مصطفى كامل
تقديم
ابتداءً نؤكد على عدم شرعية الدستور النافذ في العراق حالياً والقوانين الصادرة بموجبه، لأنه نتاج عملية سياسية غير شرعية أفرزها المشروعان الاحتلاليان الأميركي والإيراني المشترك للعراق.
ومع هذا، فإن هذه الورقة تتحدث أساساً عن فكرة المعوقات الدستورية والقانونية التي تحول دون قيام الأقاليم على النحو الذي يبشر به دعاتها هذه الأيام. إذ سنقدم رؤيتنا في دحض إمكانية قيام الأقاليم بحسب الدستور الذي يؤكد أولئك الدعاة انهم ينطلقون مما تتيحه لهم بنوده. ولا يشكل حديثنا هذا اعترافاً منا بالدستور ولا بكل ما نتج عن الاحتلال.
تؤكد جميع التعريفات على أن الدستور أهم وثائق الشعوب. فهو القانون الأساس وهو أبو القوانين؛ لأن تشريع جميع القوانين يعتمد عليه، وهو العقد الاجتماعي بين الشعب والسلطة الحاكمة، باعتباره المنظم للعلاقة بين الحكام والمواطنين.
ولأهمية الدستور فإنه يجب ان يكتب:
- في حالة استقرار سياسي.
- ضمن وقت مناسب.
- من قبل خبراء الدساتير وليس السياسيين.
- ضمن رؤية وطنية شاملة.
وإذا ما تفحصنا ظروف كتابة الدستور النافذ في العراق نجد أن جميع هذه الشروط لم تتوفر فيها، حيث:
- كتب في ظرف احتلال.
- عدم استقرار كلي.
- كتب من قبل سياسيين وليس خبراء الدساتير. فضلاً عن مساهمة الخبير الأميركي نوح فيلدمان في كتابته.
- غياب الرؤية الوطنية الشاملة عن الدستور الحالي. حيث كتب، أساساً، بنفس طائفي عنصري يهدف إلى تفكيك الدولة وفك عرى وحدة الوطن وتقسيم الشعب إلى مكونات.
بعد هذه الإشارة الوجيزة الى ظروف كتابة الدستور من المفيد الإشارة أيضا إلى العقلية التي تتحكم بدعاة الأقاليم، ورؤيتهم لهذا المفهوم. فقد أعلن مجلس صلاح الدين في 1/11/2011، أن الحكومة المركزية تسلمت الكتاب الخاص بطلب تشكيل إقليم في المحافظة، مؤكداً على أنه بدأ بحساب المدة القانونية لهذا المشروع. وبهذا الخصوص قال محافظ صلاح الدين: "إننا ذاهبون إلى إقليم من يعجبه يعجبه ومن لا يعجبه فليضرب رأسه بالحائط".
وباختصار فإن عملية إنشاء الأقاليم بالشكل الذي ورد في هذا الدستور هي تفكيك الدولة البسيطة المركزية الى دويلات فيدرالية، وكونفدرالية.
ولنسجل ملاحظاتنا التالية:
- في الدستور الحالي نجد ان هناك خلطاً ـ ربما مقصوداً ـ بين نظامي الأقاليم ونظام المحافظات اللامركزي. حيث لم تمنح المحافظات التي لم تنتظم في أقاليم نفس الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والادارية التي تتمتع بها بقية المحافظات المنتظمة بأقاليم.
- هناك أيضاً خلط، أرجِّح انه مقصود وربما ناجم عن جهل، بين النظامين الفيدرالي والكونفيدرالي. فإقليم كردستان يتمتع بكل خصائص النظام الكونفيدرالي. فيما تتمتع باقي الأقاليم التي ستنشأ لاحقاً بخصائص النظام الفيدرالي.
- تشكيل أقاليم كبيرة بهذا الحجم بحيث تضم عدداً كبيراً من المحافظات، وبكثافة سكانية كبيرة، وبمساحة جغرافية شاسعة، وبعضها قد يصل الى ما يقرب من نصف مساحة العراق ونصف سكانه، عملية تتعارض أو تتناقض مع مفهوم النظام الفيدرالي (الاتحادي) الذي يفترض أن يكون حلاً سياسياً وادارياً لمنع تركيز السلطة في مركز واحد، وتوسيع قاعدة المشاركة في السلطة والإدارة. فما سيجري هو إضعاف المركز وتركيز السلطات في مناطق أخرى.
- المحافظات القائمة الآن، لكل منها تأريخ عريق، وبعضها كان يمثل عواصم في التاريخ السابق للعراق، فأين ستكون عاصمة الأقاليم الجديدة المفترضة؟.
- المحافظات القائمة الآن تعاني أصلا من مشاكل كبيرة وجوهرية في جميع المجالات، ما يستدعي حلولاً عاجلة في داخل كل محافظة، قبل الانتقال الى صيغة غير واضحة المعالم.
- هناك أيضًا مشاكل في ترسيم حدود المحافظات الإدارية التي تم تفجيرها عمداً بعد الاحتلال، وهناك ما يسمى في الدستور الاحتلالي بـ "المحافظات والمناطق المتنازع عليها". فلماذا يتم ترحيل مشاكل قائمة إلى الصيغة القادمة؟
- ترك الدستور بغداد ومحافظة التأميم عائمتين، حيث تم استثناؤهما من النظام الفيدرالي.
مجلس الاتحـاد
ذكر واضع الدستور بأنه (يتم إنشاء مجلس تشريعي يدعى بمجلس الاتحاد يضم ممثلين عن الأقاليم والمحافظات، يختص بالنظر في مشاريع القوانين ذات العلاقة بالأقاليم والمحافظات)) وأضاف بأنه ((ينظم بقانون تكوين المجلس وشروط العضوية فيه واختصاصاته وكل ما يتعلق به)).
- ترك هذ النص مجموعة كبيرة من القضايا المتعلقة بمجلس الاتحاد مفتوحة. وتحتاج الى وضع قواعد واضحة ودقيقة حول كيفية تشكيل هذا المجلس، وكيفية تنظيم شروط العضوية فيه وصلاحياته الدستورية، ومدة عمله وعلاقته بمجلس النواب وطبيعة علاقته ودوره بالنظام الفيدرالي، وغيره من القضايا الأساسية قبل حسم موضوع إنشاء الأقاليم، هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، إن ربط اختصاصات هذا المجلس في حدود الأقاليم والمحافظات سيحدّ من اختصاصات مجلس النواب، إذ أن الأقاليم والمحافظات تشكِّل العراق كله، والتشريع للعراق كله هو من اختصاصات مجلس النواب!
- في نصوص الدستور الحالي يغيب كلياً موضوع تنظيم العلاقة بين مجلسي النواب والاتحاد. فكلا المجلسين هما سلطة تشريعية في نظام سياسي برلماني. أي أنهما سيكونان مركزاً أساسياً في تشكيل السلطة والحكم والادارة في العراق. فللمجلسين سلطة إقرار الحكومة، واختيار الرئيس، والمراقبة والمحاسبة، وإقرار برنامج الحكومة والوزارات والميزانية وتخطيط المشاريع والسياسة الخارجية وإقرار المعاهدات والاتفاقات. وهذا تناقض خطير باعث على التأزيم في بلد لا يخل من عوالم أخرى لنشوء الأزمات واستعار المشاكل.
- ايضا ما الذي يمنع تركيز السلطة في مجلس الاتحاد في يد أفراد أو أسر أو جماعات متنفذة، سواءً كانت تلك الجماعات قبلية أو دينية أو عرقية أو غيرها؟
- هناك ايضا غموض في بعض بنود الدستور وما نتج عنه من تقاطع مع قانون المحافظات رقم 21 لسنة 2008 وبالخصوص ما ورد في المادة 115 من الدستور وعدم تشكيل مجلس الاتحاد وعدم تحديد الصلاحيات المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات في اقليم بشكل واضح وعدم وجود هيئة عليا متخصصة للتنسيق بين الأقاليم والمحافظات وعدم وجود قانون لضمان حقوق الأقاليم والمحافظات وعدم وجود قانون لمراقبة الواردات الاتحادية .
- هناك أيضًا مشكلة العناصر السكانية التي تم استقدامها الى العراق بعد الاحتلال، مثل ذوي التبعية الإيرانية الذين تم ترحيلهم خارج العراق في مطلع الثمانينات، أو الأكراد الذين تم استقدامهم من إيران وسوريا لتغيير البنية الديموغرافية في محافظة التأميم. ما الذي سيمنع سيطرة هذه المجموعات السكانية على مجلس الاتحاد القادم أو على الأقل تغلغلها فيه؟
- ومن القضايا التي يجب إتخاذ قرار بشأنها، قضية تنظيم العلاقة بين حكومات الأقاليم والحكومة المركزية، ودور الحكومة المركزية في السيطرة على الثروات الطبيعية، وإنشاء العلاقات الخارجية... الخ
- ورد في الدستور نص يفيد بإقامة (مكاتب) في السفارات العراقية بهدف تمثيل الأقاليم. وهذا خطأ استراتيجي فادح، لأن تشكيل نظام فيدرالي في بلد شأن داخلي بحت وليس من حق اي إقليم تمثيل نفسه في الخارج.
لقد أعطى الدستور الحق لحكومات الأقاليم ولمجالس المحافظات في إقامة علاقات خارجية مع الدول الأجنبية دون المرور بالحكومة المركزية. فهي بهذه الطريقة ستخلق جوا من الفوضى وعدم تحديد المسؤولية في العلاقات الخارجية. وبالتالي ستؤدي إلى ضعف وتهميش الحكومة المركزية. وهذه الحالة شاذة وغير موجودة في جميع الدول الفيدرالية.
- جاء في المادة (117) رابعا: تؤسس مكاتب للأقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات الدبلوماسية، لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والانمائية.
وهذه المادة تتعارض مع صلاحيات الحكومة المركزية التي يجب أن تكون هي وحدها المسؤولة عن متابعة جميع العلاقات مع الخارج، بما فيها "الشؤون الثقافية والاجتماعية والانمائية".
- كذلك منح الدستور للأقاليم حق عقد اتفاقات بمختلف أشكالها بما فيها عقود اقتصادية مع الشركات الأجنبية حول استثمارات النفط وغيره من الثروات الطبيعية. وخوَّل الدستور الحكومات المحلية بالاستحواذ على ما يتم اكتشافه من ثروات طبيعية في المستقبل في مناطقها وعقد الصفقات مع الشركات الأجنبية دون الرجوع إلى الحكومة المركزية والإنفراد بها دون بقية الشعب.
وهذا خطأ وعنصر معرقل في الدستور. وأعتقد انه خطأ مقصود ليكون مصدرا دائما لتفجير الصراعات بين الأقاليم لضرب بعضها ببعض من جهة، وبينها وبين المركز من جهة أخرى.
- المادة ( 114 ) تتعارض مع المادة ( 110 ) وتتقاطع معها.
العقبات القانونية دون تشكيل الأقاليم
يبدو أن رئيس الوزراء نوري المالكي ـ أؤكد مرة أخرى على عدم شرعية منصبه ـ الذي يسعى بقوة الى تشديد قبضته على السلطة حصَّن دفاعاته جيدا وأغلق الباب بوجة مجالس المحافظات التي طالبت بتشكيل الأقاليم. فالمالكي سيستند الى القانون لقطع الطريق على هذه المحافظات إذا ما بقيت مصرة على طلب تشكيل الأقاليم.
- إشارة إلى تفسير سابق للمحكمة الاتحادية حول رغبة محافظة التأميم في التحول الى إقليم، فإن هذه المحكمة أعطت رأيها بعدم جواز تحول المحافظة الى إقليم لأنها من المناطق المتنازع عليها والمشمولة بالمادة 140 من الدستور. واستنادا الى هذا التفسير فإن محافظات ديالى وصلاح الدين والموصل وحتى الأنبار، لا تستطيع التحول الى أقاليم لانها مشمولة بتلك المادة الدستورية لوجود (تنازعات) بين الأكراد ومحافظة نينوى على منطقة سهل نينوى، و(تنازعات) بين الاكراد ومحافظة ديالى على عائدية بعض أقضية ونواحي المحافظة، وهناك (تنازع) بين الأكراد ومحافظة صلاح الدين حول عائدية قضاء طوز خورماتو، وهناك (تنازع) بين محافظتي كربلاء والأنبار حول قضاء النخيب وغير ذلك.
- هناك عقبة قانونية أخرى سوف يستند المالكي عليها، وهي وجود ثغرة قانونية في قانون الاجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الأقاليم رقم 13 لسنة 2008. إذ تتحدث المواد الأولى من القانون عن كيفية تقديم الطلب الذي تبين فية المحافظة رغبتها في التحول الى إقليم. بينما تشير المادة السادسة (الثغرة القانونية) إلى أنه ( يكون الاستفتاء ناجحا اذا حصل على أغلبية المصوتين من الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم الانضمام الى أقليم وتعلن النتائج خلال (15) يوما من إجرائه، على أن لا تقل نسبة المشاركين في التصويت من 50% من الناخبين). إن المادة المذكورة تتحدث عن المحافظة التي تروم الانضمام الى إقليم ولم تتحدث عن المحافظة التي تروم التحول الى إقليم، ما يعني أن المالكي سيتعكز عليها خاصة مع اختطافه الكامل للسلطة القضائية. وسيتحدث عن الحاجة لتغيير القانون قبل البت بطلب محافظة ما أو عدة محافظات في التحول إلى إقليم، أو ربما قبل تقديمه أصلاً لوجود هذة الثغرة القانونية التي يبدو أن النواب لم ينتبهوا لها عند تشريعهم لهذا القانون!
شواهد سياسية على إساءة استخدام السلطة للدستور والقوانين الحالية
تمرير الموازنة العامة للدولة رغم عدم موافقة النواب الأكراد.
- لم يتم تعيين الوزراء الأمنيين والقادة العسكريين والأمنيين بالأصالة، وانما تم تعيينهم بالوكالة للتجاوز على الدستور الذي يفرض موافقة مجلس النواب، والوكلاء يتمتعون بكل صلاحيات المسؤول الأصيل.
- عدم إقرار النظام الداخلي لمجلس الوزراء.
- تجاوز رئيس الحكومة على هيئة النزاهة الرسمية والبرلمانية.
- منع التحقيق بكثير من قضايا الفساد.
- استحواذ رئيس الحكومة على الهيئات المستقلة بما في ذلك مفوضية الانتخابات، وآخرها استحواذه على البنك المركزي العراقي. وكذلك استحواذ رئيس الحكومة على ميزانية سرية غير خاضعة لبنود ميزانية الدولة.
- استحواذ رئيس الحكومة على شبكة الإعلام العراقي وتمويل إعلام حزبه من ميزانية الدولة.
- التعويل على المساومات السياسية والصفقات والرشى عند التصويت على القوانين وتمريرها في مجلس النواب بعيدا عن المقتضيات الوطنية.
- إفشال الدور الرقابي لمجلس النواب.
- الغياب المتعمد عن جلسات مجلس النواب لمنع مناقشة القوانين وإقرارها.
- التعامل بمبدأ الصفقات والمساومات لحل الأزمات الحكومية.
- اعتماد مبدأ التصعيد الأمني لفرض تسويات سياسية معينة.
- السماح للميليشيات بالتعامل مع الملف الأمني، بما يسمح باستخدامها كأداة لتصفية الخصومات على يد السياسيين.
وأخيرا ـ بناء على كل ما سبق ـ يبدو أن عملية تشكيل الأقاليم في العراق سوف تستغرق وقتا طويلا وستتطلب توافقا سياسيا وهذا الأمر يبدو مستحيلاً في الوقت الراهن.