كيف يضغط الزمن التواصلي الجديد على المجتمعات العربية؟

5 أغسطس, 2021

تفاعلات في نطاقات الوعي الثقافي والديني والمفاهيمي والاتجاهات السلوكية

حسام شاكر
 كاتب وباحث، واستشاري إعلامي يعمل بين فيينا وبروكسيل.

*نبذة مقتضبة:
حسام شاكر | باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، يعمل بين فيينا وبروكسيل. كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية. صدرت له كتب وبحوث في مجالات متعددة. تُنشر مقالاته بانتظام بعدد من اللغات. يشرف على مشروعات وبرامج في الثقافة والتواصل والمعلومات على مستوى أوروبا.

مقدمة - زمن تواصلي جديد
تشهد المجتمعات الإنسانية منذ أواخر القرن العشرين تطوّرات متسارعة في حقول تقنية واتصالية وإعلامية، وأذكى "الزمن التواصلي الجديد" تفاعلات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية عبر العالم تعود بتأثيرات في المجالات الاعتقادية والمفاهيمية والمسلكية والمعنوية في واقع المجتمعات والأفراد. فالتطوّر التقني – الاتصالي مضى نحو التشبيك بمراحله المتعاقبة، واندماج الأجهزة والتطبيقات، وشهدت الأجهزة اختزالًا في الحجم وتيسيرًا في الحمْل والاستعمال وانخفاضًا في التكاليف المادية اللازمة للحيازة والاستخدام. وصار الفرد يملك مقوِّمات البثّ الجماهيري بلا احتياجات تقنية أو معرفية خاصة، وهو تطوّر غير مسبوق تاريخيًا؛ بعد أن احتكرت هذه الامتيازات الصناعةُ الإعلامية التي تتبع دولًا ومؤسسات.

لم يحمل الزمن التواصلي الجديد وعودًا وفرصًا ومكاسب وحسب؛ فهو يضغط أيضًا على الأنساق القيمية والمفاهيمية، والوعي الديني والثقافة المجتمعية والمناحي السلوكية. إنّ المجتمعات العربية والمسلمة، واقعة في صميم هذه التفاعلات المشهودة عالميًا، علاوة على أنّ المجتمعات الموصوفة بـ"المحافظة" تتداعى أسوارها المعنوية وتتآكل حصانتها الثقافية مع ما يدفع به الزمن الجديد من تحوّلات متسارعة لا تعجز عن تشكيل "صدمات ثقافية" أو "هزّات معنوية" في بعض البيئات.

مفعول تداعي الأسوار

تتسارع التحولات التي تشهدها المجتمعات الإنسانية، تفاعلًا مع تطورات كبرى في واقع الإعلام والاتصال والتشبيك والتقنيات، علاوة على التفاعلات المتبادلة بين تغيّرات شتى؛ ديموغرافية واقتصادية واجتماعية وثقافية وفلسفية.

تتلقّى المجتمعات والأجيال مزيدًا من المضامين من مصادر أكثر تنوّعًا وبصفة متجاوزة للمكان، كما لم يسبق من قبل في التاريخ، بما يُذكي منحى فقدان مركز التلقين والتلقّي؛ وحالة اضطراب المرجعيّات. وتتأسّس حالة فقدان المركز واضطراب المرجعية على تحوّلات اتصالية وإعلامية وثقافية أفضت إلى واقع متجاوز للمكان وعابر للبيئات، مع تنامي حركة البشر وانتقالهم بالسفر وانزياحهم بالهجرة، بما أنشأ تفاعلات وأحدث تداخلات غير مسبوقة بين البيئات والثقافات والمجتمعات.

ومع هذه التحوّلات المتلاحقة؛ تضمحلّ قطبية المركز المجتمعي أو الثقافي في النسَق التقليدي، بما يضغط على الأنساق الجامعة في الرقعة الجغرافية الواحدة، وقد تكتشف المجتمعات أنها لا تقف على أرضية معنوية مستقرّة ولا تستند إلى منظومة قيمية ثابتة ومتماسكة، بما يعزِّز بواعث الارتباك والحيرة والقلق.

واقع الحال أنّ المجتمعات لم تَعُد مُسوّرة ولا هي "محصّنة" أو "قابلة للحماية" من تأثيرات شتى تتفاعل "خارجها"، فمركزية البثّ والتلقين والتلقِّي كما كانت معروفة سابقًا تتضاءل تدريجيًا لصالح حالة لا مركزية تستعصي على الضبط والتحكم والتوجيه. وإذ هي حالة صاعدة؛ فإنّ الشكاوى التقليدية من التشتّت أو "الفوضى"، من قبيل ما تسمِّيه بعض الأوساط العلمائية المسلمة "فوضى الفتاوى"([1])، مثلًا، لن تكون مؤهلة لإحراز معالجات كابحة، لأنّ الواقع التواصلي والمجتمعي المستجدّ سيُذكي هذه "الفوضى" المفترضة في المجالات جميعًا؛ دون منهجيات ضابطة أو قدرات على التحكّم والتوجيه.

إنّ ولوج الأمم والمجتمعات دورة زمنية جديدة ذات منحى كوكبي، مشبّعة بأنماط سابغة وبنزعات سارية عبر الأقاليم؛ يضغط على وعي كل أمّة بذاتها وإدراكها لتاريخها، فيفتن روايتها الذاتية للتاريخ ويحرِّض على الشكّ في الذات. تضمحلّ لدى المجتمعات مركزيّاتُها التي أتاحت لها سابقًا التحلُّق حول رواية/ روايات ثقافية وتاريخية معتمدة أو مُتوافَق عليها. وتلحظ المجتمعات انكشافها المتزايد إزاء تأثيرات وتدفّقات محسوبة على "الخارج"، وتعلو معها شكاوى من حالات يُقال إنها "استجدّت" على السياق المجتمعي الذي يبدو مع الوقت مفتقرًا إلى الإجماع أو أقل تجانُسًا؛ بتداخل الأديان والمذاهب والطوائف والمشارب والنزعات وانسيابها عبر البيئات.

تتيح المنصّات الشبكية فرصًا ميسّرة للتعبير عن الاتجاهات والنزعات والتحوّلات، وتحفيزها أيضًا، خاصة مع الاتجاه إلى التكتّل حول اهتمامات مشتركة وتشكيل "مجتمعات محلية" افتراضية أو "طوائف" شبكية (Communities) بما يمنح إطلالة أكثر تنوّعًا على جمهور عُدّ في المفهوم التقليدي متجانسًا أو متناغمًا. وعلى سبيل المثال؛ تشهد الحالة الإندونيسية مثلًا صعود مجتمعات افتراضية خاصة بالنساء والفتيات الملتزمات بالتستّر الشرعي مع مواكبة "روح العصر" أو بعض مظاهره، وهو ما يُسجِّل حضورًا متزايدًا في مجتمعات مسلمة حول العالم ومنها الواقع الإندونيسي الذي يتخلّله إقبال على أنماط متعدِّدة من هذا اللباس منذ تسعينيات القرن العشرين. وتمثِّل حسابات النساء والفتيات على موقع "إنستغرام" للتواصل الاجتماعي المخصّص للمواد المصوّرة مثالًا على هذا الاتجاه.([2]) لكنّ الحالة ليست أحادية الاتجاه، فثمة اتجاهات ونزعات تعمل بصفة عابرة للبيئات العربية والمسلمة على نحو عكسي تمامًا وينادي بعضها بنزع الستر الشرعي أو "الحجاب".

وقد ينهض تنوّع الاتجاهات والنزعات والتحوّلات في بعض وجوهه على استقطابات متقابلة وتعارضات حادّة بما يمنح انطباعًا بالولاء لهذه الهويات الفرعية على حساب النسق الجامع أو الأواصر المشتركة. وتتيح حالة المجتمعات المحلية رعاية اهتمامات الملتحقين بها أو المتحلِّقين حولها، وتُكسِبهم مشروعيةً رمزية بقوّة التكتّل والجمهرة، مع تنمية إحساسهم بالانتماء إلى ذاتٍ جمعية.

إنّ الآراء والأفكار والمذاهب التي اعتُبِرت محصورةً في الهامش أو حُسِبت على أقلِّيات منزوية؛ صارت في زمن التحوّلات المتسارعة تحظى بفرص واعدة من الحضور تتيح لها حشد قواها ورفع أصواتها. فلكل فكرة (كانت) تُعدَ هامشية أو نزعة (كانت) تُحسَب منبوذة؛ فرص غير مسبوقة في البروز وحشد التأييد بفعل قدرات الإعلام والتواصل المستجدّة. إنها حالة "الانعتاق من الهامش" التي تقضي بتمكين الجماعات والاتجاهات والأفراد من كسب الملاحظة والاستحواذ على الاهتمام وتسجيل الحضور في الوسط مهما قلّ عدد المنضوين فيها أو المتماثلين معها، فالفرد يحوز وحده قدرات المخاطبة الجماهيرية وحشد اهتمامات من حوله وربما الإسماع والإيلام. إنّ التحوّل الجوهري في هذا الصدد أنّ كلّ ما عُدّ متموضعًا في هوامش المجتمع أو لم يستأهل الاعتراف بوجوده أساسًا؛ صارت لديه القدرة على حشد التأييد وتعظيم الإحساس بوجوده وربما انتزاع اعتراف ضمنيّ به. ويُتيح التنافر مع الوسط المجتمعي التقليدي اجتذاب الاهتمام من خلال حالة الانعتاق من المعتاد والتناقض مع المألوف، التي تستثير الملاحظة والجدل والاهتمام الفائق وتصنع المفارقات التي تستهوي التغطيات الإعلامية والشبكية والمتابعات الجماهيرية. إنّ أشهر الآراء و"الفتاوى" المتداولة في الشبكات، على سبيل المثال، هي الصادمة في مضمونها والمفاجِئة في فحواها. إنها حقيقة تستنفر الباحثين عن الشهرة والمتعطِّشين للصعود والساعين إلى الذيوع بإطلاق المزيد من المفارقات أو المفاجآت أو التعبيرات الصادمة، فيغدو أحدهم أوفر حظًا بمنظور الاهتمام الإعلامي والشبكي والجماهيري إن كان "مثيرًا للجدل".

وإذ تنحسر "الحصانة" المفترَضة عن المجتمعات "المحافظة"؛ فإنها تنفتح على آفاق أرحب ومخاطر غير متوقّعة أيضًا، وتفتقد مؤسساتها أو مرافقها مركزية التوجيه الذي عهدته من قبل؛ فيضمحلّ دورها أو يتضعضع إن لم تتهيّأ للتحدِّي. ويخسر المنهاج المدرسي حصرية التكوين؛ خاصّة إن بقي على حاله المنعقدة في زمن مضى، ولا تُطلَب "الفتوى" من "علماء البلد" وحدهم بل يبحث كلّ عن مُفتيه المرغوب أو فتواه المفضّلة؛ كحالِ الخُطب الجُمَعية والدروس الوعظية التي يواكبها المهتمّون حسب تفضيلاتهم في الشاشات والشبكات دون اعتبار منشئها المكاني تقريبًا؛ بما يضغط على البنى القيمية والاختيارات الجامعة على نحو يحاكي الافتراق في أيام الصيام والفطر والأعياد تبعًا لاختلاف الأقوال والتقديرات والمعاينات والحسابات في مسائل المواقيت والأهلّة.

ومع تأثيرات العولمة الثقافية في التجاوز المكاني؛ تتهاوى مقولاتٌ شاعت في زمن مضى عن تسلّل "الغزو الفكري" من الثنايا والشقوق، فأسوار الحماية الثقافية تداعت تقريبًا، وتقادمت معها تحذيراتٌ تقليدية من قبيل "حصوننا مهدّدة". يلتحق الناشئة بالظواهر المتحركة سريعًا بصفة عابرة للدوائر الثقافية في عالم يترابط، وتتنافس الأجيال في البرهنة على الانتماء إلى المجتمعات الجديدة من خلال رموز وإشارات مُعولمة تتفشّى بوتائر خاطفة قبل أن يزاحمها ما يستجدّ في الموسم التالي.

ومع تفاعُل تطوّرات من قبيل اضمحلال دوْر المركز الثقافي أو القطبية المجتمعية، وتراجُع التجانس وتداخُل المؤثِّرات العابرة للجغرافيا، والتفاعلات المتسارعة في واقع المجتمعات عمومًا؛ تتراجع قدرة الوظائف التقليدية أو المباشرة في المجتمعات على الرعاية والإرشاد والتوجيه، فيتزايد الطلب على إرشادات غير مباشرة عبر الشاشات والشبكات أو من خلال مؤسسات ودورات. وقد يبحث الجمهور لدى بعض وجوه العالم المرئي والافتراضي عن بدائل رمزية عن الرعاية الأبوية والقيادة المجتمعية، وقد يجد في برامج الدعم النفسي والإرشاد الاجتماعي عبر الشاشات والشبكات ما يصرفه عن أدوار (كان) ينهض بها المحيط الاجتماعي التقليدي.

لهذا التطوّر صِلَة بالفجوة المتعاظمة بين الأجيال وبانقلاب معرفي نسبي، فتحوّلات الواقع المتغيِّر أحدثت تراكمات مُتلاحِقة وتبدّلات مُتعاقِبة تتسارع معها دورة الأجيال الزمنية اللازمة للتجريب وتحصيل الخبرة. أسفرت تطوّرات التواصل والإعلام والتشبيك عن فجوة تُعَدّ في بعض التقديرات هي الأوسع بين جيليْن؛ فالذين وُلِدوا بعد سنة 1997 يَصعُب عليهم تصوّر حياة السابقين بلا أجهزة محمولة وتطبيقات تواصلية وآفاق شبكية والتقاطات ذاتية، ويتضح من أساليبهم في العيش واختياراتهم الاجتماعية والسياسية أنهم يفترقون بوضوح عن أجيال تكبرهم([3]). تشهد توازنات المعرفة والخبرة التقنية والاتصالية والشبكية، في البيت والمدرسة والمؤسّسات، تحوّلات عميقة أو انقلابية؛ فالمعرفة بالجديد وبما يدور في عالم متغيِّر صارت تُطلَب من الناشئين أساسًا، بينما يجد المربّون والمرشدون صعوبات في مواكبة خبرات الجيل الصاعد المتجدِّدة، بما يُضعِف قدرتهم التوجيهية وأهليتهم الإرشادية ويقلِّل من فرص الضبط والتحكّم والمراقبة، مع الإحساس بالقلق من استغراق المراهقين والأطفال في عالم الشاشات المحمولة.([4])

وَلَجَت المجتمعات زمن انسيابية المحتوى وتمدّده عبر أوعية التواصل والإعلام والثقافة بما تخطّى دور المؤسسة والمعلِّم والمرشد والمربِّي والواعظ وحتى الأسرة ذاتها. ومع تنامي خيارات التلقين والتلقِّي الذاتي لدى الجمهور؛ يستشعر الفرد فرصته في الاستغناء عن "وسطاء العلم والإرشاد والوعظ والتوجيه" المباشرين في محيطه وقد يزهد بهم أو يتعالى عليهم؛ ليلتحق بمن يراهم "أجدر" بالأخذ عنهم أو الانضمام إليهم بصفة غير مباشرة ينشأ معها نمط جديد من وشائج الرعاية والإلهام والتأسِّي، أو آصرة "الشيخ والمُريد"؛ يقوم على الافتراق المكاني والنجومية المرئية مع التعالي على مراكز التوجيه التقليدية في مجتمعه.

وتعاظمت، أيضًا، خيارات الضخ التواصلي؛ فعلاوة على تزاحم آلاف القنوات على الشاشة الرقمية؛ فإنّ الشبكات تتمدّد بصفة هائلة شكلًا ومحتوى، وتضمّ في ذاتها تناقضاتٍ وتجاذباتٍ تستبطن التنوّع وتحفل بالاستقطابات، كما يتّضح، مثلًا، في الوفرة الهائلة من الإرشادات و"الفتاوى" المتعدِّدة أو المتعارضة في المسائل كافة، والتي تبعث على التيه والاضطراب.

تُذكي هذه التبدّلات تحوّلاتٍ ثقافية جارفة واضطرابات قيمية وهزّات فكرية تكون لها انعكاسات مسلكية، ويتراجع التسليم بالرواية "المعتمدة" في مجالات الأفكار والمعتقدات والهوية والتاريخ، علاوة على اضمحلال الأدوار التقليدية للأسرة والمدرسة ودار العبادة وبعض مؤسّسات الدولة الحديثة تحت وطأة التحولات إن لم تبذل قصارى جهدها للتكيّف معها بصفة استباقبة. وقد تدفع أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية بتأثير الصدمة، فوق هذا كلِّه، بما يُغوي الأفراد والمجتمعات بالتملّص من الذات الجمعية أو النسق، أو باللجوء إلى خيارات عدمية تنهار معها القيم أو تفقد معناها أو تضطرب موازينها. يتفاقم المأزق بصعود حالات متطرِّفة وجماعات تشدّد مسلّح تتذرّع في نهجها وممارساتها بالدين والنصّ والثقافة والهوية؛ بما يُحرِّض على الشكّ في ما تُعَدّ مرجعيةً في هذا الشأن؛ رغم أنّ سلوك التذرّع بالمرجعيات الدينية والثقافية أو بالقيم العليا في المجتمعات ظلّ مسلكًا مألوفًا في حالات كهذه لدى الأمم لأهداف دعائية وتبريرية لا تُلزِم ما يُتذرّع به بالمسؤولية عن ما يُقترَف باسمها.

وفي خِضَمّ هذه التفاعلات؛ يبحث بعض الشباب عن ملاذات تصحيحية أو وهمية أو عدمية من الحيْرة والاضطراب والهزّات النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وإذ تتفاعل "الظواهر" وتتدحرج أسرع من أيِّ وقت مضى في التاريخ البشري؛ تتراجع حصانة المجتمعات التي لم تَعُد مسوّرة بل منكشفة إزاء المؤثِّرات جميعًا من الأديان والمذاهب والأفكار والنزعات، فتتضاءل مظاهر التجانس أو التوافُق في النطاقات المجتمعية التي قد يُعاد تعريفها على نحو أقلِّيّوي مستدعيًا مفردات حقوقية ومطلبية أو نزعات مروق وتشرذم.

إنّ تضخُّم الشعور بالذات الفردية التي تمتلك قدرات غير مسبوقة على الاختيار والمفاضلة وتسجيل الحضور والإسماع والإزعاج أيضًا؛ يضغط على الأنساق الجامعة من داخلها، ويؤدِّي إلى تراجع مظاهر "الانضباط" ضمن الأنساق لصالح بروز النزعات الفردية وتبايُن السِّمات ضمن النسَق الواحد. ومن تعبيرات الانفلات من النسَق في المجال الديني، مثلًا، أن يتراكم ميْل نسبي إلى الانعتاق من نطاقات "المؤسسة الدينية" لصالح التحوّل إلى أشكال أكثر استقلالًا من التديّن الفردي أو الجماعي أو تعدد المشارب، وربما على نحو تركيبي خاصّ بكل فرد، فيباشر الفرد تركيب مزيجه الاعتقادي والمذهبي والفكري الخاصّ به، بما يستعصي على التوصيفات الاعتيادية والتصنيفات التقليدية([5]).

تمايُز الأنا عن نسقها

يطبع الزمن الجديد نزعاتِ جيل يملِك أفرادُه امتيازَ التواصل الجماهيري كما لم يحزه سابقوه، بما يغريهم بالانهماك في تصوير الهيئة الذاتية، وربما محاولة عَمْلقتها في الوسط المجتمعي أو الوعي الجمعي، وهو ما يحفِّز الاعتداد بالأنا والتمركُز حول الذات الفردية وبروز النرجسية المصوّرة([6]).

قد تؤكد الأنا الفردية حضورها من خلال محاولة التمايز عن النسَق المجتمعي التقليدي، أو بإبداء موقف نقدي أو شكّاك من الهوية الثقافية الذاتية، أو بإظهار التعالي أو التمرّد على ما تُعَدّ ثوابت أو مرجعيات، مع إمكانية توظيف مقولات فضفاضة من قبيل "الاحتكام إلى العقل" أو "الاستجابة للضمير" لتسويغ ذلك.

إنّ الإفصاح عن تغيير مسلكي مُعيّن أو إعلان موقف اعتقادي جديد أو الظهور في هيئة صادمة أو غير مألوفة؛ يمنح الذات الفردية فرصة الحضور وإثبات الذات وإثارة الجدل وإشغال الجمهرة، وهي حالة تتلبّسها أحيانًا رغبة في كسب الاهتمام وإحراز مزيد من المتابعين في مواقع التواصل الاجتماعي، أو الترويج لاختيارات عقائدية ومفاهيمية ومسلكية معيّنة يتخذها بعضهم علامة فارقة كي يُشتهَر بها([7]).

وفي زمن الفقاعات الشبكية؛ قد يُلقي أحد الحيارى أو طالبي الذيوع ببذرة شكّ اعتقادي جادّة أو عابثة في فضاء الشبكات قبل أن يغفو، أو قد يُوحي آخر بتغريدة يبثّها أنه يستسهل الإقدام على الانتحار مثلًا. يتأهّل الفرد لإشغال الجماهير بـ"قرار تاريخي" على هذا النحو وقد يصير الحدث من فوْرِه وَسمًا شبكيًا وفقاعة جدلية تجد فرصتها في مجتمعات الاستقطاب القلِقة التي تبحث عن حكايات ساخنة للموسم وفرص للثرثرة الشبكية والإعلامية.

إنّ العيْش في مجتمعات مأزومة أو مضطربة أو في أوساط مُنهَكة معنويًا، وتغمرها الإحباطات وبواعث القنوط، وتحاصرها الضغوط وتدهمها الصدمات؛ يحرِّض الفرد على الفكاك من واقعه؛ بالارتحال الوجودي إلى رقعة أخرى و/أو بالارتحال الوجداني الذي يُعلِن التمرّد على النسَق المجتمعي أو الذات الجمعية أو الهوية الثقافية أو حتى الاعتقاد الديني. يقع بعض القانطين في مرمى تأثيرات تَعِدُه بالخلاص، وقد تُوافِق بعض المقولات المتشكِّكة ثقافةً تراكمت بمفعول الحياة الاستهلاكية والمفاهيم المادية التي تميل إلى التشييئ والتسليع، والاعتقاد بالمحسوسات المباشرة وحدها؛ بما يؤدِّي إلى التباسات في مفهوم الغيْب مثلًا. قد لا تجد الحالات المضطربة أو القلِقة بصفة مؤقّتة أو مستمرّة؛ مَن يُحاوِرها بِرِفْق أو يحتضنها بحُنُوّ في أوساط لم تَفقَه سِمات الزمن الجديد ولم تَستوعِب نفسيّات الجماهير الجارفة فيه؛ بما يُذكي النفور من الوسط والثقافة ويمنح رشفة الخلاص لخيار الالتحاق بعالم آخر، أو قد يتحقّق بالانعتاق الإرادي من الدنيا بإجراء يسير يُغوي به "لوبي الانتحار" الشبكي الحائرين والقانطين وضِعاف الشخصية. وقد يرضخ بعض الفتية والفتيات لتحدِّي الألعاب الشبكية التي تستدرجهم إلى الانتحار مثل "تحدِّي الحوت الأزرق"؛ بإلحاح النزوة على أذهانهم وتضخيمها في وعيهم فوق كل قيمة([8]). وقد تستدرج بعضَ الفتية ألعابٌ قتالية تجتذبهم عبر الشبكة، ثم تقودهم عملياتُ تجنيد غير ملحوظة عبرها إلى غواية تجريب "البطولة" في الواقع عبر خطوات غسيل دماغ تستهدفه من شريك له في اللعبة؛ بما قد ينتهي بفتى أغرّ إلى أشلاء ممزقة في محاولة تفجير، أو قد تكون بعض الألعاب بمثابة تهيئة ذهنية تحرِّض على تجريب ممارساتها في الواقع. تكشف هذه الأمثلة الماثلة للعيان في الزمن الشبكي عن تلاعبات ذهنية ونفسية بشخصيات ضعيفة وكيانات بشرية هشّة؛ بجرعات مُكثّفة أو مخفّفة تؤدي إلى الانحراف أو الإجرام أو الترويع.

إعادة اكتشاف الدين والتاريخ والهوية

مع انفلات المخاطبة الجماهيرية من نطاقها التقليدي الذي كانت عليه حتى خواتيم القرن العشرين؛ يجري تجاوز حالة الإجماع أو التوافق على رواية/ روايات مُعتمَدة في شؤون الهوية والتاريخ والتصوّرات ذات الصلة بالدين والقيم والمفاهيم التأسيسية للمجتمع أو الأمّة، وتتزاحم الروايات البديلة وتتزايد التأويلات المتعدِّدة التي كانت محسوبة على الهامش المجتمعي أو لم يكن لها من حضور من قبل، بما يُنعِش حالةَ السيولة القيمية والمفاهيمية ويُذكي نزعة الشكّ في الذات و/أو فقدان الثقة الحضارية بها. ولكلّ نزعة من هذه منظِّرون ودعاةٌ ومؤيدون وجمهرة تلتحق بهم.

تتضافر في واقع المجتمعات العربية والمسلمة مؤثِّرات تهزّ ما (كانت) تعدّها ثوابت أو تحطِّم ما (سبق أن) استقرّت قناعاتها على أنها قامات وهامات ورمزيّات مُلهِمة؛ وهي مجتمعات تشهد في الوقت ذاته صدماتٍ متضافرة في عالم تتسارع تحوّلاته الثقافية والاجتماعية، ويضمحلّ دور "المركز" أو القطبية الثقافية/ المجتمعية فيه لصالح شتات لا مركزيّ في المؤثِّرات والتدفّقات، علاوة على تَعاظُم الضغوط على وعي الفرد بـ"هويّته" الثقافية وأمّته، وربما استشعر تفاقمَ معضلاتٍ وصراعاتٍ وحرائق وهزّات جسيمة في واقعه المباشر، كما يبدو في المذابح واعتداءات التفجير والنزاعات والحروب والأزمات والتهجير والنزوح.

يتزايد في هذا المنحى الإقبال على ما تبدو محاولات إعادة اكتشاف الدِّين وإعادة تأويل الأفكار والمفاهيم، وتصير المفاهيم والتأويلات "الجديدة" في حقول شتى مادةً مُثلى لحشد المتابعين لبرامج شاشات ومقاطع مرئية وتغريدات مُقتَضبة لا يتنازل بعضها لأصول التداول العلمي والتدوين والنشر الذي يُتيح المناقشةَ الرصينة والمعمّقة أو التحقق والتمحيص.

يُذكي هذه الحالة إحساسٌ مُتراكِم بالحاجة إلى "المراجعات" و"التجديد"، ويدفع متنافسون على لقب "مجدِّد العصر" بمفاجآٍت متجدِّدة في إطلالاتٍ يخرجون بها على الناس من الشبكات والشاشات. كما يُعرَض التاريخ على مشرحة النقد مع نبرة مُتحامِلة عليه أو على أعلامه أحيانًا، مع اتجاه إلى تقويض رمزيات تاريخية وقامات تحظى بمرجعية ثقافية أو مصدرية دينية، بما يشير إلى نزعة رفع الحصانة المعنوية أو تبديد التقدير وربما تدنيس المقدّس([9]). وتجد القراءة الثأرية للتاريخ فرصتها في الشاشات والشبكات في سعيها إلى تصفية حسابات تراكمت عبر قرون غابرة، وهي تأتي أحيانًا بذريعة العظة والعبرة أو تتّخذ أحيانًا أخرى من التاريخ موقدًا لصراعات الحاضر والمستقبل أو فرصة لإذكائها أو ذريعة لبثّ الشقاق وبعث الأحقاد التي تتكرَس لها محطات تلفزة تبثّ على مدار الساعة ومواقع ومنصّات وتطبيقات عبر الشبكة والأجهزة المحمولة. يتحرّى اتجاه تحطيم التاريخ واغتيال رموزه وشخصيّاته مطاردةَ التاريخ ونزع الاحترام عن القامات والهامات وتشويهها، وقد يكون مدفوعًا بنزعة ثأرية تتلبّس بالعلم والحقيقة وتتذرّع بالروح النقدية. ويتّجه منحى التقويض إلى الإتيان على كل ما يتّصل بالهويّة وسرديّاتها، وتصير موضع شكّ أو ازدراء([10]).

مفعول التراشق بين الجبهات

تمنح تسمية المنصّات الشبكية بمواقع "التواصل الاجتماعي" انطباعًا غير دقيق عن كيفيات استعمالها ومفعولها في واقع المجتمعات، ففرص التواصل التقني لا تقضي وحدها بإحراز التفاهم، وواقع الممارسة الذي تشهده الشبكات الاجتماعية في البيئات الإنسانية أسفر عن اتخاذها حلبةَ استقطاب، ويزداد المنحى حدّةً في ظلِّ النزاعات والصراعات والتوتّرات. فالخنادق المتقابلة على خطوط التماس السياسية والفكرية والإثنية والطائفية، كما عليه الحال في بعض أرجاء العالم العربي، تُكرٍّس جهودًا دؤوبة لسحق خصومها بالإمعان بالفتك المعنوي برمزيّاتهم وقاماتهم ومرجعيّاتهم؛ باستعمال فنون التشويه والاجتزاء والتزييف وإساءة التأويل؛ إن أعياها البحث عن "شواهد إثبات" دامغة.

تُعبِّر التوتُّرات الطائفية والاصطفافات الأيديولوجية والانقسامات السياسية والنزاعات الإثنية عن ذاتها بحمّى ازدراء لما تُعَد مرجعيّات ثقافية أو رمزيّات تاريخية أو وجوه وأسماء وحكايات مُلهِمة محسوبة على الخندق المقابل. وتبلغ الحالة مبلغها بتكثيف جهود الدعاية المنظمة التي تُدير محطات تلفزة ومواقع شبكية ومنصّات ثقافية وإعلامية ويتبعها متحدِّثون ومعلِّقون يحظى بعضهم بمعدّلات متابعة مرتفعة، فتتضافر المؤثرات التي تسعى إلى إسقاط الرمزيات في وعي الأجيال بأساليب التشويه والتحامل، وتقويض الثقة بالسردية الذاتية للهوية والتاريخ، بما يُفاقِم اتجاهات السيولة المفاهيمية والقيمية واضطراب الوعي بالهوية.

تُذكي حالة التشويه المتبادل نزعاتِ المروق القيمي والثقافي والعقدي لدى أجيال أنهكتها الصراعات وتستهدفها تأثيرات عدة، بما يجعل هذا الأسلوب يرتدّ في محصِّلته على الأطراف جميعًا مدى التراشق؛ ويدفع مع بواعث وملابسات أخرى متضافرة باتجاه نشوء أجيال بلا مرجعيّات أو بلا روايات كبرى متوافق عليها في الوسط المجتمعي؛ إن كانت الاتهامات والشكوك سترسم هالات سلبية من حولها جميعًا. وما يُفاقم الحالة هو الوقوع في مرمى تأثيرات من محسوبة على مقاربات خارجة على الهوية ومضادة لخياراتها الحضارية المفترضة، كما يتجلّى مثلًا في حمّى الإسلاموفوبيا ودعاية "حروب الأفكار" المكرّسة للتشويه والازدراء والتحريض. إنّ منصّة "ميمري" الشبكية (MEMRI) المختصة بالمقاطع المرئية المترجمة، هي مثال من حلقات صناعة التحريض والتشويه النشطة عبر العالم والمكرّسة لمواجهة الثقافة العربية والإسلامية ودعم دعاية الاحتلال الإسرائيلي بأسلوب توفير "شواهد إثبات" من أقوال مجتزأة من الشاشات والشبكات وصارت بالتالي إحدى المنصّات المرجعية لجهود التشويه والتحريض عبر العالم.

اقتراب "الشبهات"

كثيرًا ما ارتبطت "الشبهات" المتعلِّقة بالثوابت والمرجعيّات الدينية والتاريخية والثقافية بما يأتي من "خارج المكان"، كأن يحتكّ بها أبناء "المجتمعات العربية المحافظة" خلال دراستهم في الخارج، على نحو يراودهم عن أفكارهم ومعتقداتهم أو يفتنهم في مفاهيمهم وثقافاتهم. ثم تداخلت المجتمعات أو انكشف بعض ثناياها لبعض، وصارت منصّاتها المرئية والشبكية تفيض بتدفّقات كثيفة عبر الحدود والأسوار، وحضرت المجتمعات الأخرى بألوانها وطقوسها تحت السقوف العربية بلا استئذان؛ عبر أجهزة وشاشات متكاثرة لا تفارق الأيدي، وتلاشت معها فرص "الرقابة المجتمعية" التقليدية.

صارت "الشبهات" المثارة حول المعتقدات والمبادئ والقيم والأفكار السائدة والقناعات الرائجة أقرب إلى الفرد من أي وقت مضى بمفاعيل الزمن الجديد الذي لا يُجدي الاحتماء بجغرافيا "البيئة المحافِظة" معه نفعًا. تسهر جماعات ضغط مختصّة على تغيير المعتقدات أو زعزعتها بأسلوب نثر الشكوك في أذهان المجتمعات المحسوبة على الدِّين والإيمان، لاجتذابها إلى مفارقة أديانها أو طوائفها أو لمساومة وجدانها على الإيمان. تقعد حججٌ مُجهّزة بعناية كلّ مرصد لأذهان الأجيال الجديدة معزّزةً بمؤثِّرات يُلحَظ بعضُها ويَستَتِر بعضُها الآخر في سياقات مُضلِّلة، أو تتولّى نَثْر بذور الشكّ في أوساط الجمهرة برسائل محسوبة رجاء أن تجد نفسيّاتٍ قَلِقة وشخصيّاتٍ ضعيفة تستنبتها.

ما عادت "الشبهات" مقتصرة على ما يُسمّى تقليديًا "الغزو الفكري"، أي ما يُحسَب على "الخارج" أو "الغرب" من تأثيرات. فالنزعات والاتجاهات المعاكِسة لما تُعَدّ ثوابت ومرجعيّات وروايات كبرى صارت تعبِّر عن ذاتها في البيئات العربية والمسلمة بصفة تنتسب إلى المشهد المحلي أو تمنح الانطباع بأنها توطّنت فيه وتجذّرت، وهي تحظى باهتمام الشاشات التي تتناولها في برامج مصنّفة ضمن أفضل أوقات البثّ([11]).

ومما يُذكي هذا التحوّل أنّ نزعات "ما بعد الحداثة" تضغط على الوعي، وتعلو معها اتجاهاتُ التقويض التي تتحرّى إنتاجَ فقاعاتٍ جدلية في إطلالات الشاشات ومقاطع الشبكات. وتصعد النزعة النسبية في المفاهيم والقيَم لتسيل الثوابت في وعي الجمهور عبر الأمم على نحو قد ينتهي بها إلى عدمية بلا معنى، وقد يتضاءل اليقين بدلالة مفاهيم تأسيسية في البناء الاجتماعي؛ مثل المذكّر والمؤنّث، أو الزواج والاقتران والأسرة؛ وهي صارت جميعًا في الفضاء البشري المعولَم مفاهيم مثيرةً للجدل والنقاش ولا تحظى بالإجماع على توصيف محدّد لها.

معضلة الفقاعة – أو تضخّم الوعي الانتقائي

ينطوي الإنترنت على قاعدة بيانات تتعاظم باطِّراد وتستوعب الاهتمامات جميعًا، وهي معزّزة بمحتوى يتضخّم بأبعاد قياسية مشتملًا على الأنواع كافّة؛ نصِّيّة وسمعية وبصرية، مع خيارات تفاعلية متزايدة، وفضاء يُتيح مُعايشةً افتراضية وخيارات تشارُكية. وإن بدا للوهلة الأولى أنّ خيارات المحتوى الشبكي متوازنة بين "المفيد" و"الضارّ" أو "المحسِن" و"المسيء"؛ فإنه تقدير إجمالي مبدئي لا يأخذ بعين الاعتبار منسوب المواد المبثوثة كمًّا وكيفًا بين مجالات "حميدة" وأخرى "ذميمة"، كما يُحَيِّد مفعول الاجتذاب والاستدراج الذي تنطوي عليه بعض الاهتمامات والمواد مقارنة بغيرها، ويغفل عن مفعول الإتقان في الصنعة والتأثيرات التي تخاطب الحواسّ مثلًا، وسطوة الفقاعة التي تُحاصِر المتصفِّح أو تطارده بتفضيلات كان قد تحرّاها يومًا ما، علاوة على أولويّات الظهور الشبكي لمواد المحتوى المترتِّبة على تحيّزات وتواطؤات وتعاقدات واستثمارات معيّنة وإن لم تكن ملحوظة؛ وفق ما تعمل به إدارات محركات البحث والمنصّات الشبكية والمؤسسات القائمة على مواقع التواصل وتطبيقاتها. كما تضغط تفضيلات الجماهير على ما يتجلّى للفرد من خلال ظهور الأولويات التي اختارها آخرون كمقترحات تُعرَض له للاختيار بأسلوب اقتراح استكمال الكتابة مثلًا أو الوسوم الشبكية (Hashtags)، بما يجتذبه لتصفّحها أو الالتحاق بها. ثم إنّ تفاوت مراكز الثِّقَل في المحتوى الشبكي بين أقاليم العالم وثقافاته، وضمن كل إقليم أو ثقافة على حدة؛ يترك تأثيرات على ما يتعرّض له المتصفِّح من أولويّات وموادّ. من شأن هذه الملابسات، عمومًا، أن تنعكس على السلوك الشبكي للفرد الذي لا يُبحر في الشبكات معزولًا عن مؤثِّرات واستمالات متعدِّدة، وهو ما يشتدّ وَقعُه على فئاتٍ عمرية معيّنة أو على المنتسبين إلى بيئات مخصوصة لاعتبارات ثقافية أو اجتماعية.

وعندما يبحث الفرد عن معلومة في الشبكات؛ يؤدِّي سلوك البحث الانتقائي هذا إلى تصدُّر مضامين متعلِّقة بما يبحث عنه، وقد يتواصل ظهورُها له في منصّات شبكية متعدِّدة بفعل منحى الربط الموضوعي المتزايد الذي تلجأ إليه تقنيات التشبيك عبر خوارزميّاتها. إنّ ما حسبه الفرد موضوعًا عابرًا؛ سيتراءى له بصفة متزايدة وقد يعدّه حالةً رائجة أو ظاهرةً تتضخّم. قد يشعر المتصفِّح باستيلاء الحالة على المشهد الذي يتجلّى له، وستتقدّم عناوين ذات صلة في أولويّات الظهور خلال التصفّح الذي تعرّف على تفضيلاته، بما يحاكي وُلوجَه فقاعةً إدراكية تحيط به وتستحوذ على وعيه.

يتضخُّم الوعي الانتقائي من خلال سلوك البحث، فالفرد يبحث في الشبكة؛ ثم "تبحث" الشبكة عنه، وتتحرّى تفضيلاته وتتلمّس اهتماماته وتشخِّص شواغله وتُدرك أسئلته وتخاطب ميوله وتستثير رغباته، وهي تنشئ عبر خوارزمياتها المعقدة توصيفًا له يتعمّق من خلال فحص أواصره الواقعية والافتراضية وما يتكثّف فيها من سمات وخصائص. 

إنّ من يدفعه الفضول إلى تعقّب شُبهةً اعتقادية مثلًا بالبحث الشبكي عنها؛ سيُلقي به البحثُ في بحر من الشبهات والتجاذبات التي تحتدم حولها. ومن يكترث بتصرّف مسلكي مُعيّن ويبحث عنه شبكيًا قد يتراءى له هذا الشاغل في هيئة "ظاهرة" جارفة، وربما في لبوس حالة جمعية بلا أدوار مركزية أو افتعال مُحفِّز، ويلحظ انشغال المواقع والمواد والتقارير والبرامج المتلفزة والمقاطع بها، بما يغويه بالالتحاق بها تحت وطأة تأثير الجمهرة أو سلوك الإمّعة أو الانخراط في المجموع([12]). وقد يذهب الذاهل مما يجري إلى إطلاق تحذيرات من استشراء الحالة بما يعزِّز اهتمام الجمهور بها والبحث الشبكي عنها، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما يُضخِّم الوعيَ الانتقائي، أو يُعَظِّم الفقاعة، وستحظى في المداولات العامّة بوصف "الظاهرة" دون تمحيص لدلالة الوصف وانضباط المعنى الاصطلاحي الظاهراتي.

تفرض "الفقاعة" انشغالًا مكثفًا بموضوعها أو مفرداتها، بما يضخِّم الوعيَ بالفرد إن كان هو موضوع الفقاعة وشاغلها، فيتصدّر الفنان أو اللاعب أو المتحدث أو الواعظ أو المشعوذ سريعًا في وعي العالقين في الفقاعة التي هي حالة إدراكية، عند محبِّيه ومناوئيه أيضًا. 

يؤدِّي تضخّم الوعي الانتقائي إلى إطلاق تعبيرات تهويلية في وصف حالة أو نزعة، تحت وطأة الانشغال الزائد أو القلق الجارف أو الهوَس بما يُلحَظ، وقد يندفع المعلِّقون إلى قرع ناقوس الخطر من "ظاهرة" ما مُفترَضة. يؤدِّي "أثر الفقاعة" إلى إمكانية أن يُدرِك الفردُ أو الجمهور أيّ حالة كانت على أنها "ظاهرة" بحيالها، أي أنها مؤهّلة من فور البحث الشبكي عنها لأن تُستوعَب على أنها مستشرية وتتكتّل حولها مجتمعات غير مرئية مع فرصة أعلى للالتفات إلى تعبيراتها في الواقع، كأن تكون لعبةً شبكية أو هواية فردية أو ممارسة اجتماعية أو انحرافًا سلوكيًا. إنّ إطلاق التحذيرات أو قرع نواقيس الخطر مع كلِّ إحساس بما تُعدّ "ظاهرة" سلبية داهمة؛ من شأنه أن يضغط على الوعي الجمعي ويدفع إلى تضخّمِ إدراكٍ انتقائيّ للواقع.

قد يعيد المجتمع إدراك ذاته على نحو يفارق خبراته السابقة، وقد يكتشف الفرد مجتمعَه وأمّتَه وعالمه بوجوه لم يلحظها من قبل؛ لأنه يحوز إطلالات غير مسبوقة على "المجتمعات غير المرئية" أو الجيوب التي تتكتّل في الشبكات حول اهتمامات مشتركة، وهي مجتمعات افتراضية لا حصر لها وبعضها مُذهِل وصادم، لأنها لا تتقيّد بضوابط ومحدِّدات والتزامات من أي نوع محتمية بالهويات المجهولة غالبًا، وبعضها لا يخضع لأي رقابة مجتمعية كانت، وبعضها الآخر يحرص على تسجيل حضوره العلني في الواقع المباشر أحيانًا أو يقدِّم معبِّرين عنه بوجوه سافرة.

تأتلِف مجتمعاتٌ شبكية تحت عناوين واهتمامات لا حصر لها، قد تأتي من واقع الاهتمامات المعرفية والتخصصية والوظيفية المشتركة، أو الانشغال بقضايا ومسائل فكرية أو عقائدية أو سياسية أو اجتماعية، أو يكون مدارها حول هوايات وألعاب وتَسالٍ وثرثرة، أو تلتقي على انتماءات ثقافية وقومية وإثنية وجهوية، وقد تتخيّر موضوعات متمرِّدة أو نزعات شائنة أو اهتمامات صادمة؛ بما في ذلك ما ينتهك القيم والأخلاق والقوانين والآداب العامة أو يسعى إلى الإساءة إلى المقدّسات وتدنيسها. إنّ هذه "الخيارات" جميعًا متاحة أيضًا في أعماق المشهد الشبكي العربي وتزداد اتساعًا وتعاظمًا؛ وإن لم يُعترَف بها جميعًا فوق السطح الاجتماعي المشهود.

قد يعني العيش داخل "مجتمع غير مرئي" انسلالًا من النسق المباشر أو التقليدي، فأفراد المجتمع "الواحد" ينغمسون بهذا في "مجتمعات غير مرئية" للوهلة الأولى، لأنها مُصنّفة تقليديًا "مجتمعات افتراضية"، لكنّ "الافتراضي" هذا لم يَعُد افتراضيًا تمامًا، فهو متشابك مع "الواقعي" بعُرى وثقى وقادر على تحوير المشهد الاجتماعي، أيضًا، شيئًا فشيئًا. يتأهّل "الافتراضي"، بصفة متزايدة، لأن يفرض حضوره في الواقع المشهود وأن يصنع الحدث أو أن يُباشِر التهيئة له على الأقل، و"الافتراضي" هو "واقعي" بشكل ما، أو هو جزء من الواقع بمفهومه العام.

وجوه استعمال الأدوات

تفتح الأجهزة الذكية المحمولة آفاقًا تواصلية ومعرفية وخدمية واستعمالية متعدِّدة ومتناقضة في مقاصدها وأساليبها أيضًا، بما يعود بمكاسب وأضرار وفرص ومخاطر على الفرد ومحيطه ومجتمعه والنطاقات البشرية عمومًا. ومن الوجوه الإشكالية، على سبيل المثال، أنّ المجتمعات العربية والمسلمة المصنّفة عادة بأنها "محافظة"، تواجه منذ إدماج الكاميرا في الهواتف المحمولة تحدِّيات حسّاسة يفرضها التلصّص المصوّر على الخصوصيات المستورة، ونشرها جماهيريًا عبر الشبكات وتطبيقات التواصل، أو تسرّب المادة المصوّرة بغير قصد من أصحابها إلى الفضاء الشبكي، فتبقى هذه الالتقاطات المختلَسة محفوظةً في الذاكرة الشبكية المؤبّدة بكل ما يُلحقه ذلك من أضرار جسيمة بضحايا الالتقاط. ومع تطوّر تقنيات الالتقاط المصوّر والبثّ التي تتيحها الأجهزة الذكية انفتحت وجوه الاستعمال على آفاق لا يمكن ضبطها، وهي بمنطق المجتمعات "المحافظة" تخترق الأسوار وتنتهك الأستار وتجعل التلصّص فعلًا جماهيريًا على جوانب يحرص المجتمع المحافظ على أن تبقى متوارية.

اندفعت المجتمعات "المحافظة" إلى تجريب الأجيال المتلاحقة من الأدوات التقنية والاتصالية دون أن تحصل على إرشادات مُسبَقة بشأن ثقافة الاستعمال ومخاطره وعواقبه الجانبية. ولم تُسعِف خبرةُ الأجيال التقليدية الأدوارَ الأسرية والتعليمية والإرشادية في تهيئة الأجيال الجديدة لكيفيات الاستعمال المثلى للأجهزة وفرص التشبيك المتجددة، علاوة على أنّ أخطاء الممارسة لا يبرأ منها حتى بعض مَن يُفترَض بهم أن يكونوا في موقع التوجيه والإرشاد.

المعايشة اللحظية والانفعالية

مكّنت تطوّراتُ التشبيك وتطبيقاتُ التواصلِ الإنسانَ من التعبير العلني عن لحظته والإفصاح الجماهيري عن انفعالاته، فهو يسجِّل حضورَه في الوسط الشبكي وتطبيقات الأجهزة. كان استعمالُ الأجهزة يتطلّب انتقال الأفراد إليها حيث هي؛ ثم صارت هي بذاتها متنقِّلةً معهم ولا تكاد تفارقهم، فاتخذها الإنسان وسيطًا لتحقيق معايشة افتراضية، وأداةً لبثّ انفعالاته ومباشرة البوْح الجماهيري المستمرّ عبر شبكات وتطبيقات مفتوحة له على مدار الساعة.

تكتسب المواكبة اللحظية والانفعالية حساسية خاصة لدى فئات الفتوّة والشباب المبكر، ففي هذا السنّ الذي يمتاز بالانفعالات المتذبذبة بوتائر حادّة نسبيًا؛ يجري التعبير عن ذلك عبر الشبكات وتطبيقات التواصل أيضًا؛ وبعواقب وخيمة أحيانًا.

وتأتي هذه التعبيرات الانفعالية مشفوعة بصُوَر يتمّ التقاطها من صميم الحياة اليومية أو من أروقة منزلية خاصة. كما تفاعلت هذه الحالة عند بعضهم بالتقاط صور ومشاهد ذات خصوصية عالية، وربما استمراء البثّ المباشر من أحواض الاستحمام مثلًا أو من غرف تبديل الملابس أو خلال الاستلقاء في السرير، مع اتجاه متفاقم لانتهاك الحياء و"الأعراف" التي تبدّلت جذريًا تحت وطأة التحوّل العابر للأمم والمجتمعات.

مع منحى الاقتراب من الوجوه وتفاعلات المعايشة الجماهيرية المستجدّة مع الفرد؛ ينزلق المجال الشخصي، أو الحيِّز الخاص، إلى نطاق الحيِّز العام، فيمنح الفردُ الجمهورَ الذي يواكبه عبر الشبكات والتطبيقات فرصة الاطلاع على أقدار من خصوصيّاته، من خلال التصوير والبثّ من داخل المنازل أو خلال بعض الأعمال والانشغالات اليومية.

ومع ارتفاع مؤشِّرات المتابعة والمواكبة يُحاكي الفرد في تواصله هذا نمطَ الشخصية العامة، أو يغدو شخصيةً عامةً بالفعل من خلال حضوره الشبكي النشِط ووفرة المتابعين الذين يحظى بهم. وقد استحال أطفالٌ وصِبْيَة إلى وجوه معروفة عبر ضربة شبكية واحدة حملتهم إلى النجومية؛ بمجرّد أن اختطف مقطع عفوي أو محبوك لأحدهم اهتمامَ الجمهور من حيث لم يحتسب. أمّا "المشاهير" التقليديون فيلجأ بعضُهم إلى هذه الخيارات لتعزيز حضورهم وتمكين الجمهور من استراق النظر إلى مساحات ذات خصوصية من المجال الشخصي لكل منهم، بما يتيح للناس ثقوبًا للتلصّص ونوافذ للفُرجة على نحو يلامس الشغف الجمعي بمعرفة كيفية عيش أحدهم أو تصرّفاته واهتماماته وتفضيلاته، ولهذا المنحى ما يكافئه لدى عموم الأفراد من مستعملي الشبكات والتطبيقات.

أتاحت تطوّرات التشبيك وتطبيقات الأجهزة الذكية اقترابَ الإنسان من الوسيط التقني الذي يحمله؛ واقترابَه من الوقائع التي يشاهدها؛ واقترابَه من الوجوه التي تظهر في الصُّوَر والمقاطع والبثّ الفردي المباشر، واقتحامه بيئاتها ومعايشته بعض تفاصيلها وتعرُّفه على تفضيلات أفرادها. أدّى هذا الاقتراب إلى تضخيم الوعي ببعض الوقائع والتفاصيل والوجوه التي لم تملك وسائل الإعلام من قبل ترف الالتفات إليها وسط الزحام، فأدخل هذا التطوّر الجمهورَ إلى "عالم الفرد" الذي يمارس الالتقاط والبثّ على طريقته، ويغدو مع الوقت مألوفًا للجمهور وقد يُعدّ من المشاهير بالتالي دون اعتبار للسنّ في هذه الحالة.

صار الفرد من هذا الوجه على الأقل مؤهّلًا لأن يؤثِّر في الجمهور تأثيرًا يتعاظم مع ارتفاع منسوب المتابعة الشبكية. تحظى مقاطع عفوية بملايين المشاهدات، ويكتسب متحدِّثوها ومتحدِّثاتها شهرة تبلغ الآفاق. إنّ ما يبدو مقطعًا فكاهيًا عابرًا أو تعليقًا سطحيًا ساذجًا أو معايشةً يومية قوامها الثرثرة بلا موضوع محدّد؛ هي في الأحوال جميعًا مشبّعة برسائل وإيحاءات وإن لم يقصدها صاحبها، وأدناها أنها تقترح، ضمنًا، طرائق معيّنة في العيش أو السلوك أو التصرّف أو الحديث أو التعبير تكون أسوة لآخرين، أو أنها تُطبِّع الجمهور مع هذا كلِّه وقد تفرض قبولًا بمسالك واستساغةً لنزعات أو تهاونًا معها على الأقل.

ثمّ إنّ لكلّ مذهب أو مشرب، أو اتجاه أو نزعة، مَن يعبِّرون عنها من ذوي الإطلالات الشبكية المرئية، وقد يحظون بالتفاف جماهيري حولهم، بما يوحي باستساغة المضمون أو التوافق معه أو تأييده؛ رغم أنّ المتابعة قد تأتي بدافع الفضول أو التعقّب والترصّد أيضًا. كثيرًا ما تتحدّد مكانة الشخص في المجتمع الشبكي طبقًا لعدد متابعيه، أو بموقعه من تصنيفات "المؤثِّرين" في الشبكات، التي تراعي منسوب تداول موادِّه أو التعليق عليها أو الانشغال بها. وتأتي المؤشِّرات الكمِّيّة المتعلِّقة بالأصدقاء والمتابعين والمشتركين والإعجابات والمشارَكات وإعادة التغريد لتمنح أوزانًا معنوية للأشخاص في الفضاء الشبكي، وهي قابلة للزيادة من خلال بثّ مواد أو مضامين تجتذب الاهتمام أو تدغدغ رغبات جماهيرية أو تثير الجدل. وفي منصّة "سناب تشات" المرئية التي تحظى بمتابعة جمهور المراهقين والأطفال بصفة خاصة؛ يجري التعبير عن منسوب التداول بمؤشرات مرئية عن أثر المشترك في الجمهور ودرجة حضوره، وهو ما يأتي باسم Streak أو Snapstreak وتُعَدّ مؤشِّراته معيارًا للحضور والتفاضل. تستدرج هذه الخاصية المراهقين والأطفال إلى استعمال يومي لتطبيق "سناب تشات"،  فالحفاظ على "الأثر" أو تعظيمه يفرضان المداومة المستمرّة على استعمال المنصّة بصفة نشطة، أمّا التغيُّب عنها فسيكون بمثابة تهديد للمكتسبات الكمِّيّة، والرمزية بالتالي، التي أحرزها المستخدِم بما يفرض عليه بذل جهود وأوقات لاستعادة منسوب المكتسبات المفقودة.

وتُتيح المعايشة اللحظية فضاءً للبَوْح الفردي وتناقُل الانفعالات، بما يمنح موقفًا عابرًا أو تعبيرًا لحظيًا فرص الذيوع في أوساط الجماهير، التي تتناقل مقاطع البوح أو تستنسخ صوره ونصوصه المقتضبة، وقد يصير الفردُ مُلهِمًا لغيره فسيتدرّ انفعالاتٍ متوالية في نطاقات غير محدودة. وقد تساهم إطلالات كهذه في تكييف الجمهور للقبول بأفكار وخيارات لم يستسغها من قبل، عبر تأثيرات تدفع بها مضامين ملحوظة أو غير ملحوظة.

تحوّلات الاطلاع والإحاطة والمعايشة والتجريب

يتّضح اتساع الفجوة بين الأجيال في مؤشِّرات الاطِّلاع والإحاطة والمعايشة والتجريب المتعلِّقة بحقول شتى. تمتلك الأجيال المتّصلة بالشبكة فرصًا غير مسبوقة للوصول إلى موارد المعلومات، وتحصيل ما يُنمِّي مهاراتها، والتعرّف على ثقافات وأساليب متعدِّدة في العيش، وإن كانت الاستفادة الفعلية من هذه الفرص تحفّها إشكاليات منهجية متعددة. ويُتيح الزمن الشبكي ما يتجاوز الاطلاع أو الإحاطة؛ إلى التمكين من المعايشة النسبية والتجريب وحتى الالتحاق الافتراضي أو الواقعي بأنساق رديفة أو فرعية أو بديلة في المستويات التصوّرية أو المفاهيمية، والعقائدية، والسلوكية. قد لا يقتضي هذا الالتحاق انسلالًا من النسَق التقليدي أو المباشر؛ ففي ثناياه أو في مشهده المرئي؛ تتشكّل تعبيراتٌ كامنة أو مشهودة عن جيوب متمايزة عن ما عُدّ إجماعًا ثقافيًا في النسَق، وقد تلجأ هذه الجيوب إلى التعبير السافر عن ذاتها وقد تنزع إلى استفزاز "مجتمعها" العريض لكسب الاهتمام وإثبات الحضور وانتزاع الاعتراف بوجودها، مع الاستقواء بتكتّلها الشبكي والاحتماء بخطابات صاعدة في الفضاء البشري المعولَم. تعبِّر جماعة المجاهرة بالفطر في رمضان عن هذا المنحى الذي له شواهد متزايدة. تلجأ هذه "الجماعة" عبر التكتل الشبكي إلى تنظيم تحركات إعلامية وميدانية في بعض البلدان وتصنع أحداثًا إعلامية تختطف الأنظار وتثير جدلًا واسعًا؛ كما جرى في رمضان 2018 في العاصمة التونسية مثلًا. وتلجأ بعض الحركات إلى أسلوب صناعة الحدث الاستفزازي لجذب الاهتمام إلى "قضيّتها" أو مطالبها، وهو ما يتجلّى في أسلوب حركة "فيمن" المتطرِّفة Femen التي تعتمد على التظاهر الفردي الصادم، بأن تتعرّى شابة أو شابات قليلات العدد في أماكن عامّة أو مواقع محترمة أو بانتهاك أماكن عبادة، تحت شعارات يُزعَم أنها حقوقية نسائية. لن تعجز أساليب كهذه عن اجتذاب أفراد قلائل للالتحاق بها ومحاكاتهاـ وهو ما تحقّق لحركة "فيمن" حتى من بلدان عربية. إنّ تنظيم تحرّكات في الميدان أو صناعة أحداث صادمة على هذا النحو هما من أمثلة المزاوجة بين الحضور الشبكي ونظيره المباشر بصفة متضافرة، أو التوسّع من العالم الافتراضي إلى العالم الواقعي، مع ضمان إشغال الجمهور بأحداث تعزِّز التصدّر الشبكي.

وتتجلّى فرص الاطلاع والإحاطة والمعايشة والتجريب المتاحة بصفة متعاظمة لأجيال الزمن الشبكي في حقل شهد تضخّمًا انفجاريًا مذهلًا في هذا الزمن ذاته، ألا وهو ميدان الفحش والرذيلة؛ أو المواد والمضامين والممارسات الموصوفة بـ"الإباحية". إنّ الفارق الجوهري بين عهديْن، خاصة في ما تُوصَف بالمجتمعات "المحافظة"، أنّ هذه المواد والمضامين والممارسات كانت تتطلّب سعيًا إليها وانتقالًا في طلبها، قد يكون شاقًا ومُكلِفًا، وقد لا يتحقّق المطلب المرذول في نهاية المسعى؛ ثم صارت في زمن الشبكات والشاشات المفتوحة مُتاحةً وحاضرة، وتتيح الاطلاع عليها والإحاطة بها ومعايشتها وتجريبها؛ أو الانغماس فيها بالأحرى دون مفارقة مكانية، مع وفرة مذهلة من المعروض في هذا الحقل بلا اعتبارات تُذكَر للمكان الذي قد يكون بلدًا محافظًا.

صار الانغماس في مثل هذا ميسّرًا حتى دون مفارقة مواضع الأقدام أو الانعتاق من جدران المنازل، وربّما دون أن ينكشف شيء من ذلك للمحيط الاجتماعي المباشر أو "الرقابة" الأسرية. ينطوي هذا التطوّر الجسيم على انقلاب في شروط الواقع الذي يُفترَض أن تشتغل فيه العملية التربوية والإرشادية بأدوارها المتعددة داخل البيت وخارجه، فإن ارتبط الانحراف المسلكي بالخروج من المنزل في ما مضى؛ فإنّ المكوث فيه لم يَعُد يدرأ الانحراف من هذا الوجه، وإن أوصى المربّون النشءَ بـ"الابتعاد عن مواطن الشبهات"؛ فإنّ هذه المواطن صارت تقعد للأجيال كلّ مرصد في ما يتراءى بين أكفّها وما يتقلّب بين أصابعها على مدار الساعة ودون أن تقيم اعتبارًا للسنِّ وإن لم يتجاوز مرحلة الطفولة أحيانًا التي صارت تتعرّض لمواد على هذا النحو بصفة غير مسبوقة رغم الخيارات التقنية في حماية الأطفال من المحتوى غير المناسب. تدفع هذه الحالة بتذبذب مسلكي غير مسبوق تحت وطأة غواية الفضول والتجريب والانغماس التي تُرافِق الفتى أو الفتاة في أحوال اليوم والليلة.

تشي هذه التحوّلات بأنّ كثيرًا من المجتمعات في الواقع العربي والإنساني عمومًا، لم تهيّأ أساسًا للزمن التواصلي الجديد، وانغمست فيه دون إرشادات أو استعدادات كافية لتفاعلاته المركّبة التي تتلاحق بلا هوادة. وما يزيد الوطأة على المجتمعات الموصوفة بالمحافظة، أنها قد تتحاشى الاعتراف بوجوه معيّنة من الواقع، وقد تتجنّب فحص الواقع والنقاش العلني بشأنه بما ينعكس على جاهزيتها للتعامل معه والتهيُّؤ لمستجداته المتلاحقة.


([1])  تداولت وفرة من المؤتمرات والندوات ووسائل الإعلام موضوع "فوضى الفتاوى"، وعلى سبيل المثال تصدّر هذا الموضوع أعمال المؤتمر العالمي الرابع للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، خلال انعقاده في القاهرة في الأيام من 16 وحتى 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2018 تحت عنوان "التجديد في الفتوى بين النظرية والتَّطبيق". وتخلل المؤتمر ورشة عمل تحت عنوان "نحو ميثاق عالمي جامع للفتوى"، ناقشت "حالة الفوضى التي أصيبت بها الساحة الإفتائية خصوصًا، والخطاب الإسلامي عمومًا؛ مما يزيد الحاجة إلى تعاون علمي يخرج بنا من حالة الفوضى إلى الاستقرار (...)". انظر:

http://www.fatwaacademy.org/viewarticle.aspx?ID=2484&LangID=1&CatID=1

([2])  انظر مثلًا:

Bulch, Emma/ Pramiyanti, Alila: Hijabers on Instagram: Using visual social media to construct the ideal muslim woman. Social Media + Society, Oct.-Dec. 2018, pp.1-15.

Kavakci, Elif/Kraeplin, C. R.: Religious beings in fashionable bodies: The online identity construction of hijabi social media personalities. Media, Culture & Society, 39, 2017, pp. 850–868.

([3])  سعت بعض الدراسات والتقارير إلى تحديد فيصل زمني لنقلة الأجيال هذه، وتتفاوت المقاربات لزمن ميلاد هذا الجيل بين أواسط التسعينيات وأواسط العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وحدّد مركز "بيو" للأبحاث Pew Research Center سنة 1997 كمحطة فارقة بين جيلين مع فجوة واضحة بينهما في مجالات عدّة، وأصدر المركز تقارير عدّة ترصد سمات هذا الجيل وإن كانت دراساته تتركز على البيئة الأمريكية، انظر مثلًا:

http://www.pewsocialtrends.org/2018/11/15/early-benchmarks-show-post-millennials-on-track-to-be-most-diverse-best-educated-generation-yet/

([4])  أظهر تقرير أصدره معهد بيو للأبحاث في آب/ أغسطس 2018 أنّ 54 في المائة من المراهقين الأمريكيين يعتبرون أنهم يستعملون الهواتف المحمولة لأوقات طويلة جدًا، وأنّ قرابة ثلثي الآباء والأمهات يشعرون بالقلق من المدة التي يقضيها أبنائهم وبناتهم مع الشاشات المحمولة.

Pew Research Center: How Teens and Parents Navigate Screen Time and Device Distractions. (Report) August 2018.

([5])  شاكر، حسام: "الحالة الدينية في أوروبا، المشهد الراهن ومؤشرات المستقبل" (ورقة)، ندوة "التديّن في أوروبا"، تنظيم: المعهد العالمي للفكر الإسلامي والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث والمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، باريس 11-12/7/2002.

([6])  انظر في هذا الشأن مثلًا أعمال أستاذة علم النفس جين توينغي:

Twenge, Jean: Generation Me: Why Today's Young Americans Are More Confident, Assertive, Entitled - and More Miserable Than Ever Before. 2014.

Twenge, Jean: The Narcissism Epidemic: Living in the Age of Entitlement. 2010.

([7])  من قبيل إقدام فتيان على إيهام الجمهور عبر مقاطع في منصّة "سناب تشات" بأنهم يحاولون الانتحار بما يمكن تفسيره أحيانًا بمحاولة كسب الاهتمام والتعاطف، أو قيام شابات بنزع القماش الساتر لشعورهن في مقاطع مرئية عبر منصّة "يوتيوب".

([8])  تعتمد لعبة "تحدِّي الحوت الأزرق" الشبكية على خوض تحدِّي يستغرق خمسين يومًا، بمعيّة مشرف عبر الشبكة، بما ينتهي إلى الغواية بفكرة الانتحار الذي جرّبه بعضهم. ونشرت هيئات تعليمية وتربوية وإرشادية ومدارس عدّة حول العالم تحذيرات للنشء وأولياء الأمور من المشاركة في هذه اللعبة الموصوفة بأنها "خطرة جدًا". انظر مثلًا ملصقًا تحذيرًا أصدرته مدرسة فرينغتونز البريطانية في نيسان/ إبريل 2017.

http://www.farringtons.org.uk/attachments/download.asp?file=640&type=pdf 

([9])  على سبيل المثال تتكرّر الهجمات المعنوية على شخصيات رمزية مثل صلاح الدين الأيوبي، أو تستهدف المجتمع النبوي، وقد تبلغ مبلغها في التعدِّي الإيحائي أو المباشر على المقام النبوي ذاته بأساليب مباشرة أو غير مباشرة.

([10])  ما يعبِّر عن ذلك، مثلًا، محاولة نفي المكانة والخصوصية والرمزية عن مدينة القدس كما في إطلالات يوسف زيدان.

([11])  مثلًا من خلال تأكيد الصفة العربية أو الوطنية أو الجهوية في بعض المجموعات والمنتديات، مثل منتديات "الملحدين" أو منتديات مختصة باهتمامات شائنة أخلاقيًا، على سبيل المثال.

([12])  تأثير الجمهرة أو سلوك الأمّعة يأتي في الدراسات الاجتماعية تحت تعبير "سلوك القطيع" (Herd Behavior) وفق ما جاء في أعمال فلسفية واجتماعية، وجاء عند نيتشه مثلًا بتعبير "غريزة القطيع" (Herd Instinct).

مقالات اخرى

Melbourne Web Design & Development
menu-circlecross-circle linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram