إحياء الاتفاق حول برنامج إيران النووي، الفرص والتحديات

28 يوليو, 2022

وسام الدين العكلة([1])

      لا يزال ملف برنامج إيران النووي يشكل أحد القضايا الشائكة على الصعيد الدولي في إطار الجهود التي تبذلها القوى الرئيسة لحظر الانتشار النووي، وبالرغم من التوصل إلى اتفاق لطي هذا الملف منذ عام(2015م) أطلق عليه اسم "خطة العمل الشاملة المشتركة" وحظي بمباركة دولية واسعة، إلا أن الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة "دونالد ترامب" أعلنت انسحابها منه عام(2018م)واصفةً إياه بالفظيع و الكارثي، إذ أشار "ترامب" في معرض ملاحظاته التي أرسلها إلى الكونغرس الأمريكي حول الاتفاق النووي مع إيران، إلى أنه (كان من المفترض أن يحمي ما يسمى بـ "صفقة إيران" الولايات المتحدة وحلفائنا من جنون القنبلة النووية الإيرانية، في الواقع سمحت الصفقة لإيران بمواصلة تخصيب اليورانيوم، وبمرور الوقت الوصول إلى حافة الانهيار النووي. لقد رفعت الصفقة العقوبات الاقتصادية على إيران في مقابل قيود ضعيفة للغاية على النشاط النووي للنظام، ولا حدود على الإطلاق لسلوكه الخبيث الآخر، بما في ذلك أنشطته الشريرة في سوريا واليمن وأماكن أخرى في جميع أنحاء العالم. لقد أعطت هذه الصفقة الكارثية هذا النظام العديد من مليارات الدولارات، كان يمكن بسهولة إبرام صفقة بنائه في ذلك الوقت، لكنها لم تكن كذلك)[2]. بناءً على هذه الأسباب وأسباب أخرى أعلن "ترامب" في شهر أيار/مايو (2018م)انسحاب بلاده الفعلي من الاتفاق النووي وإعادة فرض عدة حزم من العقوبات طالت مؤسسات وشركات ومرافق حيوية إيرانية بما فيها منع إيران من تصدير النفط، الأمر الذي واجهته إيران بمجموعة خطوات تصعيدية تضمنت تخفيض التزاماتها التي سبق أن تعهدت بها في خطة العمل الشاملة المشتركة.

تسلسل تاريخي

      في(24 تشرين الثاني/نوفمبر 2013م)، وُقع اتفاق نووي مؤقت بين مجموعة (5+1) وإيران في جنيف لمدة ستة أشهر سُمي "اتفاق جنيف الابتدائي"، وافق الأطراف فيه على خطة سميت "خطة العمل المشتركة". ونص الاتفاق: على تجميد قصير المدى للبرنامج النووي الإيراني في مقابل تخفيض للعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، بينما تعمل البلدان الموقعة على اتفاق آخر طويل الأجل. وجاء هذا الاتفاق ليحقق انفراجًا في أزمة مستمرة لعدة سنوات بين إيران والدول الغربية حول البرنامج النووي الإيراني، وهو الاتفاق الرسمي الأول بين إيران والولايات المتحدة منذ(34)عامًا، وقد دخل حيز التنفيذ في(20 كانون الثاني/يناير 2014م).

      وفي(14 تموز/يوليو 2015 م)، تم الإعلان عن الاتفاق النووي الإيراني بصيغته النهائية، وأطلق عليه اسم "خطة العمل الشاملة المشتركة". ولأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تكن طرفًا في الاتفاق فقد وقعت مع إيران في نفس اليوم وثيقة تتضمن "خريطة طريق لتوضيح المسائل العالقة الماضية والراهنة بشأن برنامج إيران النووي"[3]. وبموجب هذه الخريطة التي وقعها كل من المدير العام السابق للوكالة الدولية "يوكيا أمانو"، ورئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية "علي أكبر صالحي"، اتفقت الوكالة مع إيران على تعزيز الحوار والتعاون بهدف حل جميع القضايا العالقة الماضية، والراهنة التي لم يتم حلها بعد بحلول نهاية عام(2015م).

      تم توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة في فيينا في(14 تموز/يوليو 2015م)، وتعتمد هذه الخطة على تنفيذ خطة العمل المشتركة المتفق عليها في جنيف في(24 تشرين الثاني/نوفمبر 2013م). تتألف الخطة من تمهيد وديباجة وأحكام عامة والبنود الأساسية (37)بندًا أساسيًا وخمسة ملاحق تعدُّجزءًا لا يتجزأ من الخطة.

      وجاء في ديباجة الخطة أنها ستضمن أن برنامج إيران النووي سيكون سلميًا حصريًا، وستمثل تحولًا أساسيًا في نهج إيران النووي، وتوقع الأطراف المشاركون في هذه الخطة، مجموعة (E3/EU+3) وهم كل من (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، المانيا، روسيا، الصين، الممثل السامي للاتحاد الأوروبي الشؤون الخارجية وسياسات الأمن) بالإضافة إلى إيران أن يساهم التنفيذ الكامل لهذه الخطة بشكل إيجابي في السلام والأمن الإقليميين والدوليين.

      وفي(20 تموز/يوليو 2015م)، اتخذ مجلس الأمن بالإجماع القرار(2231/ 2015م) الذي أيد فيه خطة العمل الشاملة المشتركة. وأكد المجلس على أن إبرام خطة العمل يشكل منعطفًا رئيسًا على مسار نظره في المسألة النووية الإيرانية. وأعرب عن رغبته في إقامة علاقة جديدة مع إيران معزَّزة بتنفيذ خطة العمل، وفي اختتام نظره في هذه المسألة بصورة مُرضية[4].

      وفور الإعلان رسميًا عن التوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران تسارعت ردود الفعل الدولية والإقليمية، وقال الرئيس الأمريكي الأسبق "باراك أوباما" إن الاتفاق "يقطع أي طريق أمام إيران للحصول على أسلحة نووية"، في حين وصف نظيره الرئيس الإيراني السابق "حسن روحاني"، الاتفاق بأنه يفتح "فصلًا جديدًا" في علاقات إيران مع العالم.

      وفي ظل إدارة الرئيس السابق "دونالد ترامب" تغيرت الأوضاع وأصبح الاتفاق النووي على المحك، حيث أبدى "ترامب" رأيًا مناقضًا تمامًا لرؤية إدارة "أوباما" حول تسوية الملف النووي الإيراني من خلال وصفه الاتفاق على أنه "فظيع وكارثي". وقد فرضت إدارة "ترامب" عددًا من الإجراءات العقابية ضد إيران حتى قبل الانسحاب من الاتفاق النووي، ومنها على سبيل المثال توقيع عقوبات على الحكومة الإيرانية والحجز على عقارات مملوكة لها وذلك على خلفية برنامجها الصاروخي الباليستي وسياستها في المنطقة والتي عدّتها إدارة "ترامب" تهديدًا للأمن الإقليمي والعالمي.

      وفي(الثامن من أيار/مايو 2018 م) أعلن "ترامب" انسحاب بلاده الفعلي من الاتفاق النووي، وفي(21 أيار/مايو 2018م)أعلن وزير الخارجية الأمريكية السابق "مايك بومبيو"، إستراتيجية جديدة لبلاده تجاه إيران تضمنت (12) شرطًا للتوصل إلى اتفاق جديد معها منها ضرورة أن تقدم إيران للوكالة الدولية للطاقة الذرية سجلًا كاملًا للأبعاد العسكرية السابقة لبرنامجها النووي، وأن تتخلى عن هذا العمل إلى الأبد وبشكل دائم، إلى جانب وقف تخصيب اليورانيوم وعدم متابعة معالجة البلوتونيوم، وإغلاق مفاعل الماء الثقيل في "آراك"، وأن توفر للوكالة الدولية وصولًا غير مشروط إلى جميع المواقع في جميع أنحاء البلاد، وإنهاء نشرها للصواريخ الباليستية، وإنهاء دعمها للجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط، بما في ذلك حزب الله اللبناني، واحترام سيادة الحكومة العراقية والسماح بنزع سلاح الميليشيات الشيعية وتسريحها وإنهاء دعمها العسكري لميليشيا الحوثي والعمل على تسوية سياسية سلمية في اليمن، وسحب جميع القوات الخاضعة للقيادة الإيرانية في جميع أنحاء سوريا، وإنهاء سلوكها المهدد ضد جيرانها بما في ذلك إطلاقها للصواريخ على السعودية والإمارات العربية المتحدة.

      وبعد مضي عام كامل على الانسحاب الأمريكي من الاتفاق وعدم قدرة الأطراف الأخرى التأثير في سياسات واشنطن تجاه التراجع عن قرارها أو رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، بدأت إيران اللجوء إلى إستراتيجية جديدة تتمثل بالضغط على الأطراف المتبقية في الاتفاق من خلال تخفيض التزاماتها في خطة العمل الشاملة المشتركة.

وبناء على ذلك بعث الرئيس الإيراني السابق "حسن روحاني" في(الثامن من أيار/مايو 2019م) مع حلول الذكرى الأولى للانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الأمريكية على طهران، رسائل للأطراف المتبقية في الاتفاق النووي، وهي (فرنسا والصين وروسيا وبريطانيا وألمانيا)، أخطرهم فيها باعتزام بلاده تقليص التزاماتها بموجب الاتفاق النووي وأمهل "روحاني" الأوروبيين(60)يومًا لتنفيذ تعهداتهم. وفي نفس اليوم،(8 أيار/مايو 2019م)، أعلنت إيران أنها بدأت المرحلة الأولى من تخفيض التزاماتها التي سبق أن تعهدت بها في خطة العمل الشاملة المشتركة ردًا على انسحاب الولايات المتحدة منها، وشملت هذه المرحلة عدم الالتزام بكمية اليورانيوم المخصب بنسبة(3،67%)، وتجاوز المخزون من اليورانيوم(300)كيلوغرامًا، بالإضافة لعدم الالتزام بمخزون الماء الثقيل تحت سقف(130)طنًا، ووقف بيع المخزون الفائض من الماء الثقيل.

وفي(7 تموز/يوليو 2019)بدأت المرحلة الثانية من خطة إيران خفض تعهداتها النووية بعد انقضاء مهلة الستين يومًا التي منحتها للدول الأوروبية الموقّعة للإيفاء بالتزاماتها في إطار الاتفاق وردًّا على الإجراءات الأمريكية الاقتصادية المعادية لها، وتضمنت المرحلة الجديدة جملة من القرارات، أهمها رفع نسبة تخصيب اليورانيوم في هذه المرحلة من(3،67)بالمئة إلى درجات أعلى، بعد أن كانت إيران أعلنت في وقت سابق أن مخزونها من اليورانيوم المخصب تجاوز مستوى(300)كيلو غرامًا، إضافة إلى إعادة بناء بعض أجزاء المفاعلات النووية التي تجمدت بموجب الاتفاق النووي بين إيران و(5+1). كما أعلنت طهران أنها قادرة على تشغيل مفاعل "آراك"، لكنها قالت إنها تفضل التعاون المشترك مع بريطانيا والصين لتشغيله. وشملت القرارات أيضًا منح فرصة جديدة للأطراف الأوروبية مدتها(60)يومًا أخرى للوفاء بالتزاماتها قبل بدء المرحلة الثالثة من خطة خفض التعهدات.

وفي(4 أيلول/سبتمبر 2019م) أعلنت إيران أنها بدأت المرحلة الثالثة من سلسلة مراحل خفض تعهداتها النووية، وشملت هذه الخطوة العمل على تطوير أجهزة الطرد المركزي، وإنتاج ما تحتاجه لتخصيب اليورانيوم، كما تضمنت الخطوة إزالة جميع القيود المفروضة على البحث والتطوير في المجال النووي[5]. وشغلت(20)جهاز طرد مركزيًا متطورًا لتخصيب اليورانيوم، من طراز(IR-4)و(20)جهازًا من طراز(IR-6).

وفي(6 تشرين الثاني/نوفمبر 2019م)،بدأت المرحلة الرابعة والتي تضمنت تشغيل أجهزة الطرد المركزي وضخ غاز اليورانيوم في(1044)جهاز طرد مركزيًا في منشأة "فوردو" النووية، وذكرت وكالة "إينا" الإيرانية للأنباء، أنّه تم "نقل ألفي كيلوغرامًا من غاز سادس فلوريد اليورانيوم من مفاعل "نطنز" إلى مفاعل "فوردو" تحت رقابة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية". وأضافت أنّ عملية نقل الغاز من شأنها "بدء تشغيل أجهزة الطرد المركزي في مفاعل "فوردو"، كأول تنفيذ عملي للمرحلة الرابعة من خفض طهران التزاماتها بموجب الاتفاق النووي". وبهذه الخطوة تعيد إيران تفعيل منشأة "فوردو"، بعد أن أوقفت النشاط فيها بموجب الاتفاق النووي المبرم عام(2015م). وصرح رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، "علي أكبر صالحي"، حينها، أن بلاده دشنت(90)جهاز طرد مركزيًا، وكان إنتاجها قبل المرحلة الثالثة(450)غرامًا من اليورانيوم المخصب يوميًا، وأصبح خمسة كيلوغراماتيوميًا[6]. وفي(6 كانون الثاني/يناير 2020م)، أعلنت إيران بدء المرحلة الخامسة والأخيرة من مراحل تخفيض التزاماتها النووية، وذكرت أنها لم تعد ملزمة بأي قيود في المجال العملياتي (الذي يشمل مستوى التخصيب ونسبته وحجم المواد المخصبة والأبحاث والتنمية).وفي موازاة هذه الخطوات التصعيدية تعرضت العديد من المنشآت النووية الإيرانية الهامة مثل منشأة "نطنز" و"كرج" لهجمات إلكترونية وتخريبية لم تتبناها أي جهة أدت إلى تعطيل أجزاء كبيرة منها. ووفقًا لدبلوماسيين غربيين فإن إيران أنتجت أجزاء لما لا يقل عن(170)جهاز طرد مركزي متقدم، وقامت بتخصيب يورانيوم بنسبة نقاء(60%)وهي نسبة لا تقل كثيراً عن نسبة(90%)اللازمة لصنع قنبلة نووية، وتتجاوز بكثير أي نسبة تستخدم في تطبيقات غير عسكرية، كما قامت بتركيب أكثر من(1000)جهاز طرد مركزي متقدم قادر على تخصيب اليورانيوم بشكل أسرع، وذلك منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام(2018م).

محاولات إنقاذ الاتفاق النووي

منذ اليوم الأول لإعلان الولايات المتحدة الانسحاب الرسمي من خطة العمل الشاملة المشتركة، حاول قادة الاتحاد الأوروبي الحفاظ على هذا الاتفاق وعدم انهياره، وفي بيان مشترك ردًا على الانسحاب الأمريكي، أكد قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا أن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (2231/2015م) الذي يؤيد الاتفاق النووي ما زال "إطارًا قانونيًا دوليًا ملزمًا لحل النزاع". كما بذلت هذه الدول عدة محاولات لإنقاذ الاتفاق من الانهيار بشكل كامل من خلال عدد من الإجراءات والاجتماعات التي جمعت الأطراف، أو من خلال المبادرات الفردية مع طهران للتوصل إلى حلول مرضية لإيران التي باتت تهدد بوقف التزاماتها المنصوص عليها في خطة العمل الشاملة المشتركة وتهدئة التوترات التي خيمت على المنطقة بعد قرار الانسحاب الأمريكي.

وفي محاولة للالتفاف على العقوبات الأمريكية والحفاظ على العلاقات التجارية مع إيران أنشأ الثلاثي الأوروبي (The E3)، الذي يضم كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا في (31 كانون الثاني/يناير 2019م)آلية مالية للدفع مع إيران، أطلق عليها اسم “إينستكسINSTEX"، وهو اختصار لـــ "أداة دعم التبادلات التجارية". وتهدف هذه الآلية إلى الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران عن طريق إيجاد قناة مالية توفر الإمكانية للشركات الصغيرة والمتوسطة لحفظ القنوات المالية المتعارف عليها مع إيران. وتقوم هذه الآلية على نظام المقايضة للبضائع أو المدفوعات، وإجراء المعاملات التجارية بعملات غير الدولار، وبذلك يتم تجنب العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، إلا أن هذه الآلية لم يتم تفعيلها بسبب معارضة واشنطن لها.

محادثات فيينا لإحياء الاتفاق النووي

تهدف محادثات فيينا إلى إحياء اتفاق عام(2015م)الذي صُمم للحد من تطور البرنامج النووي الإيراني، وإبقاء إيران على بعد سنة واحدة على الأقل من القدرة على إنتاج وقود نووي كافٍ لقنبلة واحدة، وهو ما يسمى "بوقت الاختراق"، بالرغم من مرور نحو تسعة أشهر على انطلاق هذه المفاوضات التي تجري حتى الآن بين إيران و(4+1) دون مشاركة مباشرة من الولايات المتحدة، لم تحقق أي اختراق مهم لجهة إحياء اتفاق(2015 م) أو التوصل إلى اتفاق جديد. وتعول إيران بشكل كبير على رفع العقوبات الأمريكية الأحادية التي فرضتها إدارة "ترامب" ومددت العمل بها إدارة "بايدن" لإنقاذ اقتصادها الذي يشرف على الانهيار.

ومنذ (نيسان/أبريل 2021م)،عقدت اللجنة المشتركة لخطة العمل المشتركة الشاملة ثماني جولات حتى الآن في العاصمة النمساوية فيينا؛ لإيجاد طرق لاستعادة الاتفاق النووي في شكله الأصلي، أو التوصل لاتفاق منقح من خلال اتفاق الأطراف على تكثيف عملية صياغة الوثائق؛ من أجل الوصول إلى اتفاق نهائي في أقرب وقت ممكن، في الوقت الذي تصر فيه إيران على ربط التوصل على أي اتفاق برفع شامل للعقوبات الأمريكية المفروضة عليها منذ عام(2018م)،والإفراج عن أموالها المجمدة.

وخلال محادثات فيينا حدثت تطورات كبيرة تمثلت بانتخاب "إبراهيم رئيسي"رئيسًا لإيران الذي تعهد في خطاب تنصيبه في الخامس من(آب/أغسطس 2021م) بمواصلة "المشاركة الذكية" مع مجموعة (4+1) والولايات المتحدة من أجل رفع العقوبات المفروضة على إيران، ترافق ذلك مع تغيير واسع في الوفد التفاوضي الإيراني واستبعاد وزير الخارجية السابق "جواد ظريف" الذي لعب دورًا كبيرًا في التوصل إلى اتفاق(2015 م)، بحكم علاقاته الجيدة مع الدول الغربية. وشهدت محادثات فيينا حتى الآن جولتين في عهد "رئيسي" (الجولة السابعة، والجولة الثامنة التي لا تزال جارية ويتوقع انتهائها في بداية شباط/فبراير 2022م)، لكن الجولة الأخيرة اُستأنفت بتلويح واشنطن باللجوء إلى "الخيار العسكري" بصراحة ولأول مرة إذا فشلت المفاوضات، إضافة إلى تصعيد إسرائيل نبرة تهديداتها بشكل لافت، مع الادعاء بوجود خطط جاهزة لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية.

التحديات التي تواجه مفاوضات فيينا

تعدّ محادثات فيينا خطوة إلى الأمام باتجاه إحياء اتفاق عام(2015م)، فالولايات المتحدة وإيران لديهما حاجة مشتركة لتخفيف التوترات، لكن هناك الكثير من التحديات لا تزال تقف أمام التوصل إلى اتفاق نهائي منها: لا يوجد موعد نهائي لهذه المفاوضات وبالتالي قد تستمر شهورًا أخرى، لذا تشكل هذه المباحثات أحد أهم التحديات التي تواجه حكومة "رئيس" خلال العام(2022م)، بالمقابل تريد واشنطن من إيران - قبل رفع العقوبات– التراجع عن جميع الخطوات التصعيدية التي اتخذتها منذ عام(2019م)، لتوسيع برنامجها النووي بما يتجاوز حدود خطة العمل الشاملة المشتركة. من جهتها تقول إيران إنها لن تتراجع عن خطواتها حتى ترفع العقوبات الأمريكية ويتم التحقق من ذلك بما يرضيها. الصعوبة التي تواجه إدارة "بايدن" في هذا الصدد أن العقوبات التي فرضتها إدارة "ترامب" لا يمكن رفعها بأوامر تنفيذية؛ لأنه لا توجد حدود فاصلة بين العقوبات النووية والعقوبات غير النووية، فإدارة "ترامب" طمست هذه الحدود من خلال إعادة تسمية العديد من العقوبات المتعلقة بالمجال النووي على أنها مرتبطة بالإرهاب، وهذه العقوبات تشمل الحرس الثوري الإيراني الذي تم تصنيفه على أنه منظمة إرهابية، وكذلك البنك المركزي، ووزارة النفط ،وشركة النفط الوطنية الإيرانية كونها متورطة بتحويل الأموال إلى حزب الله اللبناني، وبعض الميليشيات التابعة لإيران في المنطقة.

تحدي آخر يواجه مفاوضات فيينا في التوصل إلى اتفاق جديد يأخذ طابع المعاهدة الدولية الملزمة؛ لأن اتفاق(2015 م) كان اتفاقًا سياسيًا غير ملزم مع حوافز لكلا الجانبين للامتثال، وبالتالي تحويل هذا الاتفاق إلى معاهدة دولية يتطلب دعم ثلثي أعضاء الكونغرس. علاوة على ذلك لا تزال هناك أصوات قوية مناهضة لإيران ومعارضة لخطة العمل الشاملة المشتركة في الولايات المتحدة؛ لذا قد يكون البديل هو اتفاقية تنفيذية تتطلب الموافقة عليها بأغلبية بسيطة من قبل مجلسي النواب والشيوخ، ورفع جزئي للعقوبات ومساعدة إيران على استعادة بعض الأصول التي تم تجميدها في الخارج، وأن تتعهد واشنطن بعدم الانسحاب مرة أخرى من خطة العمل الشاملة المشتركة في حال عادت إليها.

إلى جانب كل ذلك، ترى واشنطن أن السلوك العدواني الذي تنتهجه إيران يشكل خطرًا كبيرًا على منطقة الشرق الأوسط، حيث لا تزال طهران ترعى حزب الله اللبناني والجماعات الإرهابية الأخرى وتحاول الهيمنة سياسيًا على العراق وسوريا وتحويلهما إلى دمى بيديها وتهدد حلفاء واشنطن في المنطقة، كما تواصل تطوير واختبار صواريخ متطورة، وأسلحة تقليدية أخرى؛ بهدف تحقيق التفوق العسكري والسياسي في الشرق الأوسط والخليج العربي؛ للحفاظ على النظام الإيراني وعدم انهياره أمام الضغوط الأمريكية، لذلك تطالب إيران بفك الارتباط بين المفاوضات الخاصة برنامجها النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية وهو ما ترفضه الولايات المتحدة بشكل قاطع.

فرص التوصل إلى اتفاق جديد

بالرغم من تأكيد وزير الخارجية الإيراني "حسين أمير عبد اللهيان": أن مفاوضات فيينا تقترب من التوصل لاتفاق "جيد"، وتأكيد كبير المفاوضين الإيرانيين "علي باقري" على تراجع حدة الخلافات بشأن رفع العقوبات الأمريكية. إلا أن الواقع يشير إلى وجهات نظر الأطراف لا تزال متباعدة رغم المرونة التي أبدتها الإدارة الأمريكية مؤخرًا حول الإفراج الجزئي عن أموال إيران المجمدة، ومنح الضوء الأخضر لكوريا الجنوبية لعقد اجتماعات ثنائية مع المسؤولين الإيرانيين؛ بهدف الإفراج عن عائدات صادرات النفط الإيرانية لكوريا الجنوبية البالغة نحو(7)مليارات دولار، وترحيب الولايات المتحدة بالاتفاق الذي تم التوصل إليه مؤخرًا بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، إذ سمحت إيران للوكالة بإعادة تركيب كاميرات مراقبة جديدة في منشأة "تسا" في "كرج" التي سبق أن تعرضت لهجمات تخريبية. ويبدو أن التطور الأبرز خلال الجولة الأخيرة من مباحثات فيينا هو اتفاق الأطراف على مناقشة مسودة مشتركة تم دمجها تتضمن حصر الخلافات حول المسائل النووية والالتزامات المطلوبة من إيران وآليات رفع العقوبات عن طهران، وتشكيل مجموعة خبراء ثالثة، تعمل على تنسيق فريقين آخرين يعملان بشكل منفصل حول العقوبات الأمريكية والبرنامج النووي الإيراني.

مع ذلك يمكن القول: إن الولايات المتحدة لا تزال تخوض محادثات استنزافية مع إيران؛ للضغط عليها بشكل أكبر من بوابة العقوبات الاقتصادية التي ترزح تحتها إيران منذ العام(2018م)، فالولايات المتحدة لم تنخرط في المفاوضات الجارية في فيينا بشكل مباشر حتى الآن، ولم تُعقد أية اجتماعات مباشرة بين المفاوضين الإيرانيين والأمريكيين الذين يقيمون في فندق منفصل في فيينا،وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل بشكل جلي على أن الطريق إلى اتفاق نووي جديد ما يزال بعيدًا، وتواجهه تعقيدات كبيرة، وأن الإدارة الأمريكية لم تتنصل حتى الآن من الاحتمال النظري على الأقل بمهاجمة إيران عسكريًا إلى جانب طاولة المباحثات الجارية في فيينا.

 على الجانب الآخر تسير إيران بشكل متسارع في تطوير برنامجها النووي ووصلت خلال الشهور الماضية إلى مستويات قياسية في درجة تخصيب اليورانيوم وكمياته، وإذا ما نجحت في التوصل إلى اتفاق جديد مع الإدارة الأمريكية ستحصل على مليارات الدولارات، وهو ما سيمكنها من توسيع نفوذها في المنطقة والسيطرة عليها في ظل غياب أي مشروع عربي موحد؛ لمواجهة النفوذ الإيراني المتنامي في الشرق الأوسط. أما إسرائيل التي استطاعت خلال ثمانينيات القرن الماضي من تدمير المفاعل النووي العراقي والمفاعل السوري عام(2007م) بضوء أخضر أمريكي يبدو أنها لم تحصل على هذا الضوء حتى الآن تجاه أي عمل عسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية.


([1])  أستاذ القانون الدولي في جامعة ماردين أرتوكلو التركية.

.

[2] - Remarks by President Trump on the Joint Comprehensive Plan of Action, FOREIGN POLICY, Issued on: May 8, 2018.

[3]- IAEA, Board of Governors, Road-map for the Clarification of Past and Present Outstanding Issues regarding Iran’s Nuclear Program, GOV/INF/2015/14, on 14 July 2015.

[4]- S/RES/2231 (2015).

[5]- الجزيرة نت، بتاريخ 5/9/2019م.

[6] - وكالات الأنباء، 6/11/2019م.

مقالات اخرى

Melbourne Web Design & Development
menu-circlecross-circle linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram