

جهاد بشير([1]) يستمد كتاب: (ثورة العشرين في ذكراها المئوية.. التكامل بين العمل الثوري والهوية الوطنية)؛ أهميته من أهمية مناسبته، وتنطلق ضرورة اقتنائه والاطلاع على محتواه أو جعل مضمونه مادة للدراسة والتحليل؛ من ضرورة المعلومات التي بين دفيته من حيث جودة مصادرها والمرحلة التاريخية التي تتناولها؛ ذلك أن ثورة العشرين بحد ذاتها تعد المعيار التاريخي الذي من المفترض أن تنضبط به حركات التحرر في العراق سواء في اقعنا المعاصر في ظل مشروع الاحتلال، أو فيما سبق على مدى عقود خلت كانت أحداث البلاد فيها بحاجة إلى مثابة معتبرة تبلغ الحاجة إليها من أجل استقامة المسار ذروة درجات الأهمية. الكتاب قيد القراءة هو في حقيقته نتاج أعمال مؤتمر دولي عقده - بالتعاون - مركزان بحثيان عراقيان يهتمان بالدراسات الاستراتيجية والتطوير، وذلك في مدينة إسطنبول بتركيا على مدى يومي السادس والعشرين والسابع والعشرين من حزيران/يونيو 2020، حيث يوافق هذا التأريخ الذكرى المئوية للثورة العراقية الكبرى (ثورة العشرين) ذات الشمولية في التصدي للاحتلال البريطاني، والتي كان لها ما بعدها من مخرجات ودلالات ودروس. انعقد المؤتمر الذي يعد مصدر الكتاب الرئيس بعدما توافق مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية - راسام، ومركز الأمة للدراسات والتطوير على رؤية واحدة مفادها: أن ثورة العشرين قدمت النموذج الأكثر تعبيرًا عن تمسك العراقيين بهويتهم الوطنية في أثناء مرحلة لا تقل أهميتها عمّا سواها من مراحل تاريخ العراق الحديث، خاصة بعد تداعيات الحرب العالمية الأولى، والتي استعلى العراقيون فيها على الهويات الفرعية وتجاوزوا حسابات المواقف الفردية، والانطلاق في ركب واحد يعبر عن وحدة مجتمعية وفكرية وسياسية، فضلاً عن كونها ميدانية حركية، لمواجهة مخطط احتلالي يستهدف الأمّة من بوابة العراق، وقد أعطى العراقيون بثورتهم هذه درسًا في غاية الأهمية بأن وحدة الأمّة إنما هي نتيجة لوحدة في الرؤية والحركة والموقف - ابتداءً - في استرداد الحقوق، وصد العدوان، والبحث عن الحرية دون النظر إلى الثمن الباهظ الذي يُدفع من أجلها، لأن المهم في العمل الميداني هو الشروع وبذل الجهد نحو الهدف، وأما النتائج وقطف الثمار فإنها إن لم تتحقق على أيدي أصحاب هذا الجهد فسيظفر بها من يأتي بعدهم شريطة أن يبقى المسار واحدًا، ولعل المقولة الأكثر اشتهارًا في الميدان الحركي (لنكن جسرًا يمر عليه جيل التمكين) والتي كانت شعارًا لامعًا في النصف الثاني من القرن العشرين في غير واحد من ميادين العالم الإسلامي والعربي؛ كانت متحققة - قبل عقود - بأنماطها العملية على أرض الواقع الذي شهد فعاليات ثورة العشرين في العراق، وإن لم تكن هذه الثورة تقف عند هذا النوع من المصطلحات إلا أنها سارت في مقاصدها وسعت نحو غاياتها عمليًا، ولهذا بقيت ثورة العراقيين الكبرى مشكاة لكل حراك وإشارة في كل طريق، على تعاقب مراحل العراقيين وتاريخهم في مواجهة الاحتلالات والعدوان والأنظمة ذات السطوة الفظة. وعند انقضاء القرن الأول من عمر ثورة العشرين؛ انعقد المؤتمر، وخرج الكتاب في إثره، وعمّا تقدم من توصيف للثورة وأهميتها وعلاقة ذلك بالمؤتمر ومخرجاته؛ وثّق الكتاب كلمات القائمين عليه التي تشير نحو مقصد الثورة نفسه، وتوسّع مساحة الضوء في ميدان العمل، وفي هذه الجزئية يقول الشيخ الدكتور (يحيى الطائي) رئيس مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية في مفتتح المؤتمر ومدخل الكتاب: (إن الشعب العراقي بكل أطيافه وقومياته ومذاهبه؛ شارك في ثورة العشرين التي امتدت من شمال العراق إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه ... وإن التأريخ يعيد نفسه، فقد أصبحت بغداد تحت سطوة الاحتلال الأمريكي المتغطرس، والاحتلال الإيراني الخطير، وها هو الشباب العراقي يستلهم من ثورة العشرين عزمه وفخره فيقاوم المحتلين مقاومة قل نظيرها عبر التأريخ، ثم ينتفض في (ثورة تشرين) ويتصدى للنظام السياسي المدعوم من الاحتلال الأمريكي). وحول هذا المحور ينبه الأستاذ الدكتور (عبد القادر محمد حسين) رئيس مركز الأمّة للدراسات والتطوير؛ بقوله: (ما زالت الوقائع التأريخية الكبرى تشكل منعطفات مفصلية في حياة الأفراد والشعوب والأمم، ترفع أقوامًا وتضع آخرين، ومنها: ثورة العشرين التي سطر فيها العراقيون بكل أطيافهم وألوانهم صفحات مشرقة وبطولات خالدة في مقارعة الاحتلال البريطاني في عشرينيات القرن الماضي، ونحن إذ نستكر هذه البطولات ونكتب عنها؛ فإننا نربط الحاضر بالماضي، ليستلهم الأحفاد من الأجداد، وتُستخلص الدروس والعبر من مآثر الشعوب الحية وتجاربها لتنير الطريق إلى المستقبل). تتضمن صفحات الكتاب التي يبلغ تعدادها ستمائة صفحة؛ ستة عشر بحثًا اختارتها اللجنة التحضيرية والعلمية للمؤتمر من بين قرابة ثلاثين عنوانًا وملخصًا وردت إليها من باحثين وأكاديميين مختصين في الشؤون التأريخية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، وغيرها، من: العراق، ومصر، والجزائر، والمغرب، وتركيا، والهند، حيث أخضعتها للمراجعة وفق ضوابط التحكيم العلمي وقواعده المتبعة، وأعدتها للنشر بعد انقضاء المؤتمر لتكون في صورتها الأخيرة التي ظهر عليها الكتاب، في طبعة مؤسسة البصائر للدراسات والنشر، وهي الطبعة الأولى التي صدرت عام 1442هـ - 2021م. ولأن (الأهميّة) هي الصفة الأساسية التي يحظى بها الكتاب؛ فإن في استعراض عناوين البحوث التي يشتمل عليها الكتاب – وهي نفسها التي قُدّمت في المؤتمر – أثرًا في بيان قيمة محتواه، وحافزًا للباحث والدراس والمهتم على حد سواء للمبادرة في إعادة قراءة وتحليل مرحلة تأريخية في توقيتها حاضرة في تأثيرها، ثم الاستفادة من ذلك بالنظر في تأسيس فكرة وبلورة قضية لا تجد حركات التحرر والمقاومة أو الحراكات الجماهيرية والشعبية في العراق وغيره بُدًّا من تبنيها والعمل ضمن إطارها. يتضمّن كتاب: (ثورة العشرين في ذكراها المئوية.. التكامل بين العمل الثوري والهوية الوطنية) البحوث والدراسات ذات العناوين الآتية: وقد توزعت هذه البحوث والدراسات على ستة محاور أسست اللجنة التحضيرية المؤتمر عليها، في الوقت الذي تزدحم موسوعة التأريخ العراقي بما لم يرد ذكره في الكتاب نظرًا لاشتماله على معلومات موسعة جدًا وتفاصيل دقيقة ذات تأثير مفصلي على حركة ومسار ثورة العشرين ولا سيما الدراسات المتعلقة بأبرز قادتها وأماكن أنشطتهم، والمنعطفات التأريخية التي خرجت بها جهودهم الثورية والعشائرية فضلاً عن الدينية والفكرية، من قبيل: الشيخ ضاري المحمود – رحمه الله - وغيره من شيوخ الثورة وقادتها، وهي دراسات لا يسعها إلا أن تكون ذات استقلالية وتفرد لما تشتمل عليه من ثراء في المعلومات ونفاسة في المواقف. أمّا محاور المؤتمر – والتي هي بالضرورة العمود الفقري للكتاب – فهي: المحور التأريخي: الذي يُعنى بالمقدمات الممهدة لثورة العشرين، ومصادر هذه الثورة، وما كُتب بشأنها في الكتابات العراقية المعاصرة، وفي الوثائق الغربية والشرقية، وقد مرّ أنفًا عنوان البحث المتعلق بـ(جهود الشيخ محمود الحفيد في التمهيد لثورة العشرين الكبرى)، وهذا البحث يتناول بصمة الثورة في كردستان العراق التي كانت قوية وذات فعل مؤثر، تضمّن ثلاثة مباحث تناول الباحث في الأول منها وقفة مع حياة الشيخ محمود الحفيد، ومعاناة الشعب الكردي إبان الاحتلال البريطاني، وفي المبحث الثاني تحدث عن ثورات الشعب الكردي بقيادة الشيخ الحفيد تمهيدًا لثورة العشرين، وختم بالمبحث الثالث الذي عرض دور رجال الشيخ وأصدقائه في ثورة العشرين. المحور العسكري: الذي يتناول مجمل الوقائع العسكرية للثورة، وأحداثها في المدن العراقية، وتأثير هذه الوقائع على الاحتلال البريطاني، علاوة على الحركات العسكرية من خارج العراق، ومما اشتمل عليه الكتاب في هذا المحور، بحث (ثورة العشرين وميادينها القتالية في (لواء الدليم)) أي: في مناطق العراق الغربية، وقد بدأ الباحث دراسته بمقدمة عن الاحتلال البريطاني وتحركاته وبداية انطلاق شرارة الثورة في أرجاء العراق، ثم انتقل إلى الجبهة الغربية للمقاومة، متناولاً فيها مشاهد من عمليات تحرير بعض المدن، والأدوار العسكرية التي قام بها شيوخ تلك المناطق من أمثال: الشيخ محسن فتيان الراوي، والشيخ ضاري المحمود شيخ قبيلة زوبع، وغيرهما من شيوخ قبائل الدليم الذي انضموا تباعًا للثورة، محللاً تنسيقهم العسكري واللوجستي مع نظرائهم في بقية مناطق العراق، قبل أن يختم بالنتائج السياسية لثورة العشرين هناك. المحور السياسي: وهو الذي يسلط الضوء على الفكر السياسي لثورة العشرين، وأثرها في التطورات السياسية بعد عام 1920 في العراق وفي المحيط العربي والإقليمي والدولي على حد سواء، وفي هذا المحور ضم الكتاب البحث الموسوم بـ(ذاكرة ثورة العشرين ودورها في بناء الدولة الوطنية في العراق والمشرق العربي)، والذي ركّز الباحث فيه على ثلاث قضايا رئيسة في هذا السياق، هي: ذاكرة ثورة العشرين العراقية على المستويين الجمعي والتأريخي، ودور هذه الثورة في بناء الدولة الحديثة في العراق وامتداداتها في المشرق العربي، واستلهام تجربة ثورة العشرين في إعادة بناء الدولة الوطنية في العراق والمشرق العربي. المحور الفكري: الذي يهتم بالأفكار الأولى المؤثرة في الثورة، وأثر العلماء والمثقفين في التهيئة لها وتوجيهها، ومساهمة الثورة في نشأة الحركات الوطنية العراقية، وأثرها في تعزيز مفهوم الوطن والفكر الوطني، وعليه دار بحث (عبد المنعم الغلامي – نشاطه السياسي في ثورة العشرين وجهوده في كتابة تاريخها)، الذي تناول الباحثان فيه التعريف بالغلامي (1899 – 1967م) بوصفه أحد رجالات ورموز الثقافة العربية البارزين في العراق، إلى جانب نشاطه السياسي ودوره في بيان فكر ثورة العشرين لكونه واحدًا من أبرز مؤرخيها، وقد استند الباحثان في هذا الشأن على ثلاثة ركائز، أولاها: البيئة التي نشأ الغلامي فيها وتأثيرها عليه ودورها في بناء شخصيته، والأخرى: نشأته وتعليمه وثقافته، والثالثة: نشاطه السياسي في ثورة العشرين وجهوده في كتابة تاريخها، بما يعكس صورة حيّة للجو الفكري الذي امتازت به الثورة واتسم مسارها به. المحور الاجتماعي: المعني بتركيبة مكونات الثورة الاجتماعية، والعشائر بين البعدين الاجتماعي والسياسي، ومن البحوث التي اعتمد عليه في الكتاب: (قراءة نقدية في التداعيات الاجتماعية للثورة العراقية 1920م – دراسة تحليلية لبعض المدونات التاريخية)؛ الذي صاغته الباحثة على ثلاثة مباحث، الأول: الأسباب الخارجية والداخلية لقيام ثورة العشرين العراقية بأنواعها: السياسية، والعشائرية، والاجتماعية، والاقتصادية، فضلاً عن التأثيرات الإقليمية، والثاني: دور الأعيان والموجهين في إشعال الثورة وأثر الوضع الثقافي في بلورة التيارات السياسية في العراق والفئات الاجتماعية والانتفاضات والهبات الشعبية التي دعمت قامت عليها ثورة العشرين أو حظيت بدعمها من علماء دين، وموظفين، وضباط، وخطباء، وشعراء، وكتاب، وصحفيين، وغيرهم، والثالث: آفاق وإنجازات ثورة العشرين وملامح الاستفادة منها ومعالجة موطن الإخفاق فيها. المحور الإعلامي والثقافي: وهو ما يتصل مباشرة بصحافة ثورة العشرين، وأصداء هذه الثورة في الصحافة العربية، والإقليمية والدولية، فضلاً عن الفنون الأدبية وأثرها في دعم الثورة، ومما ورد في الكتاب من بحوث ذات صلة بهذا المحور: (ثورة العشرين في الصحافة المصرية) الذي تأتي أهميته في أنه قدّم قراء جديدة لثورة العرين من خلال إطلاع القارئ على ما كتبته ونشرته الصحف الرئيسة المصرية عن مجريات الثورة وأحداثها والموقف منها، فضلاً عن بيان أهميتها بالنسبة للعالم العربي، من خلال بيان التضحيات التي قدّمها أبناء العراق ضد الاحتلال البريطاني. وقد أظهر البحث في هذا الجانب جملة من النتائج والمعلومات، منها: التبادل الثقافي ووصول الصحف المطبوعة المصرية إلى العراق؛ من الأمور الواقعة ذات التأثير الواضح في المناخ الثقافي والاجتماعي في العراق، وأن قادة الثورة في بغداد وغيرها من المدن العراقية كانوا على اتصال دائم بالجماهير العبية لتوضيح أهداف الثورة وتقوية صلاتهم بها، وتهيئتهم للأحداث، وقد أثمر ذلك بتأسيس العديد من الصحف الناطقة باسم الثورة من مثل: جريدتي الاستقلال والفرات، حيث أسهمت صحافة ثورة العشرين في تحديد العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى اندلاع الثورة وبيان تكامل الاستقلال السياسي فكرة وهدفًا لدى قادتها. إن كتاب (ثورة العشرين في ذكراها المئوية.. التكامل بين العمل الثوري والهوية الوطنية) يسعى إلى دراسة أهداف ثورة الإرادة العراقية التي مازال العراقيون يتنفسون نسماتها حتى الآن، واستعراض وقائعها وفحص آثارها على الصعد (التأريخية، والعسكرية، والسياسية، والفكرية، والاجتماعية، والإعلامية) بعد قرن من انطلاقها؛ وقراءتها كما هي لا كما يسعى لقراءتها آخرون من زوايا نظر مختلفة متأثرة بوقائع طارئة أو خلفيات مسبقة، لذلك خرج هذا الكتاب ومحتواه يجمع بين ثلاثة أطر: الإطار التاريخي التوثيقي، والإطار الثقافي المعرفي، والإطار التطبيقي العملي، وحيث أنه يأتي نتاجًا لجهد يوثق مائة عام من تأريخ ممتد ومستمر في التأثير والفكر والأنماط السياسية والاجتماعية؛ فإن هذه الأطر تشكل منظومة فريدة في استنباط فكر ثوري وحراك سياسي وبناء ثقافي يؤسس لنهضة مجتمعية قادرة على الإصلاح وللتغيير.