الفساد المالي والإداري لحكومات الاحتلال في العراق

7 أغسطس, 2021

مركز الأمة للدراسات والتطوير – قسم الدراسات

تعد ظاهرة الفساد في العراق من أخطر الظواهر المتفاقمة في ظل الاحتلال الأمريكي للبلاد؛ وفي ظل تسلط الأحزاب والقوى السياسية الحليفة للاحتلال على مؤسسات الدولة ومفاصلها الإدارية، وهيمنتها على موارد البلد ومقدراته الاقتصادية.

   وتشكل هذه الظاهرة السرطانية المدمرة نخراً متواصلاً في هيكلية البناء المؤسسي في العراق، واستنزافاً مستمراً لثرواته وموارده المالية، وهو ما يؤدي بالنتيجة إلى الشلل التام في كل ميادين التنمية، والفشل المطبق في جميع عمليات البناء والإعمار وتحديث البنى التحتية، الأمر الذي يعاني منه العراقيون على مدى السنوات الماضية - ووفق الواقع المنظور للبلاد- بكل أبعاده وصوره الكارثية.

 ويشير التقرير السنوي لـ"منظمة الشفافية الدولية" للعام 2010([1]) إلى أن البلدان التي تعاني من بيئة سياسية وأمنية مضطربة مثل.. العراق؛ تأتي في مقدمة الدول التي تقل فيها الشفافية، وينتشر فيها الفساد، وأن هذه البلدان تواجه تحديات بناء مؤسسات متينة وشفافة مع اعتماد آليات ملائمة للمساءلة، كما أن هناك حاجة إلى اعتماد الشفافية في صرف الميزانيات العامة، وتوفر فضاء مستقل للإعلام كي يؤدي دوره الرقابي، ووجود مجتمع مدني نشط.

وفي تقرير دولي مشترك - تحت عنوان: "تحسّن الظروف في العراق يحتاج إلى مساعدات دولية كبيرة" - أعدتّه وكالة التعاون والتطوير التقني، ومؤسسة أنتاريز، ولجنة الإنقاذ الدولية، ولجنة ذوي الاحتياجات الخاصة الدولية، إضافة إلى مؤسسات دولية أخرى، صُنِّف العراق - وفق هذا التقرير - على أنه الدولة السابعة في قائمة الدول "الفاشلة" للعام 2010، خاصة في مجالات "السياسة الخارجية" و"التمويل" و"الأمن والسلام"، ولا يتقدم على العراق في مظاهر الفشل إلا الصومال، وتشاد، والسودان، وزيمبابوي، والكونغو، وأفغانستان.

في تقرير دولي: العراق هو الدولة السابعة في قائمة الدول "الفاشلة" للعام 2010 في مجالات "السياسة الخارجية" و"التمويل" و"الأمن والسلام".

ويشير التقرير إلى أن الحاجة إلى الخدمات الأساسية في البلد أصبحت ملحة جداً، كالحاجة إلى مياه صالحة للشرب، وإلى العناية الصحية.

كما ويشعر العراقيون أنهم محطَّمون باقتصاد ضعيف، وبتزايد البطالة، وبأغلبية تعيش في حدود خط الفقر، وعلى الرغم من أن الأرض العراقية تضم احتياطيات هائلة من النفط، فإن الحكومة في بغداد، لا تمتلك القدرة حتى الآن على إدارة شؤون البلاد بشكل فعال لتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان.

ويقول تقرير "صندوق الأمم المتحدة للسكان" الصادر في 18/7/2010: إن ربع سكان العراق تقريباً يعيشون تحت خط الفقر، وكشف التقرير نتائج دراسة اجتماعية واقتصادية تظهر أن نحو 23% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، يقطن 39% منهم في الأرياف، و16% في المدن، بينما تشير بيانات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق بأن نسبة الفقر تصل إلى40% من السكان، وهو ما يعني أن 13،6 مليون عراقي يعانون حالة الفقر.

وتُقدِّر "منظمة العمل العربي" التابعة لجامعة الدول العربية معدل البطالة في العراق بنحو 39،5%.

وعلى ضوء حجم التحديات التي تحول دون سعادة العراقيين ورفاهيتهم جاء العراق في ذيل قائمة أسعد الشعوب في العالم وفق المسح الذي أجراه معهد "جالوب" الأمريكي([2])؛ - وهو منظمة للبحوث الإحصائية والاستشارات الإدارية – حيث جاء العراق بالمرتبة (110) من مجموع (155) دولة، يشاركه في هذه المرتبة كل من ناميبيا وأنغولا وأرمينيا ولاتفيا، فيما احتلت الصومال المرتبة (85) ! متقدمة بذلك على العراق بـنحو (25) نقطة!!

كما وبلغ العراق مستوى قياسياً غير مسبوق في الفساد الإداري والمالي، الأمر الذي جعله يأتي - خلال الأعوام السبع الماضية - متردداً بين المركز الثاني والثالث ثم الرابع عالمياً في هرم الفساد الإداري والمالي وفق تصنيف "منظمة الشفافية الدولية".

 ففي تقرير المنظمة السنوي - والذي يرصد مستوى الفساد في دول العالم استناداً إلى تقييماتٍ واستطلاعاتٍ للرأي تقوم بها منظمات متخصصة ومستقلة - يأتي العراق في العام 2010  بالمرتبة الرابعة في قائمة أسوأ بلدان العالم التي يستشري فيها الفساد، حيث جاء ترتيبه بالتسلسل (175) من أصل (178) دولة، متقدماً على أفغانستان وميانمار والصومال التي جاءت في ذيل القائمة.

   كما وتشير إحصائيات "هيئة النزاهة" في العراق إلى تعاظم وتزايد حجم الفساد في أروقة ومؤسسات الدولة بشكل مستمر، إذ أحالت "الهيئة" في العام 2010؛ (4082) مطلوباً للقضاء، بينهم (197) بدرجة مدير عام فما فوق، في مقابل (3710) مطلوباً

العراق في ذيل قائمة أسعد الشعوب في العالم وفق مسح أجراه معهد "جالوب" الأمريكي للبحوث الإحصائية. العراق الرابع عالمياً في قائمة أسوأ البلدان من حيث الفساد للعام 2010 بحسب التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية .      

أحيلوا إلى القضاء عام 2009، بينهم (152) بدرجة مدير عام فما فوق، فهذا الفرق في الأعداد يشير إلى زيادة معدلات الفساد في كافة أروقة الدولة ومؤسساتها، ما يعني عدم تكامل الخطط والمعالجات الفعّالة التي تحد من هذه الظاهرة وتضع الفاسدين في دائرة المحاسبة والعقاب، لمنع التمادي في الفساد ومكافحته.

   وقد ألمح إلى ذلك رئيس هيئة النزاهة في العراق القاضي رحيم العكيلي([3]) حيث قال: ..لا بد لنا من الدعم الشعبي والحكومي معا.. وحينما يقرر السياسيون رفع يدهم عن ملفات الفساد سنحقق الكثير.

 وقال أيضاً: إن "حل مشكلة الفساد في العراق معقد ولا تحل بمؤسسة واحدة، لأنه ليس هناك قرار سياسي حقيقي لمواجهة الفاسد.

كما وأشار تقرير أمريكي([4]) وصف بأنه "حساس" إلى أن مكتب رئيس الوزراء في العراق نوري المالكي "يتعامل بعدائية" مع فكرة تأسيس وكالة مستقلة للتحقيق في الفساد "الإداري" على الرغم من أنه نفسه غالباً ما يصف الحرب على الفساد بأنها الحرب الثانية في العراق، ووجه التقرير انتقادات شديدة إلى إجراءات مكافحة الفساد في الوزارات والمؤسسات العراقية الرسمية محذراً من أن العراق غير قادر حالياً ولو بدائياً على تعزيز قوانين مكافحة الفساد.

بل أن ما يثير الدهشة والاستغراب هو العفو العام الذي أصدره رئيس الوزراء، والذي شمل نحو ثلاثة آلاف موظف من الموظفين المتهمين بالفساد بحسب ما صرح به رئيس هيئة النزاهة القاضي رحيم العكيلي([5]).

ومما يثير الدهشة والاستغراب كذلك القانون الذي أصدره مجلس النواب والقاضي بعدم إمكان إحالة الموظف المتهم بالفساد إلى القضاء إلاّ بعد موافقة الوزير المعني بعمل ذلك الموظف! ما نتج عنه مماطلة بعض الوزراء بمنح موافقتهم تلك لحين هروب الموظف الفاسد المطلوب للقضاء إلى خارج العراق.

 كما نتج عن ذلك القانون أيضاً - على ما ذكر القاضي رحيم العكيلي في مؤتمره الصحفي المشار إليه - إيقاف الإجراءات القانونية بحق (70) موظفاً في وزارات مختلفة بسبب عدم الحصول على موافقات الوزراء المعنيين وفق الصلاحيات الممنوحة لهم، وكان ذلك لسنة 2008 فقط! الأمر الذي يوحي بوجود تواطؤ جماعي للأطراف والقوى السياسية في الحكومة ومجلس النواب بهدف التستر على الفساد وحماية الفاسدين، بل أن هذا التواطؤ قد يشمل جهات قضائية أيضاً، كما حصل مع وزير التجارة السابق والمتهم بقضايا فساد تقدر بمليارات الدنانير وأفرج عنه القضاء بكفالة مالية ثم أغلق الملف وتمكن الوزير بعدها من السفر خارج البلاد.

ولغرض البحث في هذه ظاهرة الفساد المتفاقمة والمستشرية في وزارات ومؤسسات وأروقة الدولة العراقية كافة؛ علينا أولاً تحديد مفهوم الفساد، وبيان أنواعه، ومظاهره المختلفة.

تعريف الفساد:

الفساد في اللغة: نقيض الصلاح، فسد يفسد فساداً.. فهو فاسد([6]). وفي "المعجم الوسيط": فسد الرجل: جاوز الصواب والحكمة، والفساد: التلف والعطب والاضطراب والخلل([7]).

والفساد في الاصطلاح "Corruption": هو سلوك يخالف القانون والنظام، ويسيء استخدام النفوذ العام من اجل تحقيق مصالح أو مكاسب سياسية أو اقتصادية خاصة؛ ذاتية "شخصية" أو جماعية.

ويُعرِّف معجم "اوكسفورد" الإنكليزي؛ الفساد: بأنه انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة.

أما التعريف الدولي للفساد؛ فهو وفق ما ذكرته "منظمة الشفافية الدولية" – وهي أكبر منظمة مستقلة تعنى بهذا الشأن - هو سوء استغلال السلطة من أجل تحقيق مكاسب شخصية.

أنواع الفساد:

 يتنوع الفساد نسبة إلى محل شيوعه وانتشاره ليشمل؛ الفساد الإداري؛ والفساد المالي، والفساد السياسي.

أولاً: الفساد المالي؛ ويتمثل بمجمل الانحرافات المالية ومخالفة القواعد والأحكام التي تنظم سير العمل المالي في الدولة ومؤسساتها، ومخالفة التعليمات الخاصة بأجهزة الرقابة المالية؛ كالجهاز المركزي للرقابة المالية؛ المختص بفحص ومراقبة حسابات وأموال الحكومة والهيئات والمؤسسات العامة والشركات، ويمكن ملاحظة مظاهر الفساد المالي كذلك في الرشاوى والاختلاس والتهرب الضريبي.

‌ثانياً: الفساد الإداري؛ وهو ما يتعلق بالانحراف الإداري والوظيفي أو التنظيمي، وتلك المخالفات التي تصدر عن الموظف العام إثناء تأديته لمهام وظيفته ضمن منظومة التشريعات والقوانين والضوابط، ومنظومة القيم الفردية، أي استغلال موظفي الدولة لمواقعهم وصلاحياتهم للحصول على مكاسب ومنافع بطرق غير مشروعة، ومن مظاهره كذلك: المحاباة في التعيينات الوظيفية، وتزوير الوثائق العامة وغيرها.

   ثالثاً: الفساد السياسي؛ ويُعرَّف بأنه إساءة استخدام السلطة العامة "الحكومية" لأهداف غير مشروعة، وعادة ما تكون سرية لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية، وهو ما يعني الانحراف عن النهج الذي ترسمه أدبيات الأحزاب أو التكتلات أو المنظمات السياسية المتسلطة لتحقيق مصالحها الفئوية والحزبية الخاصة.

وتختلف ماهية الفساد السياسي من بلد لآخر، ومن سلطة قضائية لأخرى، فإجراءات التمويل السياسي التي تعد قانونية في بلد معين قد تكون غير قانونية في بلد آخر، وقد تشرعن بسبب هذا الفساد عملية الاستبداد والإقصاء السياسي واحتكار السلطة ، كما وقد تقنن نتيجة لذلك الخيانة والعمالة والإذعان، وتُلبَّس بلبوس الضرورات والمصالح الوطنية، وهو ما يجري اليوم في العراق المحتل على يد الطبقة السياسية الحاكمة .

مظاهر الفساد المالي والإداري:

   تتجلى مظاهر الفساد المالي والإداري في العراق بمجموعة من السلوكيات التي يمارسها القائمون على المناصب العامة في دوائر ومؤسسات الدولة، وبالرغم من تشابه وتداخل بعض هذه السلوكيات إلا أننا يمكن تحديدها إجمالاً فما يلي:

1- اختلاس المال العام "Embezzlement": وهو ما يعني استغلال الموقع الوظيفي للاستحواذ على أموال الدولة والتصرف بها من غير وجه حق تحت مسميات مختلفة، كتنفيذ أعمال أو مشاريع – هي غالباً ما تكون وهمية - ، أو إبرام عقود وصفقات مشبوهة وبمبالغ ليست واقعية، أو تغطية نفقات هي غير حقيقية، أو تهريب قسماً من الثروة النفطية والمعدنية.

2- الابتزاز (Black mailings): ويعني استغلال المواقع الوظيفية والرسمية للضغط على جهة أو طرف ما داخل البلاد للحصول منهم على أموال في مقابل منحهم حقوقهم أو تقديم مصالح مشروعة لهم مرتبطة بتلك المواقع الوظيفية أو الرسمية.

3- الرشوة (Bribery): وتعني حصول الموظف أو المسؤول على أموال أو منافع أخرى من اجل تنفيذ عمل أو الامتناع عن تنفيذه خلافاً للقانون.

4- المحسوبية (Nepotism): وهي تنفيذ أعمال - من دون استحقاق - لصالح فرد أو جهة ينتمي لها صاحب المنصب الوظيفي كأن تكون حزباً أو عائلة أو منطقة…أو غير ذلك.

5- المحاباة (Favoritism): أي تفضيل جهة على أخرى بغير وجه حق لتحقيق مصالح معينة، أو لتغليب هوى طائفي أو عرقي أو نحو ذلك، كما في منح المقاولات والعطاءات أو عقود الاستئجار والاستثمار لجهات دون أخرى.

"الفساد المقنن": مظهر جديد من مظاهر الفساد في العراق يجري بتواطؤ الساسة وأصحاب القرار على منح رواتب وامتيازات هائلة وغير معقولة لأصحاب المناصب العليا في الدولة.

6- الوساطة: أي تدخل صاحب منصب وظيفي أو سياسي لصالح فرد أو جماعة من غير الالتزام بسياقات العمل المهني وتوفر الكفاءة اللازمة، ولأسباب تتعلق بالقرابة أو الانتماء الحزبي أو غيره.

7- هدر وتبديد المال العام: وذلك من خلال مظهر جديد من مظاهر الفساد يمكننا تسميته بـ "الفساد المقنن" أو "المشرعن" والذي يجري بتواطؤ الساسة وأصحاب القرار على منح رواتب وامتيازات هائلة وغير معقولة لأصحاب المناصب العليا في الدولة، مقارنة بالمناصب المماثلة لها في الدول المجاورة، بل وحتى في دول العالم الكبرى!

وسنتحدث بشيء من الإسهاب عن هذا الفساد "المقنن" والمستمر، والذي استهلك القدر الأكبر من موازنات العراق للأعوام الماضية، ما تسبب بهدر المال العام وتبديده بدل صرفه في عمليات البناء والإعمار وإصلاح البنى التحتية المدمرة، وتوفير الخدمات، ومعالجة مشاكل الفقر والبطالة التي يعاني منها العراقيون.

فوفقاً لما أعلنه "صندوق الأمم المتحدة للسكان" فإن معدل الفقر في عموم البلاد يتجاوز 23%! بينما تشير بيانات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق إلى أن نسبة الفقر تبلغ 40% من السكان، ما يعني أن 13،6 مليون عراقي يعانون حالة الفقر، في حين أن نسبة الفقر في الدول العربية المجاورة للعراق؛ والأقل من حيث الإيرادات؛ كالأردن مثلاً؛ لا تتجاوز 14%، أما في سوريا فهي 12،3%، وعلى هذا فإن العراق يتقدم على الدول المجاورة له في ارتفاع نسبة الفقر، في الوقت الذي يتفوق عليهم أيضاً في الغنى وارتفاع الإيرادات، وهو صاحب أضخم موازنة في المنطقة!! وهنا تكمن المفارقة.

أما ما يتعلق بمعدل البطالة في العراق فهو على تقدير "منظمة العمل العربي" التابعة لجامعة الدول العربية يبلغ 39،5%! وقياساً بالدول العربية المجاورة فإن معدلات البطالة في الأردن هي بحدود 12،4%، وفي مصر لا تتجاوز 9،2%، وفي سوريا 8،1% فقط.

 ومع هذا الارتفاع الكبير في نسبتي الفقر والبطالة في العراق فإن الحكومات المتوالية في ظل الاحتلال تستأثر بثلثي حجم الموازنة السنوية للبلاد - 75% أو أكثر - وتبددها كموازنة تشغليلية تنفق كرواتب وامتيازات ومصروفات خاصة بالحكومة، بينما تخصص ما نسبته 25% أو أقل من الموازنة السنوية فقط للموازنة الاستثمارية، وهي تنفق في الغالب على مشاريع وهمية، أو فاشلة ولا قيمة لها من الناحية الاقتصادية - في حين أن الوضع المأساوي الفريد في العراق بسبب التدمير الهائل للبنى التحتية بواسطة آلة الحرب الأمريكية إضافة إلى سنوات الحصار المضنية التي سبقت الحرب يتطلب بشكل مُلِح عكس تلك النسبة في الموازنة السنوية لتكون 75% منها أو أكثر مخصصة كموازنة "استثمارية" لتغطية المشاريع الاقتصادية والخدمية وإعادة البناء والإعمار، ودعم وإصلاح البنى التحتية.

ومن المهم الإشارة إلى أن الرواتب والامتيازات التي تتقاضاها الرئاسات الثلاث؛ رئاسة الجمهورية؛ والوزراء؛ ومجلس النواب؛ إضافة أعضاء مجلس النواب - والذين زاد عددهم خمسين نائباً في الدورة الجديدة ليكونوا (325) نائباً - تستنزف هذه الرواتب والامتيازات حوالي 21% من الموازنة التشغيلية للعام 2011.

 وكشف صباح الساعدي - وهو عضو في مجلس النواب - أن الأموال المخصصة في موازنة هذا العام لموظفي مكتب نوري المالكي بلغت (53) ملياراً و(16) مليون دينار!!.

كما أن ما يتقاضاه أعضاء مجلس النواب العراقي من رواتب ومخصصات شهرية تفوق هي الأخرى ما يتقاضاه أقرانهم في كثير من بلدان العالم بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ودول أوروبية أخرى، وان هؤلاء الأعضاء قبضوا لقاء جلسة واحدة - قيل إنها استغرقت 7 دقائق ثم علقت لسبعة أشهر بانتظار انتخاب رئيس للمجلس - قبضوا لقاء ذلك مبلغ مقداره (81) مليار و (250) مليون دينار، أي ما يعادل حوالي (69) مليون دولار أمريكي رواتب ومخصصات ونفقات حماية عن جلستهم اليتيمة تلك.

هذا وبلغ حجم الموازنة المالية في العراق للعام المنصرم؛ 2010؛ (73،7) مليار دولار أمريكي، وهو ما يعادل (86) تريليون دينار عراقي! في حين بلغ حجم الموازنة لهذا العام؛ 2011؛ حوالي (80،4) مليار دولار، وهو ما يعادل (95) تريليون دينار عراقي بحسب تصريح وزير المالية، وهي ما تقارب حجم موازنات مصر وسوريا والأردن مجتمعة! واللاتي يبلغ مجموع سكانها أربعة أمثال عدد نفوس العراق تقريباً.

فقد بلغت موازنة مصر لعام 2010؛ (318) مليار جنيه مصري أي: (55،8) مليار دولار، في حين بلغت موازنة سوريا للعام نفسه (754) مليار ليرة سوريه، أي: (16،6) مليار دولار، أما الأردن فقد بلغت موازنتها (5،5) مليار دينار أردني، أي: (7) مليار دولار أمريكي.

وإذا ما قارنا حجم الموازنة "التشغيلية" و"الاستثمارية" في العراق مع حجميهما في بلدان الجوار المستقرة يتبين لنا التالي:

الدولةالموازنة السنوية العامة لعام 2010نسبة الموازنة التشغيلية (رواتب ومصاريف حكومية)نسبة الموازنة الاستثمارية (المشاريع)
العراق73،7 مليار دولار78%22%
الأردن5،5 مليار دولار42%58%
سوريا16،6 مليار دولار43%57%

والذي يظهر من هذه المقارنة أن العراق وهو البلد المنكوب المفتقر للخدمات والمشاريع والبنى التحتية والذي يعاني الفقر والبطالة يخصص 22% فقط من موازنته السنوية للعام 2010 كموازنة استثمارية! بينما يخصص الأردن؛ وهو البلد المستقر الذي تتوفر فيه كل الخدمات والبنى التحتية 58% من موازنته السنوية كموازنة "استثمارية" بهدف تغطية مشاريع التنمية، وكذلك تخصص سوريا وهي البلد المستقر أيضاً 57% من موازنتها السنوية كموازنة "استثمارية" لأغراض التنمية وتطوير البلد وبناء المشاريع وتعزيز البنى التحتية.

وحتى تلك النسبة التي خصصتها الحكومة في العراق كموازنة استثمارية والبالغة 22% فإن جزءً غير قليلٍ منها يذهب إلى مشاريع نفطية تزيد من دخل الحكومة، إضافة إلى أبنية حكومية للجيش والشرطة! في حين أن التخصيصات الموجهة للمشاريع الخدمية والتي تعني المواطن بشكل مباشر - وهي ما يدخل تحت بند "المشاريع الاستثمارية لتنمية الأقاليم وإعمار المحافظات" - فهي لا تتجاوز 11،2% من قيمة تلك الموازنة الاستثمارية! ما يعني أن نسبة 5% فقط من الموازنة الكلية هي لمشاريع التنمية والخدمات!!

وبهذا ووفق هذا الفساد "المقنن" والخطير تبَددت ثروات العراق واستنزفت موارده لسنوات خلت على يد الطبقة السياسية المفسدة وعلى مسمع ومرأى العالم كله.


([1]) والصادر في برلين بتاريخ 26/10/2010، والذي تضمن مستوى الفساد في (178) دولة.

([2]) نُشِرت نتائج هذا المسح في مجلة "فوربس" الأمريكية الاقتصادية.

([3]) في مداخلة له ضمن ندوة مفتوحة أقامتها الهيئة بدعم وتنسيق مع   برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) و"منظمة الشفافية الدولية" عقدت في العاصمة الأردنية عمان في 29 - 30 تموز – 2010.

([4]) صدر التقرير في 29 أيلول "سبتمبر" عام 2007.

([5]) جاء ذلك في مؤتمر صحفي عقد ببغداد في 27 أيار "مايو" 2009، بمناسبة تقديم الهيئة تقريرها السنوي لعام 2008.

([6]) ((لسان العرب)) لابن منظور (3/335).

([7]) ((المعجم الوسيط)) (2/688).

مقالات اخرى

Melbourne Web Design & Development
menu-circlecross-circle linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram