مفهوم الهوية وتطبيقاتها في أدبيات هيئة علماء المسلمين في العراق

6 مارس, 2023

حارث الأزدي([1])

لعل أبرز مثال عن الهوية ما عبر عنه الصحابي الجليل ربعي بن عامر–رضي الله عنه- حين دخل إلى إيوان كسرى، وكان ينكث السجاد برمحه ويتلو الآية : ((كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ 25 وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ 26 وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ 27 كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ 28 فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ 29)) }الدخان{، ثم ينتهي بربط خطام فرسه على أريكة مذهبة لكسرى الفرس، فسأله قائد الفرس : من أنتم؟، وهذا هو سؤال الهوية فأجاب بفهم الجماعة التي ينتسب إليها بجزئية الفرد الصالح لتمثيلها : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام،  ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ...والحادثة مشهورة.

الهوية مشتقة من هو، أو هي، أو هم، وهي مجموعة المتبنيات والعقائد والأساسات في تكوين الشخصية الاعتبارية ؛ لفرد يصلح أن يكون تمثيلًا حقيقيًا لجزئية الجماعة.

ولكي أصل إلى جوهر الفكرة في البحث فيمكن الدخول من قول: "ما من كائن بدون هُويَّة" لأقول: إن الهوية هي حقيقة الشَّيء أو الشَّخص الَّتي تُمَيِّزه عن غيره.

وقد تشترك خصائص عامة أو خاصة في وصف شيء ما، لكن ثمة مواقف تظهر من هذه الشخصية أو تلك المجموعة تميزها عن الآخر. الفهم العميق والتفكر الدقيق هما العاملان الأساسيان في إبراز الهوية بفهم مقاصدي يحمي الجماعة، وينهض بالمجتمع ككل ولذلك أقول: مهمة الهوية تبليغ الفكر والرؤية، والتصدي للمخالف بالحجة مقابل الحجة، والاضطلاع بمهمة إزالة الشبهات بالدليل والبرهان.

ولو نظرت إلى العالم البشري اليوم لوجدته مجموعة من الهويات كل ينتمي إلى فكر يستند إليه في حكمه على الأشياء المحيطة به، أو ما يواجهه من تحديات.

هناك هوية قومية، وهناك هوية دينية، وهوية وطنية، وهوية أممية، وهذه تتفرع إلى أنواع فهناك هوية إسلامية: تعتقد بأخوة كل من ينتمي لدين الإسلام، وهوية فكرية من نتاج البشر كالشيوعية والرأسمالية، فكل عقيدة بغض النظر عن صدقيتها، أو صوابها وينبثق عنها نظام تجد الهوية متميزة عن غيرها من الهويات بما تعتقد من أفكار ورؤى وعقائد وما ينتج عنها من أحكام.

وهناك الهوية القومية التي تعتني بالعنصر البشري ونقاء نسبه وأصله، وهذه ليست عقيدة وإن كانت هي هوية تميزهم عن غيرهم ؛لأنها لا تستطيع أن تعطي للإنسان أحكامًا في الحياة، فهي لا تستطيع أن تجيز لك الارتباط بالزواج، أو تعطيك حكمًا للبيوع والتجارة فهي تنقصها العقيدة.

ثم لو وسعنا دائرة البحث قليلًا لوجدنا حتى في توصيفات الأدب صارت هويات فهناك الأدب الرمزي، والأدب الرومانسي، وظهر الأدب الإحيائي وزامنه أدب المهجر، وما إلى ذلك من مسميات تمثل توجهًا ورؤيةً في التناول الأدبي، حتى أن الدارس للأدب تكون عنده ملكة بمجرد طرح نتاج أدبي عليه يعرفه أنه ينتمي إلى هذه الحقبة أو تلك الهوية.

نخلص إلى القول إن الهوية هي الجوهر الثابت في الشخصية الإنسانية، مهما تغيرت الأحوال وتعددت التحديات، وهي تصلح أن تكون هو ما تميزه عن الآخر، ولا ينطبق ذلك على الشخصية المتماهية التي تميل بحسب اتجاه الريح، فهي قطعًا ستكون في إطار الوصف بجماعة (ها ها لا أدري)، وهو مسخ واستنساخ لا تجد ما يميز هذا عن ذاك، ولا هذه المجموعة عن تلك، فتكون البشرية بلا هوية عبارة عن مجموعة قطعان من الإمعات إن أساء الناس أساؤوا وإن أحسنوا أحسنوا.

تهدد الهوية مخاطر لغوية وعقدية، واجتماعية وثقافية وتاريخية فمن لا يمتلك هوية محددة المعالم ستندحر شخصيته، أو مجموعته التي ينتمي إليها وتتلاشى وتضيع.

المواجهة الحقيقية في صراع الهويات لن تكون بالاستعلاء الفارغ، ولا الانغلاق الأعمى، ولا التشرنق، ولا التماهي فكل هذه الطرق تؤدي عكس المطلب في المحافظة على الهوية.

العلاج الحقيقي بظهور مميزات ومواقف الشخصيات والجماعات تجاه التحديات التي تواجهها، وهنا ندخل إلى الشق الثاني من الورقة بتفكيك مفردات الهوية في هيئة علماء المسلمين في العراق، فقد تضمنت أساسات وركائز لابد من التوقف عندها:

يظهر من الاسم (هيئة أيْ : رابطة وجامع وإطار تنسيقي، وربما انصهاري في آن واحد؛ لتوحيد الرأي وفاعلية التوجيه.

و(العلماء) جمع عالم وهو الدَّارس، والحافظ لعلوم الشريعة، والمتبصر المستنير بها في حكمه على الأشياء والأحداث والمستجدات.

أما لفظ (المسلمين) فهو هوية عامة جامعة لكل من ينتسب إلى الإسلام ديناً، ويتعبد بالقرآن إيمانًا وتصديقًا، وينتظم في إطار الهوية الجامعة لعموم المسلمين أينما وجدوا.

فيما يكون لفظ (العراق) مقيدًا ومحددًا لخصوصية العمل، والاهتمام وهذا لا يتعارض مع الهوية الأعم.

فالهيئة يمكن تعريفها: بأنها هيئة شرعية يقودها جمع من العلماء، ويعاضدهم مجلس الشورى، ويؤازرهم العلماء والمختصون في العلوم الأخرى، ولها رؤية في الأحداث فيما جرى ويجري على أرض العراق خاصة، وعموم بلاد المسلمين عامة.

وفيما يخص العراق تميزت هويتها برفضها للاحتلال، وعمليته السياسية القائمة على المحاصصة، ورفضها للدستور مع تبيانها لما تضمن من ألغام تؤسس لصراع طويل الأمد، ورفضت الأقاليم رفضها لكل مشروع يريد النيل من العراق أرضًا وتاريخًا وشعبًا.

ومثل ذلك فعلت تحذيرًا وتبيانًا لخطورة مشروع قانون النفط والغاز، وماذا يراد من ورائه وكان ذلك في(تموز) 2007م.

أما فيما يخص الدول العربية والبلاد الإسلامية فوثقت موقفها بما يتناغم ومسيرتها في نصرة الحق، وبذل النصح وتوجيه الخطاب بما تراه صحيحًا وتؤمن به، وللمثال عليه بيان(1066)المتعلق بالمشهد اليمني.

ولو استعرضت مواقف الهيئة منذ انطلاقتها وعملها في العراق، لوجدت تطبيقات دالة على الهوية بمواقف ثابتة تخص الأحداث العراقية، ورؤى ونصائح تخص البلاد العربية دولًا ومجموعاتٍ عاملةً على ساحتها، وثالثة أخرى تخص المسلمين خارج إطار دائرتي الوطن العراقي، والبلاد العربية كما سيتبين من الأمثلة.

فيما يخص الشأن العراقي كان موقف الهيئة واضحًا وصريحًا وجريئًا، حين أعلنت موقفها من العملية السياسية الدائرة في فلك الاحتلال جملة وتفصيلًا، بدءًا من بيان الهيئة عن تشكيل مجلس الحكم وتشخيصها كارثة المحاصصة الطائفية، وتقسيم مكونات العراق طولًا وعرضًا ... وموقفها من مخططات إيران والتدخلات الإقليمية، ومخاطباتها للدول عبر مجلس الأمن وجامعة الدول العربية.

ثم توالت مواقفها المعلنة عن مجريات الأحداث في العمليات العسكرية، وانتهاكات حقوق الإنسان في الفلوجة والنجف وديالى والبصرة وغيرها في المدن العراقية التي تعرضت لعمليات عسكرية، مارس فيها الاحتلال الأمريكي أبشع جرائمه.

تجلت هوية هيئة علماء المسلمين في موقفها تجاه المجاميع الطائفية التي نفذت خطة تصفية الكفاءات العراقية، وقد صدرت بيانات وتصريحات صحفية، فضلًا عن توثيق ذلك بكتاب صدر عن مركز الأمة للدراسات والتطوير، أحصى أسماء الكفاءات وأماكن اغتيالهم.

وفي الموقف من الدستور ظهر موقف الهيئة مبينًا للهوية التي تميزها عن غيرها من المجموعات من خلال الرؤية الدقيقة، والفهم العميق لمدلولات الألفاظ ومقاصد الصياغات في هذا النص المستورد....، وهنا أود أن ألفت الانتباه إلى أن موقف الهيئة وهويتها ليس موقفًا سهلًا متاحًا لأي أحد؛ لأنه يتصدى لمشروع يتبناه الاحتلال وينفذه عملاؤه والمرتبطون به.

وتميزت رؤية الهيئة رصانةً وفكرًا وموقفًا في مؤتمري القاهرة (2005 و 2006م)، وكيف استطاعت أن تمثل أبناء العراق برؤية جامعة لأطياف الشعب العراقي، ومناوئة لأحزاب الخراب التي انخرطت في مشروع الاحتلال.

وفي تظاهرات(25 شباط 2011م) ظهرت هوية الهيئة بصفتها الجامعة لجهد العراقيين في الخلاص من الواقع السيء، وجمع الشمل وعدم التشتت ودفعت باتجاه وحدة العراقيين في تحرير بلادهم.

وكذلك كان موقفها متجليًا في اعتصامات الأنبار، ودفعت باتجاه رفع الوعي وتوجيه الرأي والفكرة، والتحذير من التخبط في المخططات المطروحة.

فضلًا عن كل هذا تجد الهوية والرؤية والموقف بتجلياتها الكبيرة في الرسائل المفتوحة لهيئة علماء المسلمين الموجهة إلى فصائل المقاومة العراقية والعشائر العراقية، وكان آخرها في الذكرى التاسعة عشرة للاحتلال  التي تحدثت بلغة واضحة وسَمَتْ الأشياء بمسمياتها، وذكَّرت العراقيين جميعًا برؤيتها الجامعة لتوجههم منذ ما يقرب العقدين من الزمن، وكيف أن الاستشراف جاء كما كان متصورً وكأنك تشاهد تطبيقًا مصورًا لهذه المآلات.

وفي ثورة تشرين التي تجلت فيها الإرادة العراقية بصورة ملفتة للنظر، واستطاعت أن تهز أركان العملية السياسية كذلك تجلت رؤية الهيئة بتأييد الحراك على أرض العراق دون تصنيف أو تقسيم أو انتقاء، فالهدف في رسالة الهيئة تحرير العراق وتحريره يقع على عاتق كل عراقي غيور على أرض بلاده.

أما عن موقف الهيئة من الأحداث الجارية على بعض البلاد العربية كفلسطين وسوريا ومصر واليمن وليبيا ولبنان وغيرها من بلاد العرب، فتتضح الرؤية بالانحياز الكامل إلى الموقف الشعبي وتقديم النصح بالوحدة والتآزر والعمل على الخلاص من ربقة الارتباط بالمخططات الإقليمية والدولية.

ختامًا على الرغم من مرور هذه السنوات التي تقارب العقدين من الزمن؛ كانت رؤية الهيئة بتطبيقها مقتضيات الهوية ظاهرة غير مخفية وواضحة جلية حتى صارت علامة بارزة في الإشارة إليها، أو حتى ممن يتطابق في بعض رؤاه مع بعض مواقف الهيئة تشير له التعريفات أن موقفه موقف الهيئة، أو أنه أحد المقربين منها؛ فصار موقف الهيئة ومتبنياتها مقياسًا رائعًا للوطنية لمن يعيشون خارج جبة العملية السياسية الخرقاء، وتهمة جاهزة تطلقها السلطة وذيولها على من يناوئهم ويعرض توجهاتهم ...وهذا بحد ذاته يعد ثباتًا ونجاحًا في تمثيل الهوية وصدق الرؤية وثبات الموقف.


([1])  كاتب وشاعر من العراق.

مقالات اخرى

Melbourne Web Design & Development
menu-circlecross-circle linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram