وحدة الأمة وتحديات التقسيم

21 أغسطس, 2021

الأستاذ هشام البدراني

مفهوم الأمة وأصل وحدتها:

الأمة في التعريف اللغوي: أُم الشيء أصله ومحل اجتماعه، وتطلق الأمم أو الأمة على أصول التجمعات البشرية؛ فهي أصل الواقع الاجتماعي لأناس معينين في وحدتهم وكينونتهم في بيئة جغرافية أو منطقة أو حالة زمنية، ولذلك فالأمة ممكن أن تكون في مدى زمانها وتطور تاريخها هي: في كل جيل يعتبر أو يعد أمة لهذا الجيل.. هذا من حيث اللغة.

والأمة من حيث المصطلح أو التعريف أو الحد والرسم، عَرَّفها أهل الاختصاص ومن ثَمَّ من البحث الموضوعي في القضية، أن الأمة: هي الجماعة التي تعيش وفق طريقة معينة، أو الجماعة التي تنتظم بطريقة معينة في  العيش، لذلك نجد أن الأمم تختلف بحسب ما اجتمعت عليه من طريقة معينة في العيش.

وحدة الأمة:

لاشك أننا حين نعرف مفهوم الأمة أو مفهوم وحدة الأمة نأتي إلى ما هو السبب في توحيد الأمة والرابط فيها.

فوحدة الأمة هي التآلف بالتعارف على أمرٍ جامع في هذا الوسط الاجتماعي يربط أجزاء هذه الأمة بوصفهم أجزاء وأعضاء في جسم الأمة لا بوصفهم أفراداً. وهذا مستمد ومأخوذ فضلاً عن الواقع من قوله تعالى في سورة الحجرات: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)، فمدار الرابط الاجتماعي هو التعارف والتآلف على أمرٍ جامع، فلذلك وحدة الأمة ستصب في هذا الاتجاه لا محال، وسيكون محور الدوران في وحدتها هو الرابط الذي تعارفت عليه الأمة واجتمعت، وكذلك قوله تعالى: (ان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)، وقوله تعالى: (وان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) فحدد موضوع العبادة والتقوى كصفة رابط لهذا التآلف الجامع بين الأمة ولم يكتف بأمر جامع من عقيدة أو دين، وإنما جعل ممارسة هذه العقيدة والدين على أرض الواقع عبادة لله تعالى واتقاءاً بابتغاء مرضاته، فمن هنا تأتي وحدة الأمة مازلنا في التعريف في المفصل الأول أو المطلب الأول ( مفهوم الأمة وأصل وحدتها ).

المحور الثالث/ في هذا المطلب أن ألأمم أجناس مختلفة؛ هناك أمة الحيوان والتسخير، وهناك أمة الجن والإنس التي هي أمة التكليف والتخيير، فالعالم الموجود؛  والعالم: هو كل ما سوى الله، وأن هذا العالم الحي المتحرك النامي المتطور هو ما يمثل العالم.

وأمم العالم جنسان:-

الجنس الأول: هو الحيوان لأن الحيوان يعيش، قال تعالى: (وما من دابة ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شئ ) فأمة الحيوان أمم كأمم الانسان ولكنها تختلف بأنها تعيش على الغريزة بالتسخير، وأن الله عز وجل وهبها أن تُسَيِّر حياتها بأنماط متكررة أنماط واحدة وأنماط جامدة ليس فيها اختيار.

أما أمة الانسان أو التكليف والتخيير في قوله تعالى: (ادخلوا في أممٍ قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كل ما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا ادّاركوا فيها جميعاً قالت أخراهم )الآية...، الشاهد عندنا أن الأمم من الجن والإنس، وهذه الأمم من الجن والإنس كأمة التخيير والتكليف فهذه مخيرة، والرسول( صلى الله عليه وسلم) بُعِث للجن والإنس، فلذلك إذن هذه أمم موجودة، كذلك من حيث هذا الجنس في أمة التخيير والتكليف يتنوع فنجد أمة الهداية، وأمة الرشد، وأمة الاختلاف والتباين، فالأمة منذ وجدت أمة واحدة إن الله عز وجل خلقنا أمة واحدة ولكن الناس فيما بعد اختلفوا قال تعالى: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم) الكلمة التي سبقت أن الناس كانوا أمة واحدة  فاختلفوا، الكلمة التي سبقت: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) إذن القضية أن الناس أمة واحدة تلقوا كلمات من الله عز وجل الكلمات التي ألقاها على آدم فاستقاموا عليها، ولكن حين اختلف أبناء آدم وبدأ الخلاف يدب بغفلة أو انحراف نجد الصراع بين ابني آدم ثم تطور هذا الصراع إلى انحراف عن المنهج عن كلمات الله عز وجل وابتغاء غير سبيله، فوُجِد في العالم فريقان: فريق يستقيم على رسالة رب العالمين، وفريق يصنع رسالة لنفسه بعبقريته أو بما ورد في ذهنه بإشراقة فكرية عنده ولكن ليست بوحي من الله عز وجل. فمن هنا كانت أمة الرشد والهداية، وأمة الاختلاف والانحراف، أيضا أمة الرشد والهداية ممكن أن تكون فيما بينها أيضا مختلفة ولكن اختلافها اختلاف تباين في الرأي واختلاف تنوع في الجنس الواحد في جنس أمة الهداية والرشد لا في غيرها، هذا بالنسبة للمفهوم العام لمصطلح أمة. ونختصره بأن الأمة هي طريقة معينة الأمة هي الجماعة من الناس التي تآلفت على طريقة معينة من العيش وفق ما اعتقدته وأمنت به.

المطلب الثاني :  مكونات الأمة وعناصر وجودها:

الأمة حين نعرفها بأنها: الناس وما تآلفوا عليه في حياتهم.. نجد أن مكونات الأمة ثلاثة(الناس ابتداءً، ثم العلاقات التي ترعى وجود هؤلاء الناس مع بعضهم، ثم الرابطة التي تربط هؤلاء الناس)، وقطعاً حين قرأنا الآية من سورة الحجرات: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله اتقاكم) نجد أن هذه المكونات الثلاثة واردة في النص، وهي أيضا من حيث الواقع موجودة. حيث إذا بحثنا واقع أي أمة من الأمم نجد أن هذه المكونات موجودة حتماً مقضيّاً، المكون الأول الناس، ثم المكون الثاني النظام الذي ينتظمون به ويوحد أفكارهم ومشاعرهم وأنظمتهم وهو العلاقات الاجتماعية، ثم المكون الثالث الرابط الذي يحافظ على هذين المكونين في استقامة علاقات الناس مع بعضهم وفق ما تآلفوا عليه وأن يكون الرقيب عليهم هو ما آمنوا به.

فنجد أن الآية تتضمن هذه الأمور الثلاثة (الناس، والعلاقات بنظام، ثم الرابطة التي هي الفكرة التي تجعل الناس بإيمانهم بها يتماسكون مع بعضهم ويتوحدون) لذلك ممكن من هذه المكونات الثلاثة أن تنشأ أمة نشوءاً طبيعياً نتيجة حاكميّة العلاقات أو ضرورة العلاقات أو بِديّة العلاقات مع بعضهم فينشأ بين الناس روابط بحكم المعايش وبحكم المصالح المشتركة، وممكن أن الأمة توجد وجوداً طبيعياً أيضا ولكن ليس بضرورة العلاقات الفطرية فقط ولكن بضرورة العلاقات الفكرية أيضاً، فمن هنا تتنوع الأمم الأصيلة والعريقة التي تقوم على منشأ فكري سواءً بعبقرية تشرق في أذهان عباقرتهم ومفكريهم وعلمائهم أو بوحي الله عز وجل لنبي وبعثه في هذه الأمة.

إذن الأمة ممكن أن تنشأ أحد هذين النشوءين.. ولذلك إن الله عز وجل حين فصل في هذا الموضوع ـ في نشوء الأمم ـ جعل أول محور أنه (لولا كلمةٌ سبقت من ربك لقضي بينهم فيما كانوا فيه يختلفون)، إذن اختلاف الناس ممكن أن تجمعه الكلمة ببعثة الرسول، أو بعبقرية تشرق في ذهن مفكر أو عالم أو عبقري من العباقرة يستطيع أن يجمع الأمة على فكرة جامعة تتآلف عليها ويجعل لها أهدافاً، ولكن أمة الخير هي أمة بعثة الأنبياء فقال تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب)، لماذا أنزل الكتاب معهم؟ هل لسبب معين؟ أنزل معهم الكتاب بالحق (ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه).. إذن النبي كانت له دولة وكانت له صولة أو له حكم، حتى إن لم تكن له دولة يكون له حكم ومرجعية. ومن الأنبياء من أنشأ دولة كـ ( داود، وسليمان عليهما السلام ) والآخرون لم يذكروا في القران الكريم ولكن ذكر بشكل العموم، وآخر الأنبياء الذي شكل دولة سيدنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) لذلك جاء في الحديث عن أبي هريرة (رضي الله عنه) في الصحيح قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي ، وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : فوا بيعة الأول فالأول ، أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم.متفق عليه).

إذن خط النبي هذا الخط، وهذا لا يمنع من نشوء دول لا تقوم على منهج الأنبياء وهذا أمر طبيعي، كما كان الأكاسرة والقياصرة في زمن بدء الإسلام وصدر الإسلام وكما كان في العصر الحديث بعد أواسط القرن التاسع عشر والقرن العشرين.. أنه كانت الدولة الرأسمالية التي تحكم أوربا الغربية والدولة الاشتراكية الاتحاد السوفيتي قبل سقوطه الذي يحكم أوربا الشرقية وكذلك الصين وغيرها فهذه دول معاصرة قامت على مباديء.

ولكن الإسلام جعل النشوء والوجود للدولة الصحيحة الراشدة المهتدية هي التي تقوم على بعثة الأنبياء.

المطلب الثالث : مظاهر الأمة ومقومات ريادتها ثلاث مظاهر أيضا:

المظهر الاول : الذي تظهر فيه الأمة الحية..(الفرد).

والمظهر الثاني : الجماعة.

المظهر الثالث : الدولة.

وهذه هي المظاهر الثلاثة تثبت للأمة حيوية ووجود طبيعي ناشط فاعل في الأمة:

أولاً الفرد:

ومعنى الفرد أن يكون صالحاً لجزئية الجماعة، والله عز وجل يقول في القران الكريم،
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (والعصر إن الانسان لفي خسرٍ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) تربية الفرد أن يكون جزءاً صالحاً في الأمة، يتواصى بالحق ويتواصى بالصبر، يتكافأ.. دافع الإيمان يحركه، يُفعِّل فيه إرادة الشعور الصالح، إرادة الفكرة الصالحة، إرادة التجمع الصالح، والتآلف على المعروف، فلذلك لابد من الفرد الصالح لجزئية الجماعة.

ثانياً: من مظاهر الأمة الحية ومقومات ريادتها الجماعة الرائدة في قيادة الأمة، وأي أمة لا تظهر فيها جماعات متباينة في الرأي، ومختلفة في الرأي تبني الأصلح في تقدير هذه الجماعة للأمة والأنفع للأمة فهذه الأمة ليست حية.

الأمة الحية هي التي تظهر فيها جماعات كثيرة، ولذلك أن الله عز وجل أمر أن تكون هناك جماعات في الأمة الإسلامية.. قال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)[آل عمران:104]، وقال تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة:122]، فمثل هذه الآيات تبعث إلى وجود حالة من الفِـرَقْ أأو من فُـرقاء العمل، لا الفُرَق بمعنى الانعزال والانقسام، وإنما من فُـرقاء العمل المتباينون في وجهة النظر ولكن بحسب العقيدة الواحدة، وبحسب التأسيس الواحد، لذلك هذا المظهر الحيوي ليس في أمة الإسلام فقط، وإنما حتى في الأمم الرأسمالية؛ التعددية السياسية في الأمم الرأسمالية هو ظاهر حيوية هذه الأمة، والتعددية الحزبية في الأمة الإسلامية هو ظاهر حيوية الأمة الإسلامية، فمن مجموع هذه الآيات والأحاديث كثيرة في الباب.. ولا نذكرها هنا خشية الإطالة.

إذن الجماعة الرائدة في قيادة الأمة هي ليست جماعة واحدة وإنما جماعات عديدة، ولكن تأسيسها العقدي يجب أن يكون على أساس العقيدة الإسلامية لا أن يكون على غير أساس العقيدة الإسلامية، وممكن لغير المسلمين أن يكون لهم تأسيس جماعي أيضا في أمة الإسلام،
ـ وهذا مبحث فقهي في غير هذا المجال لكن نشير إليه للضرورة ـ أن يكون لهم جماعة وحزب للمطالبة بحقوقهم والمشاورة والرأي ولكن لا يكونوا في مجال الحكم والسياسة والسلطة، ولكن يكون في مجال السياسية وطرح الرأي وهذا الموضوع يناقش في موضوع الشورى.

المظهر الثالث للأمة الحية: الدولة المجسدة لإرادة الأمة:

هذه الدولة المجسدة لإرادة الأمة، وردت في عدة آيات.. منها نذكر على سبيل المثال التأسيس الموضوعي لهذا قوله تعالى: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [سورة البقرة:128]، هذا لأول تأسيس لدولة الأنبياء بعد آدم وهو خطاب لسيدنا إبراهيم وابنه اسماعيل، وكذلك قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) [المائدة: من الآية 48]، مهما كانت هذه الأهواء عبقرية لا تتبعها، وإنما اتبع الرسالة التي أوحيت إليك، لذلك هذا المظهر ـ وهو الدولة المجسدة لإرادة الأمة ـ هي تعبير صارخ عن ما تآلفت عليه الأمة، ولهذا نجد أن الأمة الإسلامية في حقيقتها الموضوعية هي الأمة الوحيدة التي تحمي دولتها وإنما كل دول العالم هي تحمي نفسها تجاه شعوبها، ولذلك نجد في العصر الحديث أن الدولة الرأسمالية تحمي وجودها بصرامة القانون وقوة الجندي وأجهزتها التنفيذية الصارمة القانونية، أما الدولة الإسلامية فهي دولة شورية والحاكم فيها حاكم بشري ـ وسنأتي الى شي من التفصيل في ذلك إن شاء الله ـ فلذلك نجد أن الأمة الإسلامية في مظهرها (الدولة) لا بد من ذلك لحماية شريعتها ودينها لا محالة.

المطلب الرابع من المبحث الأول: أسباب النهضة:-

أولا فلنعرف مفهوم النهضة .. النهضة: هي الارتفاع الفكري فأي نهضة في العالم نسميها الارتفاع الفكري واقع الارتفاع الفكري عند الناس (أفراداً، وجماعات، وأحزاباً، ومنظمات، ودولة، ومجتمعات) معنى هذا المجتمع ناهض. ولكن النهضة الصحيحة هي الارتفاع الفكري بإدراك الصلة بالله تعالى، يعني النهضة الصحيحة التي تقوم على معطيات الوحي لا على معطيات العقل المجرد أو العقل الفلسفي المجرد، ومن هنا تأتي المفاصلة في أنه سبب النهضة.

وعندنا نوعان من النهضة: النهضة الصحيحة، والنهضة الصحيحة الصالحة.

فالنهضة الصحيحة الصالحة: هي التي تقوم على عقيدة من وحي من الله عز وجل أو ما جاء برسالات رب العالمين وختمت برسالة القرآن بسيدنا النبي محمد(صلى الله عليه وسلم) خاتم النبيين.

وبعد أن حددنا مفهومه النهضة ننظر هنا كيف نتفاعل مع مفهوم النهضة حتى ترتقي الأمة وتبدأ تنشأ بوحدة واحدة تظهر بمظاهرها الثلاثة(الانسان الصالح لجزئية الجماعة، والجماعة الرائدة في قيادة الأمة، الدولة المهتدية الرشيدة) وكيف نصل إلى هذا.

أول سبب من أسباب النهضة وهو السبب الرئيس للنهضة ألا وهو الفكر والتفكير؛ الفكر بالمعتقد والدين ونظام الحياة، والتفكير بمتطلبات الحياة.

الأول.. نجد أن القرآن يشير إلى وحدة الأمة، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ) [سورة سبأ: من الآية 46]، وهذا أمر عقدي. التفكر في أمر الرسالة والرسول ليس عبقرية أشرقت في ذهن محمد(صلى الله عليه وسلم) كما توهم البعض؛ وإنما هو وحي من الله عز وجل في هذا الرسول، فيدعونا رب العزة أن لا نتَلقّى الأمر على التسليم المجرد، وإنما التسليم الفكري القائم على الدليل والبرهان والحجة العقلية المحضة في إثبات الرسالة، أما المطلوب في مجالات الحياة فنجد أن القرآن الكريم يدعونا إلى التفكر في أمور الدنيا والآخرة، قال تعالى: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)[سورة آل عمران: من الآية 191]، هذه في الناحية العقدية لكن قال: (الذين يتفكرون في الدنيا والآخرة) فالموضوع ليس آخرة مجرد عن الدنيا، وليس دنيا مجردة عن الآخرة وإنما الإسلام جاء وجعل نهضة الإنسان فكرياً ترتبط بأن يفكر في واقعه كما هو، وأن يبحث عما يجب شرعاً في هذا الواقع لكي يدرك الصلة بالله تعالى.. وهذا أولاً، إذن السبب الرئيس للنهضة هو الفكر والتفكير، الفكر العقدي والتفكير في متطلبات الحياة.

السبب الثاني للنهضة حتى نشرع فيها: هو ممارسة الطريق الصحيح للنهضة:

لذلك عد الشرع الإسلامي ممارسة الطريق الصحيح للنهضة هو نفس ممارسة الحالة الفكرية،  والحالة الثقافية، والحالة العلمية، والحالة الموضوعية في البحث والنظر والتأمل، واستطراداً إلى ما يتعلق بذلك.

لذلك جعل الطريق الوحيد هو التغيير الفكري أولاً وما يصحبه ويعقبه من تغيير في مجالات الممارسة والتنفيذ، لذلك نجد رب العزة يقول: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [سورة الرعد: من الآية 11]، ونجده يقول: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [سورة الأنفال:53]، فإذن التغيير هو في واقع الحياة الدنيا ومتطلباتها لا بد أن يعقب التغيير في النفس ومقومات النفس، ولا يخفى الفكر والشعور، العقل والعاطفة، والتعامل مع جوهر هذا الموضوع هو الذي يؤدي إلى السعي إلى سبب النهضة بأذن الله تعالى.

السبب الثالث من أسباب النهضة: إن نهضة الأمة ووحدتها تتطلب تمثيلاً فاعلاً لمكوناتها وعناصرها بطريقة ايجابية، وبالمعنى الدقيق انه لا بد للأمة أن تكون هناك جماعة، لأن من عناصرها ومن مظاهر الأمة وجود الجماعة الرائدة، فلابد أن يكون إما بوحي من الله عز وجل للنبي وقد مضى محمد خاتم النبيين، ولكن هنا العلماء ورثة الأنبياء عليهم أن يُـفعِّلُوا طاقات الأمة وينشطوها، ويُفَجّروا الطاقات الإبداعية فيها،، بماذا..؟ بأسباب النهضة الفكرية وبنفس الوقت بعناصر وحدة الأمة الثلاثة التي ذكرناها ومكوناتها إن شاء الله.

أما طريقة هذا التفعيل فقطعاً يكون هذا التفعيل:

أولاً / بتفعيل مفهوم الأمة كما تقدم.

ثانياً / بالتعلم والتعليم.

ثالثا / بالاستقامة على المنهج الصحيح: بالتأكيد لأن هناك مناهج دخيلة على الأمة وغزت الواقع الاجتماعي لأمة الإسلام، إذا كان موضوعنا هو عموم الأمة الإسلامية، فالاستقامة على المنهج لابد منه، وقوله تعالى (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) [سورة النور: من الآية 54]، أي تطيعوا الرسول(صلى الله عليه وسلم) تهتدوا، لا تطيعوا أهل الأهواء ممن يضع الأفكار والأنظمة من بنات فكره وعقله، وكذلك قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [سورة النور: من الآية 63].

السبب الرابع في تفعيل وحدة الأمة وتنشيطها: الابتعاد عن التفرق:-

قال تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران: 105]، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) [سورة الأنعام: 159]، إذن الأمر يتطلب منا الوقفة الذكية في هذا الصدد.

المبحث الثاني: تحديات التقسيم:

ما تقدم هو مفهوم الأمة وأسباب بنائها وتكوينها بمعنى تحديد لمفاهيم وحدة الأمة. والمبحث الثاني تحديات التقسيم؛ يشتمل هذا المبحث على أربعة مطالب:

1 ـ بناء شخصية الأمة ووحدتها.

2 ـ بناء شخصية الدولة وحماية الأمة لها.

3 ـ غزو المشروع الثقافي والتغريبي للأمة الإسلامية.

4 ـ المشروع الاحتلالي.

المطلب الأول: بناء شخصية الأمة بشروط وحدتها:-

لا شك أن الشخصية هي العقلية والنفسية، ومن العقلية والنفسية ينتج تصرف الانسان بسلوكه؛ بوصفه فرداً، أو بوصفه جزءاً من جماعة، أو بوصفه جماعة في أمة، أو بوصف الأمة ظاهرة في الدولة وحركة المجتمع، هذه الشخصية العقلية والنفسية لابد أن تقوم على مرتكزات ثابتة وهي العقيدة لا محالة، فمن هنا لابد لبناء شخصية الأمة لابد أن نركز على العقيدة في الأمة، بعكس الرأسمالية والرأسمالية أو العقيدة العلمانية تؤمن بالعقيدة العلمانية عقيدة فصل الدين عن الحياة.

والأمم في العالم الآن في واقعنا المعاصر أمتان؛ أمة الإسلام التي يحمل عقيدتها أفراد وشعوب وأمة، وأمة رأسمالية تحمل عقيدة فصل الدين عن الحياة التي عقيدتها تقوم على عدم وجود العقيدة ـ عقيدتها أن لا عقيدة ـ بأن تترك الاعتقاد للناس.

فلذلك لكي نحافظ على شخصية الأمة ابتداءً يجب أن نركز على العقيدة في تربية الفرد وتعليمه، بحيث يكون صالحاً لجزئية الجماعة، وأن تظهر الجماعة تأسيساً وتأصيلاً على هذا المعتقد، بحيث حين تتبنى مصالح الأمة وتكشف الخطط وتمارس الأعمال السياسية والخيرية والاجتماعية مبنية على هذا الأصل العقائدي.

 فمن هنا لابد أولاً أن ندرس العقيدة الإسلامية، وأن نوجد العقيدة الإسلامية في محل الصراع ـ الصراع الفكري الصراع الأيدلوجي الصراع السياسي الصراع الاجتماعي ـ لابد أن نوجد هذه العقيدة، ولكن بطريقتها الشرعية لا بطريقة ارتجالية أو طائفية مُـسَيَّسة أو طائفية عنصرية أو ما إلى ذلك، ولابد لبناء شخصية الأمة من الاهتمام بعناصر ومكونات الأمة كما تقدم واشرنا إليه، ثم الاهتمام بنشاطها الاجتماعي بالمبدأ، وهذا ضروري جداً، ونقصد بالنشاط الاجتماعي؛ هو العلاقات بين الناس بمختلف معتقداتهم وأديانهم.

العقائد الموجودة في العالم من حيث الحالة الاجتماعية نوعان:

عقيدة روحية بلا نظام.

وعقيدة روحية بنظام.

العقيدة الوحيدة الروحية بنظام هي: الإسلام لأن ينبثق عن العقيدة الإسلامية نظام للحياة؛ مثلاً (المسيحية، اليهودية، الزرادشتية، البوذية) عقائد روحية بلا نظام، لذلك نجد هؤلاء الأقوام أهل الديانات المختلفة يتعايشون مع مختلف المجتمعات لان عقيدتهم لا تفرض عليهم نظاماً معيناً، ونراهم يتعايشون مع المجتمع الإسلامي ومع العقيدة الإسلامية، ولذلك غالباً ما نسمِّيهم مسلمين بالتطبيق بحال المواطنة لا مسلمين بالتديّن والعبادة، ولذلك نجد قول رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عن أهل الذمة: [ من آذى ذمياً فقد آذاني]،  و[هؤلاء وصية الله فيكم] عن القبط أو كما قال(صلى الله عليه وسلم)، والقضية هنا تفعيل الحالة الاجتماعية، بمعنى تفعيلها بالنظام، ولا يكون تفعيلها بالجدل العقدي، إلا إذا كان أحد ما هو الذي يريد أن يجادل في العقيدة فهذا بحث آخر، لذلك المسلم في المجتمع الإسلامي في وحدة الأمة تنشيط شخصية الأمة لا يدعو النصراني أو اليهودي إلى الاعتقاد بالعقيدة الإسلامية وإنما يكفي تطبيق الإسلام هو القاسم المشترك والعهد البيّـن بين الطرفين وله الخيار أن يأتي إلى الإسلام أو لا يأتي هذا معروف في الفقه الإسلامي، لذلك لبناء شخصية الأمة لابد من العناية بهذين الأمرين(أمر العقيدة الإسلامية، وأمر النشاط الاجتماعي بمبدأ الإسلام وفق ضوابطه المعتبرة)، هذا المطلب ضروري جداً أن يهتم به الحراك السياسي والحراك الفكري والثقافي والعمل السياسي وأنا هنا أذكر العمل السياسي تحديداً، فالعمل السياسي لابد أن يكون مبنياً على ثقافة، أما الحراك فقد يكون فكرياً وقد يكون سياسياً وقد يجمع الأمرين فيكون عملاً سياسياً.

المطلب الثاني:  بناء شخصية الدولة؛ وبناء شخصية الدولة له أربع مفردات:-

1 . مفهوم الدولة في المجتمع الراشد.

2 . مفهوم الدولة في المجتمع الحديث.

3. الفرق بين الدولة في نظام الإسلام والدولة في النظام الرأسمالي.

4. ثم كيف نتعامل مع الدولة الحديثة لبناء الدولة الراشدة.

وهذا المطلب من هذا الموضوع أحب أن أقف عنده أكثر من المطلب السابق وهو:

  1. مفهوم الدولة في المجتمع الراشد هو أن توجد الدولة بشكل طبيعي بين الناس، وهي عبارة عن أناس تربطهم علاقات ويؤمنون بأمر جامع اختاروا أميرهم ولذلك في الحديث (الخلافة شورى)، وهذا أمر جامع بين المسلمين لا خلاف فيه، أن الخلافة في الحكم في الدولة تقوم شورى؛ لأن الخلافة هي الدولة عند المسلمين، ليست غير ذلك، فهذا المفهوم (الخلافة شورى ما هو؟).. إن دور الخليفة أو رئيس الدولة في المصطلح المعاصر، وظيفته أن يشرف على تطبيق الإسلام حسب عقيدة الأمة، لذلك لا تجد أنه يتبنى في الخلاف العقدي شيء، ولا يتبنى في العبادات شيء، وإنما فقط يتبنى في نظم الإسلام وانه لا يمكن أن يصل إلى سدة الحكم إلا باختيار الأمة ورضاها وهذا طبيعة الدولة.

ولذلك عرفوا الدولة أو الدولة في التعريف: أنها مجموعة من الناس تطبِّق مجموعة من المفاهيم والقيم والمقاييس، ينطبق عليها هذا المفهوم، ولهذا منظومة المفاهيم والمقاييس والقناعات عند الأمة تختار من يمثلها في هذا التطبيق، لذلك سنقول أن الدولة في المفهوم الإسلامي أن الأمة هي التي تحميها وهي تشرف على تطبيق الإسلام، أما الدولة في المفهوم الحديث هي غير الدولة الأصيلة، الدولة الأصيلة كما قلناها وحتى في القديم كانت الدول تقوم بهذا الشكل، ولم يكن يحميها قوة المبدأ وإنما قوة الجيش والعصابة كـ(الأكاسرة، والأباطرة والقياصرة).. وهذا ما عنينا به الدولة الراشدة في المجتمع الراشد.

أما الدولة في المجتمع الحديث فهي دولة وظيفية دولة موظفين من رئيسها إلى مرؤوسها وجميع أجهزتها تقوم على منظومة وظيفية تحكمها أربعة قوانين ولا تحكمها مجموع المفاهيم والمقاييس والقيم والقناعات المنبثقة من صميم الأمة وإرادتها وإيمانها وإنما يحميها أربعة عناصر.

والعناصر الأربعة التي تحمي الدولة الوظيفية أو الدولة الحديثة هي:

العنصر الأول: القانون.

العنصر الثاني: الإدارة المنفذة للقانون.

العنصر الثالث: القوى الأمنية الحامية لتنفيذ الإدارة للقانون.

العنصر الرابع: الإعلام.

وهذه الدولة الحديثة وجدت بهذا الشكل وقَوِيَت يكاد يكون بعد الربع الأول من القرن الماضي، وإنْ وجدت قديماً لكن لم تكن بمثل الدولة الحديثة المعاصرة التي وجدت بعد الربع الأول من القرن الماضي من القرن العشرين. فحين نقرأ الدولة الحديثة نجد أن الدولة الحديثة تقوم على هذه الأركان الأربعة، فمن هنا وجدت المفاصلة بين الدولة الأصيلة التي تعبر عن رأي الأمة والأمة تحميها، والدولة التي تقوم بتطبيق أنظمتها وقناعاتها بقوة الجندي وصرامة القانون وبالتأكيد بالتلاعب بالعقول عن طريق الإعلام وهذه ظهرت بشكل واضح فاضح في بلاد المسلمين بعد الربع الأول من القرن الماضي، ظهرت بشكل فاضح واضح لأن الأمة لم تكن تختار القانون المدني الذي وجدت تشريعاته منذ 1883م، ترجم وثم 1848م في مصر، ترجم هذا القانون وعُمِّم على البلاد الإسلامية قاطبة، لذلك هناك فرق بين الدولة في المجتمع الراشد وبين الدولة الحديثة في المجتمع المعاصر المغلوب على أمره، ويتسائل البعض فضلاً عن هذا الفرق الفكري المفهومي بين الدولة الراشدة والدولة الحديثة ما هو الفرق بين الدولتين في الإسلام والرأسمالية؟ نجد أن الدولة في النظام الإسلامي تُعبِّر عن إرادة الأمة لأنها تعتقد ما تعتقده الأمة، فعقيدتها واحدة إن الإمام أو القاضي الذي يطبق الإسلام اثنان(الحاكم، والقاضي) فهؤلاء كلاهما يطبق شريعة الإسلام ويحتكم الناس إليهما، لكنه في الدولة الرأسمالية أو الحديثة في بلاد المسلمين نجد أن الأمر على خلاف ذلك، يطبق عقيدة غير عقيدة الأمة لأنه لا يؤمن بعقيدة الأمة من الأصل، وهناك نوعان وجدا في بلاد المسلمين العلمانية المسيَّسة التي نتج عنها اللبرالية الدكتاتورية، والعلمانية الموضوعية التي نادت بإسلامية الأمة أو العلمانية المُسيَّسة أو العلمانية التي نادت بإسلامية الأمة وعلمانية الدولة، والعلمانية الموضوعية التي أرادت تغيير ثقافة الأمة ومكوناتها وعناصر وجودها من الأساس، لذلك هناك فرق في هذا الموضوع يجب أن نقف عليه وقفة تأمل طويلة لا يتسع المقام لذكرها.

أمـا كيف نتعامل مع الدولة الحديثة في بناء الدولة الراشدة؟ قطعاً الاعتراف بالواقع لا يعني الاستسلام له، وإنما يعني توصيف الواقع على ما هو فيه، ويجب أن نتعامل معه بما يجب شرعاً. وما يجب شرعاً هو أن هناك أحكام لوحدة الأمة راعتها الشريعة الإسلامية منذ البعثة، وحيث تنبأ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أنه سيأتي يوم على الأمة بأن تعيش الملك الجبري في زمن الإقصاءين؛ إقصاء النظام السياسي والخلافة عن الدولة والحكم وإقصاء التشريع الإسلامي عن التطبيق والتنفيذ، لذلك مثل هذا المفهوم لا شك أنه توصيف للواقع يجب أن نتعامل معه بما يجب شرعا، فالرسول(صلى الله عليه وسلم) بيَّن لنا هذا الأمر وبنفس الوقت بيّن لنا معايير ومقاييس للتعامل مع هذا الواقع، وبالتأكيد نحتاج إلى وقفه مع هذا الأمر بحيث نتعامل معه بما يجب شرعا بحيث يكون عندنا احترام للآخر وقد لا نحترم رأيه، واليوم نحن المسلمين حين يكثر الجهل ويقل العلم ويكثر الغوغاء والناس غير الراشدين والمتأثرين بالثقافة الغربية وثقافة التغريب كما سنأتي عليها فهؤلاء كلهم يجب إن نحترم إنسانيتهم أو الإنسانية فيهم، وليس بالضرورة أن نحترم رأيهم، ويكون الحوار بيننا وبينهم حواراً مفتوحاً للتثقيف والتعليم، وممكن أن يتحول الحوار إلى نمط من الصراع الفكري وهذا ممكن، وكذلك الصدام السياسي ممكن، والصراع السياسي والصدام السياسي بحيث أن ما حصل غالباً كان سابقاً هو الصدام والإبادة السياسية للتيار المستقيم، هذا مطلب يجب أن نقف عنده للمفارقة بين الدولة الحديثة والدولة الراشدة.

المطلب الثالث: من المخاطر وتحديات التقسيم هو الغزو القديم والحديث للمشروع الثقافي التغريبي:

هذا الغزو مر بثلاثة أطوار نحن نعيش الطور الثالث فيه وهو طور الحداثة، والطور الأول كان في الحروب الصليبية، الطور الثاني كان في الاستشراق، الطور الثالث الذي بدأ في نهايات القرن التاسع عشر واستمر إلى يومنا هذا، ومر بمراحل ثلاث أيضا، طور الحداثة بتيارين تيار إسلامي حداثوي لا تشديدي الممثل بدور رفاعة الطهطاوي، وخليل الدين التونسي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا نوعاً ما لأنه يحسب على التيار الآخر وامتداداً إلى آخرين قد لا أسميهم لأن البعض قد يستثير أو لا يرضى عن التسمية لأنها قابلة للنقاش والحوار، إذن هذا التيار تأثر بالحداثة وهو تيار ربما يحسب على الإسلام ـ إي هو إسلامي ـ وهناك تيار آخر هو في حقيقته إسلامي أيضاً، ولكن تأثّر بمؤثرات وحاول التغيير والتشديد وما إلى ذلك واللجوء إلى السلفية الحدِّيِّة فلنقل ذلك ولكن تأثر بالتغريب نوعاً ما، وهناك تيار آخر لا إسلامي الذي هو التيار العلماني وهذا التيار الحداثوي ـ وأنا هنا لا أتكلم على التيار التشديدي التأصيلي لأن ذاك تيار آخر ليس محل التحدي الآن ـ والتيار الحداثوي الآخر الذي هو في أصله علماني ليبرالي وهذا التيار في حقيقته ذا اتجاهين؛ الاتجاه العلماني المُسيّس أي (العلمانية المُسيّسة، والعلمانية الموضوعية) كما أشرت آنفا العلمانية المسيسة هي التي تولت سدة الحكم وشُجِّعت من الدول الأخرى ولم تكن ذات أصالة فكرية بعيدة واصطدمت مع الواقع الاجتماعي فوصلت إلى أقصى نظرية عندها كما يقدمها الدكتور محمد عمارة في كتابه (التيار القومي الإسلامي) قدّم فيه دراسة حول إسلامية الأمة  وعلمانية الدولة، وهذا التيار وأعني به إسلامية الأمة وعلمانية الدولة ليس التيار العلماني المُسيَّس فقط وتناول هذا الموضوع، وهناك تيار إسلامي أيضاً تناول نفس الفكرة ونفس الهدف ولكن تحت شعارات إسلامية، وأنا أعد التيار العلماني المُسيَّس بإسلامية الأمة وعلمانية الدولة كان أكثر صدى ووجوداً له في الواقع.

العلمانية الموضوعية لم تنجح حتى الآن ولكنها موجودة، ونحن كمعالجة نعتبرها من الغزو وربما هي مفقودة الآن في الساحة السياسية، هي والتيار الإسلامي التجديدي الأصيل، ربما ليس لهذين التيارين الوجود الظاهر البارز، لذلك نقول الغزو القديم الحديث استمر وأثّر على بُنى عقلية المسلمين وتكوينهم.

المطلب الرابع: المشروع الاحتلالي وسآتي في المعالجة على شي من التفصيل.

المشروع الاحتلالي فيه نقطتان بارزتان:

النقطة الأولى: الأفكار الرئيسة للاحتلال، هذه الأفكار الرئيسة للاحتلال فيها ثلاث نقاط وهذا تحد صارخ لمشروع الاحتلال ولا يقل بل هو أثر لتحدي الغزو الثقافي التغريبي الحداثوي في العالم الإسلامي هذا المشروع الاحتلالي فيه أفكار رئيسة ثلاثة يقوم عليها في الدخول إلى المنطقة:

الفكرة الأولى: بناء المؤسسات السياسية للدولة الحديثة بما يمكنها من تطبيق الديمقراطية حسب زعمه أو بمفهومه للديمقراطية على حسب زعمه وهو ما أسميناه امتداد ومحاولة التكرار في العراق في الاحتلال الثاني، بأنه يُوجِد الديمقراطية المزعومة على حسب ما يقول بوصفها نظام حياة، ولكن هذا الأمر هو عبارة عن تشديد لمحاولة العلمانية المُسيَّسة لأن العلمانية الموضوعية ديمقراطية فيها كما في الغرب هذه علمانية موضوعية، ومع أننا لا نؤمن بها ونجحدها ولكن هذه العلمانية في الإطار في المواجهة مع التحديات الإسلامية وتحدّيها للإسلام، والحوار معها ممكن، بحوار متناقض، أو حوار جدل فكري، أو حوار جدل سياسي، أو حوار صراع فكري، أو حوار كفاح سياسي.

النقطية الثانية التي حاول أن يقوم عليها فكر الاحتلال: تحديث اقتصاد البلاد المحتلة بنظام التنمية وفق المعايير الرأسمالية، والاحتلال لا يدخل بلداً إلا ويزعم تحسين المعيشة وما إلى ذلك، فهذه فكرة يطرحها في الصراع في العمل السياسي أو العملية السياسية المزعومة له في بلاد المسلمين، لأن الغاية عنده استعمار البلاد ونهب الثروات وليس الديمقراطية بالعلمانية الموضوعية.

النقطة الثالثة أو الفكرة الثالثة: أثبتت التجربة والممارسة السياسية  للاستعمار والاحتلال أنه لا يمكن أن تكون هذه البلاد مستقلة وهي مرتبطة معه، لذلك هو يحاول في احتلاله أن يوجد عبر العملاء وعبر المعاهدات السياسية والاقتصادية وعبر الربط بصندوق النقد الدولي أن يربط البلاد بعلاقات السلم العالمي والأمن الدولي وفق قرارات مجلس الامن والخضوع لنظام هيئة الأمم المتحدة وبرامجها في التعليم والتربية والصحة والأمن وما إلى ذلك، فهذه ثلاثة أفكار يقوم عليها الاحتلال في عمليته السياسية.

أما طريقة الاحتلال تقوم على أربعة مرتكزات يحاول الاحتلال من خلالها أن يسيطر على البلاد عن طريق(الجيش والعملاء، والمعاهدات السياسية والأمنية، والمعاهدات الاقتصادية، ثم عن طريق صندوق النقد الدولي).

أختم الموضوع في أنه لابد من معالجة هذا الوهن في تشتيت الأمة وتفكيكها، سواءً الأمة الإسلامية، أو الأمة العربية، أو العراق على وجه التحديد نموذجاً، فالاحتلال الرأسمالي يحاول أن يفتت ولا يفكر بوحدة البلاد، يحاول أن يفتت البلاد وأن يقسمها ويجزئها ويفتتها، لأن هذا من صالحه ربما، وأحيانا يحافظ على وحدتها لأن هذا من صالحه أيضا، لذلك في تقديري، لكي يكون هناك حل للمحافظة على وحدة الأمة فكرياً وسياسياً، والمحافظة على وحدة الأمة في جميع مجالاتها ومظاهرها الحيوية لابد من وجود ثُلّة أو فئة واعية تقود الأمة إلى الرشد، وهذه الفئة الواعية يجب أن تؤسس منظورها تأسيساً صحيحاً وفق ما تقدم ذكره.

مقالات اخرى

Melbourne Web Design & Development
menu-circlecross-circle linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram