نحو فهم آخر لظاهرة التطرّف في تونس؟

صلاح البوعزيزي([1])
         تُواجه تونس انخراط الآلاف من شبابها في صفوف "التنظيمات الجهادية" في مناطق الصراع : في العراق وسوريا وغيرها، وتأتي تونس كأول بلد في العالم يمد "تنظيم الدولة" بالمقاتلين.

      والسؤال المطروح: لماذا يعزف الشباب التونسي عن المشاركة السياسيّة والانتخابية؟ ولماذا تونس هي أكثر البلدان تصديرًا للمقاتلين إلى ساحات "الجهاد العالمي؟ وهل تشكل الخلفية الفكرية والأيديولوجية الدافع الأساس أم هناك أسباب أخرى؟

         إذا أردنا فهم هذه الظاهرة فينبغي أن نرجع إلى جذورها التاريخية، خاصة بعد سنة 1979 وهي السنة التي صعد فيها الإسلام كقوة قادرة على التغيير، ونعني هنا "الثورة الإسلامية الإيرانية"، وانكفاء القومية العربية، ودخول مصر في تسوية مع الكيان الصهيوني، وبداية الغزو السوفيتي لأفغانستان. حينها بدأ بعض التونسيين يحاولون الالتحاق بالجماعات المسلحة التي كانت تعُدُّ نفسها في حالة "جهاد" ضد السوفييت، في أفغانستان ثم في الشيشان، وبدعم من الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية وباكستان.

          وقد أدت هذه الأحداث، والصراعات في البوسنة والهرسك والصومال وغيرها، إلى استقطاب عدد من الشباب التونسي الذي كان موجودًا في أوروبا ولاسيّما في فرنسا وبلجيكا وبريطانيا، فضلًا عن  القضية الفلسطينية، والمظالم المسلطة على المسلمين خاصة بعد احتلال العراق سنة 2003.

         ولكل هذه العوامل الخارجية تأثير، لكن يبقى للبيئة المحلية التأثير الأكبر، فالشعور بالمظلومية، والتهميش، وحالة الإحباط والبطالة، وانسداد الأفاق، وصعوبة الاندماج والتفاعلية داخل المجتمع، وارتفاع نسبة التسرب الدراسي حيث تُشير آخر الإحصائيات إلى انقطاع أكثر من 110 آلاف تلميذ سنويا، وأكثرهم لا يجدون الحاضنة الأسرية والاجتماعية التي تُوفر لهم التأطير والرعاية أمام ضغط الحياة اليومية التي يُواجهها المجتمع والعائلة، يُضاف إلى ذلك ضعف الدولة وعجزها عن ممارسة دورها في هذا المجال، وانتشار المخدرات وبعض أشكال الفساد والانحرافات الأخلاقية والسلوكية في الوسط المدرسي. أضف إلى كل هذا، التصحُّر الديني والثقافي خاصة قبل الثورة، إذ كان الالتزام ولبس الحجاب والمواظبة على الصلاة الجماعية يُعرّض صاحبه للقمع. كل هذه العوامل مجتمعة أثرت على نشأة نمط جديد من التدين فيه منسوب كبير من الحقد والانتقام.

         وفي نهاية 2006 ومطلع 2007 شكلت "عملية سليمان" أول عمل مسلح ضد الدولة تتبناه "التنظيمات الجهادية"، والتي كانت تنوي إقامة معسكر تدريب قريب من العاصمة، وربما خططت لتنفيذ عمليات. فردت الدولة بحملة اعتقالات ومحاكمات انتهت بالسجن لعدد كبير من القيادات والمناصرين الذين قُدّر عددهم بـ 3000 عنصر حسب تقارير المنظمات الحقوقية.

         وبعد ثورة 17 ديسمبر، ارتفع منسوب الحريات، فكانت حرية التدين، والتفكير والتعبير، وتشكيل الجماعات والأحزاب، وأطلق سراح المعتقلين بعفو تشريعي عام 2011، وكانت هناك دعوات خارجية يؤكد مضمونها على أن هذه الثورة ثورة إسلامية. فنشط العمل الدعوي والخيري والاجتماعي واستثمر القائمون عليه في الشباب الذي يُشكل الشريحة الأكبر في المجتمع التونسي حيث تجاوزت النصف، وهو خزين كبير من الطاقة والقوة العمل والإنتاج المهدور من قِبل الدولة والتنظيمات السياسية، حيث وصلت نسبة البطالة لأول مرة 15.4% سنة 2016، أي: ما يعادل 620 ألفًا من العاطلين عن العمل، من بينهم ما يربو على 230 ألفًا من حاملي الشهادات الجامعية العليا، في حين لم تتجاوز نسبة المشاركة في الأحزاب السياسية 2%.

         أمام حالة الإحباط المستمرة هذه التي يعاني منها الشباب، ومخرجات العملية السياسية بعد الثورة التي لم تكن في حجم الانتظار، إضافة إلى عوامل البطالة، والتهميش، والفقر الروحي والمادي والمعرفي، وعندما تجتمع هذه الأنماط الثلاثة للفقر يصبح الشباب المهمش والمقصي مهيّئًا للاعتقاد أنه لا توجد إمكانية لتغيير الواقع إلا بفعل عنيف ضد الدولة يكسب هذه الفئات المقهورة داخليا وخارجيا معنى جديدا. ولم يكن من باب الصدفة أن معظم هؤلاء كانوا من أحياء شعبية وأبناء مناطق داخلية مهمشة وفقيرة.

         وفي مقابل ضعف الدولة والنخبة السياسية، تتمتع "التنظيمات الجهادية" بقوة جذب عن طريق الفكرة والقدرة على تحويل الشاب من عنصر مهمش ومنبوذ إلى عنصر قيادي وفاعل مدمج في جماعة، وله في حياته أهداف يسعى إليها، كما تحقق له هذه "الجماعات" الرعاية والعناية الروحية والمادية والمعنوية.

         إن الممارسات التي تقوم بها "التنظيمات الجهادية" على أرض الميدان وساحات الصراع تؤكد تشوّها في التصوّر، كما تؤكد أنّ التحاق الشباب بهذه "التنظيمات" لا يحركه الدافع الفكري والأيديولوجي فحسب، بل توجد أسباب أخرى قوية تغذيه وتدعمه متعلقة بالوضع السياسي والاجتماعي والتنموي، وهو شكل من أشكال ردود الأفعال شأنه شأن المشاركة السلبية في العملية السياسية، أو الهجرة غير الشرعية حيث يلتهم البحر مئات الشباب التونسيين كلّ سنة، ويعلق مئات غيرهم في مراكز الهجرة، وما تنفك قوارب الموت عن التزايد سنة بعد سنة، وكذلك هجرة الأدمغة التونسيّة الشابة إلى أوروبا وأمريكا وغيرها من البلدان، إذ لا ترضى بالبقاء في بلادها.

         وفي ظل غياب مشروع مجتمعي مواطني كامل الشروط وواضح الملامح، وغياب خطاب عقلاني يصالح الإنسان مع دينه ومع مواطنته، ويخرجه من دائرة العيش في حرج المواطنة أم التدين، وكذلك غياب القدرة على تجنيد هذه الطاقات الشبابية في سبيل إنجاز مشروع ما في ظل كل ذلك سنبقى نكرر إنتاج الظروف الموضوعية نفسها المنتجة لظّواهر التطرف. والحديث عن مراجعات ومقاربة فكرية لا يكفي، والمقاربة الأمنية على أهميتها لن تقضي على الظاهرة، وكل حلّ منفصل عن إطار المقاربة الشاملة يقضي على أسباب الانحرافات النفسية والاقتصادية والاجتماعية ومعالجة "العطوبة الاجتماعية" كما يسميها أحد الباحثين في علم الاجتماع، ستبقى البيئة التونسية بيئة خصبة لنشأة مثل هذه التيارات.


([1]) كاتب من تونس

مقالات اخرى

Melbourne Web Design & Development
menu-circlecross-circle linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram