

الأستاذ الدكتور محمود الذوادي([1]) منهجية التقييم نرىأنه يمكن إلقاءُ الضوء على حال علم الاجتماع العربي اليوم بطريقتين : تشير الدلائلُ المختلفةُ أن معظمَ المجتمعات العربية تلبِّي قليلًا أو كثيرًا، المعيارَ الأول في قياس مدى حضور علم الاجتماع فيها، وتتجلى الفروقُ بين تلك المجتمعات مثلا، في مستوى صدور المجلات المتخصصة في العلوم الاجتماعية، فالكويت على سبيل المثال تأتي في الطليعة في هذا المجال، بإصدارها لمجلة العلوم الاجتماعية وحوليات الآداب والعلوم الاجتماعية. وبالنسبة للمعيار الثاني، فإن مساهمةَ علماء الاجتماع العرب المعاصرين في إنشاء وابتكار مقولاتٍ ومفاهيمَ ونظرياتٍ سوسيولوجية وليدة لدراساتـهم الذاتية لواقع المجتمعات العربية، مساهمةٌ فقيرةٌ في المشرق والمغرب العربيين، بحيث لا نكاد نجد أيَّ شيء من ذلك القبيل لدى علماء الاجتماع العرب (1) ومن ثمَّ لا يجوز الحديثُ عن وجود علم اجتماع عربي حقيقي بالمعنى الدقيق لكلمة العلم، دون كسبه لرهان الوصول إلى اكتشاف مقولاتٍ ومفاهيمَ ونظرياتٍ وليدة الواقع العربي، فابن خلدونَ أَسَّس علمَ العِمران البشري الجديد بنجاحه في ابتكار مفاهيمَ جديدةً يأتي في طليعتها مفهومُ العصبية، ونظريةُ: "أن العربَ لا يحصل لهم مَلْكٌ إلا بصبغة دينية من نبوَّة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة" (2). الآثار السلبية للتبعية الأكاديمية والفكرية للغرب فظاهرتا التبعية الأكاديمية والفكرية حاضرتان بقوة، ولكنهما غائبتان عموما لدى أغلبية العلماء والباحثين في العالم الثالث، فهؤلاء طالما يتحدَّثون في العادة عن التبعية الاقتصادية والسياسية، ولا يكادون يتطرقون ألبتةَ إلى مصطلحيْ التبعية الأكاديمية والفكرية. وللغوص في هذا الموضوع الجديد نُلخِّص تشخيصَ معالم تلك الظاهرة من طرف أحد علماء الاجتماع الآسيويين، وهو فريد العطاس الذي يرُكِّز في كتابه على إبراز التبعية الأكاديمية والفكرية الغربية المهيمنتين على العاملين في العلوم الاجتماعية في القارة الأسيوية (3). فيُشخِّصُ لنا نتيجةَ التبعية الأكاديميةهكذا: فالخريج من العالم الثالث (آسيا, العالم العربي وإفريقيا على الخصوص) يقع تدريبُهُ تعليميًا في الجامعة حسب الأُطُر المعرفية الغربية ليُصبح عقلُهُ سجينًا لتلك المعرفة، فتصوُّراته لمجتمعه تتأثر بالإطار العام لهذا التعليم، لهذا فهو يُعمِّم بدون تردُّد الكثيرَ من الفرضيات والمقولات والمفاهيم والنظريات الغربية التي تعلَّمها في الجامعات الغربية أو الأهلية الوطنية، ومن ثمَّ يقع استعمالُ البعض من منظومة المخزون الفكري السوسيولوجي الغربي الذي ليس مناسبًا وصالحًا، لا نظريًا ولا ميدانيًا للاستعمال في المجتمعات النامية، فالتكوينُ الأكاديميُّ التابعُ لعلماء الاجتماع في آسيا وإفريقيا والعالم العربي يُعيق العلماءَ عن الإبداع، لأن تكوينَهم الوطني والمحلي في ثقافتهم ضعيفٌ، وبالتالي فالتفاعلُ المعرفيُّ لا يكون متوازنًا بين الثقافة الأصلية ونظيرتـها الغربية، وبسبب مأزق التبعية الفكرية لدى جُلِّ العاملين في علم الاجتماع العربي، يصعب الابتكارُ لأنه لا يوجد قطبان معرفيان يؤهلانـِهم فعلًا للإبداع. يلخِّصالأستاذُأحمد موسى بدوي، عالم الاجتماع المصري، في الفصل الثاني من كتابه حول إنتاج واكتسابالمعرفة في علم الاجتماع العربي، وذلك من خلال النظر في ثماني دراسات لعلماء الاجتماع العرب (4) وتشكو دراسةُ علم الاجتماع في الجزائر من ضعف في إطارها النظري (ص 109) فهي دراسة ضعيفة على مستوى إنتاج المعرفة، أما دراسة اكتساب المعرفة السوسيولوجية في أقسام علم الاجتماع بالجامعات المغربية، فوجدت أن الطالبَ يتلقَّى تكوينًا تلقينيًا خاليًا من التدريب الميداني (ص 111). وتشير دراسةُ طلاب الجامعة التونسية أنـهم يتلقَّون في المقررات معرفةً تُبرز الجانبَ الإسلامي أكثرَ من الجانب العربي (ص 115) فالتكوين المعرفي للأساتذة ليس عربيَّ الطابع إذ يُهيمن عليه الفكرُ الغربي الأكاديمي، واستعمالُ اللغة الفرنسية، أما دراسة أحمد زايد للعلاقة بين الطالب والأستاذ في الجامعات المصرية، فوجدها علاقةً زبائنيةً: الأستاذُ سيِّدٌّ، والطالبُ تابعٌ، مما يؤدي بالطالب إلى المجاراة والنفاق لإرضاء الأستاذ. (ص 118). يُرجع الأستاذُ بدوي جذورَ أزمة علم الاجتماع المصري إلى عدة عوامل أهمها: هذا العلمُ بدأ في مصرَ واستمرَّ غربيَّ الطابع، فأدى إلى فجوة بين هذا العلم والواقع المصري، ويعود ذلك إلى التبعية الفكريةوالأكاديمية، وهي عواملُ معرقلةٌ لتأصيل تلك العلوم في تربة مجتمعاتـها، ومن ثمَّ إعاقة الابتكارفيها بمفاهيم ومقولات ونظريات جديدة صالحة أكثر لدراستها، ويُفسِّر هذا الوضعُ -كما ذكرنا- شُحَّ الإبداع الفكري في إنتاج علم اجتماع المصري/العربي،بسبببقاء العقل السوسيولوجي العربي سجينًا لعلم الاجتماع الغربي (5). مشروعية توطين علم الاجتماع العربي : وبناء على ما سبق بيانُه، يتمثَّل مخرجُ علم الاجتماع من أزمته في السعي إلى توطينه (6) ونعني بعبارة "توطين علم الاجتماع العربي" إمكانيةَ تأسيس فكر سوسيولوجي منبثق من واقع المجتمعات العربية من ناحية، ومـن الرؤية المعرفية (الإيبستيمولوجية) للثقافة العربية الإسلامية من ناحية أخرى، أي أن تكون فرضياتُ ومقولاتُ ومناهجُ ونظرياتُ هذا الفكر السوسيولوجي العربي حصيلةً لتعامل عالم الاجتماع العربي مع معطيات الحياة الاجتماعية في مجتمعات الوطن العربي، ومرآةً عاكسةً في نفس الوقت لصلب الرؤية المعرفية للثقافة العربية الإسلامية. وفي واقع الأمر ليس هناك حاجةٌ للدفاع عن إمكانية تحقيق مشروع توطين علم الاجتماع العربي، فالمجتمعات العربية كبقية المجتمعات البشرية، حُبْلى بالمعطيات والظواهر الاجتماعية التي تنتظر اهتمامَ الباحث الاجتماعي للغوص في دراستها وتحليلها، لتأسيس فكر سوسيولوجي عربي يتَّصف بالروح العلمية والموضوعية والمصداقية المعرفية، وبعبارة أخرى إن مادةَ البحث السوسيولوجي متوفِّرةٌ بغزارة في المجتمعات العربية من الخليج إلى المحيط. ويمكن القولُ: إنّ المجتمعاتِ العربيةَ تشكو من تخلُّف كبير في الدراسات السوسيولوجية خاصةً حول العديد من الملامح والقضايا والظواهر الاجتماعية التي توجد بـها، والتي يمكن أن يتأهَّل للتعمُّق في بعضها وتحليلها عالمُ الاجتماع العربي أكثر من غيره، ونعتقدأنبحوثَنا المتواصلة في ظاهرة الاستعمار اللغوي الثقافي في العالم العربي ومجتمعات المغرب العربي على الخصوص، قادتإلى ميلاد عدد من المفاهيم الجديدة وإلى نظرية الرموز الثقافية. فالتخلُّف الآخر، و(الفرانكو أراب) الأُنثوية، والازدواجية اللغوية الأمَّارة، والتعريب النفسي، هي أبرزُ تلك المفاهيم التي توصلنا إليها بين (1983) و(2014م)، وتتمثَّل مقولةُ نظرية الرموز الثقافية في التأكيد على أن الإنسانَ كائنٌ ثقافيٌّ بالطبع، ويعني هذا أن الجنسَ البشريَّ يتميُّز بطريقة قاطعة عن بقية الأجناس الأخرى بمنظومة الرموز الثقافية التالية: اللغة، الفكر، الدين، المعرفة/العلم، القوانين، الأساطير، القيم والمعايير الثقافية.. وهينظريةٌ صالحةٌ ليس لتفسير السلوكيات البشرية للأفراد، ولبروز وحركية الظواهر الاجتماعية فقط، وإنما هي مؤهَّلة أيضًا لتفسير حتى هندسةالتركيبة العضوية للإنسان التي تساعد مثلًا على فهم وتفسير تأخُّر قدرة الأطفال على المشي المبكِّر مثل صغار الحيوانات (7). ابن خلدون وتأصيل علم العمران البشري إن ابنَ خلدون العالِـمَ العربيَّ المسلمَ مثالٌ متميز على مقدرة العالِـمِ العربيِّ على دراسة المجتمعات العربية الإسلامية باستقلالية منهجية وفكرية استقاها معرفيًا وميدانيًا من محيطه العربي الإسلامي، بحيث مكَّنته من فهم هذه المجتمعات فهمًا جديدًا والوصول إلى إنشاء رؤىً ومفاهيمَ ونظرياتٍ مبتكرةً حول هذه المجتمعات، أهَّلته فعلًا يومئذ لتأسيس علم جديد، هو علم العمران البشري. إن ابتكارَ صاحب المقدِّمة لعلم جديد انطلاقًا من معطيات المجتمعات العربية الإسلامية التي عايشها أو عرف عنها، واعتمادًا على فكره المشبَع بالرؤية المعرفية الإسلامية، دليلٌ قويٌّ من جهة على واقعية الدعوة إلى توطين علم الاجتماع العربي اليومَ في ثقافة المحيط العربي الإسلامي، وعلى مشروعية ضرورة رفض علماء الاجتماع العرب اليوم للتبعية العمياء للكثير من الرؤى المعرفية والنظريات والمفاهيم لفكر السوسيولوجي الغربي المعاصر في تحليل المجتمعات العربية الإسلامية، من جهة ثانية. وهكذا، فطرح فكرة توطين الأُسُس المعرفية للفكر السوسيولوجي العربي المعاصر أمرٌ مشروعٌ وملِّح، ونحن نرى أن للفكر السوسيولوجي العربي الحقَّ في إرساء نفسه على رؤية معرفية مستقاة من الثقافة الرئيسة لمجتمعات الوطن العربي، وهي بلا شك الثقافة العربية الإسلامية، ومن ثمَّ فتوطينُ أُسُس علم اجتماع العربي معرفيًا يعني غرسَ جذوره في تربة الرؤية المعرفية للثقافة العربية الإسلامية بالنسبة للظواهر التي يهتمُّ بدراستها في المجتمعات العربية، ومما لا ريب فيه أنّ في ذلك تأصيلًا هامًا للمعرفة السوسيولوجيةبالوطن العربي لا يقل أهميةً عن عروبة وإسلامية القضايا والظواهر التي ينبغي أن تكون لها الأولويةُ في دراسات علماء الاجتماع العرب. فبالجمع بين الرؤية المعرفية العربية الإسلامية والمواضيع المدروسة في تربة المجتمعات العربية الإسلامية، تتحسَّن كثيرًا استقلاليةُ علم الاجتماع العربي علىالمستوى الفكري.. وممّا يزيد في قوة مناداتنا بتوطين علم الاجتماع العربي في صلب الرؤية المعرفية للثقافة الإسلامية العربية، هو أن علمَ الاجتماع الغربي المهيمن برؤيته المعرفية ومفاهيمه ونظرياته ومناهجه على بقية أنواع علم الاجتماع في القارات الخمس، بما فيها علم الاجتماع العربي، يطرح قضية إيبستيمولوجيا الفكر السوسيولوجي الغربي كأحد العوامل الرئيسة المتسبِّبة في الأزمة المتواصلة التي يعيشها علمُ اجتماع الغربي، كما تحدَّث عن ذلك عالمُ الاجتماع الأمريكي (Gouldner) في السبعينيات من القرن الماضي (8). الثقافة الإسلامية وتأصيل علم الاجتماع العربي فبالتوازي مع الهيمنة الغربية سياسيًا واقتصاديًا وعلميًا وثقافيًا منذ عصر النهضة، تمَّت أيضا -كما ذكرنا- عولمةُ المنظور الغربي للعلم والمعرفة في أغلب مجتمعات العالم، بما فيها المجتمعات العربية والإسلامية، فمعظم علماء الاجتماع العرب على سبيل المثال، يتبنَّون اليومَ ذلكَ المنظورَ الغربيَّ الذي يفصل بقوة بين المعرفة العقلية والمعرفة النقلية (المنبثقة من القرآن والسنة) وهم بالتالي لا يرحِّبون بفكرة تبني الرؤية المعرفية الإسلامية لتأسيس علم الاجتماع العربي، ويمكن للمرء أن يحاجَّ بإطناب أغلبيةَ علماء الاجتماع العرب في هذا الأمر لكي يشكِّك في أُسُس نُكرانـهم لمشروعية قبول وجود مثل ذلك العلم الاجتماعي العربي كفرع معرفي ذي مصداقية في فهم وتفسير شؤون الأفراد والمجتمعات البشرية، ونقتصر هنا على ذكر ومناقشة ثلاثة معالم ذات علاقة بمدى مشروعية إنشاء علم الاجتماع العربي المستند على الرؤية الثقافية العربية الإسلامية. أولا: لا يجوز على المستوى النظري إقصاءُ الرؤية الإسلامية من إمكانية إنشاء علم الاجتماع، إذ أن للعقيدة الإسلامية بكل تأكيد رؤيةً شاملةً وتفصيليةً حول الإنسان وسلوكياته، من ناحية، وحول المجتمع كنسق اجتماعي متكامل، من ناحية ثانية، ومن ثمَّ فالإسلامُ مؤهَّلٌ مثلُه مثلُ الرأسمالية أو الاشتراكية لتأسيس علوم اجتماعية تتماشى مع رؤيته للفرد والمجتمع اللذين يُعتبران الركيزتين الرئيستين لنشأة علم العمران البشري الخلدوني، أو علم الاجتماع المعاصر. ثانيا: كما رأينا، لقد نجح ابنُ خلدون في اكتشاف علمه الجديد (علم العمران البشري) وإرساء أُسُسه عبر الملاحظات الميدانية والمفاهيم والنظريات الجديدة التي توصَّل إليها من خلال دراسته لمكوِّنات المجتمعات العربية الإسلامية في المغرب العربي على الخصوص، لقد أنجز ذلكَ التفكيرَ الاجتماعيَّ الرائدَ دون أن يفصل بين معرفته العقلية ومعرفته النقلية في تحليله وفهمه وتفسيره لشؤون الأفراد والمجتمعات، وهكذا يصدُقُ القولُ بأن النشأةَ الأُولى لعلم الاجتماع – كفرع وتخصُّص علمي مستقل وناضج – كانت نشأةً عربيةً، إسلاميةَ الطبيعة. فهناك إجماعٌ قويٌ في الشرق والغرب على أن ابنَ خلدون العلامةَ العربيَّ المسلمَ هو المؤسِّسُ الأولُ في تاريخ البشرية جمعاء لفكر اجتماعي/سوسيولوجي (علم العمران البشري) عملاق، قبل قرون من ميلاد أوغيسط كونت ( August Comte) في فرنسا، ويتحدث ابنُ خلدون نفسُه عن الجذور الإسلامية لعلمه الجديد "وأنت إذا تأملت كلامَنا في فصل الدول والملك، وأعطيته حقَّه من التصفُّح والتفهُّم، عثرتَ في أثنائه على تفسير هذه الكلمات، وتفصيل إجمالها مستوفى بيِّنًا بأوعب بيان وأوضح دليل وبرهان، أطلعنا اللهُ عليه من غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبذان" . وفي الواقع إنـها لمفارقةٌ تدعو إلى التعجُّب والدهشة أن يُنكر الكثيرون من علماء الاجتماع العرب وغيرُهم في الشرق والغرب قدرةَ الفكر الإسلامي على إنشاء علم الاجتماع، والحال أن ميلادَ علم العمران البشري تمَّ أولًا وبالذات في أرض وثقافة إسلامية عربية من طرف ابن خلدون الذي اعتمد تفكيرُهُ العمرانيُّ الجديدُ على نور العقل وهداية النقل. ثالثا: إن النجاحَ الباهرَ الذي حقَّقه العقلُ الخلدونيُّ –الجامع بين العقل والنقل- في ميلاد ووضع الحجر الأساس لعلم العمران/علم الاجتماع الجديد، يطرح أسئلةً فيها الكثيرُ من التحدي لمسلَّمات وقناعات العقل العلمي الغربي الحديث، فهذا الأخيرُ يعتقد ويدَّعي أن كسبَ رهان العلم الحقيقي والمعرفة الأصيلة والصحيحة لا يمكن تحقيقُهما إذا لم يقع الفصلُ الكاملُ بين الدين والعلم، لكنَّ الشهرةَ العالميةَ لفكر ابن خلدون العمراني ذي الأرضية الإسلامية كما نجده في مقدِّمته يُفنِّد مسلَّمات واعتقاد العقل الغربي الحديث بالنسبة للعلاقة بين الدين والعلم، فهما ليسا بالضرورة دائمًا في حالة تناقض وعداء كما هو الأمر في الثقافة الغربية المعاصرة، وإنما هما قد ينعمان بالتعاون والانسجام كما عرفت ذلك الثقافةُ العربيةُ والإسلاميةُ عند أبرز علمائها ومفكِّريها وفي طليعتهم ابنُ خلدون، ومن ثمَّ ينبغي فهمُ ادِّعاءات العقل الغربي المعاصر انطلاقًا من التجربة الغربية المتمثِّلة في الصراع الخاص بين الكنيسة من ناحية، والعلماء والمثقفين من ناحية أخرى. إذن، فليس من الموضوعية تعميمُ هذه التجربة الغربية على تجارب ديانات وثقافات أخرى مع علمائها ومثقَّفيها، فالعقل المسلم لصاحب المقدِّمة يطرح بالتأكيد تحديًا جوهريًا على ادِّعاءات العقل الغربي المعاصر، ومن ثمَّ يفتح البابَ عريضًا للعلماء والمفكِّرين في كل الثقافات للبحث عن أكثر من طريق ودرب من أجل إنشاء وإرساء علوم ومعارفَ صلبة العود والمصداقية في ما يسميه العالم البريطاني سنو( C.P.Snow) بالثقافتين : The Two Cultures(9). العقل المسلم الجامع بين النقل والعقل واضح مما سبق أن تعليمَ ابن خلدون وخلفيتَه المعرفيةَ والمجتمعات التي درسها كانت كلُّها إسلاميةَ الطبيعة (10) فمن ناحية كان لابن خلدون مستوىً عالٍ وواسعٍ من فروع المعرفة لعلوم إسلامية وتخصُّصات متنوِّعة تشمل الثقافتين The Two Cultures في عصره، كما يتبيَّنُ ذلك في الفصل السادس من المقدِّمة، ومن ناحية أخرى، كان لصاحب المقدِّمة تجربةٌ ومعرفةٌ مباشرتين حول العديد من المجتمعات العربية الإسلامية والقبائل والعشائر التي درسها وكتب عنها بعقله، انطلاقًا من منظور علم العمران البشري الجديد. وبعبارة أخرى، فمعرفتُهُ النظرية والميدانية كانت متأثرةً جدًا بالإسلام (مصدر سابق) ومن ثمَّ فالعقل المفكِّر لصاحب المقدِّمة هو بالضرورة عقلٌ مسلمٌ كنتيجة لكل من الثقافة الإسلامية العالمة من جهة، وثقافة الواقع الاجتماعي للمجتمعات العربية الإسلامية من جهة أخرى، فوصْفُ العالمِ (جيب Gibb) لابن خلدون لا يترك مجالًا للشكِّ حولَ الهُوية المسلمة لصاحب المقدِّمة كمفكِّر عظيم "لم يكن ابنُ خلدون مسلمًا فقط، ولكن كما يتجلَّى ذلك في كل صفحة تقريبًا من المقدِّمة، وهو قاضٍ مسلمٌ ومفكِّرٌ ينتسب إلى المذهب المالكي المحافظ، فبالنسبة له، لقد مثَّل الدينُ أهمَّ شيء في الحياة، إن الشريعةَ هي الطريقةُ الحقيقيةُ الهاديةُ إلى سواء السبيل" (11). ومن جهته، يؤكِّد المؤلفُ مصطفى الشكعة بأن نظريةَ العمران عند ابن خلدون هي إسلاميةُ الطبيعة من البداية إلى النهاية (12) ويبرز ابنُ خلدون بشفافية طبيعةَ العقل المسلم العالم الذي لا يستند فقط على العقل والنقل في إرساء أُسُس المعرفة، وإنما هو يؤمن أيضًا بالتدخُّل الإلهي في الهداية إلى اكتشاف علمه الجديد "ونحن ألهمنا اللهُ إلى ذلك إلهامًا، وأعثرنا على علم جعلنا سن بَكْره وجُهينة خَبَره، فإن كنت قد استوفيت مسائله وميَّزت عن سائر الصنائع أنظاره وأنحاءه، فتوفيق من الله وهداية، وإن فاتني شيءٌ في إحصائه واشتبهت بغيره مسائلُه، فللناظر المحقِّق إصلاحُهُ، وليَ الفضلُ لأني نـهجت له السبيلَ وأوضحت له الطريقَ، والله يهدي بنوره من يشاء" (13). إن تجلِّي المعالم الإسلامية في تفكير ابن خلدون في منظور الجمع بين النقل والعقل، هو مجرَّد مثال للنَّسَق الفكري الذي تبنَّاه العلماءُ والمفكرون والفقهاءُ المسلمون قبل صاحب المقدِّمة وبعده، حتى مجيء الهيمنة الاستعمارية الغربية المعاصرة إلى العالمين العربي والإسلامي، والتي أثَّرت في النُّخَب والمتعلِّمين في المدارس والجامعات الغربية أو المتأثِّرة بروح ومنهجية التعليم الغربي، الأمر الذي أدى إلى تكدير صفو العلاقة بين المعرفة النقلية والمعرفة العقلية عند هؤلاء. فهذا العقلُ المسلمُ الشديدُ النزعة إلى حبِّ الاطلاع، والقوي الدوافع للتعلُّم من عالمي العقل والنقل، ينبغي أن يساعد على تفسير الانجازات العظيمة في العديد من ميادين المعرفة التي حقَّقتها الحضارةُ العربيةُ الإسلاميةُ قبل القرون الوسطى، إن العقلَ الخلدونيَّ المفكِّرَ الذي نجده في المقدِّمة هو مثالٌ مقنعٌ على مدى القدرة الفكرية الهائلة التي يتمتَّع بـها العقلُ المسلمُ الجامعُ بين معرفتي النقل والعقل، وهذا ما جعلني شخصيًا أعتبرُ هذا النوعَ من العقل، الخطَّ الفاصلَ بين ما أُسمِّيه "علمَ الاجتماع الخلدوني الشرقي" وعلمَ الاجتماع الغربي المعاصر (14). ثقافتا العقلين: المسلم والغربي يساعد المنظورُ السوسيولوجي على فهم الفروق بين هذين العقلين بالنسبة لكسب المعرفة وإنشائها، فمن جهة، إن العقلَ المسلمَ العالمَ الجامعَ بين النقل والعقل هو نتيجةٌ للثقافة الإسلامية التي لا ترى تناقضًا بين المعرفتين: المعرفة العقلية والمعرفة النقلية، بل هي ثقافةٌ تؤكِّد على التناسق والتكامل بينهما، ومن جهة أخرى، فقد عرف العقلُ الغربيُّ العالمُ تحرُّرًا كاسحًا من تأثير الفكر اللاهوتي المسيحي منذ عصر النهضة، فالتفكيرُ العقلانيُّ والقيامُ بالتجارب الميدانية وجمعُ البيانات الموضوعية أصبحت الأرضية الرئيسة أو الوحيدة لتأسيس المعرفة الغربية المعاصرة في الثقافتين: ثقافة العلوم الإنسانية والاجتماعية، وثقافة العلوم الصحيحة. ويرى الأستاذُ محمد عابد الجابري أن الفرقَ بين العقلين يرتبط بنوعية الأولوية التي يعطيها كل عقل إلى الأشياء التالية: الإنسان والطبيعة والله، فمن ناحية، يعطي العقلُ الإغريقيُّ الأوروبيُّ أهميةً أكبرَ إلى العنصرين الأولين: الإنسان والطبيعة، ومن ناحية ثانية، يحتلُّ اللهُ والإنسانُ الأولويةَ في العقل المسلم، وبكل تأكيد، يساعد ما سبق ذكرُهُ على تفسير عدم استعداد العقل الإغريقي الأوروبي، واستعداد العقل المسلم في المقابل، على تبني منظور الجمع بين معرفتيْ النقل والعقل (15). يلخِّص الجابريُّ طبيعةَ تعامل الثقافتين مع العقل: "هنا في الثقافة العربية الإسلامية يُطلب من العقل أن يتأمَّل الطبيعةَ ليتوصَّل إلى خالقها: الله، وهناك في الثقافة اليونانية-الأوروبية يتَّخذ العقلُ من الله وسيلةً لفهم الطبيعة أو على الأقل ضامنًا لصحة فهمه لها، هذا إن لم يستغنِ عنه بالمرة، أو لم يوحِّد بينهما" (16). المراجع: 4- بدوي، أحمد موسى (2009) الأبعاد الاجتماعية لإنتاج واكتساب المعرفة: حالة علم الاجتماع في الجامعات المصرية مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، (ص 480). —Alatas, F.S. op.- 5 6 - نحو علم اجتماع عربي، مصدر سابق ص 13-44. 7- انظر ماذا تقول موسوعةالويكيبديا عن نظرية الرموز الثقافية التي تفسِّر طولَ عمر الإنسان مقارنة بقصر معظم أعمار الحيوانات. 8- Gouldner, A (1970) the Coming Crisis of Western Sociology, New York, Basic Books 9-Snow, C.P.(1963) The Two Cultures and a Second Look, New York, Cambridge University Press. 10- الشكعة، مصطفى (1992) : الأُسُس الإسلامية في فكر ابن خلدون ونظرياته، بيروت، الدار المصرية اللبنانية. 11-Shaw, Stanford, J. and Polk, Willian, eds (1962) Gibb H.A. Studieson the civilization of Islam, London, UK : Routtedge and Kegam Paul. P.171. 15-الجابري، محمد عابد (1988) : تكوين العقل العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية ، ص 127-131 16- المصدر نفسه، ص129. (([1]– عالم اجتماع من تونس. [email protected]