

جميل حمادة بما يشبه الإعلان التجاري الذي يتفنن بعض مكاتب بيع وشراء العقارات بتقديمه للزبائن المفترضين، تقدم إحدى الصحفيات الأمريكيات القصور الرئاسية العراقية لقرائها هكذا: قريباً، ستتوفر تسعة قصور ضمن مجمّع يطل على بحيرة، كان يرتادها ملوك وطغاة، سقوفها جميلة التشكيل بقوالب الجبس، وقطع الكهرباء الموزعة فيها هي الأخرى جميلة، وتكثر فيها أحواض تشطيف المراحيض، وهناك جدارية لصدام حسين وزنزانة سجن قديمة. القصور معروضة كما هي عليه من عيوب: بعض الأضرار التي ألحقتها بها صواريخ توماهوك. فإن كنت راغباً بالشراء، فما عليك إلا الاتصال بالجيش الأمريكي. يا لها من فرصة ذهبية. وكيف ذلك؟ أمر بسيط، فهذه القصور كان يشغلها الجيش الأمريكي بعد أن كان قد "استأذن" سادة المنطقة الخضراء، ونحن لا ندري، قبل سنوات للمكوث فيها. وها قد دنا موعد الرحيل مع اقتراب نهاية هذه السنة. الجيش الأمريكي إذن سيجمع أشياءه ويغادر وفقاً لما حدده الرئيس الأمريكي السابق، جورج دبليو بوش، وتمسك به خلفه، الرئيس الحالي، باراك أوباما. وهؤلاء القوم أصحاب كلمة وأخلاق عالية ولن يتأخروا يوماً واحداً. ولماذا يبقون أصلاً. لا تخفى على القارئ الكريم لهجة التهكم والاستصغار الواضحة في ثنايا الإعلان. فروح الدعابة التي تحاول ريبيكا سانتانا تغليف موضوعها بها ترتقي إلى مستوى عال من السماجة والصفاقة حينما تكون مأساة الآخرين هي الموضوع. لكنها ليست وحدها في ذلك. فروح دعابتها السمجة لا تقل في أذاها عن روح دعابة وزيرة خارجية بلادها، هيلاري كلنتون، التي قالت قبل أيام إن عملية إعادة الإعمار في العراق انتهت وأصبح بإمكان المستثمرين التوجه بكل راحة للاستثمار في العراق. ولم يبق في أيدينا نحن العراقيين غير التلفت يمنة ويسرة لنرى الخير العميم الذي حل على بلدنا الحبيب، لكن يبدو أنه من جنس "ملابس الإمبراطور الجديدة" في القصة الشهيرة. كما أن روح الدعابة هذه لا تخلو منها تصريحات دولة نوري المالكي الذي ما فتئ يؤكد للقاصي والداني أن الأمن تحسن ومنجزات حكومته بدأت تسد عين الشمس. والعراقيون لا يعرفون غير منجزات مليشياته ومليشيات زملائه في مشروع الاحتلال. الفرق بين الثلاثة أن الصحفية تتحدث عن واقع مشين ماثل للعيان، بينما كلنتون تكذب علينا وعلى الجميع وجهاً لوجه. أما المالكي... فلا تعليق. فهذه القصور لم يتح لأيٍّ من أفراد حكومة دولة المالكي وحكومات مَن جاء قبله امتلاكها بوصفها أملاكاً عراقية، أو التمتع بما فيها من رفاهية بوصفها من مخلفات نظام حكم انتهى، لا بل لم يسمح لأي منهم أن يتوجه إليها ويزورها مجرد زيارة، على الرغم من الزعم أنهم تسلموا زمام الأمر وتمت عملية "نقل السيادة" إليهم قبل نحو سبع سنوات. باختصار، لم تنفع "السيادة" حتى في أمر بسيط كهذا. فهذه الأماكن وغيرها ظلت طيلة هذه الفترة بمثابة دور ضيافة لحثالة بلاد العم سام، ثكنات لجنودهم ومرتزقتهم. كما أن أيّـاً منا لن يغامر ويحاول شراء واحد من هذه القصور. لن يفكر أي منا حتى مجرد تفكير في ذلك. فالقصور الرئاسية تقع حتماً ضمن موضوع السيادة وإن لم يكن أحد من العراقيين يزورها في السابق، ووجود جنود المحتل فيها "مس بالسيادة" وعينة صغيرة على "انتقاص" هذه السيادة المزعومة. هذه القصور كانت في الأصل دور ضيافة لكبار الضيوف من ملوك ورؤساء، كما قالت الصحفية، وهي قريبة من مطار بغداد، وبالتالي، فقد كان وضعها الأمني في أي وقت هو المتحكم بها وبمن يرتادها ويزورها. وهي فضلاً عن ذلك جزء من أرض العراق بصرف النظر عمن كان يرتادها. لكن شاغليها منذ عام 2003 هم المحتلون. ولكي لا أبالغ في أمر بيع وشراء القصور الرئاسية، أقول إن الصحفية ريبيكا سانتانا، وهي من صحفيي وكالة الأسوشييتد بريس، ليست من أصدر أمر احتلال العراق وهي ليست من يأمر برحيل الجنود الأمريكيين. ولذلك، فهي ليست مسؤولة عن الاحتلال ولا عن التحرير أو الانسحاب. لكن ما تقوله سانتانا يعبر عن عقلية لا ترى في الآخـَـرين، ربما بشكل لا شعوري، وجوداً قابلاً للاحترام. وبالتالي، فإن نظرية "الحقيقة هي الواقع الراهن" الماثل أمام الحواس, أو ما يعرف بسياسة الأمر الواقع هي التي تحكم. فطالما أن الجنود الأمريكيين وغيرهم من العاملين في مشروع الاحتلال في مأمن، وما دام كل شيء متوافرا بالنسبة لهم، ويرون أنهم يصنعون فضلاً في عملهم الذي يقومون به ويتقاضون عليه أجوراً كبيرة في عالم يعاني من البطالة والركود الاقتصادي، وما دام هناك من يكف الأذى عنهم ويقتل أخاه العراقي دفاعاً عنهم وعن وضع صنعه وجودهم، فلمَ العجلة؟ لقد وضع المحتل أهدافه منذ البدء، لا بل حتى قبل ذلك، وإن سترها بمجموعة من الأكاذيب. وتأكد من جدية تحالفاته وشراكاته المعلنة وغير المعلنة مع أعدى أعداء العراق المعروفين. وعندما وقع فعل الاحتلال، حدد المحتل لنفسه مدى زمنياً يقرب من عشر سنين لاعتبارات، أهمها تغير الأزمان والأذهان، في ظل حالة من الرعب والإرهاب النفسي والبدني والقتل والتهجير وغياب الأمن والخدمات الحياتية الأساسية والتجويع وزرع عدم الثقة بكل شيء ومن أي شيء؛ تطبيق نموذجي لنظريات غسل الدماغ بتعريض الشخص المستهدف لحالة لا تطاق من القهر والإيذاء النفسي، وفي الوقت نفسه، ضخ أكبر قدر من الأفكار التي يراد زرعها فيه، بغية جعله ينقلب ضد نفسه في آخر المطاف. وفي هذا الوضع المظلم الذي لا يرى فيه المواطن ضوءً في نهاية النفق، كما يقولون، بحث القائمون على مشروع الاحتلال عن شروخ في جدران البنية المجتمعية العراقية وعملوا على تعميق الفواصل بين مكوناتها، كما عملوا على وحاولوا خلق فتنة بين المكونات حتى كادوا ينجحون في بعض التفاصيل. ومن الأمور المؤسفة أنهم وجدوا من ينصت ومن هو مستعد لذلك. لكنّ أول ما عانوا منه هو الظهور السريع والمباشر للمقاومة العراقية. وسرعان ما نمت لديهم فكرة ما أستطيع تسميته مقاومة المقاومة التي كان جنودها أولئك المستعدون لخدمة مشروع الاحتلال، ووصموا كل فعل مقاوم بأنه "إرهاب" بالمعنى السائد اليوم في لغة الإعلام. وتم تتويج ذلك بإنجاز فكرة "الصحوة" التي ولدت أواخر عام 2006 لتكون طعنة غدر بكل ما في الكلمة من معنى لفكرة الوطنية العراقية. نجاح للمحتلين يؤسف له كثيراً في حساب الوطنية العراقية. كما عملوا على إبراز فكرة تميّز مكونات المجتمع العراقي، بعضها من البعض الآخر، وضخـّموا الفوارق بينها ودفعوا بعضها للاصطدام بالبعض الآخر تحت لافتات الأكثرية والأقلية والحقوق والمظلومية وغير ذلك من أمور لم يألفها مجتمع العراق منذ قيام الدولة فيه أوائل القرن الماضي. باختصار، كان العاملون في مشروع الاحتلال يأملون أن يتحكموا في كل شيء, فأعدوا حساباتهم على هذا الأساس. وفي هذا الجو، انخرط مَن انخرط من مختلف المكونات، كل حسب حاجاته وميوله. لكن القسم الغالب ممن انخرطوا في المشروع لم يفعلوا ذلك إلا لاعتقادهم أنه يوفر لهم ما ظنوا أنه اليد العليا والطولى في كل شيء, والثمن بالطبع غير مهم بالنسبة لهم حتى وإن كان يعنى فقدان الشرف الشخصي والوطني. وقد جند المحتل كل شيء للاستفادة من هذا الطموح غير الشريف، معتمداً في ذلك نظرية العدو الشيوعي اللدود، "الدين أفيون الشعوب". براغماتيون، والبراغماتية لا تمانع في شيء ما دام ينفع في تحقيق الهدف. ومما يؤسف له حقاً أن هذا نجح، وكان للمحتل ما أراد. فكرة الانسحاب ليست جديدة، وإنما هي من إملاءات الواقع الثقيل الذي عانى منه المحتل في مواجهة المقاومة العراقية الباسلة. فحجم الخسائر البشرية كان كبيراً، وكبيراً جداً أجبر المارد الأمريكي على البحث عن دروب أخرى للحل غير الخيار العسكري للخروج الآمن والمشرف من المستنقع الذي أوقع نفسه فيه. وما كان يعلنه من خسائر بشرية في صفوفه لم يكن حقيقياً لأنه ليس من المعقول أن يتأوه المارد لفقدانه ألفاً أو ألفي قتيل. لكن فكرة الانسحاب كانت أيضاً ليست جدية من حيث النظرة الاستراتيجية. فالأهداف التي غامرت واشنطن ومن يدفعها لذلك لم تتحقق بالشكل الذي تريده، وهي لا تطمئن إلى ما ستؤول إليه الأمور بعد مغادرة جنودها، ولا إلى من سيعمل على متابعة العمل في المشروع الذي عبرت البحار من أجله، وقدمت ما قدمت لرسم معالمه. وبقيت الأسئلة الكبرى عن جدوى ما فعلت دون إجابات شافية. الزمن الذي حدده المحتلون لذلك على الورق قد شارف على الانتهاء، وبدا العد التنازلي سريعاً وهو يقترب من نهاية كانون الأول ديسمبر. لكن التجربة تشير إلى أشياء أخرى. فما روج له الأمريكيون وعملاؤهم من نقل السيادة، على سبيل المثال، لم يكن متقن الإخراج، إذ افتضحت خفاياه في أكثر من واقعة على مدى السنوات الماضية، وعرف الجميع أنه لم يكن هناك "نقل" ولم تكن هناك "سيادة". وتأكيدهم أن الجنود الأمريكيين انسحبوا من المدن إلى خارجها بعد ذلك هو الآخر لم يكن صادقاً وافتضح أمره في أكثر من مناسبة. وأعداد الجنود الأمريكيين العاملين في العراق كانت تحافظ دائماً على مستوياتها بالرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبدها الجيش الغازي، بشكل خاص حينما كان يسجل هو بنفسه ألوف العمليات التي تستهدف عناصره في الشهر الواحد خلال السنوات الأولى من عمر الاحتلال، بمعنى أنه كان في الواقع يزيد عديد قواته في العراق لا يسحب منها. وهكذا، فلن يكون هناك انسحاب حقيقي من العراق، وسيتشبثون بأي شيء للبقاء فيه لأن خسارتهم العراق ستكون كارثة كبرى على أي تخطيط استراتيجي مستقبلي في ما يخص هذا البلد وشعبه. وستكون الأحوال فيه مناقضة تماماً لكل شيء قد يخطر على بال مفكريهم الاستراتيجيين. وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة أن ذكر الانسحاب على مدى السنوات العجاف الماضية، مر كثيراً، لا سيما بعد توقيع معاهدة رهن مستقبل العراق المشؤومة. فعدد الجنود الأمريكيين المعلن أوائل سني الاحتلال كان يناهز المئة والخمسين ألفاً. ولا نذكر هنا المرتزقة وغيرهم ممن رافق الحملة وخدمها. نجد أنهم قالوا إن العدد سيتم خفضه إلى كذا وكذا، لكنهم أكدوا في آخر المطاف أنه سينزل إلى خمسين ألفاً فقط لا غير, وسيقتصر دور هؤلاء على التدريب وحماية المسؤولين الأمريكيين، وبعض الأعمال الأخرى ذات الطبيعة غير القتالية، وكأن الخمسين ألفا ليس عدداً كبيراً ولا يضر أحداً ولا ينال من سيادة أحد. لكن الملاحَظ أن الحديث عن الأعداد انقطع منذ مدة وبدأ التركيز فقط على فكرة الانسحاب دون ذكر موضوع من سيرحل ومن سيبقى من الجنود الأمريكيين. ولا شك أن الضخ الإعلامي سيُنسي كثيرين هذا الموضوع. ولعل هناك من سيطالب ببقاء عدد أكبر وبأسلحة تتيح لهم الدفاع عن حدود العراق وأجوائه ومياهه، لأن تشكيلات القوات العراقية لم تكتمل، وتسليحها ما زال بدائياً ولا يراد له أن يكون مؤثراً. فالحاجة للمحتل وخدماته ستبقى كبيرة على هذا الأساس. وهكذا، بدأنا نسمع من يدعو لبقاء القوات الأمريكية إلى ما بعد الموعد المحدد لانسحابها، وكذلك دعوات لعدم شراء أسلحة معينة (طائرات ومدفعية ودبابات) بحجة أن ذلك يمكن أن يستخدمه المركز الاتحادي القوي ضد الأطراف الاتحادية الضعيفة في الأقاليم مستقبلاً. إن طرح موضوع الانسحاب من القصور الرئاسية بهذا الشكل الفكِه تقزيم لموضوع الاحتلال والانسحاب معاً. فمتى كان الاحتلال أمراً مشروعاً أو حتى أمراً عادياً؟ ومتى كان تدمير البلدان وقتل الشعوب وتشريدها وتدمير مقدراتها ومستقبل أجيالها مدعاة للنكتة؟ إنه نوع من الاختزال والتفريع، وتمييع لقضايا كبرى يفترض أنها غير قابلة للتجزئة. فاليوم "سيضحي" بعض الجنود الأمريكيين وينسحبون من بعض القصور التزاماً منهم بقرار الانسحاب، وغداً "سيضحي" غيرهم من الأمريكيين بسمك المسكوف، وآخرون "سيضحون" بالحفلات الخاصة والليالي الحمراء التي يقيمها على شرفهم بعض كبار السماسرة في منازلهم ومنتدياتهم الخاصة. إذن، الصورة التي تقدمها سانتانا ليست أكثر من اهتمام بالتفريعات على حساب الصورة الأكبر، لا لشيء إلا لأن الصورة الأكبر نفسها غائبة بشكلها الصحيح الواضح لدى كثيرين، وهناك من يعمل جاهداً على أن يطمسها كي لا تصل بشكلها الصحيح. الآن، وبما أن المهمة شارفت على الانتهاء، وبدأ الشباب حزم أمتعتهم وإفساح المجال لبيع أو تأجير هذه القصور، فقد جاء وقت الحساب بين الأحباب؛ وفد من الكونغرس يزور العراق ويطلب تعويضات بمليارات الدولارات عما تكبده الجنود الأمريكيون هناك، إبان الغزو. يأتي هذا في أعقاب موافقة حكومة "السيادة" الحالية قبل فترة ليست ببعيدة على دفع مبلغ يصل إلى قرابة نصف مليار دولار لتعويض الأمريكيين الذين جفل بعضهم في العراق قبل حرب عام واحد وتسعين من القرن الماضي أو شعر بالتضايق من منعه من الحركة والتجسس بحرية كافية أواخر عام تسعين، قبيل تلك الحرب.