

وليد الزبيدي بعد خمسة أيام من دخول القوات الأمريكية مدينة بغداد في ربيع عام 2003، جلس الكاتب والصحفي البريطاني المشهور روبرت فيسك إلى حاسوبه في أحد فنادق العاصمة العراقية، وكان قد انتهى من جولة في عدة أحياء بغدادية ليخلص إلى قناعة ضمنها مقاله الذي اختار له عنوانا هو (الحرب العراقية في مواجهة الاستعمار) وانطوى هذا العنوان على مسألتين لم يتطرق إليهما أحد من الكتاب والصحفيين في ذلك الوقت المبكر، هما عبارة (الحرب العراقية) وجاءت هذه العبارة في وقت اختفت فيه المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية، ومن الواضح أن فيسك قد قرأ انبثاق حرب أخرى رغم أنه لم يتلمس بعد رائحة البارود، أما المفردة الثانية فهي (الاستعمار) وهنا يربط الحرب العراقية بالاستعمار الأمريكي، وفي مدخل المقال اختار الكاتب سطرين لابد من ذكرهما، إذ يقول (قد تكون الحرب الأمريكية "لتحرير العراق" قد انتهت، لكن الحرب العراقية للتحرر من الأمريكان قد بدأت).([1]) أعتقد أن الغالبية العظمى من الذين قرأوا مقال فيسك وهم بمئات الآلاف من القراء ومن مختلف المستويات العلمية والفئات الاجتماعية، لم يستوعبوا ما ذهب إليه، إن لم تكن قناعاتهم قد ذهبت باتجاه يقول أن الكاتب يحاول اختيار عبارات وموضوعات لا تتجاوز حدود (الإثارة)، أو طرق زوايا بعيدة عن الواقع، لأن الصورة التي رسمتها وسائل الإعلام للعراق لم تكن سهلة، بسبب الانهيار السريع ووصول القوات الأمريكية إلى بغداد خلال أقل من ثلاثة أسابيع (دخلت فرقه مدرعة أمريكية مطار بغداد مساء الخميس المصادف الثالث من نيسان 2003)، وانقسم الرأي العام إلى فئتين الأولى هم الذين يحبون العراق ويدافعون عنه، ويكرهون أمريكا، هؤلاء أصيبوا بإحباط شديد، وهيمن اليأس على غالبيتهم، في حين غمرت الفرحة أعداء العراق ومحبي أمريكا ورددوا بأعلى أصواتهم أنها أمريكا التي لن يستطيع أحد الوقوف بوجهها، وأنها صاحبة أكبر وأقوى جيش في العالم، وبين إحباط أولئك وفرحة هؤلاء تقدم إطار الصورة على فحواها، وأيقن الكثيرون أن العراق لن يرتفع رأسه بوجه الغزاة، وإن حصل ذلك فقد يستغرق سنوات طويلة. إلا أن الحقيقة التي اعتمد عليها روبرت فيسك في قراءته للأوضاع في العراق والتي خالف فيها الكثيرين من الاستراتيجيين والمراقبين والخبراء في السياسة وشؤون الحرب قد استندت إلى عاملين رئيسيين هما: الأول: معرفة الكاتب(فيسك) بتاريخ الشعب العراقي، الذي يمتد إلى آلاف السنين والزاخر بالمعرفة والثقافة، وبقصص التصدي للغزاة وعدم الرضوخ لهم، ولا يمكن أن ينسى كاتب ومثقف بريطاني مثل (روبرت فيسك) ثورة العراقيين ضد الاحتلال البريطاني مطلع القرن الماضي، وما فعلته (ثورة العشرين) بالقوات البريطانية. الثاني: تجول فيسك في العديد من مناطق بغداد، ووسط ركام الغزو والخراب والدمار والرعب الذي بثه القصف الأمريكي الهائل بين العراقيين، فإنه شاهد – كما يذكر- كيف ينظر العراقيون بحقد وازدراء إلى قوات المارينز الأمريكيين، وإن تلك النظرات الحادة لا يمكن أن تلين، وأنها سرعان ما تتحول إلى برنامج (حرب ضد هذه القوات)، لأن الشعوب الحية لا يمكن أن تستكين وتقبل بذل الغزاة، وهكذا ولدت (المقاومة في العراق)، واختتم فيسك مقاله بالقول: إن حرب "التحرير" العراقية من الأمريكيين توشك أن تبدأ، وبمعنى آخر يقول: أرى (القصة الحقيقية والمروعة قد بدأت الآن)([2]). بعد سنتين وخمسة أشهر ينشر مقالا أحد الكتاب الأمريكيين المعروفين هو( مايك وتني) يختار له العنوان الذي يقول (الضباط الأمريكيون يشعرون بالإعجاب والاحترام سرا بعمليات العدو) ويقصد بذلك المقاومة العراقية، ويكثف وصفه للمنجز السريع والكبير لرجال المقاومة باستشهاده بالمقولة التالية (كما قال ماوتسي تونغ- يجب على المقاومة أن تتحرك وسط الناس، كما تسبح السمكة في البحر، وقد أجادت المقاومة العراقية هذه المهارة بحذق لم يتوقعه أحد([3]). هذا ما أكده الكاتب مايك وتني ولم يقل ذلك من فراغ، وإنما من خلال اللقاءات والحوار والنقاش مع قادة كبار في الجيش الأمريكي، ووصفه يتطابق تماما ما يجري على أرض العراق. فاعلية الانجاز إن الحديث عن فاعلية الانجاز وتحديد مستوياته، يحتاج إلى قراءة تفكيكية لفعاليات المقاومة الحربية ضد القوات الأمريكية، وهذا لم يعد خافيا على أحد فالذي يعيش في العراق شاهد الكثير من الهجمات أو على أقل تقدير سمع الانفجارات العنيفة والكثيرة، التي استهدفت أرتال ومعسكرات وقواعد الأمريكيين وسواهم من دول الغزو والعدوان، وهذا بحد ذاته منجز هائل، يعبر عن حجم الرد العراقي المقاوم الذي اتسم بالسرعة الفائقة، وبالقدرة على المناورة والمطاولة، لكني ارتأيت أن أستشهد برأيين لكاتبين ينتميان إلى دولتي الغزو الرئيسيتين، (الولايات المتحدة وبريطانيا)، الأول أعلن بصراحة عن بدء حرب تحرير العراق من الاحتلال الأمريكي، وهذه هي حرب المقاومة، وهي بمثابة رد الفعل الطبيعي على الغزو والاحتلال، وكان ذلك في الأيام الأولى للغزو، وحاولت التفتيش عن رأي أو قراءة تذهب إلى انبثاق مقاومة بهذه السرعة في الكثير من تجارب المقاومة في (المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، والمقاومة الفيتنامية ضد الاحتلال الأمريكي، والمقاومة الفرنسية ضد الاحتلال الألماني، والمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي) فلم أجد من توقع انبثاق مقاومة بهذه السرعة كما حصل في العراق، ولم يحصل أن وصلت قناعة قوات الاحتلال في أي من التجارب إلى درجة تبدي فيها إعجابا عميقا برجال المقاومة وشجاعتهم وخططهم، كما قال الباحث الأمريكي بعد سنتين من انطلاقها، كما حصل في تجربة المقاومة العراقية، وإننا على ثقة تامة بأن إعجاب العدو بالمقاومة العراقية قد سبق ما قاله الكاتب الأمريكي بفترة طويلة، إذ تفاجأ الأمريكيون بزخم المقاومة العراقية، وقال انتوني زيني قائد القوات الأمريكية أثناء زيارته إلى العراق في تموز 2003، أن القوات الأمريكية تتعرض إلى (25) هجوما في اليوم الواحد، في حين اعترف بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي وأحد كبار مهندسي الحرب على العراق بقوله (لم نتوقع أن تطلق على قواتنا إطلاقة واحدة في العراق) – تموز 2003 أثناء زيارة له إلى بغداد. من هنا يمكن القول إن فاعلية الانجاز في تجربة المقاومة العراقية قد تكرست من خلال العناوين الرئيسية الثلاثة وهي: الأول: سرعة الانطلاق لم يذكر التاريخ الحديث انبثاق مقاومة ضد قوات الغزو والاحتلال خلال أسابيع أو أشهر، في حين شن المقاومون العراقيون أولى هجماتهم ضد قوات الغزو الأمريكية بعد أربع وعشرين ساعة أو أقل من ذلك، ليسجل العراقيون سابقة مهمة في تاريخ الكفاح الشعبي ضد الغزاة، ولا بد من التأكيد على العوامل التي تقف وراء ذلك وفي مقدمتها الإرث الحضاري والثقافي الذي يمتد إلى آلاف السنين، والتجارب الطويلة عند العراقيين في التصدي للاحتلالات الكثيرة التي تعرض لها هذا البلد عبر تاريخه الطويل، وهناك عامل مهم دفع بالمقاومين إلى الانطلاق المبكر، ويتمثل هذا العامل بإدراك العراقيين أن أحدا لن يقف معهم لا من العرب ولا غيرهم، فالذي لم يشارك في برنامج غزو العراق منهم جلس القرفصاء والعصا الأمريكية تتأرجح فوق رأسه، فما كان من رجال المقاومة إلا النهوض بالمسؤولية بأنفسهم، لأنهم أدركوا في وقت مبكر خطورة المشروع الأمريكي بالعراق، وتمت قراءته من الزاوية الجوهرية وليس من القشور التي حاول الكثيرون الترويج لها، فجوهر المشروع استهداف الأمة من خلال تدمير العراق وتمزيقه ووضعه لقمة سائغة بين أنياب أعداءه والطامعين به والحاقدين عليه وعلى إرثه الحضاري والتاريخي، ولا علاقة بالسيطرة على النفط بهذا المشروع الخطير، وما ترديد التحليلات والتفسيرات التي تضع جميع أهداف المشروع الأمريكي في زاوية النفط، إلا لعبة أريد من خلالها تغييب الوعي وتقديم المطامع الاقتصادية على جوهر المشروع، وبذلك – كما اعتقدوا – فإن العراقيين سيقعون في وهم انتظار خيرات الأمريكيين، على أنهم سيرحلون في نهاية المطاف، وإذا انطلى هذا الأمر على البعض، فإن عقول العراقيين النبهة لم تقتنع بكل ذلك، فوجدت أمامها عدوا مجرما، وأيقنت أن لا سبيل لهزيمة هذا العدو سوى القتال، فأسرعت باستلال الرماح قبل بلوغ الغزاة جميع غاياتهم وأهدافهم. ثانيا – التخطيط المبكر أقصد بالتخطيط الميداني استجابة العقل المقاوم للظروف الطارئة واتخاذ جميع الإجراءات والاستحضارات المطلوبة لمشروع المقاومة ووضع الأولويات في الحسبان، ولم يكن هذا النوع من التفكير والتخطيط سهلا، خاصة أن العراقيين عاشوا تحت وطأة كابوس الانهيار السريع، وكان في مقدمة الاستحضار والتخطيط المبكر، الاستفادة من سلاح الجيش العراقي بكل صنوفه، ولا بد من رواية بعض جوانب هذه القصة التاريخية العظيمة، ففي الوقت الذي كانت فيه الأرتال الأمريكية تنتشر في الأراضي العراقية وتبدأ حملة تثبيت تواجدها، انشغل رجال المقاومة الأوائل في وضع اللبنة الأولى للمشروع المقاوم في العراق، وبدلا من الجلوس إلى الطاولات والبدء بالنقاشات والحوار، وندب الحظوظ والبكاء وذرف الدموع على بلد تمت استباحته من قبل الغزاة، توجهوا إلى حيث توجد قطع السلاح، إدراكا منهم أن أدوات الحرب ضد الغزاة تبدأ بتوفر الرصاص والبارود، ولم يدر بخلد الأمريكيين وسواهم أن خلايا المقاومة الأولى منشغلة بتجهيز عدة الحرب الضروس القادمة، وإن ثلة من الرجال قد شرعوا بتنفيذ أكبر حملة لجمع الأسلحة، في الوقت ذاته كانت العقول تتدارس آليات الحرب ضد الغزاة، وتواجد بسرعة كبيرة الرجال المتخصصون في خزن الأسلحة، وما تحتاج إليه من إدامة وصيانة، وخلال أيام وأسابيع كان المدفون تحت الأرض من السلاح لا يتخيله أحد، وبهذا الاتجاه قال الفريق أول ركن سيف الدين الراوي قائد الحرس الجمهوري العراقي أثناء الغزو، إن سلاح الجيش العراقي يكفي المقاومة العراقية لمدة تصل إلى خمسين عاما([4]). لقد كان للتخطيط المبكر الأثر الأكبر في إدامة زخم المقاومة، وازدياد الفعل الميداني واتساع رقعة هجمات المقاومين، وإيقاع أكبر الخسائر بالعدو، وساهم خزن السلاح بكميات كبيرة في استقلالية المقاومة وعدم حاجتها إلى الآخرين، رغم أنه لا توجد جهة أو دولة واحدة مستعدة لدعم المقاومين في العراق بالسلاح، ولابد هنا من الإشارة إلى نقطة في غاية الأهمية في هذا الإطار، فلو تأخرت المقاومة العراقية في الإقدام على التخطيط المبكر خاصة ما يتعلق بجمع الأسلحة وخزنها، لتبدد السلاح وتم تهريب كميات كبيرة منه إلى الخارج ووقعت الكميات الأخرى بيد العصابات والقوات الأمريكية، عنده لم يعد هناك مصدر للحصول على الأسلحة. ثالثا – الخبرات العراقية لم يؤثر الانهيار العراقي على أصحاب الخبرات، ولم يحبط هؤلاء، فقد وجدت المقاومة العراقية من يضع خبرته في التخطيط العسكري الميداني في خدمة مشروعها، وهناك من ساهم في تدريب المقاومين على استخدام أسلحة المقاومة وفي مقدمتها (الآر بي جي سفن) وقذائف الهاون وإطلاق الصواريخ، واستخدام العبوات الناسفة، وتطويرها من عبوات ناسفة يتم التحكم بها عن طريق سلك موصول ببطارية إلى التفجير الالكتروني عن بعد، وساهمت الخبرات العراقية في جميع ميادين العمل المقاوم، سواء في الجانب العسكري أو في استخدام تقنيات الإعلام الحديثة وتوظيفها لصالح المقاومة، وأثارت القدرات الفنية والقتالية والالكترونية ذهول العدو الأمريكي، كما أذهلتهم شجاعة العراقيين وإصرارهم على منازلة الغزاة وإلحاق المزيد من الخسائر بهم. لقد اجتمعت هذه العوامل الثلاثة لتصنع تجربة فريدة من نوعها في تجارب المقاومة في العالم، فجاءت فاعلية الانجاز متكاملة وحققت الكثير من أهدافها في وقت مبكر، وتواصل الطريق لتحرير العراق كاملا، والحفاظ على وحدته أرضا وشعبا. المقاومة: فاعلية الانجاز ليس من السهولة العرض بالتفصيل لجميع أوجه وأبواب منجز المقاومة العراقية، ولا يجوز أن نحصر هذا المنجز في حدود الفعل العسكري الذي أرغم الإدارة الأمريكية على اتخاذ قرار سحب قواتها من العراق، وتم تحديد الحادي والثلاثين من آب/اغسطس2010 موعدا نهائيا لسحب آخر كتيبة قتالية، وقبل ذلك التاريخ بعشرة أيام تم اكتمال سحب القوات القتالية، واجتازت آخر مجموعة قتالية من الجنود الأمريكيين الحدود العراقية باتجاه الأراضي الكويتية يوم(20/8/2010)، وأعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما إن نهاية عام2011، سيتم فيها سحب جميع القوات الأمريكية من العراق، وبذلك تكون الولايات المتحدة قد اعترفت بهزيمتها أمام المقاومة في العراق، في حين جاء اعتراف وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس بالهزيمة في وقت مبكر جدا، عندما قال أمام الكونغرس الذي استجوبه قبيل تعيينه وزيرا للدفاع خلفا لدونالد رامسفيلد، عندها قال عبارته الشهيرة (لا نصر في العراق وذلك بتاريخ 6/12/2006) ومنذ ذلك التاريخ اقتنع القادة الأمريكيون أن لا حل أمامهم إلا مغادرة العراق وتم اتخاذ قرار الانسحاب في وقت مبكر، وكانت لجنة بيكر – هاملتون التي زارت العراق في تموز عام 2006، قد خلصت إلى هذه النتيجة، ولا يستطيع أحد إنكار أو تجاهل حقيقة أن المقاومة العراقية المسلحة هي التي أجبرت القادة الأمريكيين على اللجوء إلى الانسحاب، بعد أن يئسوا من إمكانية القضاء على المقاومة التي أخذت بالتصاعد والاتساع، ومن الملاحظ أن جميع الخطط التي وضعتها البنتاغون تندرج تحت الوصول إلى ما أطلقوا عليه ب(الانسحاب المسؤول) وهو في واقع الحال عبارة عن مصطلح يعني أن تحافظ قوات الغزو الأمريكية على الحد الأدنى من ماء الوجه، وأن لا تتعرض إلى كارثة في ميدان الحرب بالعراق، بعد أن تحدث محللون ومراقبون عن احتمال تنفيذ المقاومين العراقيين هجمات كبيرة يتم خلالها السيطرة على قواعد عسكرية كبيرة، وبسبب التضاريس المنبسطة في العراق التي تعني أن حركة المقاومين تبقى مكشوفة، وسيطرة المروحيات الأمريكية تسهم بقوة في إعاقة تنفيذ هجمات كبيرة، إلا أن حصول المقاومين على سلاح مقاومة الطائرات بكميات كبيرة يتكفل بتحييد المروحيات وعند ذلك لم يعد صعبا اقتحام القواعد العسكرية، التي تأكد أن الجنود والضباط بداخلها يرتعدون خوفا عند سقوط صواريخ أو هاونات، ذكرت هذه الحقائق إلى باحثة أمريكية طلبت اللقاء معي، تبين لاحقا أنها زوجة نائب السفير الأمريكي ببغداد، وقلت لها إن الحراس في القواعد الأمريكية يرمون سلاحهم ويهربون إلى الملاجئ عند سقوط القذائف والصواريخ، أجابتني لقد رأيت هذا بنفسي إلا أنهم كانوا يأخذون سلاحهم معهم إلى داخل الملاجئ([5]). وحذر باحث استراتيجي أمريكي من خطورة إسقاط المروحيات الأمريكية في العراق، ويقول ويليم فاف (يعيش كبار المسؤولين الأمريكيين في البنتاجون والمنطقة الخضراء وسط بغداد بلا رباطة جاش وبلا ثقة بالنفس، وذلك على خلفية إسقاط خمس طائرات هليكوبتر أمريكية خلال أسبوعين من قبل المتمردين، ويعترف الأمريكيون أن سقوطها كان نتيجة تعرضها لنيران العدو، وأن الأضرار التي لحقت بالمروحيات الأمريكية مؤخرا، تشير إلى أن المتمردين العراقيين باتوا يتوفرون اليوم على صواريخ تهدد المروحيات، وهذا أمر على قدر كبير من الأهمية، لأن القوافل الأمريكية المختلفة تعتمد على المروحيات في مراقبة الطرق والرد على المتمردين، والواقع أنه في حال تمت عرقلة هذه القوافل، فإن من شأن ذلك أن يؤدي إلى عواقب وخيمة بالنسبة للقوات الأمريكية بالعراق([6]). وفي نهاية المطاف أرغمت المقاومة في العراق الإدارة الأمريكية على اتخاذ القرار النهائي القاضي بسحب القوات من العراق. لذلك فإن الخبراء العسكريين الأمريكيين قد شبهوا خفض عديد قواتهم في العراق إلى (50) ألف جندي بالعمليات اللوجستية الكبرى في الحرب العالمية الثانية عام 1945، وتم إخراج معدات من العراق بلغت قيمتها مليار ومائتين وخمسين مليون دولار، وبين حزيران 2009 وآب 2010 تم سحب أكثر من أربعين ألف مركبة ودبابة وأكثر من مليون ونصف المليون قطعة من المعدات المختلفة، واستخدمت طائرات النقل (سي 130) في نقل عدد كبير من الجنود والمعدات الحساسة. ومثلما اندفعت القوات الأمريكية بقوة فجر التاسع عشر من آذار 2003 صوب العراق لتغزو هذا البلد فإنها هربت يحيطها الخوف والحذر تحت جنح الظلام، وكان أربعة عشر خبيرا واستراتيجيا قد توصلوا في دراسة خاصة عن الانسحاب نشرها مركز (وذر هيد للشؤون الدولية في جامعة هارفرد عام 2008) إلى أن الانسحاب الكامل ليس مرغوبا فحسب بل إنه أمر جوهري. الخسائر البشرية في هذا السياق، يأتي الحديث عن موضوع الخسائر البشرية بين صفوف قوات الغزو الأمريكية، التي تؤكد الدراسات والأبحاث أنها قد تجاوزت الخمسين ألف قتيل، واعترفت جمعية المحاربين القدامى بأن الجرحى تجاوز عددهم الربع مليون، من بينهم أكثر من خمسين ألف من المجانين، الذي يطلق البنتاغون عليهم (ذوي الإصابات بالرأس) ولتوضيح ذلك، فالمقصود به، الجنود والضباط الذين تستهدف العبوات الناسفة مدرعاتهم ودباباتهم، فالذي لا يلفظ أنفاسه الأخيرة بفعل الانفجار، يصاب بالجنون من شدته ونتيجة لارتطام رأسه بالهمر أو الهامفي، ومثلما يسخر العراقيون في الميدان من بيانات الجيش الأمريكي الخاصة بقتلاهم، والتي لم تصل بعد إلى الخمسة آلاف قتيل مع بداية عام 2011، فإن الأمريكيين وقادة الجيش والقادة الميدانيين يعرفون الأعداد الحقيقية للقتلى والجرحى، إذ تسجل يوميا عشرات الهجمات ضد هذه القوات، ونسبة عالية جدا من تلك الهجمات تتسبب بقتلى وجرحى، وقد مارست الإدارة الأمريكية تعتيما تاما على خسائر قواتها وأصدر الرئيس السابق جورج دبليو بوش قرارا منع بموجبه تواجد وسائل الإعلام في المطارات التي تنقل جثامين القتلى والتي تصل عبر القاعدة الجوية الأمريكية في ألمانيا ثم تصل إلى قاعدة (دوفر) بأمريكا الخاصة باستقبال جثامين القتلى، ويذكر الكاتب الأمريكي (براين هاريج) في أحد مقالاته الذي نشره بعنوان (السيد الرئيس لماذا لا تنسحب) إن الرئيس بوش طلب شخصيا عدم التقاط أو نشر أية صور للنعوش العائدة من العراق، وإن أي مدني أو عسكري يلتقط صورا لتلك النعوش يتم سجنه ومحاكمته على الفور. وأكدت صحيفة (انترناشيونال هيرالد تربيون) إن الإدارة الأمريكية ترفض عرض النعوش على التلفزيون أو حضور الرئيس لجنازات الجنود القتلى لأن ذلك يقوض دعم الجمهور الأمريكي للحرب، وكان النائب الديمقراطي (جاك ميرتا) قد طالب الخروج من العراق خلال ستة أشهر (صرح بذلك بتاريخ 17-11-2005) وطالب أيضا باستقالة الرئيس بوش. واعترف وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس بأن أسوء اللحظات إليه عندما يجلس مساء كل يوم في مكتبه ليوقع رسائل التعزية والمواساة لعوائل الجنود القتلى، وأنه يتمنى أن يتوقف عن توقيع برقيات التعزية فهو أمر رهيب والناس يعانون منه كثيرا، لكننا لا نستطيع قلب الأمور بين ليلة وضحاها، وقال إن أعداء العراق (يقصد المقاومين) يتصرفون بذكاء وبوتيرة أسرع ويملكون تكنولوجيا معقدة([7]). يرصد العراقيون أكثر من ثلاثين طريقا رئيسيا تتحرك فيها القوات الأمريكية ذهابا وإيابا بين القواعد والمعسكرات، ونادرا ما يمر يوم من دون استهداف تلك الأرتال، ومن النادر أن تخطيء العبوات الناسفة هدفها، فالعربة العسكرية التي لا تتناثر أشلاء، تتحطم ولا ينجو إلا القلة من الجنود بداخلها، وتركز على هذه القضية صحيفة بوسطن غلوب، تقول في افتتاحية لها بتاريخ 14-2-2007، يجب توفير المزيد من الحماية للجنود القابعين في سيارات الهامفي من الهجمات التي تنهال عليهم يوميا من جوانب الطرق والمعروف إن 70 في المائة من خسائرنا تحدث من جراء هذه الهجمات، ويقول الكاتب والباحث الأمريكي (اندرو كوكبورن) إن القنابل المزروعة على جانبي الطريق تمثل مصدر رعب حقيقي للقوات الأمريكية([8]). ولا شك إن الإحصائيات الحقيقية لأعداد القتلى والجرحى والمجانين ستكون مذهلة للعالم أجمع عند الكشف عنها، وسيحصل ذلك في يوم ما، وبهذا تكون المقاومة العراقية قد حققت منجزا عسكريا كبيرا ونادرا في تاريخ المقاومات في العالم، في ضوء إمكانيات الولايات المتحدة العسكرية والاقتصادية وحشد الدول الكثيرة التي دعمتها ضد المقاومة العراقية، يضاف إلى ذلك القدرات التقنية الحديثة المتطورة في الرصد والمتابعة، والإمكانيات الإعلامية والاقتصادية. المقاومة العراقية دمرت اقتصاد أمريكا هناك منجز لا يمكن إغفاله على الإطلاق، إذ تمكنت المقاومة العراقية من التسبب بنخر أهم مرتكزات القوة الأمريكية وهو الاقتصاد، وللتعريف بهذا الجانب الهام، نشير إلى ما كتبه الخبير المالي الأمريكي (لورنس ليندزي)، الذي كان مستشارا خاصا للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش لشؤون الاقتصاد والمال، ففي شهر تشرين أول 2002، وقبل خمسة أشهر من بداية الغزو الأمريكي على العراق، كتب مقالا جاء فيه (إن إقدام أمريكا على غزو العراق سيتسبب بخسارة تتراوح بين (100 الى200 مليار دولار). وسارع بوش إلى إقالته من منصبه، وفسر مراقبون قرار بوش بأنه خشي من اهتزاز الثقة بالاقتصاد الأمريكي، إلا أن الذي حصل، أن الخسائر تجاوزت ذلك الرقم بأضعاف مضاعفة، وعاد(ليندزي) ليصدر كتابا عام 2008 اختار له عنوانا يقول (الذي رفض أن يتفهمه الرئيس أرغمه العراقيون على تعلمه)، وتضمن الكتاب تفاصيل مروعة عن الخسائر الاقتصادية الأمريكية في العراق، وخلص إلى أن الولايات المتحدة تكبدت ثلاثة آلاف مليار دولار حتى صيف عام 2008، وبعد صدور هذا الكتاب بشهرين حصل أكبر انهيار في الاقتصاد الأمريكي منتصف أيلول 2008، وتم الكشف عن الأزمة الاقتصادية الحادة، وانهار أكبر مصارف الولايات المتحدة (ليمان براذرز) وتوالت بعد ذلك سلسلة إفلاس المصارف الأمريكية وحصلت الأزمة الاقتصادية العالمية وهي الأكبر منذ آخر أزمة اقتصادية في أواخر عشرينات القرن الماضي. أما دور المقاومة العراقية في هذا الانهيار الكبير في الاقتصاد الأمريكي، فيمكن إجمالها بالجمل القصيرة التالية، هناك 47 ألف آلية عسكرية أمريكية تتحرك داخل العراق، تحتاج إلى محروقات وأدوات احتياطية، وتم تدمير عشرات الآلاف منها، ولا شك أن ذلك يكلف مبالغ طائلة، وكانت التحركات اليومية تتواصل على مدار الساعة، وكانت مهمة هذا العدد الكبير من الآليات تعقب رجال المقاومة ومطاردتهم، وكان المقاومون يوقعون الخسائر بعدوهم من الأمريكان، وهناك رواتب تدفع بمبالغ كبيرة لأكثر من350 ألف جندي وضابط أمريكي ومنتسب إلى الشركات الأمنية العاملة في العراق، ويصرف نصف مليون دولار للقتيل وعشرات الآلاف من الدولارات للجرحى، وتتكفل البنتاغون بعلاج المجانين حتى وفاتهم، واعترف البنتاغون أواخر عام 2005، بأن التكاليف الخاصة بالمصابين بالرأس (المجانين) تصل إلى 112 مليار دولار، وهناك جوانب كثيرة أرغمت الإدارة الأمريكية على تخصيص مبالغ طائلة، على سبيل المثال تم رصد مبالغ إضافية عندما اضطر الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى زيادة عديد قواته في العراق، وتم إرسال 36 ألف جندي بين شهري شباط وتموز عام 2007، وخلال عام 2005 تم تشكيل لجنة خبراء تتألف من 120 خبيراً وضعوا خططا لتجنب العبوات الناسفة التي توقع بالقوات الأمريكية الكثير من الخسائر، وتم رصد مبلغ عشرة مليارات دولار لذلك صرفت خلال عام 2006، وخلاصة القول عن دور المقاومة العراقية في نخر وإنهاك الاقتصاد الأمريكي، يتلخص بطرح سؤال بسيط جدا، إذ لو لم تكن هناك مقاومة في العراق، فهل تحتاج الإدارة الأمريكية لهذا العدد الهائل من الآليات الثقيلة (47 ألف) وقطع السلاح الثقيلة والمتوسطة والخفيفة وبلغ عددها (283 ألف) وخدم في العراق حتى نهاية عام 2009 ما يصل إلى مليوني عسكري ومدني أمريكي، وبدون المقاومة العراقية لن يكون هناك قتلى ومعاقون ومجانين. لقد فاجأت المقاومة العراقية الإدارة الأمريكية، بهذا الزخم غير المتوقع على الإطلاق، وانسحب ذلك على مجمل الخطط الموضوعة لمرحلة ما بعد الغزو، ومن أهم تلك المفاصل مسألة صرف الأموال الطائلة في ميدان الحرب بالعراق التي خرجت عن السيطرة، ما نتج عنه نخر سريع للاقتصاد الأمريكي، وبهذا تمكنت المقاومة العراقية الانتقال بتأثيرات الفعل إلى داخل الولايات المتحدة وأصاب الشلل الكثير من المرافق الاقتصادية والاجتماعية هناك. إسقاط هيبة أمريكا إلى الأبد من منجزات المقاومة العراقية الكبيرة، أنها تمكنت من إسقاط (الهيبة المرعبة) للولايات المتحدة، إذ بدأ العالم وفي كل مكان يتلمس ذلك بوضوح، من خلال إجبار المقاومة العراقية لأكبر قوة عسكرية في العالم على الخروج من بلدهم، وأشعل هذا الانتصار روح التحدي عند شباب الأمة، وما أن انهار السد الأمريكي الكبير، فإن الجدران والهياكل القابعة تحت الحماية الأمريكية أخذت تتضاءل وتبين أنها واهنة، وهذا ما أحدثه شباب التظاهرات في تونس ومصر وما يحصل في أماكن أخرى في الوطن العربي والعالم. ويتساءل الكثيرون عن سبب بزوغ هذا النوع من القوة والإرادة والإصرار على الثورة والتحدي، ومهما قيل عن ذلك، فإن الواقع والتحليل العلمي، يذهب إلى أن الولايات المتحدة صنعت (بريقا وهيبة لها) تأكد للقاصي والداني أنها زائفة ومنحت جزءا من هذا البريق الكاذب إلى الحكومات والأنظمة التي ترعرعت تحت عباءتها، وما إن تمكنت المقاومة في العراق من إلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة، حتى أشاع هذا النصر الكبير روح التحدي وأعاد الحسابات بقوة الأنظمة، التي تبين أنها مرتبكة ورخوة، وأن سيدهم الأكبر (الولايات المتحدة) لم يعد قادرا على تقديم الحماية لهم، والمجازفة بالدخول في جحيم جديد كالذي جرى في العراق وأفغانستان. إن مراجعة بسيطة للأحداث القريبة، تكشف عن حجم الحماس الذي بثته المقاومة العراقية في نفوس المقاومين وبالأخص الشباب في أماكن ودول أخرى، وبقدر ما تخلخلت أنظمة وحكومات واعتراها الخوف ليلة احتلال بغداد من قبل القوات الأمريكية، وأصبح خطابها محسوبا بالدقة المتناهية، وخشيتها من تحرك القوات الأمريكية إلى عواصمها انطلاقا من العراق يمثل هاجسها الأول والأخير، فإن الفعل المقاوم قد تأثر بانهيار العراق وخاصة في فلسطين وأفغانستان وتراجعت عمليات المقاومين الفلسطينيين والأفغان، إلا أن بزوغ فجر المقاومة العراقية وفي وقت مبكر جدا، ووصول نتف ضئيلة جدا من المعلومات إلى وسائل الإعلام، ورغم قلتها القليلة وحجم الحصار الكبير المفروض على نشاطاتها، فقد استعاد المقاومون في فلسطين وأفغانستان، نشاطاتهم التي تصاعدت بالتناغم من اتساع رقعة الهجمات اليومية والكثيرة والنوعية للمقاومة في العراق، فأصبح أحد جوانب المنجز المهم للمقاومة العراقية، الخروج من الأرض العراقية إلى حيث يتواجد الغزاة والمحتلون، وإشعال الحماس في قلوب المقاومين، بعد أن تأثر البعض بغزو العراق وأصابهم الوهن، متصورين أن الهيبة الأمريكية لا يمكن ثلمها أو التحرش بها. لقد أدى سقوط (الهيبة الأمريكية الخادعة والفارغة) إلى اهتزاز العروش الكاذبة، وانتعاش روح التصدي والمقاومة، ولاشك أن تداعيات الهزيمة الأمريكية في العراق على أيدي المقاومين ستتواصل، ولن تقف عند حدودها الحالية. لا بد من القول إن ما حصل ربيع عام 2003، يذهب باتجاه يقول إن الولايات المتحدة استطاعت أن تكسب معركة اجتياح العراق، كما أضاف هذا الانجاز العسكري الكثير من الهيبة للقوة الأمريكية، وتحقق في ذلك الظرف بالدقة ما قاله المفكر الأمريكي الشهير فرانسيس فوكايا ما صاحب كتاب (نهاية التاريخ) من أن عصرا جديدا قد انبثق، وكان يتحدث خلال الحرب الأمريكية على العراق بتاريخ (13/2/1991)، قال: لقد تمكنا من هزيمة الاتحاد السوفيتي ودمرنا العراق، وبهذا الكلام يضع فوكاياما العراق في مرتبة متقدمة جدا من حيث الموقع كقوة عسكرية، وبعد مرور ثلاثة عشر عاما على هذا الحديث، زحفت القوات الأمريكية، وحققت انتصارا عسكريا، يشبه أفلام هوليوود، إلا أن ما حصل، لم يكن فيلما سينمائيا، بل حربا واقعية، ولا يستطيع أحد إنكار أن أمريكا انتصرت والعراق انهزم في هذه المعركة. إلا أن الأمريكيين اعتقدوا أنهم كسبوا الحرب، في حين أكدت الوقائع ومجريات الأحداث، أن الأمريكيين كسبوا معركة في هذه الحرب الضروس، التي تأكد خلال سنواتها أن أمريكا قد خسرت الحرب بأكملها، في حين تمكنت المقاومة العراقية من تحقيق النصر في هذه الحرب التي مازالت معاركها متواصلة، إلى أن يتحقق النصر النهائي. كيف زرع العراقيون الرعب بأمريكا تحدثنا عن الانجازات التي حققتها المقاومة العراقية في جوانبها المتعددة، الداخلية منها والخارجية، إلا أن منجزا مهما آخر، لا يمكن تجاهله، وهو انعكاسات الحرب على المجتمع الأمريكي من خلال الخوف والهلع الجمعي الذي بثته هجمات المقاومة في العراق في دواخل الجنود والضباط الأمريكيين، وقيل كلام كثير بهذا الخصوص وظهرت أفلام عديدة تتحدث عن الهوس والرعب وحالات الانتحار بين الجنود العائدين من الناجين من الموت في العراق إلى الولايات الأمريكية، والمشاكل الاجتماعية الأسرية والعائلية، التي تفاقمت بسبب الأوضاع النفسية السيئة لغالبية الجنود الأمريكيين العائدين من العراق، واعترف البنتاغون في تقرير له، إن 70% من الجنود الذين خدموا في العراق يعانون من اضطرابات نفسية بنسب متفاوتة. ويقدم كتاب (suriving Iraq soldiers stories ) أي (النجاة من العراق) لمؤلفه الأمريكي (اليز فوربز تريب)، صورا دقيقة تكشف عن تأثير هجمات المقاومة العراقية على الجنود الأمريكيين، من خلال شهادات جنود التقى بهم المؤلف وتحدثوا عن الحرب في العراق، وفي أول اعتراف بقوة المقاومة وسرعة انطلاقها، يقول المؤلف: (لقد خاض الجنود الأمريكيون قتالا ضد تمرد كبير انطلقت شرارته الأولى بعد يومين من اندلاع الحرب، ويذكر عدد من الجنود في القصص التي سردوها مواقف وتصرفات مدنية معادية لهم، ووجدوا إن ازدياد التمرد (المقاومة) يثبط من عزيمتهم (ص20)، وفي الصفحة ذاتها يقول: (بات التنقل أو تسيير الدوريات في العراق مهمة خطيرة بسبب العبوات المفخخة المزروعة على جنبات الطرقات والسيارات المفخخة، وبات تناول الطعام وحتى النوم في أي مكان في العراق محفوفا بالمخاطر بسبب قذائف الهاون والصواريخ). ويضيف: ( إن الجيش الأمريكي يواجه شعبا يختلج في صدره الشعور بالكراهية). ويصف الكاتب أحوال الجنود بعد عودتهم من العراق، يقول: (إن الجنود يعودون إلى منازلهم حاملين معهم ما يدعى بالرقاقة الذهنية، التي تطلق الخوف من الأصوات). وإن(العالم سيتذكر حرب العراق كالحرب التي يستحيل الانتصار فيها) ص25. أول شهادة في الكتاب كانت ل(سكوت بالمر) الذي قال: (إنني أبكي من دون سبب، وهذا الشعور لن يضمحل أبدا) يقول نايثان مورني-خدم في الفلوجة 2004-إلى آذار 2005 (وضعنا الجرحى في مؤخرة الشاحنة التي كنت أقودها والقتلى في الهامفي، لا نضع القتلى والجرحى معا أبدا، فإذا كسرت رجلك أو انفجرت عبوة وجرحتك، لا تريد أن تكون بالقرب من القتيل) ص90 ويقدم رئيس الرقباء اندرو ماك كونيل خدم في منطقة (المسيب)عام 2004 شهادة من الميدان بحق المقاومة العراقية، يقول ما نصه: كان العراقيون يكتشفون التكتيك الذي نعتمده وردة فعلنا، استحدثوا شبكة استخبارات عن قدراتنا في كل المناطق، فارتفع بالتالي مستوى خبرتهم لدرجة بات بإمكانهم إيقاع 70 بالمئة من الضحايا من القوات الأمريكية في العراق بسبب المتفجرات المحسنة) ص97. أنقل هنا تعريف الإرهاب كما ورد على لسان الأمريكي اندروكونيك، يقول (نطلق على العراقيين المحاربين "المقاومين" صفة الإرهابيين، أكره استعمال هذه الصفة لأنني لا أعتبرهم إرهابيين، أتذكر الثورة الأمريكية وأتذكر أن البريطانيين وصفونا بالإرهاب، نستخدم عبارة إرهابي للدلالة على العراقي الوطني المقاوم) ص101. في شهادته يقول العريف في المارينز سولومون بلاك خدم في حديثة والفلوجة عامي 2004 و2005 (أمضيت سبعة أشهر ونصف الشهر كانت مرعبة، وقتلت كتيبتي أكثر من 900 مقاوم في الاعتداء على الفلوجة 2004، وإن قواعد الاشتباك وفتح النار على كل من يتحرك لم تشهد هذا التحرر منذ حرب فيتنام) ص118. من شهادة راسل جونيور- رقيب درجة أولى، خدم عام2005، يقول(كانت تراودني الكوابيس ولم تتوقف إلا بعدما أخذت الدواء، كنت أعاني من نوبات قلق، وأخشى الأصوات المرتفعة) ص154. وشهادة أخرى تقول: (ذهب صديقي مع قافلة ولم يعد، كثر لم يعودوا إلى ديارهم، لا نعرف متى تحين ساعتنا) ص161، (كان جنود يرتدون خوذاتهم أثناء النوم أيضا) ص194، ( إن التجربة برمتها في العراق لا تصدق) ص200([9]). من الأفلام التي سلطت الضوء على البقعة التي حاول الأمريكيون جعلها معتمة ولا يعرف الناس عنها شيئا، وهو الواقع الذي يعيشه الجنود الأمريكيون في العراق، ويطلق عليه الغالبية العظمى منهم (الجحيم العراقي) بسبب حرب المقاومة المتواصلة ضد الغزاة، هذا الفيلم عنوانه (الطريق الإيرلندي) من إخراج كين لوتش وهو بريطاني، والطريق الايرلندي أطلق على طريق مطار بغداد والممتد إلى المنطقة الخضراء، وهو من أكثر الطرق التي حرق فيه المقاومون ناقلات الأشخاص والهمرات الأمريكية، رغم التحصينات الشديدة التي أحيطت به، إلا أن الهجمات العنيفة عليه لم تتوقف نظرا لوجود صيد ثمين به باستمرار، ويقول المخرج إن الفيلم يستكشف الظروف النفسية السيئة التي يعيشها الجنود الذين يعملون في هذا الطريق، والغموض الذي يلف دواخلهم حيث يتخيلون الموت في كل دقيقة، ولا يعرفون من أين يخرج عليهم أعداؤهم، الذين ينفذون هجماتهم بسرعة البرق ويتوارون عن الأنظار. لم يقتصر تناول موضوع الجحيم العراقي على الكتاب والسينمائيين الأمريكيين والبريطانيين، فهذه الكاتبة البلجيكية (ايملي نوتومب) تتناول هذا الجحيم الذي صنعه المقاومون العراقيون في رواية عنوانها (نوع من الحياة) صدرت العام الماضي 2010 وترجمت إلى عدة لغات من بينها الهولندية، تتحدث الرواية عن رسائل تصلها من جنود أمريكيين في العراق، من بين تلك الرسائل هذا المقطع (أنا جندي من الرتبة الثانية في الجيش الأمريكي، اسمي ميليفن مابل، منذ بداية هذه الحرب القذرة وأنا هنا في العراق، أكتب إليك لأنني في الجحيم، ردي على رسالتي أرجو أن أتلقى ردا منك)، وفي مقطع آخر يحكي عن انقسامه النفسي الذي يشعر به كل يوم يقضيه داخل هذه المنظومة غير العادلة، إنه مصاب بصدمة من الحرب، صدمة جعلته يبدأ ممارسة العقاب الذاتي على نفسه، بأن يغرق بالتهام أي شيء من الأطعمة، يأكل ويأكل ويأكل، ولكي يعاقب الجيش الأمريكي الذي دفع به إلى هذا الجحيم يبدأ في سرقة الطعام من حصص زملائه الجنود الآخرين([10]). يتضح من هذه النتف القليلة من واحد من عشرات الكتب وأكثر من مائتي فيلم تسجيلي ووثائقي وروائي أنتجتها السينما الأمريكية عن الحرب في العراق، إن الجنود الأمريكيين ومن عاد منهم إلى وطنه، قد دخلوا في أزمات نفسية كبيرة، في حين لم يتم تسجيل أية حالة نفسية أو اضطراب عند مقاوم عراقي واحد، وحتى الذين تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب داخل المعتقلات الأمريكية، لم يتأثروا بتلك البشاعة، وخرجوا أكثر تصميما وإصرارا على مقاومة الغزاة والاستمرار حتى هزيمة أعداءهم. يقرأ البعض هذه الانعكاسات الكبيرة على المجتمع الأمريكي من الزاوية النفسية والسلوكية، دون أن يمحص أبعادها الأخرى، وأهمها التأثير السلبي الكبير على مشاريع أمريكا في العالم، خاصة بعد تفردها بالقطبية الواحدة، وإصرارها على إخضاع دول العالم لسلطانها، فقد ظهرت أولى النتائج السلبية أواخر عام 2007، عندما تراجع عدد الراغبين في التطوع في صفوف الجيش الأمريكي، إن عزوف الشباب عن الانخراط في مهنة العسكرية التي تعد واحدة من أفضل المهن بسبب المردود المالي الكبير، جاء نتيجة للصور المرعبة التي يتناقلها المجتمع الأمريكي عن القتلى في العراق وأفغانستان، والجرحى والمجانين، وحتى الذين يعودون أحياء، فإنهم يبقون أقرب إلى المهووسين والمجانين، ونتيجة لذلك نظم البنتاغون أوسع حملة إعلانات ودعايات جاذبة للشباب الأمريكي للانخراط في الجيش الأمريكي، من بينها منح هدايا تصل قيمتها إلى مئات الدولارات لكل شاب يقبل تسلم استمارة التطوع فقط، وتم نشر آلاف المروجين لهذه الحملة في محطات الوقود وفي محلات التسوق الكبرى في جميع الولايات الأمريكية، إلا أن المراقبين أكدوا عزوفا تاما من قبل الشباب ورفضهم التطوع في صفوف الجيش خشية عودتهم إما جثثا متفحمة، أو أجسادا مخبولة. (مشاهدات العراقية: إعلامي عراقي مقيم في أمريكا الشمالية للباحث). المقاومة العراقية: متطلبات المرحلة هناك نوعان من متطلبات المرحلة، يتعلق بالعمل العسكري في الميدان، وقبل ذلك كيفية المحافظة على المنجز الكبير الذي حققته المقاومة العراقية خلال سنوات حربها الضارية ضد الغزاة، بالنسبة لمتطلبات الميدان، فإن ما نستطيع الحديث عنه لا يخرج عن الأطر العامة، أما التفاصيل الدقيقة والخطط الفورية والطويلة، فبدون شك أنها من اختصاص هيئات الركن في الفصائل وجيوش المقاومة المباركة، إلا أن ما نراه مناسبا في الإشارة إليه، أن تجري قيادات الفصائل العليا والقيادات الميدانية دراسة تفصيلية لكميات السلاح وأنواعه، وأن يتم وضع برنامج دقيق للأهداف التي تصوب نحوها هذه الأسلحة، وبما يضمن دفق فاعلية العمل الميداني، وتدرس قدرات العدو ومرتكزات هذه القوة، والعمل على شل قدرات العدو، وبعث رسالة للقوات الأمريكية، تؤكد لها إن التفكير بالبقاء في العراق يعني أنها تغرق جيشها في جحيم متصاعد اللهب والقتل والفتك بهم، ويستوجب هذا إعادة صياغة للخطط العسكرية، ونوعية السلاح المستخدم في الهجمات، وبما يتناسب والتحصينات القوية التي وضعوها للقواعد التي ما زالت تتواجد فيها قواتهم، وعلينا أن ندرك إن الإسراع بهزيمة الغزاة الأمريكيين يعني تخلص العراق وشعبه من كل الشرور والأشرار التي بثوها في بلدنا وبين شعبنا، ويستحسن أن تشكل الفصائل مجموعة من الخبراء العسكريين يضعون خططا تعتمدها الفصائل كل حسب تواجد مقاتليه في رقعته الجغرافية، وأن يتدارس الخبراء والمختصون في هيئات الركن الشروع بخطط جديدة وتنفيذ عمليات لم يسبق التعاطي معها، على أن تنطوي هذه العمليات على فعل ميداني قوي، وتقضي على أي أمل لدى الأمريكيين للبقاء في العراق، كما يمكن تشكيل فريق عمل متخصص بتطوير الأسلحة وابتكار وسائل جديدة لم تستخدم من قبل، والاعتماد على أدوات بسيطة وسهلة ورخيصة الثمن في تنفيذ الهجمات، وأعتقد أن مراجعة لنصائح المفكر الصيني (صن تزو) التي ضمنها كتابه الشهير (فن الحرب) أمر ضروري، كذلك دراسة الخطط التي وضعها (هوشي منه) لمقاتلي الفيتكونج في فيتنام، وقبل ذلك مراجعة الهجمات والأساليب التي اعتمدها شيخ المقاومين (عمر المختار) والتمسك بمقولته (الضربة التي لا تقصم ظهر عدوك تقويه)، ومن متطلبات المرحلة أن تولي قيادات المقاومة اهتماما استثنائيا للإعلام المقاوم على صعيدي التعبئة والوصول إلى الرأي العام العراقي والعربي والدولي، إضافة إلى موضوع أرشفة العمليات والبيانات وحفظها بأكثر من مكان وبأكثر من نسخة، لأنها من تراث هذا الشعب، وقد يكون من أهم صفحات تراثه الحديث. أما كيفية الحفاظ على المنجزات الكثيرة التي أشرنا إليها في صفحات هذا البحث، نعتقد أن كل فعل مقاوم يحرص على تفادي أرواح العراقيين، ويفضي هذا الفعل المقاوم الجبار إلى توحيد العراقيين ورص صفوفهم، كفيل بالمحافظة على منجزات المقاومة وتتويجها بالنصر النهائي. ([1]) (صحيفة الاندبندت البريطانية 17/نيسان 2003) ([2]) (الجحيم الأمريكي في العراق، ترجمة مها سلمان سعود، مكتبة فرح دمشق 2008،ص205) ([3]) موقع انفورميشن كليرنج هاوس بتاريخ 18/9/2005- ([4]) ( قناة الجزيرة الفضائية – مقابلة مع الراوي بثت على حلقتين يومي 7و8 نيسان 2007 – أجراها الإعلامي عبد العظيم محمد) . ([5]) (تفاصيل الحديث معها منشور بمقال كتبته في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية بعنوان – هكذا رفضت الجلوس مع الجنرال بترايوس- كان يشغل حينها منصب قائد القوات الأمريكية في العراق وعرضت الأمريكية علي الحوار مع بترايوس في أحد الفنادق بعاصمة عربية، فرفضت ذلك وقلت لها إنه مجرم يقود جيشا إجراميا في بلدي، نشر المقال بتاريخ 6-5-2008 – صحيفة الشرق الأوسط) ([6]) (صحيفة بوسطن غلوب بتاريخ 4-3-2007) ونود أن نشير إلى أن زيادة عديد القوات الأمريكية حسب توجيه بوش قد بدأت قبل أسبوع من وجهة نظر الكاتب الأمريكي الخاصة بعملية إسقاط المروحيات الخمسة خلال أسبوعين من قبل المقاومة في العراق) ([7]) (وكالة الصحافة الفرنسية بتاريخ 25 – 5 -2007، كما أذاع نص التصريح راديو سوا الأمريكي الذي تخصص بمهمة الترويج للحرب على العراق وإخفاء حقائق الخسائر الأمريكية). ([8]) (صحيفة لوس انجلوس تايمز بتاريخ 21-2-2007). ([9]) ( النجاة من العراق- الدار العربية للعلوم ناشرون، ترجمة ميشيل دانو ط1 2009 لبنان).