الإسلام هو دين الله الحق، وإن العلمانية هي دين الإنسانية الجديد.. وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، فإما الإسلام وإما العلمانية، والجمع بينهما كالجمع بين الضب والنون! ولكن العلمانية اليوم مهيمنة على العالم بأسره، مسيطرة على السَّياسة والاقتصاد، وعلى الثقافة والفنون، متسلطة على التيارات الفكرية جميعها.. فالتيارات السَّياسية كلها تخطب ودّها، وتتبنى رؤيتها للكون والحياة، وتتقبل نماذجها المعرفية والحضارية المنفصلة عن القيمة.. ولا يمكن للعلمانية أن تتنازل -وهي في أوج هيمنتها الفكرية والحضارية- فتقبل منافسًا، منبعثًا من حضارة شرقية لا تمتّ إلى التَّشكيل الحضاري الغربي بصلة؛ وهو فوق ذلك منافس شرس، ضارب بجذوره في عمق التَّاريخ، ممتد بأغصانه الوارفة في سعة الجغرافيا، يحمل في ذاته معالم قوة كامنة، وينطوي على بركان هادر يوشك أن ينفجر.. ولهذا فالعلمانية تعادي الإسلام أكثر مما تعادي غيره من الأديان.. ولهذا أيضًا فالإسلاميون -الذين يحملون هم بعث الإسلام- يناوئون العلمانية ويقفون منها موقف العدو الكاشح.. ولأجل هذا كله فإن تسرب العلمانية إلى قلب الحركة الإسلامية أمر عجيب عجيب عجيب!. وتطبيعُ الحركة الإسلامية مع العلمانية هو فوق ذلك خطر خطر خطر.. بالغ في الخطر غايته. ومن هنا كان التَّحذير واجبًا لا يتهاون فيه؛ والسكوت للمداهنة والمجاملة شرًا لا يشك فيه!، إن تسلل العلمانية إلى التيارات الإسلامية لم يكن على مرتبة واحدة، ولا في وقتٍ واحد. فمن الإسلاميين من التَّحق بصفّ العلمانية الصَّريحة في مجال السَّياسة خصوصًا، أو في مجالات الحياة كلها.. ومنهم من يصدر -بين الفينة والأخرى- بعض الإشارات العلمانية الخفيفة التي تصدر على استحياء، ثم هي ليست بالكثرة والقوة التي تجعل الحركة محكومًا عليها بأنها حركة علمانية.. ومنهم من سلِم من أوضار العلمانية إلى حدٍ بعيد، مع امتناع السلامة التامة الشاملة.. فإن الحركة الإسلامية جزء من الأمة، وإن الأمة عُلمنت منذ عقود طويلة، فلا انفكاك للإسلاميين عن قدْر -ولو يسير- من رذاذ العلمانية النتن! والنقد سيكون موجهًا -بالدرجة الأولى- إلى الطائفة الأكثر تمرغًا في حمأة العلمانية، لأنها أجدر بالتحذير والتنبيه، بل بالتبكيت والتقريع؛ لكونها أكثر مفارقة للإسلام الخالص، في غاياتها ووسائلها، وفي تصوراتها الفكرية، وممارساتها العملية. فصرنا نرى من المنتسبين للتيار الإسلامي من يقول بلسان حاله ومقاله: ( أنا لا أدعوا لتطبيق الشريعة ولا أنوي تطبيقها لو حكمت، وليس ذلك في برنامجي السَّياسي أصلًا... يهمني وطني فقط في حدوده الجغرافية... أما آلام الأمة وأمالها فلا تعنيني بشيء، وليست من أولوياتي, فأنا وطني في عباءة إسلامية، ما ينقصني من فهم الشريعة، أكمله بفهم نظري في السَّياسة، والذين ينتقدونني جامدون لا يحبون التجديد) . ثم يضيف د. البشير متسائلًا: ما الذي جنيناه من هذا الانبطاح الفكري أمام العلمانية المهيمنة، غير مزيد من الذل وضياع الغايات؟. ثم وضع ثلاثة تنبيهات لابد للقارئ منها: الأول: لا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر بإنسان ما أن يكون كافرا الكفر المطلق، حتى تقوم به حقيقة الكفر. الثاني: لم يقصد في هذا الكتاب حركة إسلامية معينة، بل في الحركات كلها أخطاء واختلالات، وكان هدفه تجميعها في صعيد واحد لأجل تصحيح الانحراف. الثالث: الحركات الإسلامية قصدت الخير فأصابته أحيانا كثيرة، وأخطأته أحيانا قليلة، وتركيزه على الأخطاء، لا يعني غياب الصواب، بل تصويب الخطأ وكشف العيوب لتجاوزها. ثم قسم الكتاب إلى خمسة أبواب مع تمهيدٍ قبلها: الإسلام والعلمانية: في تمهيد الكتاب تكلم المراكشي عن " مفهوم العلمانية" الذي استند إليه في معايرة واقع الحركات الإسلامية عليه؟ بعد سرده لتعريفات معروفة ومتداولة للعلمانية جعلتها مضاهية للدين، حدد المؤلف مفهوم العلمانية الذي بنى عليه انتقاده، فهي "نزع القيم الدينية الإسلامية عن الممارسة السَّياسية بمعناها الشامل للاقتصاد والاجتماع والثقافة. " وما قصده المراكشي بالعلمنة التي تسللت إلى الحركات الإسلامية، هو ذلك القدر من العلمانية الذي (سرى إلى أفكار بعض الإسلاميين وتأصيلاتهم في هذه المجالات كلها، ولكن دون أن تصل إلى درجة العلمانية الشاملة). ووفقًا للكاتب، فإن تأثر العالم الإسلامي بالعلمانية أثر في مدى حضور المرجعية الإسلامية والتي تراوحت تحت وقع انتشار العلمانية وشيوعها إلى تنحية الشريعة جزئيا (التجزيء)، أو تنحيتها كليا (التنصل. ( وفي معرض تحديده لمبررات وجود الحركات الإسلامية في أصل نشأتها، تساءل المراكشي: (لم وجدت الحركات الإسلامية؟, وما الذي يميزها عن غيرها من التيارات الفكرية والسَّياسية؟).ليجيب بشكل مباشر: (الغاية التي من أجلها قامت هذه الحركات الإسلامية، هي: تطبيق الشريعة الإسلامية، وإقامة دولة الإسلام على أرض الواقع). أما عن "المرجعية التي تميزت التيارات الإسلامية بتبنيها في الأصل، فهي المرجعية الإسلامية، أو قل: هي الشريعة، بأحكامها الكلية والجزئية"، طبقا للمراكشي الذي أكد أنه "لا يمكن لمنتسب لهذه الحركة أن يقلل من شأن هذه المرجعية، فإن التيار الإسلامي لو فرط في مرجعيته الإسلامية، فما الذي يميزه عن غيره، وما فائدة وجوده في معترك السَّياسية أصلا ؟". وتسلسل العلمانية إلى العالم الإسلامي طويلة ومعقدة بدأت في القرن التاسع عشر وما تزال مستمرة، ولكنها نتاج غربي محض، دخلت إلى العالم الإسلامي بقوة الحديد والنار، على ظهور الدبابات المستعمر الأوربي الغاشم، ولم يكن لدخولها بوتيرة واحدة للعالم الإسلامي، فقد كانت عوامل المقاومة لها مختلفة ومتباينة من دولة إلى أخرى. في الباب الأول تناول المؤلف إشكالية المرجعية في الخطاب السَّياسي الإسلامي المعاصر، وضمنه ثلاثة فصول: تحدث في الفصل الأول: عن أهمية المرجعية الفكرية في الخطاب، والممارسة، فعرف المرجعية العليا (الأساس المعرفي والفلسفي الذي يستند إليه المجتمع في تقرير الأفكار، وتوضيح رؤيته الكونية، ووضع الأنظمة التي يسير بها)، وما يترتب على عدم وضوحها وتحديدها من اضطراب منهجي واختراق فكري للمجتمع، وباستحضارها يزود الإفراد بنظام فكري يرجع إليه عند النوازل، وإيضاح المرجعية يحمي الجماعة من الانصهار في مرجعيات أخرى. فالمرجعية الأصلية للحركات الإسلامية هي الشريعة الإسلامية، وهو ما يميزها عن غيرها.. ثم انتقل إلى الفصل الثاني مبينا ما آلت إليه المرجعية الإسلامية من: فالتجزيء على مستويين: على مستوى الأحكام الشَّرعية من حيث التفريق بين الأحكام الفردية، والأحكام الجماعية (فالدين يعمل في الأولى، وغيب عن الثانية)، وكذلك التفريق بين المبادئ العامة والأحكام التفصيلية ( أيضا يعمل الدين في الأولى لا الثانية). وهذه علمانية صرفة. وعلى مستوى المخاطبين، إذ نجد بعض الحركات الإسلامية تغير خطابها بحسب السامعين ،لا للأصل الشرعي بل لجلب الجماهير غير الإسلامية واستمالة أصحاب النفوذ الإعلامي والسَّياسي، وهو ذات التدليس الذي تمارسه الأحزاب العلمانية!!!، الأولى: عدم الإفصاح عن المرجعية الإسلامية والاكتفاء بالإشارات والقرائن(ستر الحق)، والثانية: تغليف المرجعية الإسلامية بمقولات علمانية (تلبيس الحق)،والداعي إلى هذا الستر وهذا التلبيس النقد الفكري الإعلامي، والبطش المادي للأنظمة العلمانية المهيمنة ضد هذه الحركات الإسلامية. إن هذا التنصل عن المرجعية الشَّرعية الإسلامية، أدى إلى التلفيق بين العلمانية وخطاب الحركات الإسلامية، حتى وصفوا بالميكافيلية، ووصلهم إلى البرلمان، أو السلطة التنفيذية، بعد تجردهم من قسم من مرجعيتهم، أو جميعها كالذي حدث في بعض بلدان (الربيع العربي)، إنما هو وصول للإسلاميين كأشخاص وأحزاب، أما المنهج الإسلامي الذي قامت لأجله هذه الحركات فلا يزال مغيبا، لا يجرؤ الواحد منهم على التلفظ باسمه فضلا عن التصريح بالدعوة لإقامته!،وبعبارة أخرى وصل الإسلاميون ولم يصل الإسلام. أما الفصل الثالث: فقد أفرده لحالة التناقض التي وقعت فيها الحركات الإسلامية، إذ ترفض المرجعية العلمانية نظريا وتتبناها عمليًا بسبب ضغط الواقع الموغل في العلمانية الشاملة، والهزيمة النفسية المستحكمة أمام الحضارة الغربية المهيمنة، لذا كان هناك اختراق علماني شامل إلى الأمة في ثلاث مستويات. الأول: الاختراق المعرفي، وهو اختراق معرفي باطني في النفوس ومكنوناتها، مستتر وراء مظاهر بريئة، يحتاج إلى جهد كبير لانتزاعه من النفوس. والثاني: الاختراق التلفيقي، وهو اختراق علماني أخلاقي صريح، سلط عليه سيف التلفيق الشرعي، فصار مقبولًا شرعًا عند جمهرة أبناء الحركة الإسلامية، فاختلقت أحكام فقهية غريبة مناقضة للنصوص الواضحة، أو الإجماعات المتيقنة. والثالث: الاختراق الأخلاقي الكامل، وهو أكثر المسَّتويات تجذراً في خانة المخالفة الشَّرع، واقلها لذلك أثرا في الحركة الإسلامية المعاصرة، إذ لا تزال ممانعتها لهذا الاختراق كبيرة. وفي الباب الثاني تحدث فيه عن الغايات والوسائل في قضية تحكيم الشريعة... وكان الفصل الأول بمثابة تذكير بمركزية تحكيم الشريعة الإسلامية في النصوص والتراث الشرعي. وجاء الفصل الثاني معنونا إياه: تقرير حكم وسائل تطبيق الشريعة بين التأصيل الشرعي المنضبط وضغط الواقع العلماني...تحدث عن وسيلتين: الحرية، وتحقيق الديمقراطية. فبعض الإسلاميين يقول بتقديم الحرية على حكم الشريعة!، أو اعتبارها وسيلة لتحكيم الشريعة وللنظر في ذلك وجهان: أما المشاركة السَّياسية الديمقراطية فهي وليدة الغرب الذي لا يعدَّها مجرد عملية إجرائية بل يضفي لها مضموناً، و قيمة، ولا يقبل من الآخرين بأقل من ذلك:( الجانب الإجرائي + المضمون العلماني) خوفاً من أن تأتي الديمقراطية الإجرائية المجردة بنظم لا يرضاها الغرب!. وقد ذكر الكاتب نواحي معارضتها للشرع، وبين وجه تأصيل حكمها كما في الحرية؛ أما الفصل الثالث أوضح فيه مأزق تغيِّي (من غاية) تلك الوسائل (الحرية والديمقراطية وغيرها) وإهمال أو إلغاء الغاية الكبرى؛ إقامة الأمة الإسلامية وتحكيم شرع الله. وهذا التنازل عن المبادئ الشَّرعية، والقبول بالأصول الفلسفية للعبة الديمقراطية، مع عقود التَّشويه المنهجي لفكر الإسلام السَّياسي، وسنوات بث الشبهات الخداعة والشَّهوات القتالة، جعلت الشَّعوب متذبذبة المقاصد، مشروخة الآمال الواقعية مضطربة المبادئ الفكرية، وهي بذلك صارت قليلة الاستعداد للتفاعل الإيجابي البناء مع المشروع الإسلامي الناهض، والتضحية بالفتات الدنيوي المبذول لها في أغلفة براقة خادعة، من أجل إحياء مجد الأمة الداثر. موضوع الباب الثالث: ( إشكالات الهوية)تناولها في ثلاثة فصول. الأول: أورد فيه مشكلة الانتماء بين الأمة والوطن، فذكر فوائد الحفاظ على الهوية من صونٍ للأمة من الانصهار في الهويات الوافدة، وتخليصها من الهزيمة والتبعية. والإسلام لا ينفي الهويات الأخرى: كالوطنية والقومية، ما دامت لا تناقض هوية المسلم الأصلية.. ثم عرّج قليلا على تاريخ نشأة الوطنية والقومية في أوربا وأنها وليدة العلمانية تسللتا معا إلى الأمة الإسلامية مع الاستعمار. إشكالية مفهوم المواطنة تكمن في ارتكازه على معانٍ عدة أهمها: كان الفصل الثاني:المسلمون في الغرب، الهوية المتعددة، ونقد النموذج الرمضاني.. (نسبة لد. طارق رمضان)، وهو سبب تأليفه للكتاب ابتداءً. فدكتور طارق رمضان يُعدّ من الشخصيات المسَّتقلة المقبولة إعلاميا و سياسيا في الغرب، وفكرته الأساسية أنه يرى أن للإسلام وجهين: وحدة(في العقيدة و العبادات)، وتعدد على (مستوى التأويلات المختلفة لنص الوحي)، وعلى (مستوى ثقافات المجتمعات المختلفة) ليثبت مفهوم الإسلام الغربي والهوية المتعددة، التي لا تحل مشكلة، وهي تلفيقية ترقيعية، إن نجحت مرة أخفقت مرات. وطريقته تؤدي إلى تحريف الدين، لأنه يعدّ القوانين الوضعية الغربية من الشريعة ويجب احترامها، ولا عبرة لما يقوله العلماء. وتناول في الفصل الثالث قضايا الجهاد، والعلاقات الدولية في الخطاب الإسلامي المعاصر، في ثلاثة محاور: أولها: بيان أهمية الجهاد، والمراحل التي مر بها، واستقراره على جهادي الدفع والطلب. وثانيها: تأثير الالتزام بالوطنية القُطرية على تحريف مفهوم الجهاد عند بعض الإسلاميين إذ تستلزم التنصل من الجهاد بمفهومه الأصيل، فالمواثيق الدولية تجرم الاعتداء على دولة بمنطلق ديني. وثالثها: قضية العلاقة بين الأديان أهي صراع أم حوار؟. أما الباب الرابع فأفرده للحديث عن مبدأي الحرية والمساواة، وكيف أن الحرية صارت صنماً يعبد من دون الله ولأجلها تُحاكم الشريعة وجاء في فصول ثلاثة: وتحدث في الفصل الأول عن نشأة الحريات الفردية:( حرية الفن والأدب والتعبير) في أوربا، وأن الدين يقمع هذه الحريات في نظر العلمانية، في حين أنها تمارس أبشع أنواع القمع لحرية التدين (الإسلامي) في ذات الوقت!، وصاغ الأمثلة على ذلك، ثم ذكر كفالة الإسلام لهذه الحريات (خص حرية الفكر والاعتقاد بالذكر)، مع شيء من التقييد بشرع الله فلا وجود للحرية المطلقة في الفكر لا شرعا ولا على أرض الواقع ففي الغرب هي مقيدة بالقانون!، وعلى صعيد التطبيق العملي فالخناق عليها أكثر تضييقا من الصعيد النظري. والأمثلة كثيرة على ذلك، بل هناك مستوى آخر من التقييد غير معلن على الصعيد الثقافي، وهي عبارة عن محرمات لا يجوز التعرض لها!، ثم صاغ الكاتب صورا عديدة لموقف الحركة الإسلامية من الحريات الفردية، وأنها كلها تدور على أمرين: إثبات المعنى العلماني و محاولة تبريره. وفي الفصل الثاني أورد مسألة: ( العقوبات الشَّرعية)، و مخالفة العلمانية لها من وجهين: والحركة الإسلامية وقفت بين ضفتين (العلمانية والدين)، وبذلت محاولات التلفيق!، فبالنسبة لإقرار العقوبة دينيا تحججوا بالديمقراطية، وأنهم حال وصولهم لسدة الحكم سيحكّمون شرع الله؛ لكن ماذا إن لم يقبل الشعب بذلك؟ هل سيطبقون الشرع أيضا؟، وهذا مزلق خطير وقعت فيه الحركة الإسلامية. أما موقفهم من العقوبات الجسدية فمنهم من تبنى النظرة العلمانية تماما، فقال بتحريمها، ومنهم من سلك مسالك عدة مثل التلبيس والتضييق والتحريف. وفي الفصل الثالث عرّج فيه على (عقيدة الولاء والبراء)، وأنه تم ترسيخ عقيدة التسامح مع الأديان في مقابل الولاء و البراء، و لأجل التسامح حرفت أحكاما مثل (أحكام أهل الذمة)، فأحالوا هذا المصطلح على ظرف تاريخي معين، و استبدلوه بلفظ (المواطن)، و أسسوا لذلك فقهيا على قاعدة المساواة في القرآن و على مقاصد الشريعة و غيرها من التأويلات. وجاء الباب الخامس والأخير عن (الأسباب والحلول). ذكر في الفصل الأول (مراحل تطور تسرب العلمانية للحركات الإسلامية)، إذ بدأت القصة بالاصطدام بالنظام العلماني، ومع شدة الضغط العلماني بدأت مرحلة المهادنة و السعي للمشاركة السَّياسية بدلا من التصادم، والذي أدى بدوره إلى طور التشبع بالعقيدة الديمقراطية، ومن ثم العلمانية الشاملة!، وأورد الكاتب نموذجا للحركات الإسلامية و كيف سرى فيها سم العلمانية وهي: (حركة الإصلاح و التَّوحيد) في المغرب و ذراعها الحزبي (العدالة والتنمية). وفي الفصل الثاني عرض (أسباب تسلل العلمانية إلى الحركات الإسلامية)، فأرجعه إلى ثلاثة أنواع: وفي الفصل الثالث تكلم عن (آفاق العلاج(للحركات الإسلامية التي تسللت إليها العلمنة، التي لم تجن من ورائها غير الانبطاح والخنوع، ومن تلكم العلاجات:
ثم التحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، بشعبة الدراسات الإسلامية، سنة 1415هـ:
- حصل على الإجازة سنة 1419هـ. موضوعها: (حقيقة الإيمان من خلال تفسير فخر الدين الرازي – عرض وتحليل).
أما فيما يتعلق بالتنصل التام من المرجعية الإسلامية فقد أخذ صورتين:
الأول: تأصيل شرعي منضبط يرى مخالفتها للشريعة لكن يجوّز الدخول فيها باعتبارها وسيلة لا غاية.
الثاني: تأصيل متأثر بالواقع العلماني وسرد تبريراتهم: البراجماتية، والميكيافيلية، وفصلهم بين الجانب الإجرائي، و الجانب القيمي للديمقراطية.
و بيّن كيف أن الوطنية الحديثة كانت جزءاً أصيلا من حملة الغزو الفكري المصاحبة للغزو العسكري و كيف تبلورت و استحكمت في الأمة الإسلامية.