الحراك الشعبي في العراق عقد من المبادرات الجماهيرية

28 يوليو, 2022

تُعنى هذه الورقة بقراءة وتحليل المشهد العراقي من زاوية الحراك الجماهيري والشعبي الذي يعد الأطول زمنًا، والأوسع انتشارًا على رقعة البلاد، والأكثر تنوعًا مقارنة بالتجارب التي شهدها العالم العربي في السنوات العشر الماضية، وذلك بالنظر لواقع العراق في ظل الاحتلال المزدوج، والتنوع في تركيبته الاجتماعية وتعدد مكوناته.

إن القضية العراقية في هذه الورقة تدور حول أربعة محاور أساسية:

أولاً: الحراك الشعبي في العراق في أجواء الربيع العربي (ثورة 25 شباط/فبراير 2011م)، ويتضمن الموضوعات الآتية:

  1. مظاهر الحراك: التنسيق والانتشار - المواقف والجهات الداعمة والمضادة.

يمكن وصف ثورة (25 شباط في العراق عام 2011م): بأنها الانعكاس الأكثر وضوحًا بعد احتلال العراق لحقيقة الشعب العراقي في استعلائه على أنماط الطائفية والمحاصصة التي حاول المشروع السياسي للاحتلال فرضها على واقع البلاد؛ إذ إن الحراك الجماهيري شبه العفوي الذي واكب ثورات الربيع العربي في البلدان الأخرى سرعان ما انتشر في أكثر من (52) مدينة في مختلف المحافظات العراقية، وكان المنطلق الأول له متمثلًا بحركة احتجاجية ضد السلطات الحكومية لتورطها بالفساد، والإسهام في تردي الأوضاع الأمنية، قبل أن يتطور سقف المطالب مرتفعًا بعد وقت وجيز إلى المطالبة بمحاكمة المجرمين وسرّاق المال العام ومنتهكي حقوق الإنسان، علاوة على مطالب الإفراج عن المعتقلين، ومطالب أخرى توّجت بالشعار الذي تبنّته جميع ثورات الربيع العربي المتمثل بإسقاط النظام.

ومن صور مظاهر هذه الثورة الموثقة في العديد من وسائل الإعلام والدراسات المتخصصة بالشأن العراقي، اقتحام المحتجين المقار الحكومية في مدن: (الموصل، والبصرة، وواسط، والرمادي)، وسيطرتهم على مباني المجالس البلدية في مدن أخرى،منها الحويجة شمالي البلاد؛ فضلًا عن محاصرة مقار ودوائر أخرى في بغداد وسامراء وتكريت وغيرها، إذ تمكن المتظاهرون في العاصمة من تجاوز جسر الجمهورية المؤدي إلى المنطقة الخضراء بالضفة المقابلة من نهر دجلة بعدما أغلقته قوّات الأمن بالكتل الخرسانية الضخمة، واقتربوا من حدود المقار الحكومية والسفارتين الأمريكية والبريطانية، في دليل على وعي جماهيري عالي المستوى في تشخيص سبب وعلّة تردي الأوضاع في العراق.

 وبحكم القرب من الأحداث رصدًا ومعايشة؛ فإن مقاصد المحتجين من هذه التحركات وتحديد هذا النوع من الأهداف ليكون في مرمى الاحتجاجات؛ كانت تهدف إلى أمرين اثنين أساسيين:

الأول: الضغط على السلطات الحكومية بهدف إرغامها على تلبية المطالب، بشكل كلّي غير مجزأ، دون مماطلة أو تسويف، ولاسيّما ونحن نتحدث عن وقت انقضت فيه ما يقرب من ثماني سنوات بعد احتلال العراق لم يرَ الشعب العراقي فيها غير الاضطهاد، والظلم، والتصاعد في الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان.

والآخر: المحافظة قدر الإمكان على وحدة الموقف سواء في موقف الحراك بشكل خاص بانضباطه وحرصه على سلامة المال العام، وعدم تهيئة فرصة لميليشيات النظام للعبث والتخريب وإلصاق ذلك بالمحتجين، وفي موقف العراقيين عمومًا الذين راهنت قوّات الاحتلال الأمريكي في ذلك الحين، ومن أمامها سلطات حكومة الاحتلال الخامسة بزعامة "نوري المالكي" على الطائفية بوصفها سلاحًا أريد له أن يكون موجهًا صوب المتظاهرين لبث الفرقة والنزاع بينهم، لكنه كان رهانًا خاسرًا بكل المقاييس.

ومن الأدلة على خسران رهان الاحتلال والسلطات على الطائفية نرصد المظاهر الآتية التي قام بها المتظاهرون في العديد من مدن ثورة (25 شباط):

هذه الثورة لم تكن في معزل عن مواقف القوى والجهات السياسية والجماعات الفكرية على اختلاف توجهاتها بين من هي على صلة بالنظام السياسي القائم، وبين القوى المناهضة للاحتلال والعملية السياسية، إذ كانت معيارًا لبيان حقيقة المواقف في أول تجربة شعبية بعد المقاومة العراقية تمايزت بسببها الصفوف.

ويمكن القول بشكل عام وإجمالي مختصر؛ أن الأحزاب السياسية والكتل التي كانت حديثة عهد بانتخابات (2010م) الخاسرة منها والفائزة وقف ضد الثورة وأسهمت في تشويهها وروّجت نحو تجريم المشاركين فيها، فإذا ما رصدنا المقصد الأسمى لاحتجاجات (25 شباط) العراقية نجده يسعى إلى إسقاط النظام، والمعنى من ذلك إسقاط العملية السياسية التي أسسها الاحتلال الأمريكي، لذلك فإن الاحتلال نفسه والأدوات التي وظفها لتنجز مشروعه في العراق سعى - وما يزال حتى اليوم – يضع العراقيل أمام أولى خطوات أي تحرك ينتهي بالمحصلة إلى إسقاط هذه المنظومة أو بيان اعوجاجها، رغم توصل الجميع في داخل العراق وخارجه إلى فشلها وفسادها وافتقارها للقيم السياسية والسلطوية المعتبرة، وذلك كلّه لحماية شعار (الديمقراطية) المزعوم الذي جاءت الولايات المتحدة تمتطيه مبررة غزوها واحتلالها العراق، ومغطية على أهدافها الأساسية وخططها طويلة وقصيرة المدى في العراق خاصة والمنطقة بشكل عام.

ومن الطبيعي أن يكون للقوى المناهضة موقف داعم ومؤيد للثورة، ومحفزّ للعراقيين على زيادة زخمها، فضلًا عن إيصال رسالتها إلى الرأي العام بمستوياته المحلية والإقليمية والدولية، ومن ذاك توظيف هيئة علماء المسلمين في العراق فروعها ومنصاتها في التغطية والدعم والترويج والرصد والتوثيق، علاوة على الموقف الشرعي والرأي السياسي.

  1. تعامل السلطات: القمع بالقتل والاعتقالات - الاحتلال الأمريكي

جوبهت ثورة (25 شباط) بالعنف المفرط والقمع والتغييب من قبل أجهزة الأمن الحكومية التي تساندها قوّات الاحتلال الأمريكي، وقد شنّت حكومة بغداد حملة اعتقالات رافقها اعتداء بالضرب ضد المتظاهرين، تطور لاحقًا إلى استخدام الرصاص الحي في محاولة لفض المظاهرات، وقد أدّى ذلك إلى سقوط قتلى ومصابين.

          نجحت ثورة (25 شباط 2011م)، في العراق بالنظر إلى واقع البلاد في ذلك الحين، في مواطن، وأخفقت في أخرى، ومظهر ذلك فيما يأتي:

ثانيًا: اعتصام المحافظات العراقية الست المنتفضة (كانون الأول/ديسمبر 2012 – كانون الثاني/يناير 2014م)، ويشتمل على الموضوعات الآتية:

  1. تأريخ مناهضة العملية السياسية في العراق، واقع، وأدبيات، ونتائج مرحلية .

قبل الخوض في تفاصيل المرحلة الثانية من الحراك الجماهيري المناهض للناظم السياسي في العراق، لا بد من معرفة الأرضية التي انطلق منها، والسبب في ذلك؛ هو التخلص من بعض شوائب المغالطات والمفاهيم المغلوطة التي رافقت هذا الحراك على مدى سنة كاملة؛وذلك بالنظر إلى الحقائق مجردة عن الرأي السياسي الذي حاول إقحام الحراك في مسار لم يكن العراقيون يريدونه.

إن المشروع السياسي للاحتلال الأمريكي في العراق أفرز فسطاطين رئيسين في البلاد عامة وعلى الساحة السياسية بوجه خاص، هما:

وكلا الطرفين سبب مباشر في تنامي الحراك الشعبي في العراق وتطوره أو تراجعه كل زاوية نظر تضاد الأخرى، فالعملية السياسية أوصلت البلاد وأهلها إلى مستويات متدنية جدًا  في كل شيء – والملاحظ نحن نتحدث عن واقع قبل عشر سنوات تمامًا من اليوم، وإلا فإن الوقت الحاضر هو أشد إمعانًا في مأساة العراقيين ودمارهم – والمسلك الذي تبنته أحزاب السلطة الطائفية أنتج واقعًا مأساويًا طال العراقيين جميعًا، فأعداد المعتقلين في تنامٍ وتزايد، ومستويات الفقر والبطالة في ارتفاع مطرد وسريع، والواقع الأمني يتنقل من الحضيض إلى ما هو أعمق وأدنى، وغير ذلك من مظاهر انهيار كل شيء وتردي كل شيء؛ وذلك كله كان دافعًا قويًا لتجدد الحراك الشعبي، وإعادة تنشيط مقاصد ثورة (25 شباط) في إسقاط النظام السياسي والعمل على بناء العراق من جديد.

وفي الطرف الآخر؛ فإن هيئة علماء المسلمين في العراق بوصفها عمدة القوى الوطنية المناهضة للاحتلال والعملية السياسية؛ كانت تعمل بجد في أوساط حواضنها الشعبية التي هي بالضرورة حواضن المقاومة العراقية؛ للثورة على النظام، وإعادة روح مناهضة الاحتلال الأمريكي إسقاط مشروعه السياسي، والسعي إلى انتزاع الحقوق واستعادة الكرامة، والظفر بالحرية والانعتاق من الواقع المظلم الذي يقيد كل العراقيين؛ فجاء الحراك الجديد متناسقًا في ست محافظات عراقية (الأنبار، نينوى، صلاح الدين، ديالى، التأميم، فضلًا عن  العاصمة بغداد)، الذي تحوّل لاحقًا إلى اعتصام استمر عامًا كاملًا، لكنه مع الأسف الشديد لم يحظ بالدعم المطلوب لا على المستوى العربي - أقصد النظام الرسمي العربي – ولا على مستوى دولي، والسبب في ذلك كله واحد؛ هو المحافظة على مشروع الولايات المتحدة في العراق التي لا يجرؤ نظام في المنطقة على مواجهتها أو التصدي لها، ولكن الحراك مع كل ذلك بقي رقمًا صعبًا ذا زخم متزايد على الرغم من عديد المحاولات لإفشاله وإنهائه في وقت مبكر.

إن السبب الرئيس لحراك المحافظات الست المنتفضة؛ هو الطائفية السياسية التي تقوم عليها أركان النظام السياسي في العراق، فأهالي هذه المحافظات يواجهون سهام التهميش والإقصاء في كل شؤون الحياة من منطلق طائفي، ويقاسون منهجية الاعتقالات المبنية على دوافع طائفية، ويتعرضون للتنكيل والتضييق لأسباب طائفية، وتداهمهم محاولات تغيير تركيبة مدنهم السكانية، وفرض ثقافات غير منضبطة، وتمزيق في نسيجهم المجتمعي، لأهداف طائفية، ولقد تنبهت هيئة علماء المسلمين في العراق إلى هذه الأهداف والوسائل منذ وقت مبكر جدًا بعد أشهر قليلة من إعلان الاحتلال الأمريكي إنشاء العملية السياسية، فخصصت جانبًا من مشروعها لبناء الحياة المثلى في مواجهة هذه التحديات والعمل على بناء بدائلها، ومن وسائل عملها في هذ الصدد التحريض على الحراك الشعبي، ودعمه بكافة الوسائل والأشكال والصور المتاحة لديها.

إن مطالب الحراك في المحافظات الست متعددة، وهي ذات مراحل محسوبة في تنقلاتها، من بينها: إعادة الاعتبار لأهالي المحافظات دون منظور طائفي، وإطلاق سراح جميع المعتقلين ولاسيّما النساء، وإنهاء سياسة التهميش والإقصاء، وعدم الرضا بسلوك السياسيين الذين يدّعون تمثيل هذه المحافظات، ثم بتغيير النظام بدءًا من إسقاط حكومة المالكي (حكومة الاحتلال الخامسة)، ومرورًا بعدم الاعتراف بجميع القوى والأحزاب السياسية التي تتشكل منها العملية السياسية، وانتهاءً بتأسيس نظام سياسي معتبر، بعيد عن التدخلات الخارجية، يُتاح فيه للعراقيين اختيار حكومتهم بأنفسهم وفق مبدأ التداول السلمي للسلطة، وكتابة دستور جديد غير مؤطر بالطائفية ومنزه عن أقلام سلطات الاحتلال أو الإرادات التي تريد التحكم بمصير العراق وثرواته.

مع الأسف الشديد؛ فقد راج في العديد من الأوساط الإعلامية أن حراك المحافظات المنتفضة له غايات طائفية ولا سيّما مع تصدر بعض منصات ميادين الاعتصامات شخصيات متصلة بأحزاب السلطة، حاولت أن تجر أهداف الاعتصامات إلى منحى طائفي بثوب سياسي مخصوص بناءً على خلافات بين شركاء العملية السياسية، ثم انتهت أخيرًا بالدعوة إلى تقسيم العراق وتجزئته إلى أقاليم طائفية تحت مسمّى (الفيدرالية) التي أسس لها دستور العملية السياسية، لكن ذلك كله وقع متعثرًا أمام المد والرأي الشعبي الذي رفض أن يُضحي بالعراق ككل بوصفه بلدًا واحدًا مقابل قطعة يقودها أشخاص خرج الحراك أصلًا لمناهضتهم.

إن محاولات أحزاب سياسية وجماعات وشخصيات ذات مصالح في العملية السياسية استغلال منصات الاعتصام، وميادين الحراك للترويج إلى أفكارها وتوجهاتها؛ أعطى انطباعات ومبررات لوصم الحراك الشعبي بهوية زائفة، ويقابل ذلك التوجه الطائفي المحموم لحكومة بغداد التي استفادت كثيرًا من فوضى شركائها من الأحزاب (السنيّة) المتسلقة على الحراك؛ لتؤجج الواقع وتصرف أنظار المراقبين عن حقيقة ما تأسس الحراك لأجله، فجاءت النهاية باقتحام ساحات الاعتصام حيث بطشت قوّات الأمن أمام مرأى ومسمع جميع أنظم المنطقة والعالم بالمعتصمين السلميين، قتلًا واعتقالًا، واجتياحًا للمدن، وانتهاكًا غير مسبوق لحقوق الإنسان، في سعي منها لإسدال الستار على محاولة شعبية جديدة مناهضة للنظام ومطالبة بإسقاطه؛ تحت مسمّى (الإرهاب) الذي توظفه جميع الحكومات التي تعاقبت على العراق بعد احتلاله في مسلكيات طائفية.

لا يمكن حصر نتائج الحراك بشقيها الناجح والمخفق في جزئية أو نطاق محدود ضمن ورقة مختصرة كهذه، فالموضوع أجدر بأن يُتضمن في دراسة مستفيضة موسعة، وتحليل معمق، ولكن يمكن رصد الملامح العامة لذلك:

ثالثًا: ثورة تشرين (تشرين الأول/أكتوبر 2019م - .....)

على الرغم من أن الناظر إلى المشهد العراقي من الخارج يلحظ فجوة كبيرة نسبيًا بين آخر حراكين جماهيريين؛ فأن الواقع في الحقيقة يقول عكس ذلك؛ إذ إن إعلان حكومة بغداد انتهاء العمليات العسكرية التي أعقبت اجتياح ميادين الاعتصام وحراك المحافظات الست المنتفضة؛ سرعان ما جوبه بتحرك جماهيري جنوبي العراق تمثل بمظاهرات واحتجاجات متفرقة ضد انعدام الخدمات وعدم توفر وسائل العيش؛ وهذه التحركات كانت نواة جديدة ومعززة لانطلاق (ثورة تشرين الأول/ أكتوبر 2019م)، التي شهدت الإجهاز التام على إشاعات الطائفية المجتمعية في العراق، ووحدة قوية الشكيمة ضد الطائفية السياسية التي يتبناها النظام السياسي القائم في البلاد.

إن مصادر ثورة تشرين غريبة بالنسبة لمن ينظر إلى الأمور من زاوية تقليدية دون معرفة بحقيقة المجتمع العراقي، فإذا كانت حكومات الاحتلال تصف مناهضيها دائمًا بأنهم إرهابيون من منطلق طائفي، أو أنهم منحازون للنظام السابق قبل الاحتلال بدوافع سياسية، أو أنهم مدعومون من خارج البلاد باعتبارات متناقضة وفوضوية؛ فإن شباب ثورة تشرين انطلقوا من الحاضنة الشعبية نفسها التي تدعي أحزاب السلطة أنها تمثلها، وجلهم من جيل ولد أصلًا بعد احتلال العراق، وأغلبهم مثقفون وطلبة جامعات ومدارس، ومظاهراتهم وشعاراتهم كانت في سوادها الأعظم عفوية بلا قيادة أو تمثيل.

لقد فاجأت ثورة تشرين حكومة بغداد، ولم تكن تتوقع – وهي التي تتحدث باسم الطائفة – أن يكون مناهضوها هذه المرة من الطائفة نفسها؛ لتتعادل بذلك كفة المشهد الجماهيري بين اعتصامات المحافظات المنتفضة الست، وبين ثورة تشرين؛ فيظهر الرأي الشعبي العراقي موحدًا بثوب وطني لا تشبوه الطائفية، ولا يكدر نقاءه منهج المحاصصة.

لقد أفرزت سياسات حكومة بغداد، التي منحت الدور الإيراني مساحات أوسع وأكثر إمضاءً في المشهد؛ تحرّك الميليشيات بصلاحيات معلنة، وبتجاوز للحدود بحيث باتت لها الصلاحية المطلقة في استخدام القوة المميتة ضد كل من يطالب بإسقاط المنظومة السياسية ذات المحاصصة الطائفية، علاوة على كل من يُناهض إيران، وهذه الجزئية الأخيرة كانت بارزة في ثورة تشرين بشكل أوضح من أي حراك آخر سابق، وهو ما جعل السلطات وميليشياتها تتخبط في محاولة لإسكات الثورة وقمعها بكل وسائل العنف المتوافرة.

وإذا كان بعض المراقبين والمحللين للمشهد العراقي يصفون تنحي حكومة الاحتلال السابعة بزعامة (عادل عبد المهدي) بأنه نجاح مرحلي لثورة تشرين؛ فإن الثوّار أنفسهم لا يقبلون بهذا الطرح؛ لأن القضية في منظور الجماهير العراقية التي تعاني منذ عقدين من الزمان لا تنظر إلى أن المشكلة متعلقة بالأشخاص بقدر نظرتها إلى أن النظام هو في الأساس مشكلة تزداد تعقيدًا كلما استمر، ولعل مقاطعة الانتخابات التي روّجت لها ثورة تشرين وتحققت بنسبة قاربت الثمانين في المئة في متوسط الأرقام التي أعلنت؛ دليل على أن الجماهير العراقية تدرك جيدًا أن تغيير مواقع اللعب بين السياسيين، وسياسة تبديل الوجوه داخل العملية السياسية لا تجدي نفعًا في إصلاح أوضاع البلاد؛ لذلك فإن شعار (إسقاط النظام ارتفع عاليًا في أغلب المظاهر الشعبية في حراك ثورة تشرين سواء في قلب العاصمة بغداد، أو في محافظات الجنوب التي ما تزال حتى اللحظة متصلة الخطوط بأولى خطوات الثورة).

رابعًا:النظام السياسي القائم (العملية السياسية) والاحتلال الإيراني

إن المتابع لمسارات الحراك الشعبي في العراق يجد إجابات دقيقة عن العديد من الأسئلة المفروضة في المشهد: لماذا الإصرار على إسقاط النظام من جانب الجماهير؟ ولماذا لا تريد الولايات المتحدة المؤسسة له أن يسقط؟، ولماذا تتشبث أحزاب السلطة بالعملية السياسية رغم عدم تحقيقها شئيًا للعراق طوال هذه السنوات؟، ولماذا تسعى العديد من الأحزاب الجديدة إلى الانخراط فيها رغم أنها فاشلة بكل المقاييس، وفيها مظنة الموت والاغتيال بسبب نوعية الصراع والخلافات العميقة بين المنتسبين لها؟.

إن للولايات المتحدة في العراق أهدافًا كثيرة ومتعددة، ومختلفة في مدياتها بين المرحلية والقصيرة والطويلة الأمد، ولقد ثبت في واقع العراق منذ أيّام الاحتلال الأولى؛ أن واشنطن تسعى في تحقيق هذه الأهداف سواء في العراق، أو فيما يتداعى بعد ذلك في المنطقة؛ إلى إبقاء حالة الفوضى قائمة، وتجديد ميادين الصراع في البلاد بين كل مرحلة وأخرى؛ لذلك؛ فإن بقاء العملية السياسية من منظور الولايات المتحدة عامل رئيس لتحقيق ذلك، وحتى تبقى هذه العملية قائمة لا بد من مناورات وتغييرات، وتقديم وتأخير، وعلى هذا الأساس يتم اختيار الشخصيات والأحزاب بناءً على قابليتها لتكون مطواعة، وأهليتها لتصبح أداة يُتحكم بها مقابل مردود مصلحي محدود في حقيقته كبير وعظيم الشأن في نظر الطامعين به.

والملاحظ في المشهد؛ أن بُناة العملية السياسية يغيرون الكثير من المسارات بين المراحل المتنقلة، فبعدما كانت إيران تعمل خفية وفي غير صورة معلنة أمام الرأي العام بعد احتلال العراق مباشرة؛ لأهداف متفق عليها سلفًا؛ أخذت تلعب الأدوار بوضوح وقوة بعد ثورة وحراك المحافظات الست المنتفضة؛ لأن واشنطن رأت واقعًا لم تكن تتصوره بعد محاولة إقناع نفسها أن المقاومة العراقية كُبحت، فلما ظهر الحراك من قلب الحاضنة الشعبية للمقاومة نفسها، حاولت ضخ المزيد من وقود الفوضى بأن منحت إيران ضوءًا أخضر للبروز أكثر من قبل، ولما تفشت الميليشيات في البلاد صار لإيران موقع أقوى من ذي قبل بموافقة أمريكية محضة، وبموجب سياسة التخادم بين الطرفين، فحققت طهران بذلك جانبًا من أهدافها التي كانت تتكئ على الطائفية في الوصول إليها، وحيث باتت السطوة بين يديها لم تعد بحاجة إلى المجتمع (الشيعي) في العراق لتمرر من خلاله مشروعها، فلما ثار هذا المجتمع بوجه أدوات إيران في العراق لم تكن ميليشياتها لتتردد في قمعه وإزهاق روح الثورة فيه.

إن سعي إيران والولايات المتحدة إلى عدم نجاح أي حراك جماهيري، أو شعبي في العراق متصل بسعيهما نحو تقاسم النفوذ في المنطقة، وعلى الرغم من مزاعم الصراع بينهما فأن الوقع يقول: إن الطرفين على توافق بشأن مساحات اللعب والحصص المصلحية لكل منها، وذلك بطبيعة الحال لا يمنع مشاكسات يُبديها أحد الطرفين تجاه شريكه، وهذا دأب معروف ومشهود في هذا النوع من الشراكات، فإذا كانت واشنطن تستخدم طهران كعصا شرطي في المنطقة بشكل عام، وقطب رحى في العراق على وجه خاص، فإن إيران تريد أن تستثمر هذه الصلاحيات لتمتد بنفوذها إلى مزيد من المساحات التي لا تشكل بطبيعة الحال خطرًا على مصالح الولايات المتحدة فهي لا تأبه بحال شعوب المنطقة العربية ولا بمصير دينها وثقافاتها.


([1]) قدمت هذه الورقة في مؤتمر شباب التغيير.. عقد من النضال وخطوة للمستقبل، إسطنبول، 22/24/2022م.

([2]) باحث وكاتب عراقي.

مقالات اخرى

Melbourne Web Design & Development
menu-circlecross-circle linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram