مشروع العراق الجامع، مع المرسِل والمرسَل إليه

12 أكتوبر, 2021

جارث الأزدي

لعل أولى خطوات الفهم الصحيح في إدراك ما يُلقى إليك من أفكار أو مشاريع تكمن في التعرف إلى المرسِل ومن ثم فهم محتوى الرسالة ثم البحث عن جمهورها المستهدف (المرسَل إليه) وآلية تنفيذها وهل هي قابلة للنماء والبناء عليها؟.

        أم أنها نقش على ماء أو استهلاك إعلامي يُراد به الإلهاء، ولا شك أن من يصدِّر مبادرته أو مشروعه برفض العملية السياسية الجارية في العراق التي أسس لها المحتل ورعاها ما بعد 2003م، لا يرمي من ورائها غايات خادعة ولا مشاريع وهمية لأنه ببساطة شديدة وضع نفسه أمام مشروع يريد سحقه فهو بهذا الطرح يتصدى له متدرعا بتجميع العراقيين على مشروع جامع؛ إنه يبادر إلى طرح الحل بتجرد من المصالح إلا المصلحة العراقية لتعود على كل العراقيين بالخير والصلاح ومحاربة الفساد وكشف الفاسدين.

        ولعلي أستقي من توطئة مبادرة الهيئة ودواعيها التي وردت في نصها فهما فأقول: لو استقبل العراقيون من أمورهم ما استدبروه لما وجدوا أحكم ولا أصدق ولا أثبت من الثوابت التي أطلقتها هيئة علماء المسلمين منذ بداية انطلاقتها وحتى اليوم، فهي التي نادت بإخراج المحتل وكان يومها من يقول عن هذا الطلب إنه محض خيال لا نحلم بالوصول اليه ويطرحون كاذبين هرطقات التعامل والتعاون فيما كان آخرون يسمون الاحتلال بالحضاري وانه سيضع العراق في مصاف اليابان.

        ألا وقد تحقق ما نادت به الهيئة بفضل الله ثم بضربات المقاومة العراقية التي أنهكت قوات الاحتلال فراحت مراكز قراره تبحث في ثنايا قوانينها عن الأسلوب الأمثل للخروج من ساحة القتل العراقية، ثم بدأ بعدها المدّعون بتغيير التسميات من قوات التحالف إلى قوات الاحتلال.

        وتميزت الهيئة عن غيرها بجرأة الحكم على الأشياء وتسميتها بما هي عليه فكان بيانها السياسي المتميز عن مجلس الحكم ووصفته بما يستحق وكيف لا وهو المجلس التحاصصي الأول المعين من بول بريمر الحاكم الأمريكي المدني المنتدب لممارسة الحكم على مجموعة الأحزاب والشخصيات والجماعات التي ارتضت أن تكون أدوات في مشروع الاحتلال.

        ولموقف الهيئة إزاء الدستور وكشفها عن مواطن ألغامه مفصل آخر يجب التوقف عنده فقد كانت أول من وضع النقاط على الحروف وطبعت في ذلك وثيقة أطلقت عليها مآخذ هيئة علماء المسلمين على الدستور وقد كان وقتها السوق السياسي والإعلامي يسير باتجاه مواصلة الخداع لإقراره وأنه سيكون فاتحة الخير على العراقيين وإذا به يأتي على وفق ما رأت الهيئة من نتائجه.

        ألا وقد تبين للقاصي والداني ما فعله الدستور وما أسس له من مشكلات حتى بات مقروه يصيحون منه الغوث فضلا عن كاتبيه أنفسهم الذين باتوا يدعون لتغييره بعد أن أحكموا غلق التعديل بموانع يستحيل معها تحقيق أي تعديل.

        المواقف كثيرة وهي بحق تستحق الوقوف عندها وتبيانها، لكننا اليوم أمام مفصل لانطلاقة جديدة بمرتكزات معروفة للعراقيين في وقت وصل فيه العراقيون جميعا إلى قناعة تامة وبوعي كامل أن العملية السياسية التي أنتجها الاحتلال الأمريكي وسيطر عليها الاحتلال الايراني ما هي إلا دوامة تحاول محركاتها المتمثلة بالأحزاب والميليشيات والتجمعات إدامة الصراع وصولا إلى ابتلاع العراق وإنهائه.

        حين طالعت بنود المبادرة بعنوانها الكبير الأثير وجدت إجادة المُجيد في استخدام الألفاظ وتأثيث معانيها بأسلوب يجعلها في متناول القارئ العميق والمواطن الباحث عن حل في خضم أمواج متلاطمة من أجندات تتقاذفه بعيدا عن بر الأمان.

        نعم لن يصل العراقيون إن تفكروا في المبادرة منفردين أو مجموعات إلى غير هذا الحل الذي جعل العراق هو الحل الجامع، فضلا عن تحديد وتحييد السبب في دمار العراق والعراقيين وهو أن هذا المشروع سيكون حصرا للعراقيين ممن لم ينخرطوا في عملية سياسية  أنشأها المحتل أو من توابعها.

        إن المبادرة حددت الجو العام الذي يملي على كل عراقي التفكر بحاله وحال العراق بعد أن وصل المدّعون أنفسهم ممن دخلوا مشروع الاحتلال بصفحته السياسية  إلى انسداد الأفق السياسي وظهرت للعيان جبال مفاسدهم ودب الصراع فيما بينهم بعد أن أوصلوا العراق إلى الانهيار التام والإفلاس حتى اجتاحت التظاهرات المطالبة بالخدمات أولا وصعّدت مطالبها لتصل إلى إلغاء الدستور وإنهاء عمل مجلس النواب والهتافات الصريحة بالإطاحة بالطائفيين وكشف الفاسدين والمطالبة بمحاسبتهم.

        من المؤكد أن المبادرة ليست انعكاسا سريعا لما حدث في الشارع العراقي اليوم فهي قد أعلن عنها قبل أكثر من شهرين وجرت خلال هذه المدة لقاءات وحوارات حتى تبلورت هذه المبادرة في شكلها الذي أعلنت فيه، والشارع انتفض قبيل إعلان المبادرة وهذا يؤكد أن القائمين على المبادرة على دراية تامة بما يجري على الشعب من مخططات وأن الشعب قد ضاق بمن تصدى للحكم وأورثه القتل والتهجير والإفلاس وانهيار الدولة.

        وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على وحدة الشعب العراقي نُخبه وعامته وأن العراق همّ العراقيين جميعا بكل أطيافهم وشرائحهم، وهذ الفهم المشترك يبعث رسالة إلى العالم الساكت على جرائم هذه العملية السياسية بتلك العصابات التي استحوذت على مقاليد الأمور أن سكوته إمعان في قتل العراقيين وأن الدفع بمواصلة دعم هذه العملية وإسنادها بعد كل هذه الجرائم لن يزيد الشعب العراقي إلا إصرارا في مواصلة ثورته على من سلبه حق الحياة بعد نهب ثرواته.

        فالإصرار على حصر الصراع بين قوتين تتصارعان على أرض العراق والدفع بالعراقيين على خوض حروب عبثية بالوكالة لن يكتب له النجاح فهل بعد هذه السنوات العجاف التي دفع فاتورة القتل فيها أبناء العراق يُراد منهم المضي في الطريق المجرب الذي بانت فخاخه لكل المراقبين مع سلبهم ابسط مقومات الحياة.

        إن مبادرة العراق الجامع كفيلة في منع وكف ووأد الصراع بين أبناء البلد الواحد بما تتيحه من برامج تضمن للجميع الاشتراك في بناء بلده وليس بأسلوب تحاصصي ظاهره الدفاع عن الطائفة والمذهب والمكون وباطنه بناء إقطاعيات حزبية وفئوية تعبّ من أموال العراق فيما لا يصيب المواطن البسيط غير مزيد من المآسي والآلام.

        لو استعرضنا المحددات التي رسمتها مبادرة الهيئة بدءا من التمسك باستقلال العراق التام ووحدة أراضيه والمحافظة على هويته، و الالتزام بالنهج التعددي وحرية الرأي وفق آليات تحترم القيم والأعراف والتقاليد العراقية ولا تتعارض معها، ومن ثم استبعاد آليات الانتقام السياسي وفسح المجال للعدالة مع نشر الوعي بأن مأساة العراق ليست مأساة طيف أو عرق أو منطقة أو محافظة أو مكان بعينه والتذكير بأن الهوية العراقية وليدة الاعتزاز بالموقف والمهمة والتكليف، وليست منة من أحد أو نتيجة لتأثر بواقع حال أو ردة فعل ومن ثم تتويج هذه المحددات بفخر العراقيين باستلهام روح المقاومة، والانتفاضات والاعتصامات والثورات الشعبية؛ كل ذلك سيشكل تحديدا واضحا لمسار طريق العراقيين نحو التغيير والخلاص، تلك المحددات التي لم يكن لمنصف التوقف عندها إلا ويعدها دستورا هو محل توافق لدى جميع العراقيين.

        ولعل توافق توقيت انطلاق مبادرة العراق الجامع مع تصاعد الغضب الشعبي العراقي يشكل نقطة انطلاق لطالما اشتاقها العراقيون بعد أن سئموا من المخططات والمشاريع الفئوية والتحاصصية التي تعد بشيء وتطبق خلافه فمن خلال محدداته التي لو كتب الله تعالى للقوى العراقية المعنية بهذه المبادرة أن تلتئم في إطارها الجمعي التنسيقي الذي قد يصل في بعض فقراته حد الانصهار في بوتقة عراقية من المؤكد سينبثق عنها خطاب جامع يجري على لسان حتى المواطن البسيط، فتكون ثقافة عامة ورأيا جامعا لكل العراقيين، بعد زوال المخاوف التي تراود بعض أطياف وتنوعات المجتمع العراقي من الآثار التي قد تنتج عن التغيير، فيقتنع الجميع بوجود البديل الذي كانت تشيطنه الإدارة الأمريكية وتولت كبرها فيه الحكومات المتعاقبة لهذا الاحتلال.

        قدحت الهيئة بمبادرتها هذه الشرارة التي كان ينتظرها الكثيرون لاسيما أن هذه الرسالة تحمل في مقدمتها ووسطها وخاتمتها تطمينات من المرسِل وهو هنا ممثل بالهيئة والمرسَل إليه وهم جميع القوى الوطنية المناهضة لمشروع الاحتلال فرسمت بذلك طريقا لا يحيد عنه كل غيور على وطنه، وكل شريف يؤلمه ما يصيب أبناء بلده.

        ولن تقف هذه الرسالة المرسلة من الهيئة عند حدود من أُرسِلت إليهم، وهم هنا القوى المناهضة للعملية السياسية، بل ستتعداهم إلى مساحة واسعة بوسع العراق إلى كل أبنائه بعد أن تتبلور هذه الأفكار وتنصهر لتخرج خطابا عراقيا يشمل العراقيين جميعا.

الأمل اللامع في مشروع العراق الجامع

جهاد بشير

كاتب وباحث من العراق

        أمواج الظلم والاضطهاد التي عصفت بالعراقيين لثلاث عشرة سنة حملت بين أحداثها عوارض خطر تهدد الأمّة على مستوى كيانها وعقيدتها وما تقتضيه هذه العقيدة من سلوك وآثار، وطال العبث تاريخها وتراثها وإرثها الفريد، بل وأمسى مستقبلها حبيس مخططات دُرِست بعناية غايتها التشويه والانحدار والتيه.

        وقد كان العراق وما يزال نقطة الانطلاق المُثلى وفق المنظور الغربي المتمثل بمشاريع قوى الاحتلال الذي أعدّها في سبيل تحويل العوارض المذكورة آنفًا وغيرها مما يأتي ضمن منهجية غارة الغرب على العالم الإسلامي؛ إلى حقائق ووقائع ملموسة، فأخذ الاحتلال يرسم الخارطة مصغرة داخل العراق، تعمل ببطء نعم، لكنها قابلة للاتساع والانتشار السريع بمجرد اكتمال نصابها فيه لتشمل المنطقة كلها ثم تتعدى القطرية والإقليم حتى تطال الأمة أجمع.

        وليست بخافية على أحد مجريات الأحداث التي ازدحم بها المشهد العراقي طوال العقد الماضي، والمقام هنا لا يسمح بإعادة الخوض في تفاصيلها، لأنها أصبحت من البداهة بمكان ما يجعلها من معالم المرحلة التي لا يعجز عن الإفصاح عن إدراكها إلا عدو يعمل على تفاقمها، أو منافق يصطنع الغفلة عنها.

        وفي وقت مبكّر جدًا من ولادة الأزمة، برز في العراق صوت قوي الوقع صادق القول ينطلق من ثوابت شرعية بتفرعاتها الأخرى من الوطنية والإنسانية والأخلاقية وغيرها؛ فكشف عن حقيقة ما يجري في ظل الاحتلال وخاصة ماهيّة العملية السياسية، واستشرف مستقبلها مستشهدًا بالنصوص تارة وبأحداث التاريخ تارة أخرى وبالواقع الشاهد الذي لا يغطى بغربال في الثالثة، كان هذا الصوت هو هيئة علماء المسلمين التي تبنّت مشروعًا للخلاص، بقيت ثابتة عليه على الرغم من كل المتغيرات التي عصفت بالساحة، وصمدت بوجه كل أنواع الهجمات التي جوبهت بها، فرسمت به خطوط الحل والخلاص في أكثر من مناسبة، حتى بذلت في سبيل ذلك كثيرًا مما هو غالٍ من الأرواح والطاقات، وأفنى جهابذة علمائها أعمارهم وصحّتهم في سبيل قضية آمنوا بها وهم في هذا الجهاد المتواصل، ولعل الشيخ طيّب الذكر الدكتور حارث الضاري -رحمه الله- في طليعة هذه النخبة، والتاريخ والضمير لا يجابهان عناءً لدى أولي الألباب في إثبات ذلك والشهادة عليه.

        وعلى الرغم من أن كثيرًا من المشتغلين في السياسة من أفراد أو أحزاب أو برامج ممن ناصبوا العداء للهيئة بسبب تقاطع مشروعها المخلص مع مصالحهم الهامشية التي وعدهم بها الاحتلال أو ألقى له بشيء من فتاتها؛ باتوا يدركون جيدًا أن الهيئة لم تحد عن الحق مطلقًا في طروحاتها، ولاسيما بعدما ركلتهم العملية السياسية بعيدًا بسبب نفاد صلاحياتهم فأخذوا ينادون بما كانت تعلنه الهيئة قبل عقد من الزمان، فضلاً عن ثلة من المحللين المنصفين الذين اهتموا بالشأن العراقي من داخل البلاد أو خارجها وحكموا على مشرع هيئة العلماء بالصواب؛ إلا أن أحدًا لم يجرؤ على الاعتراف مؤخرًا وبشكل صريح بأن خلاص العراق الذي ينعكس بالضرورة على خلاص الأمة يمر عبر هذا المشروع.

        فرأت الهيئة فيما يبدو -وهي التي زخر تاريخها ومناقب علمائها بالتواضع ورفض الشهرة والتباهي- أن تعيد الكرّة بشكل جديد وثوب آخر، فأطلقت مبادرتها الأخيرة (مشروع العراق الجامع) لإيقاد جذوة في طريق الخلاص.

        جاء مشروع (العراق الجامع) باعتباره الحل المناسب لإنقاذ العراق والمنطقة، في وقت مهم للغاية، بعدما تأكد لدى الجميع أن رؤية الهيئة الفذة للأحداث تختلف بالكلية عمّا يراه غيرها، إلى  جانب أحقية موقفها - تاريخيًا - الذي ثبتت عليه منذ احتلال البلاد في 2003م وحتى الآن في أن يُسمع وأن يُعمل به، لاسيما وأن هيئة العلماء كانت في تلك المدة تكافح بجميع طاقاتها في طرح مشروعها مغتنمة أية فرصة لا تتقاطع وثوابتها، على الرغم من التضييق الإعلامي الشديد المصاحب لموجة الهجوم الواسع  عليها والرامي إلى إسقاطها.

        إن مبادرة مشروع العراق الجامع؛ جديرة بأن تُدرس بعناية ودقّة ووعي لكل مصطلح يرد فيها، ذلك أنها تتضمن خلاصة رؤية هيئة علماء المسلمين للأحداث من جهة، وتعطي فرص انتشال البلاد مما فيها زخمًا له تأثر واضح على المنطقة من جهة ثانية، وبالتالي فإن تجاهل هذه المبادرة من قبل الأطراف المعنية بها يعد بمثابة انتحار يودي بالأمة كلها قبل أن ينتهي من إزهاق العراق .

        استعرضت المبادرة واقع العراق المر، وسلطت الأضواء على مراحل الثورات الثلاث التي أطلقها العراقيون تجاه العملية السياسية، مذكرة الجميع بالمشروع المقاوم الذي يعد الرقم الأصعب في القضية العراقية، وذلك لغاية تريدها، تتلخص في أن أي طرح للحل بعيدًا عن إرادة الجماهير سيكون فئويًا ومحدودًا إن لم يكن سلبيًا، ومن هنا يمكن القول إن الخطوة الأولى من المبادرة كانت تتمثل في رسم معالم الأرضية التي ينبغي أن تتم فيها.

        ثم تناولت الواقع العراقي الجاري اليوم في ظل حرب ضروس ليس للشعب العراقي فيها أية مصلحة، بل العكس؛ فهو المتضرر الوحيد منها، ثم ربطت ذلك بطبيعة النظام السياسي القائم في العراق والذي يتحرك بمنظومة إيرانية أمريكية لا تمثل العراقيين بأي شكل من الأشكال، مؤكدة أن اجتثاث العملية السياسية التي تعد السبب الأساس في نشوب الحرب آنفة الذكر من شأنه أن يعطي فرصة حقيقية لبناء جديد كياناته محفوظة ووحدته وسيادته مصونة، فضلاً عن القضاء على بؤر الصراع التي تفاقمت في أرضه.. إن مدخل المبادرة بهذه الصيغة بحد ذاته، يُعد مشروعًا كبيرًا له آثار إصلاحية لخطوات واسعة المدى في طريق الخلاص ومسار البناء المنشود.

        إن القارئ الحصيف لفحوى المبادرة ودواعيها؛ يدرك أنها تبلورت حول نقطة أساسية شخّصت فيها العلة الرئيسة للمشكلة العراقية، ألا وهي العملية السياسية وما يتعلق بها من دستور وحكومات ومشاريع ما انفكت معاولها تضرب بعنف فيما تبقى من أنقاض بناء العراق، إذ لم تكتفِ بتهديمه بل أحالت هذه الأنقاض ترابًا، وجعلت من بلاد الرافدين ذات الخيرات المشهود لها أرضًا يبابًا.

        وحين تدرك العلة، يُفهم نوع العلاج الذي وصف لإزالتها، ومن هنا، أكّد مشروع العراق الجامع أنه لا يجد في أي طرف من أطراف هذه العملية شيئًا يؤهله ليكون جزءًا من الحل، وفي هذا السياق تقول المبادرة ما نصّه: "إن تجربة مداها أكثر من ثلاث عشرة سنة فشلت فيها وجوه العملية السياسية المختلفة: مبدأ وأشخاصا وتطبيقات، في إدارة شؤون العراق، وجلب الاستقرار له، والمحافظة على عناصر القوة فيه، حتى استحق عن جدارة وصفًا أطلقته بحقه منظمات دولية متخصصة، وهو: (الدولة الفاشلة)؛ لا يمكن بعد هذه التجربة المرة إقناع العالم أن هذه الوجوه نفسها ستنجح هذه المرة، إذا قدم لها المزيد من الدعم الدولي؛ فتجربة المجرب عقيمة، وأي حل ترقيعي يبقي قواعد اللعبة السياسية القائمة الآن كما هي، ويبقي السياسيين على خطاياهم وأخطائهم لن يكون ناجعاً بالمرة؛ وسيقود العراق والمنطقة إلى مزيد من الهاوية، وهذا ما يستدعي البحث عن مخرج سليم يضع الأمور في سياقها الطبيعي، والحقوق في أنصبتها، ويقطع دابر الفساد والدمار".

        ولعل النص المقتبس من مبادرة الهيئة كفيل بتلخيص مطالبها، لكنه لا يغني عن الغوص في أعماقها، لأنها ليست مهمة فحسب، بل تتضمن قضايا كبرى ليست بيسيرة، وركزت على أن المهمة غير سهلة بالمرة بل تتطلب جهودًا متواصلة وآليات عمل رصينة الأمر الذي يوحي بأنها موجهة إلى المعنيين بمزاولة تفاصيلها بثوب جاد وهادف ميزته التجرد والحرص على الحق، لا كما يتصوره نفر من الذين أخضعوا عقولهم للهوى فأصبحوا حيارى بين ضياع القضية وتيه الأفكار.

        وبعدما أفصحت هيئة علماء المسلمين عن داوعي مبادرتها؛ أخذت تفصّل في فحواها ومضمونها الذي يتألف من أربعة محاور رئيسة، وتسعى فيها إلى تحقيق أربعة أهداف أساسية، وذلك في إطار محددات رسمتها مستوحاة من ثوابتها الرصينة ورؤيتها المستندة إلى الواقع الذي يقاسيه العراق وترتد آثاره إلى عموم المنطقة، معربة عن أن "الهدف الأسمى للعراقيين جميعًا لا ينحصر في الضرب على أيدي المفسدين فحسب، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء مشروع عراقي حقيقي، يضع رؤية مستقبلية شاملة؛ تضمن بناء إرادة حرة للشعب العراقي، وتنقله من واقعه الحالي إلى واقع العمل السياسي الحر والمستقل..".

        ولأن هيئة علماء المسلمين اتخذت من الصدق منهجا في طروحاتها سواء أثناء خطابها للشعب العراقي، أو في حال تقديم صيغة لإحدى بنود مشروعها على مدى العقد الماضي؛ فإنها لم تتجاوز منهجيتها وهي تطرح مبادرتها، لتكون بذلك شفّافة وواضحة أمام الجميع، بحيث لا يبقى عذر لمتحامل يبث حسده وغيظ قلبه، أو فاشل ليس له من حياته سوى الطرح الفوضوي والنقد غير المنهجي؛ لتؤكد مجددا بأن مهمة تطبيق المبادرة ليست سهلة، مذكرة بأن واقع العراق الحالي يعاني من احتلال إيراني غير معلن ناجم عن تدخل سافر وضار بمصالح البلد، ومسببا إرباكا للمنطقة، وإثارة لمخاوف دولها في الوقت نفسه، ووفقا لذلك حذرت مبادرة العراق الجامع من أي عملية لإيجاد صيغة تفاهم بين العراقيين، وتأسيس دولة عراقية مستقرة، فإن ثمة من سيضع دون إتمامها العقبات.

        وبعد أن أوفت هيئة علماء المسلمين بعهدها لأهلها في العراق وإخوتها من أبناء الأمة جميعا، انطلاقا من المسؤولية الشرعية التي حملتها على عاتقها، تبقى للتاريخ كلمة من اللازم قولها؛ إن لم تحظَ هذه المبادرة باستجابة وتطبيق - بعد فشل كل الطروحات التي جيء بها بعناية دولية تسير بمحاذاة مشروع الاحتلال في العراق - فإن مستقر الهاوية سيكون المكان الأكثر ملائمة للأمة كلها، ليس لأنها تستحق ذلك، بل لأن نكوص أبنائها هو من قادها إلى هناك.

الأمل اللامع في مشروع العراق الجامع

جهاد بشير

كاتب وباحث من العراق

        أمواج الظلم والاضطهاد التي عصفت بالعراقيين لثلاث عشرة سنة حملت بين أحداثها عوارض خطر تهدد الأمّة على مستوى كيانها وعقيدتها وما تقتضيه هذه العقيدة من سلوك وآثار، وطال العبث تاريخها وتراثها وإرثها الفريد، بل وأمسى مستقبلها حبيس مخططات دُرِست بعناية غايتها التشويه والانحدار والتيه.

        وقد كان العراق وما يزال نقطة الانطلاق المُثلى وفق المنظور الغربي المتمثل بمشاريع قوى الاحتلال الذي أعدّها في سبيل تحويل العوارض المذكورة آنفًا وغيرها مما يأتي ضمن منهجية غارة الغرب على العالم الإسلامي؛ إلى حقائق ووقائع ملموسة، فأخذ الاحتلال يرسم الخارطة مصغرة داخل العراق، تعمل ببطء نعم، لكنها قابلة للاتساع والانتشار السريع بمجرد اكتمال نصابها فيه لتشمل المنطقة كلها ثم تتعدى القطرية والإقليم حتى تطال الأمة أجمع.

        وليست بخافية على أحد مجريات الأحداث التي ازدحم بها المشهد العراقي طوال العقد الماضي، والمقام هنا لا يسمح بإعادة الخوض في تفاصيلها، لأنها أصبحت من البداهة بمكان ما يجعلها من معالم المرحلة التي لا يعجز عن الإفصاح عن إدراكها إلا عدو يعمل على تفاقمها، أو منافق يصطنع الغفلة عنها.

        وفي وقت مبكّر جدًا من ولادة الأزمة، برز في العراق صوت قوي الوقع صادق القول ينطلق من ثوابت شرعية بتفرعاتها الأخرى من الوطنية والإنسانية والأخلاقية وغيرها؛ فكشف عن حقيقة ما يجري في ظل الاحتلال وخاصة ماهيّة العملية السياسية، واستشرف مستقبلها مستشهدًا بالنصوص تارة وبأحداث التاريخ تارة أخرى وبالواقع الشاهد الذي لا يغطى بغربال في الثالثة، كان هذا الصوت هو هيئة علماء المسلمين التي تبنّت مشروعًا للخلاص، بقيت ثابتة عليه على الرغم من كل المتغيرات التي عصفت بالساحة، وصمدت بوجه كل أنواع الهجمات التي جوبهت بها، فرسمت به خطوط الحل والخلاص في أكثر من مناسبة، حتى بذلت في سبيل ذلك كثيرًا مما هو غالٍ من الأرواح والطاقات، وأفنى جهابذة علمائها أعمارهم وصحّتهم في سبيل قضية آمنوا بها وهم في هذا الجهاد المتواصل، ولعل الشيخ طيّب الذكر الدكتور حارث الضاري -رحمه الله- في طليعة هذه النخبة، والتاريخ والضمير لا يجابهان عناءً لدى أولي الألباب في إثبات ذلك والشهادة عليه.

        وعلى الرغم من أن كثيرًا من المشتغلين في السياسة من أفراد أو أحزاب أو برامج ممن ناصبوا العداء للهيئة بسبب تقاطع مشروعها المخلص مع مصالحهم الهامشية التي وعدهم بها الاحتلال أو ألقى له بشيء من فتاتها؛ باتوا يدركون جيدًا أن الهيئة لم تحد عن الحق مطلقًا في طروحاتها، ولاسيما بعدما ركلتهم العملية السياسية بعيدًا بسبب نفاد صلاحياتهم فأخذوا ينادون بما كانت تعلنه الهيئة قبل عقد من الزمان، فضلاً عن ثلة من المحللين المنصفين الذين اهتموا بالشأن العراقي من داخل البلاد أو خارجها وحكموا على مشرع هيئة العلماء بالصواب؛ إلا أن أحدًا لم يجرؤ على الاعتراف مؤخرًا وبشكل صريح بأن خلاص العراق الذي ينعكس بالضرورة على خلاص الأمة يمر عبر هذا المشروع.

        فرأت الهيئة فيما يبدو -وهي التي زخر تاريخها ومناقب علمائها بالتواضع ورفض الشهرة والتباهي- أن تعيد الكرّة بشكل جديد وثوب آخر، فأطلقت مبادرتها الأخيرة (مشروع العراق الجامع) لإيقاد جذوة في طريق الخلاص.

        جاء مشروع (العراق الجامع) باعتباره الحل المناسب لإنقاذ العراق والمنطقة، في وقت مهم للغاية، بعدما تأكد لدى الجميع أن رؤية الهيئة الفذة للأحداث تختلف بالكلية عمّا يراه غيرها، إلى  جانب أحقية موقفها - تاريخيًا - الذي ثبتت عليه منذ احتلال البلاد في 2003م وحتى الآن في أن يُسمع وأن يُعمل به، لاسيما وأن هيئة العلماء كانت في تلك المدة تكافح بجميع طاقاتها في طرح مشروعها مغتنمة أية فرصة لا تتقاطع وثوابتها، على الرغم من التضييق الإعلامي الشديد المصاحب لموجة الهجوم الواسع  عليها والرامي إلى إسقاطها.

        إن مبادرة مشروع العراق الجامع؛ جديرة بأن تُدرس بعناية ودقّة ووعي لكل مصطلح يرد فيها، ذلك أنها تتضمن خلاصة رؤية هيئة علماء المسلمين للأحداث من جهة، وتعطي فرص انتشال البلاد مما فيها زخمًا له تأثر واضح على المنطقة من جهة ثانية، وبالتالي فإن تجاهل هذه المبادرة من قبل الأطراف المعنية بها يعد بمثابة انتحار يودي بالأمة كلها قبل أن ينتهي من إزهاق العراق .

        استعرضت المبادرة واقع العراق المر، وسلطت الأضواء على مراحل الثورات الثلاث التي أطلقها العراقيون تجاه العملية السياسية، مذكرة الجميع بالمشروع المقاوم الذي يعد الرقم الأصعب في القضية العراقية، وذلك لغاية تريدها، تتلخص في أن أي طرح للحل بعيدًا عن إرادة الجماهير سيكون فئويًا ومحدودًا إن لم يكن سلبيًا، ومن هنا يمكن القول إن الخطوة الأولى من المبادرة كانت تتمثل في رسم معالم الأرضية التي ينبغي أن تتم فيها.

        ثم تناولت الواقع العراقي الجاري اليوم في ظل حرب ضروس ليس للشعب العراقي فيها أية مصلحة، بل العكس؛ فهو المتضرر الوحيد منها، ثم ربطت ذلك بطبيعة النظام السياسي القائم في العراق والذي يتحرك بمنظومة إيرانية أمريكية لا تمثل العراقيين بأي شكل من الأشكال، مؤكدة أن اجتثاث العملية السياسية التي تعد السبب الأساس في نشوب الحرب آنفة الذكر من شأنه أن يعطي فرصة حقيقية لبناء جديد كياناته محفوظة ووحدته وسيادته مصونة، فضلاً عن القضاء على بؤر الصراع التي تفاقمت في أرضه.. إن مدخل المبادرة بهذه الصيغة بحد ذاته، يُعد مشروعًا كبيرًا له آثار إصلاحية لخطوات واسعة المدى في طريق الخلاص ومسار البناء المنشود.

        إن القارئ الحصيف لفحوى المبادرة ودواعيها؛ يدرك أنها تبلورت حول نقطة أساسية شخّصت فيها العلة الرئيسة للمشكلة العراقية، ألا وهي العملية السياسية وما يتعلق بها من دستور وحكومات ومشاريع ما انفكت معاولها تضرب بعنف فيما تبقى من أنقاض بناء العراق، إذ لم تكتفِ بتهديمه بل أحالت هذه الأنقاض ترابًا، وجعلت من بلاد الرافدين ذات الخيرات المشهود لها أرضًا يبابًا.

        وحين تدرك العلة، يُفهم نوع العلاج الذي وصف لإزالتها، ومن هنا، أكّد مشروع العراق الجامع أنه لا يجد في أي طرف من أطراف هذه العملية شيئًا يؤهله ليكون جزءًا من الحل، وفي هذا السياق تقول المبادرة ما نصّه: "إن تجربة مداها أكثر من ثلاث عشرة سنة فشلت فيها وجوه العملية السياسية المختلفة: مبدأ وأشخاصا وتطبيقات، في إدارة شؤون العراق، وجلب الاستقرار له، والمحافظة على عناصر القوة فيه، حتى استحق عن جدارة وصفًا أطلقته بحقه منظمات دولية متخصصة، وهو: (الدولة الفاشلة)؛ لا يمكن بعد هذه التجربة المرة إقناع العالم أن هذه الوجوه نفسها ستنجح هذه المرة، إذا قدم لها المزيد من الدعم الدولي؛ فتجربة المجرب عقيمة، وأي حل ترقيعي يبقي قواعد اللعبة السياسية القائمة الآن كما هي، ويبقي السياسيين على خطاياهم وأخطائهم لن يكون ناجعاً بالمرة؛ وسيقود العراق والمنطقة إلى مزيد من الهاوية، وهذا ما يستدعي البحث عن مخرج سليم يضع الأمور في سياقها الطبيعي، والحقوق في أنصبتها، ويقطع دابر الفساد والدمار".

        ولعل النص المقتبس من مبادرة الهيئة كفيل بتلخيص مطالبها، لكنه لا يغني عن الغوص في أعماقها، لأنها ليست مهمة فحسب، بل تتضمن قضايا كبرى ليست بيسيرة، وركزت على أن المهمة غير سهلة بالمرة بل تتطلب جهودًا متواصلة وآليات عمل رصينة الأمر الذي يوحي بأنها موجهة إلى المعنيين بمزاولة تفاصيلها بثوب جاد وهادف ميزته التجرد والحرص على الحق، لا كما يتصوره نفر من الذين أخضعوا عقولهم للهوى فأصبحوا حيارى بين ضياع القضية وتيه الأفكار.

        وبعدما أفصحت هيئة علماء المسلمين عن داوعي مبادرتها؛ أخذت تفصّل في فحواها ومضمونها الذي يتألف من أربعة محاور رئيسة، وتسعى فيها إلى تحقيق أربعة أهداف أساسية، وذلك في إطار محددات رسمتها مستوحاة من ثوابتها الرصينة ورؤيتها المستندة إلى الواقع الذي يقاسيه العراق وترتد آثاره إلى عموم المنطقة، معربة عن أن "الهدف الأسمى للعراقيين جميعًا لا ينحصر في الضرب على أيدي المفسدين فحسب، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء مشروع عراقي حقيقي، يضع رؤية مستقبلية شاملة؛ تضمن بناء إرادة حرة للشعب العراقي، وتنقله من واقعه الحالي إلى واقع العمل السياسي الحر والمستقل..".

        ولأن هيئة علماء المسلمين اتخذت من الصدق منهجا في طروحاتها سواء أثناء خطابها للشعب العراقي، أو في حال تقديم صيغة لإحدى بنود مشروعها على مدى العقد الماضي؛ فإنها لم تتجاوز منهجيتها وهي تطرح مبادرتها، لتكون بذلك شفّافة وواضحة أمام الجميع، بحيث لا يبقى عذر لمتحامل يبث حسده وغيظ قلبه، أو فاشل ليس له من حياته سوى الطرح الفوضوي والنقد غير المنهجي؛ لتؤكد مجددا بأن مهمة تطبيق المبادرة ليست سهلة، مذكرة بأن واقع العراق الحالي يعاني من احتلال إيراني غير معلن ناجم عن تدخل سافر وضار بمصالح البلد، ومسببا إرباكا للمنطقة، وإثارة لمخاوف دولها في الوقت نفسه، ووفقا لذلك حذرت مبادرة العراق الجامع من أي عملية لإيجاد صيغة تفاهم بين العراقيين، وتأسيس دولة عراقية مستقرة، فإن ثمة من سيضع دون إتمامها العقبات.

        وبعد أن أوفت هيئة علماء المسلمين بعهدها لأهلها في العراق وإخوتها من أبناء الأمة جميعا، انطلاقا من المسؤولية الشرعية التي حملتها على عاتقها، تبقى للتاريخ كلمة من اللازم قولها؛ إن لم تحظَ هذه المبادرة باستجابة وتطبيق - بعد فشل كل الطروحات التي جيء بها بعناية دولية تسير بمحاذاة مشروع الاحتلال في العراق - فإن مستقر الهاوية سيكون المكان الأكثر ملائمة للأمة كلها، ليس لأنها تستحق ذلك، بل لأن نكوص أبنائها هو من قادها إلى هناك.

مقالات اخرى

Melbourne Web Design & Development
menu-circlecross-circle linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram