

مضر عبد الرحيم الراوي أكاديمي عراقي ليس من المبالغة القول ان ما تشهده المنطقة العربية من تحولات وتطورات تلقي بظلالها على الداخل العراقي ولو بصورة متباينة من دولة إلى أخرى، فتأثير التغيير الذي حصل في تونس ومصر على الداخل العراقي لا يشابه بالقطع تأثير مايحصل في البحرين وسوريا. ولكن السؤال المطروح هنا، هل ان حال العراق كحال الدول التي حصل او مازال يحصل فيها التغيير؟ هل الظروف الداخلية للساحة العراقية تتشابه مع الدول العربية؟ وماهي المتغيرات العربية التي تلقي بظلالها على الاوضاع الداخلية في العراق؟ فالعراق دولة محتلة ومحكوم من أحزاب طائفية وصلت إلى سدة الحكم بعد 2003، ولقد تظافرت امور عدة عملت على تدهور الاوضاع الانسانية والاقتصادية والثقافية فيه، فنجد ان مستويات البطالة قد وصلت إلى اكثر من 50% من مجمل الأيدي العاملة في العراق، إضافة إلى استشراء الفساد بأشكاله المالية والادراية حتى أُعتبر العراق وفق اخر التقارير الدولية في المرتبة الثالثة قبل الاخيرة في الدول الاكثر فساداً، إضافة إلى اعتبار العاصمة بغداد من اخطر العواصم في العالم بسبب التردي الامني في العراق عموماً[1]، تظافرت هذه العوامل مجتمعتاً مع محاولة المحتل في صياغة هوية جديدة للشعب العراقي معتمداً في طرحه الجديد على فرز مكونات الشعب العراقي إلى اعراق وطوائف وتأسيس دولة العراق الجديد على هذا الاساس المتشظي واستطاع المحتل من تنفيذ جزء من صورته للعراق الجديد من خلال دخول مكونات الشعب العراقي في صراع تجلى في صورة عنف طائفي وعرقي، بالإضافة إلى محاول فصل العراق عن محيطه العربي وتجلى ذلك واضحاً في الدستور العراقي الدائم تزامناً مع التخوف العربي من التوغل في العمق العراقي بعد احتلاله على الرغم من المواقف المتباينة المسبقة لبعض الدول العربية من الاحتلال الأمريكي للعراق، في ظل تغلغل ايراني واسع وواضح للعيان. لكن بالرغم من الظروف المسبقة نجد ان الشعب العراقي أظهر بصورة واضحة انه مؤثر ومتأثر بمحيطه العربي رغم محاولات المحتل وأعوانه في فصله عن هذا المحيط، لذا نرى ان الشارع العراقي خرج في تظاهرات عفوية تأييداً لمطالب المتظاهرين في تونس ومصر للمطالبة بحياة حرة وكريمة ودعماً لمطالبهم المشروعة[2]. وصولاً إلى تأثير مجريات التغيير في العالم العربي على الاوضاع الداخلية للعراق ستعمل الورقة البحثية على تقسيم هذه الآثار إلى محورين: المحور الأول السياسي، والثاني هو المحور الشعبي( غير الرسمي)، من أجل تكامل الصورة وصولًا إلى أوسع فهم وإدراك للحالة العراقية وموقفها من التغيير الحاصل في البلدان العربية. أولًا: المحور السياسي: ليس بخفي التخوف الواضح لدى الحكومة العراقية من مجريات التغيير الحاصل في العالم العربي والذي ألقى بظلاله على الساحة الداخلية العراقية والذي تجلى في المواجهة العنيفة للتظاهرات واستعمال الأساليب البوليسية بدءً من الاعتقال والاستعمال المفرط للقوة وصولاً إلى عمليات القتل التي تعرض لها المتظاهرون فضلاً عن عمليات الاغتيال للشخصيات البارزة في هذه التظاهرات، واعتماد الحكومة على تشويه صورة المتظاهرين اعلامياً من أجل امتصاص الزخم الحاصل لدى الشارع في الخروج بتظاهرات مطالبة بالتغيير. انطلاقاً من مما سبق نرى: تباين ردود أفعال الحكومة العراقية من حالات الثورات والتَغَيُرات الحاصلة في العالم العربي التي قد تلقي بظلالها على الشعب العراقي وتوجهاته من الحكومة ومجريات الاحداث في العراق من احتلال وتشكيل العملية السياسية التي بنُيت على أُسس طائفية وعرقية. فنرى موقف الحكومة العراقية المؤيد للتظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات الجارية في البحرين والذي اتضح انه يأخذ بعداً طائفياً تمثل بتصريح رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لإذاعة ال بي بي سي العربية حيث قال " ان التظاهرات في مصر وليبيا ذات قضية ليست بالطائفية لكن في البحرين أصبحت القضية بين سنة وشيعة". وأضاف " أن دخول قوات من دول عربية ( في إشارة إلى قوات درع الجزيرة) مصنفة سنية إلى جانب الحكومة السنية في البحرين وضع الشيعة أمام حالة وكأنها عملية حشد سني ضد الشيعة".[3] اما موقف البرلمان العراقي فلم يأتي خارج الاطار الرسمي للحكومة إذ عمل على تعليق جلساته لمدة عشرة ايام اعتباراً من 17/3 ولغاية 27/3/2011، احتجاجاً على قمع المتظاهرين في البحرين[4]، كما وتم تأسيس اللجنة الشعبية لإسناد الشعب البحريني بزعامة أحمد الجلبي الذي أعلن عن تبرعه بمبلغ خمسة ملايين دولار، دعماً للمظاهرات التي تشهدها مملكة البحرين[5]. في حين نرى موقف الحكومة المتباين وغير الواضح مما يجري في سوريا والذي تجلى في مواقفها من تظاهرات الشعب السوري والذي اتضح من خلال التصريح العلني لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي " دولة مثل سوريا.. دولة محورية محاطة بتحديات وأزمات حادة وعنيفة والمنطقة كلها معرضة للاهتزاز والارتباك إذا ارتبك الوضع الداخلي في سوريا وتحول إلى حرب طائفية او حتى إذا حصل التغيير على خلفية طائفية "[6] بما يؤكد على المساندة الواضحة للحكومة السورية في صدها للمتظاهرين . في حين نرى أن وزير خارجية العراق هوشيار زيباري في تصريح له حول الثورات العربية وما يحصل من تغيير في العالم العربي، قائلاً " نحن نؤيد حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتحقيق إرادتها وخياراتها السياسية، نحن مع حريتها ومع مطالبها الديموقراطية وكرامتها "[7]. أما فيما يخص باقي الدول العربية تونس ومصر واليمن وليبيا، فمن الممكن التعرف على الموقف الحكومي الرسمي منها، إذ نجد ان الموقف العراقي من الثورات العربية مرحباً من حيث الناحية الشكلية إلا أن التمعن في المواقف والتصريحات التي يعلن عنها تباعاً في العراق توضح التخوفات التي تدور في أروقة الحكومة العراقية من مجريات الأحداث على الساحة العربية فمن الممكن تلمس القلق والتخوف من وصول تيارات إسلامية سلفية إلى سدة الحكم في الدول العربية، حيث حذَّر رئيس الوزراء نوري المالكي ، في وقت سابق، " من أن تتعرض التظاهرات الشعبية ( في بعض الدول العربية) إلى تسييس ممن وصفهم بلصوص الثورات، مؤكدا على ضرورة ان يرافقها وعي كامل وإلا لن تكون ربيعا بل ستتحول إلى خريف يجر البلاد إلى سايكس بيكو جديدة وتقسيم الدول إلى دويلات " وصرح كذلك " إن ما يحدث من تظاهرات واحتجاجات بما يسمى بالربيع العربي يساهم بتفكيك واضعاف الدول العربية ويصب في مصلحة الصهيونية"[8]. كما واشارت النائبة عن أتلاف دولة القانون بتول فاروق إن " أغلب المنضوين تحت راية التغيير في الدول العربية التي شهدت انتفاضات وثورات هم من التيار السلفي وتنظيم القاعدة، ونخشى ان يأتي البديل في هذه الدول سيئاً ومضراً للعراق"[9]، وفي هذا السياق حذر المجلس الاعلى الاسلامي من حرب محتملة بين العراق وسوريا في حال وصول السلفين إلى الحكم في دمشق[10]. ومن الممكن إجمال الموقف الرسمي للحكومة العراقية الذي امتاز بالتلون وعدم الثبات على سياسية واحدة، إذ اختلف عن باقي المواقف العربية الرسمية، وهو كالآتي: ألقى تذبذب الموقف الرسمي العراقي بظلاله على الساحة العربية إذ برز خلاف واضح بين الحكومة العراقية وأغلب حكومات دول الخليج نتيجة لموقفها من مجريات الاحداث في البحرين الأمر الذي انعكس في تأجيل القمة العربية المزمع عقدها في بغداد. ثانيا: الموقف الشعبي : من الممكن لمتتبع مجريات الاحداث في الساحة العربية التعرف على أبرز ردود أفعال الشعب العربي تجاه الثورات الحاصلة في مختلف أقطاره، فنتيجة للتطور التكنلوجي الحاصل وتسارع وتيرة التغيرات جعل التفاعلات العربية في ترابط وتواصل كبير. لذا نجد ان الساحة الشعبية العراقية لم تكن معزولة عن مجريات الساحة العربية، وتم تأسيس ما يعرف بالحراك الشعبي الذي يتكون من (19) حركة وهي: أئتلاف ثورة شباب 25/ شباط العراقية، وائتلاف شباب نصب الحرية من أجل العراق، واتحاد الطلبة التقدمي، وتجمع 25/شباط، وحركة 15/ شباط، وحركة كفى، وتجمع شباب من أجل التغيير، وشباب 24/ شباط، وتجمع الثورة الزرقاء، وتجمع المادة 30، ولجنة الاحتجاجات الجماهيرية، والاتحاد العام للمجالس العمالية، وشباب أين حقي، وثورة الغضب العراقي، إضافة إلى فرسان تحرير العراق الالكترونيين، وحركة نهضة العراق، وحركة شباب العراق المستقل، وتجمع عاصفة الغضب العراقي، وحركة ثوار الرافدين. واتفقوا على تأسيس هيئة موحدة اطلقوا عليها اسم (هيئة تنسيق الحراك الشعبي) للتنسيق ما بينها وتوحيد مطالبها في كل محافظات العراق[11]. وقد تجلى هذا الترابط والتواصل من خلال الخروج بتظاهرات عفوية من قبل اغلب ابناء الشعب العراقي تأييداً ومناصرة للثورات العربية وخاصة في تونس ومصر، إذ نجد ان العراق يشهد منذ شباط/ 2011، خروج مظاهرات كل جمعة خاصة في ساحة التحرير وسط بغداد، إلا أن التظاهرة الأكبر والتي عمت أغلب محافظات العراق كانت يوم 25/2/2011، حيث خرج الاف العراقيين في (15) محافظة من مجموع محافظات العراق والبالغة ( 18 ) محافظة، وكان أعنفها في محافظة نينوى وسميت بجمعة الغضب، إذ ذهب ضحيتها حوالي 24 شهيدًا ومئات الجرحى والمعتقلين[12]، وكان لهذه التظاهرات عدة مؤشرات على المستوى الشعبي من أهمها: إن ما دعى العراقيين للخروج في تظاهرات واعتصامات رغم كل الظروف ( تفجيرات واعتقالات وعمليات خطف، بالإضافة إلى الفساد المالي والادراي والفقر والجوع وانتهاك لحرمة الانسان ) والتي ادت إلى ضعف المظاهرات نوعاً ما قياساً بالبلدان العربية، هي دلالة على وجود شعب حي وحركة وطنية في العراق المحتل، هو ما يدل على أنه ليس بمعزل عن حركات التحرر والثورات في الوطن العربي، كما ونعتقد أنها خطوة نحو الأمام في ظل الظروف القاسية التي يعيشها الشعب العراقي الأمر الذي سيدفع في المستقبل القريب إلى تطور هذه الحركة في العراق إلى الاعتصامات والعصيان المدني والذي قد يفضي في نهاية المطاف إلى إحداث تغيير جوهري في العراق بالتزامن مع التطورات السياسية الحاصلة في مجمل الوطن العربي. سناريوهات مستقبلية لما قد تفضي إليه التظاهرات في العراق : نستطيع القول إن التظاهرات الشعبية التي شهدها وما زال العراق قد أثرت وبصورة واضحة وكبيرة على أداء الحكومة العراقية، إذ نجدها قد تخبطت تصريحات المسؤولين الحكوميين إضافة إلى التخبط في طريقة مواجهة هذه التظاهرات الأمر الذي دعى الحكومة العراقية إلى اتخإذ جملة تدابير من أجل تهدئة الجماهير العراقية منها اعطاء الحكومة لنفسها مهلة مئة يوم من أجل تصحيح مسارها، هذا ومن ناحية أخرى اتخذت الحكومة عدة تدابير أمنية تمثلت في اعلان حضر للتجول ايام الجمعة تخوفاً من تكرار ربيع عربي في العراق والعمل على استنفار القوى العسكرية على مختلف صنوفها لمواجهة التظاهرات الشعبية إذ وصل الأمر إلى استخدام القوة الجوية في التصدي للمتظاهرين، فيما نرى ان السلطة التشريعية والتي حاولت أن تمتص نقمة المتظاهرين من خلال ادعائها انها إلى جانب المطالب الشرعية للمتظاهرين في تحسين الخدمات وانهاء الفساد الاداري والمالي ورفضها للعنف الذي جوبه به المتظاهرين، ألا أنه على أرض الواقع لم تقم بمحاسبة أحد على الرغم من مقتل أكثر من 24 متظاهرًا إضافة إلى مئات الجرحى والأساليب القمعية الأخرى التي مورست تجاه المتظاهرين. بناءً على ماسبق من الممكن الوصول إلى ثلاث سيناريوهات، قد تؤول اليها الاحداث الجارية في العراق متأثرةً بمجريات الاحداث في الوطن العربي، وهي كالآتي: السيناريو الاول: من الممكن حصول التغيير في العراق بقوة السلاح علماً ان مؤشرات العنف في العراق مرتفعة، خاصة إذا حصل التغير في النظام السوري مع ارتباط هذا التغيير بالعنف، مما سيلقي بظلاله على المنطقة والعراق على وجه الخصوص. السيناريو الثاني: مع انسحاب الاحتلال الأمريكي، نجد احتمالية ارتفاع مؤشرات العنف السياسي، سيما ان السياسيين الموجودين في سدة الحكم لم يتوصلوا لغاية اليوم لحلول للمشاكل العالقة فيما بينهم، الأمر الذي ينتج عنه عدة صور للعنف السياسي من أهمها استعمال السلاح من الطرف الحكومي يقابله اعتصامات وعصيان مدني، يفضي بالضرورة إلى تغيير النظام السياسي في العراق. السيناريو الثالث: هو بقاء الأوضاع على ماهية عليه في العراق، مع تغيير في شكل وأشخاص العملية السياسية بصورة شكلية لغاية الانتخابات القادمة في العام 2014، الأمر الذي يفرز شخوصًا جددًا في سدة الحكم، لكن دون التغيير في الجهات المسيطرة على النظام السياسي في العراق . [1] دراسة صادرة عن معهد الاقتصاد والسلام في استراليا، الدراسة على الرابط الالكتروني: net.aljazeera.www، تاريخ 2011/10/3 ، وقت الدخول 9:10 صباحاً. [2] وليد الزبيدي: العراق المأزق والخلاص ( المستقبل العربي، العدد: 386، 2011)، ص 71. [3] اذاعة البي بي سي العرابية على الرابط الالكتروني : http://www.bbc.co.uk/arabic/، 26/3/2011. [4] اذاعة العراق الحر، على الرابط الالكتروني: http://www.iraqhurr.org/، 7/10/2011. 4:15 عصراً. [5] مجلة الرائد على الموقع الالكتروني: http://www.al-raeed.net/raeedmag/preview.php. 6/10/2011، 1:00 ظهرا. [6] مقابلة مع تلفزيون المنار اللبناني بتأريخ 29/9/2011، http://www.nile.eg/ ، 6/10/2011، 2:35 ظهراً. [7] التصريح منشور على الرابط الالكتروني : http://www.shafaaq.com، 6/10/2011، 10:10 صباحاً. [8] محمد السعيد، منتديات الفكر القومي العربي، على اربط الالكتروني net.alfikralarai//:http [9] قناة الفيحاء الفضائية، على الرابط الالكتروني : http://www.alfayhaa.tv/news/iraq/، 7/10/2011، 6:00 عصراً. [10] سبتايتل قناة التغيير الفضائية، في الساعة 9:00 وبتاريخ 17/10/2011. [11] بيانات الهئية على الرابط الالكتروني: com.elaph.www، والرابط الالكتروني com.kitabat.www. وموقع الهيئة الرسمي على صفحة الفيس بوك تحت اسم: هيئة تنسيق الحراك الشعبي/ العراق. [12] وكيبيديا الاحتجاجات العراقية 2011، على الرابط الالكتروني : 2011/wiki/org.wikipedia.ar//:http. تاريخ الدخول10/10/2011، وقت الدخول: 11:00 صباحاً. [13] جريدة الشرق الاوسط، العدد: 12008، في تاريخ 16/2/ 2011. [14] بيان السستاني على موقعه الرسمي: org.sistani.www، فتوى وكلاه على الرابط الالكتروني ch.iraq.www [15] وكالة السومرية نيوز، على الرابط com.marianewsalsu.www [16] شبكة اخبار العراق على الرابط الالكتروني: .comaliraqnws.www