

بمنهجية الخبير العارف دينيًا وتاريخيًا واجتماعيًا وسياسيًا، حدثنا الدكتور نواف تكروري رئيس هيئة علماء فلسطين في حوار عميق مع مجلة حضارة عن قضية المسلمين المركزية (فلسطين)، وكيف يكون الموقف، وعلى أي أرضية يثبت قدميه من ينتمي إليها، لتحقيق المراد منه بالموقف المطلوب، وعلى أي ركيزة يستند من يواجه هذا الطغيان الصهيوني الغاشم، وكيف تعيد الأمة بوصلتها نحو هذه القضية التي هي عقيدة عند المسلم ولا يمكن التنازل عنها أو المساومة عليها فهي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين عند المسلمين. أسئلة حوارية تتبعنا فيها ما يشغل بال كل مسلم، وضعناها على طاولة الحوار وقد أجاب عنها الدكتور تكروري إجابات شافية وافية، تصلح أن تكون منهاج عمل؛ وملخصًا تحفظه الأجيال لكي تسير على النهج الصحيح في مواجهة حتمية مع اليهود فتتحقق البشارة باسترداد بيت المقدس وكامل التراب الفلسطيني إلى حاضرة الأمة... وما بين سؤال وجواب كانت لنا مع الدكتور نواف تكروري رئيس هيئة علماء فلسطين هذه الرحلة الماتعة بالوعي والفهم والإدراك وإليكم نص الحوار: السؤال الأول: ما مدى ارتباط العدوان الصهيوني الأخير على بيت المقدس وعلى كل فلسطين بالدعاوى الصّهيونيّة بأنّ لليهود حقًّا في فلسطين؟ في البداية لا بدّ أن نؤكّد أن معركتنا مع العدوّ الصّهيونيّ هي معركة وعي، والجيل الحالي يحتاج إلى توسيع دائرة الوعي لديه وبث المعرفة بطبيعة هذا العدو وعن الحركة الصهيونية، ولا شك أن الوعي والمعرفة ضرورة التحرر من كل عدوان وأعدى الأعداء هو الجهل وهو مدخل كل الأعداء لتخفيف مشاريعهم الهدامة. فدعاوى الصّهيونية بأن لليهود حقًّا تاريخيًّا ودينيًّا في فلسطين هي مخطط صهيوني لدفع يهود العالم للتجاوب معهم في عدوانهم على فلسطين وهذه الادعاءات بدأت فعليًّا قبل نشوء الحركة الصهيونية بوقت طويل، وهي دعاوى مزيفة كاذبة تقوم على الافتراء والخداع ولا تتفق مع تاريخ فلسطين ولا تاريخ بيت المقدس، لذلك اشتغل الاستشراق اليهودي والصهيوني على اختلاق فكرة دولة إسرائيل، واختلاق صورة متخيّلة لمدينة بيت المقدس اليهودية التي ترتكز في وجودها على ادّعاء أن بها هيكل سليمان عليه السلام في موضع المسجد الأقصى المبارك، ويمكننا القول دون أدنى مبالغة: إنّ مدينة بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك تعرّضا لأكبر عملية تزييف حدثت في التاريخ الإنساني، وأثبتت حفرياتهم زيف هذه الدعوى إذ بشهاداتهم أنهم لم يعثروا على أثر لما يبحثون عنه وقد حفروا منذ 1967م تحت المسجد الأقصى المبارك وبكل السبل. وقد استخدمت الحركة الصّهيونيّة ومن قبلها الاستشراق اليهودي دعاوى الحقّ الدّيني والحقّ التاريخي لحشد اليهود في العالم وإقناعهم بالهجرة إلى فلسطين، فلم يكن هناك من فكرة قادرة على إقناع اليهود بالعالم بالتجمع في فلسطين من كلّ دول العالم الارتكاز إلى فكرة الحقّ الدّيني والحقّ التاريخي، وقد ساندت الدّول الغربيّة هذه الفكرة رغبةً منها في التخلّص من اليهود المقيمين على أراضيها من جهة، ولتنشئ كيانًا يكون خنجرًا تغرسه في قلب الأمة الإسلاميّة فتحقّق بذلك العديد من المصالح، وتمزق بوجوده شمل الأمة وتحول دون وحدتها. وتعمد الجهات الصّهيونيّة المختلفة حتّى العلمانيّة واللادينيّة منها إلى تفعيل خطاب الحقّ الدّيني والحقّ التّاريخي لتسويغ العدوان على فلسطين عمومًا وعلى القدس والمسجد الأقصى بشكل خاص فلذلك يُستدعى الدين لتبرير الاعتداءات العسكرية التي قامت وتقوم بها دولة الاحتلال وذلك يتضمن أدوارًا للحاخامات في دعم العدوان وتبريره ومباركته، ولذلك أصدروا الفتاوى التي تدعو إلى التمسك بأرض فلسطين كحق لهم وليتمكنوا من ذلك أصدروا أيضًا مئات الفتاوى الدينية التي تبرر قتل العرب والتنكيل بهم، ويأتي كلّ ذلك في إطار محاولة الجهات الصّهيونيّة لرفع معنويات جنودها وحشد أحقادهم وتأجيج مشاعرهم في مواجهة الفلسطينيين وفي محاولة بائسةٍ لرفع معنويات الشعب الصهيوني وتثبيته في "أرض الميعاد" كما يسمونها لكن هذه المحاولات كلّها لم ولن تفلح بإذن الله تعالى، فنحن نعاين ونرى مدى الجبن والخور الذي يعتري الجنود في أية مواجهة، كما نرى الهجرة العكسيّة الصهيونيّة التي تزداد وتيرتها مع اندلاع أيّة مواجهة. والحق أمر قائم بالنفوس ولا يتحقق لأحد حق لم يقتنع هو بوجوده ولذلك كل هذه المحاولات هي لإقناع يهود العالم بهذا الحق الذي لا يوجد ما يقنع به فحتى الذين قدموا إلى فلسطين تحت هذا العنوان وبأُمنيات أرض السمن والعسل، عندما يصطدمون بصمود الشعب الفلسطيني يلوذ كثير منهم بالهجرة من فلسطين لعدم وجود قناعة داخلية بما يلقنونه يوميًا من الحركة الصهيونية وبالتالي فنحن موقنون أن هذا الكيان إلى زوال وأن مشروعه لا استمرار له ولا نجاح. والاعتداء الأخير على المسجد الأقصى هو حلقة في إطار هذه التعبئة ومحاولة إثبات هذه الدعاوى إذ أراد منه الغاصبون أن يثبتوا معادلة أنه في حالة التعارض بين مناسبة دينية إسلامية وأخرى يهودية تقدم اليهودية، ولكن بحمد الله تعالى وكما رأى العالم فإن صاحب الحق دائمًا أقوى بحقه وأن شعبنا الفلسطيني ومن خلفه أبناء الأمة قد وجهوا رسالة واضحة للكيان بأن الأقصى دونه كل غالٍ ونفيس وأبطلوا كيده. السّؤال الثّاني: بناء على ما تقدّم، ما هي طبيعة الدّعاوى الصّهيونيّة بالحقّ التاريخي والديني لليهود في القدس؟ وما هي نواقض الدّعوى اليهوديّة في أحقيّتهم بفلسطين؟ إن اليهود يزعمون أن لهم حقًا تاريخيًا، وحقًا دينيًا في فلسطين، ولأجل ذلك قامت الحركة الصهيونية بالعديد من الدعاوى الدينية والمزاعم التاريخية على مر التاريخ لإثبات "أحقيتها " في مدينة القدس على أساس أن العهد القديمَ يَعِدُ اليهودَ بالعودة إلى فلسطين، والواقع أنهم مغتصبون لأرض غيرهم، وليس لهم أدنى حق في هذه الأرض، لا من الناحية التاريخية، ولا من الناحية الدينية. وفي إطار محاولاتهم لإثبات هذا الادعاء فقد قام الصهاينة باختلاق الافتراءات والمزاعم الباطلة ومن أهم هذه الادعاءات والمزاعم والافتراءات: أولًا: يزعم اليهود بأنهم كانوا في هذه الأرض قبل العرب والمسلمين بعدّة قرون وقبل أن يفتحها النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث يدّعي اليهود أنّ علاقتهم بالقدس تعود إلى ثلاثة آلاف عام، أي عندما فتح الملك داود هذه المدينة في القرن العاشر قبل الميلاد. وعادةً ما يتمّ الرّد على هذا بأن القدس بناها العرب اليبوسيّون في الألف الرابعة قبل الميلاد، أي أن عمر عروبتها يزيد على ستة آلاف عام، بينما الوجود اليهودي في القدس في عهد داود وسليمان عليهما السلام كان وجودًا عابرًا وبالإسلام والنبوة والإيمان، فالعلاقة اليهودية بفلسطين من الناحية التاريخية قصيرة منقطعة غير مستقرة بدأت واندثرت منذ وقت طويل وقامت في وعد الله تعالى أن هذه الأرض يورثها عباده الصالحين، فأنبياء بني إسرائيل استحقوا هذه الأرض بإيمانهم وخسرها بنوا إسرائيل بانحرافهم بعد أنبيائهم عن الجادة وأورثت الأمة الإسلام بالإسراء وإمامته بالأنبياء عليه وعليهم أفضل السلام في المسجد الأقصى في رحلة الاسراء. وهنا لا بدّ من التأكيد على أنّنا لا نسلكُ في إثبات حقّنا في فلسطين مسلك إثبات الحقّ التّاريخيّ مع أن الحق التاريخي يدعمنا أيضًا بل إنّ مرتكزنا في علاقتنا مع فلسطين يقوم على الحقّ الدّيني الذي أثبته لنا الإسلام بالفتح العمري والذي تحوّلت به أرض فلسطين وبيت المقدس أرضًا إسلاميّة، وجب على الأمّة الذّود عنها وصيانتها وحمايتها من كلّ ما يمكن أن تتعرّض له من مخاطر واعتداءات، وبالتالي فإن الناحية التاريخية تؤكد أسبقيته ملكية العرب لهذه الأرض، ومن الناحية الدينية فإن المسلمين هم ورثة هذه الأرض وأصحاب الحق بها دون غيرهم ثانيًا: يستند اليهود في مزاعمهم حول أحقيتهم الدينية في مدينة القدس إلى عدد من النصوص الموجودة في كتبهم كالتوراة والإنجيل، فهم يزعمون أن داود وسليمان عليهما السلام نبيَّا اليهود، وأنهما اللذان بنيا المسجد الأقصى، كما يزعمون بحصولهم على الوعد الإلهي وهو وعد اختلقه اليهود مفاده أن الرب قد وعد إبراهيم عليه السلام وذريته بأرض الميعاد، وأن اليهود هم ورثة هذا الوعد الإلهي، وهذا الحق حصريّ لهم بصفتهم " شعب الله المختار" ومن هذه الادّعاءات أيضًا أن المسجد الأقصى بني فوق أنقاض "الهيكل" المزعوم، فيسعي الصهاينة إلى تهويد القدس، وهدم المسجد الأقصى لإعادة بناء المعبد "الهيكل" الذي بناه سليمان عليه السلام للرب في القرن العاشر قبل الميلاد، وهو المعبد الذي يريدون إقامته على أنقاض المسجد الأقصى المبارك. وهذه ادّعاءات متهافتة زائفة، ويمكن الإجابة عليها من وجوه فداود وسليمان ليسا من اليهود، بل هما مسلمان أرسلهما الله تعالى إلى بني إسرائيل لمعالجة ما تلبّسوا به من مشكلاتٍ في الايمان والسلوك، وهكذا هم كلّ انبياء الله تعالى ليسوا يهودًا ولم يكونوا يومًا كذلك، واليهود اليوم ليسوا على خطاهم فلا يكون ورثتهم بل هم مسلمون وصفهم الله تعالى بذلك، وجعل المسلمين هم الأولى بهم. قال تعالى: "أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" (البقرة:133). وقوله تعالى: "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ" (آل عمران: 67،68). وبالتالي فإن وعد الله لبني اسرائيل كان وعدًا مشروطًا، بأن ينفذّوا التعاليم، ويحفظوا العهد، ويصونوا أوامر الله تعالى ويجتنبوا نواهيه، حتى يكونوا أهلًا لنصر الله وتمكينه، وهذه هي سنّة الله تعالى في الذين خلوا من قبل ولا تبديل ولا تحويل لسنّة الله تعالى في الأفراد والأمم، فإن الله لا يعامل الناس بأنسابهم، بل بأعمالهم، واليهود انتهكوا هذا الشرط فنبذوا الإيمان وقتلوا الأنبياء وعادوا الرّسل وانحرفوا عن منهج الحقّ فلا استحقاق لهم في هذه الأرض التي جعلها الله لعباده الصالحين. ويستند البعض لقوله تعالى على لسان سيدنا موسى عليه السلام: "يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُواْ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ" ( المائدة: 21) ويقولون بأنها مكتوبة لهم بنص القرآن الكريم.... والحق أن هذا طعن في ذات الله سبحانه وتعالى عما يقولون وعما ينسبون له سبحانه من أن يعطي قومًا لنسبهم أو عرقهم، فالله تعالى كتب لهم هذه الأرض بصفتهم أتباع موسى وعلى ملته، أي ملتزمين أمر الله تعالى وجعل لذلك شرطين (الإيمان والإقدام والشجاعة) فلما كانوا مؤمنين مع موسى عليه السلام دعوا لاستكمال الشرط الثاني وهو الإقدام والدخول، فلما جبنوا حرموا وكتب عليهم التيه. والقلة التي آمنت مع طالوت ومع داوود لما آمنت ووثقت وأتمت ذلك بالإقدام كتب الله لهم النصر وحكم هذه البلاد المقدسة، و الاقدام فلما انحرفت عن خط داوود وسليمان عليهما السلام سلط الله عليهم نبوخذ نصر، وكانت هذه سنة الله في الأرض المقدسة، أن الأصل فيها لعباد الله الصالحين وأتباع الأنبياء بشرط الاقدام والشجاعة والتوكل على الله تعالى، وقد تقع هذه الأرض المقدسة بيد كافر أو ظالم عقوبة للمسلمين والمؤمنين إما بانحرافهم عن الإيمان أو بجبنهم وخورهم وتركهم الإقدام في الدفاع عنها، فكتب التيه على من مع موسى عليه السلام لما جبنوا، وكتب تسليط نبوخذ نصر على من جاء بعد داوود وسليمان لما انحرفوا، وكتب تسليط الصهاينة على فلسطين وانتزاعها من المسلمين لما انحرفوا عن اتباع الهدى وجبنوا عن البذل والتضحية والفداء، في سبيل الدفاع عنها والحفاظ عليها. ولذلك نحن نستبشر اليوم خيرًا ونحن نرى اتباع الحق وحملة رسالة الإسلام صاحبة الحق في المكان يجتهدون في الالتزام بأمر الله ويبذلون الغالي والنفيس دفاعًا عن المقدسات فهذا بشير خير بإذن الله تعالى باستعادة حقنا بهذه الأرض المباركة. وأمّا فيما يتعلّق بادّعاء الهيكل فإنّ الصّهاينة منذ احتلالهم لبقيّة مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك سنة 1967م وهم يقلبون باطن الأرض بالحفريات والأنفاق تحت المسجد الأقصى وحوله ولم يجدوا حجرًا واحدًا تحت المسجد ولا في محيطه يُثبت أنه قد كان في هذا المكان معبد يهودي في يوم من الأيام. الأمر الذي يدحض الرواية الدينية اليهودية والصهيونية بهذا الخصوص. ثم إن نبيّ الله سليمان عليه الصّلاة والسلام الذي يزعم الصهاينة أنه قد بنى لله معبدًا في القدس في القرن العاشر قبل الميلاد هو في عقيدتهم وتصوّراتهم الذّهنيّة والتاريخيّة التي يتحدث عنها كتابهم "العهد القديم" ليسَ أكثر من ملكٍ فاسدٍ وهو "زير نساء" و"عابد أوثان" ـ كبرت كلمة تخرج من أفواههم ـ فهل زيرُ النساء الفاقد لأخلاق الرّجال وعابد الأوثان وباني الأصنام ليجبر النّاس على عبادتها من دون الله- كما ينسبون لسليمان عليه السلام- يصلح أن يكون هو باني بيت الله الذي يريد الصهاينة إقامته على أنقاض المسجد الأقصى المبارك؟؟!! فاليهود والصّهاينة ليس لهم أيّ حقّ في فلسطين لا من النّاحية التّاريخيّة ولا من النّاحية الدّينيّة وهم دخلوا فلسطين غزاةً محتلين، وهم يحاولون إلباس احتلالهم الإحلاليّ وجرائمهم المروّعة لبوس الحقّ زيفًا وكذبًا وافتراء، وبالتالي ليس أمامنا إلا جهادهم ومواجهة باطلهم بحقنا ولا بد من تضافر جهود الأمة كل من موقعه لتحقيق وعد الله تعالى بدحرهم ودفع عدوانهم وتحرير مقدساتنا من دنسهم ورجسهم. السّؤال الثّالث: بعد كلّ ما تقدّم من حقائق دامغة ووقائع كاشفة يبدر هنا سؤال مهم وهو كيف يواجه المسلمون عامة المخططات الصّهيونيّة في فلسطين؟ أؤكّد بدايةً أنّ عدوّنا أطماعه ومطامحه في التوسع لا تقف عند حدود فلسطين التاريخية ، فهو يطمع في السيطرة على المنطقة كلها ومن كل جانب ، لتحقيق أحلامه الصهيونية بإقامة دولة يهودية "من النّيل إلى الفرات" وهو شعارهم الذي لم يخطوه ابتداءً، واليوم يراوغون استدراجًا للأمة ، ولا يمكن مواجهة هذا التآمر الصهيوني الاستعماري إلا بوحدة الأمة، التي بها يمكن القضاء على مكائد العدو وسياساته التي تقوم على أساس فرق تسد، وبالتالي فإن طريق الوحدة وخيارها هو الخيار الأول والواجب الأول علينا جميعًا لرد كيد الأعداء، وتحقيق عزة هذه الأمة واسترداد مقدساتها. ومن خلال مجلّتكم الموقرة أدعو إلى تشكيل لجنة عالمية إسلامية تضم علماء شرعيين وعلماء آثار وعلماء تاريخ تكون مهمتها الأساسيّة فضح مزاعم اليهود بحقهم في المسجد الأقصى، وتفنيد مزاعمهم في حقّهم الزّائف بأرض فلسطين. ومن الأمور المهمّة في هذا المجال نشر الوعي الاسلامي حول الأهميّة الشرعيّة لمدينة القدس، وفضلها على باقي الأماكن، وربطها بعقيدة المسلم، وذلك عن طريق المحاضرات، وورش العمل، والأيام الدراسية، وخطب الجمعة، وحلقات العلم، ودورات المعارف المقدسيّة، فلا بد أن نعظم ونقدس ما قدسه الله ونقدم ما قدمه الله تعالى، فبيت المقدس يجب أن يكون في عقل وقلب كل مسلم وأنها مقدمة حتى على موطنه الذي ولد فيه ما لم يكن ولد في مكة المكرمة أو المدينة المنورة ولا بد أن يوطن العمل للقدس والأقصى في كل بلد من بلاد المسلمين ولا يجوز ترك هذه القضية ولا إسنادها للفلسطينيين وحدهم، ولذلك فإنه يغدو من الضرورة بمكان إعداد مناهج دراسيّة متعلّقة بفلسطين والقدس والمسجد الأقصى المبارك من النواحي المختلفة الدينيّة والتاريخيّة والجغرافيّة والأثريّة والثّقافيّة وإقرارها بوصفها مساقات دراسيّة في المراحل الدراسيّة المختلفة ابتداء من المرحلة الأساسيّة الابتدائيّة وصولًا إلى المرحلة الجامعيّة، ولا شك أن مواقف كثير من الأنظمة العربية والإسلامية تقف حائلًا دون تحقيق ذلك ويمكن البدء بالمدارس الخاصة وحيث أمكن في هذا الطريق حتى نصل إلى تعميم الوعي بالقضية. وكذلك لا بد من وضع خطط استراتيجيّة للشرائح المختلفة في المجتمع الإسلامي والعالم الحر وبث الوعي بحقيقة هذه القضية وذلك على مستوى وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث والدراسات والمنظمات الحقوقيّة والقانونيّة والعمل على تنفيذها لمواجهة الادّعاءات الصّهيونيّة. السّؤال الرّابع: هل تعطينا لمحة عن الأوضاع في القدس حاليًا؟ سقطت القدس في أيدي الإنجليز في ليلة 8/9/ 1917بعد أن خسر الأتراك مواقعهم الحصينة في جنوب فلسطين، ثم دخل اللورد اللنبي القدس بعد يومين، دخلها ماشيًا من باب الخليل، وأذاع على سكان بيت المقدس، من على درج القلعة الواقعة بباب الخليل بيان انتصاره واحتلال المدينة ومن ذلك اليوم والقدس تعاني ويلات الاحتلال وجرائم المحتلين. ثم مكن الصهاينة من أجزاء من القدس سنة 1948م ثم مكنوا من بقية المدينة المقدسة بما في ذلك المسجد الأقصى المبارك يوم 7 حزيران "يونيو" عام 1967م ودخل قادتهم المسجد الأقصى المبارك، ففي ذلك اليوم دخل الجنرال موردخاي جور وجنوده المسجد الأقصى المبارك 67، ورفعوا العلم الصهيوني على قبة الصخرة وحرقوا المصاحف، ومنعوا المصلين من الصلاة فيه، وصادروا مفاتيح أبوابه، وكانت هتافاتهم يوم بيوم خيبر. واستمرت الاعتداءات من ذلك اليوم إلى يومنا هذا دون انقطاع، فمن إحراق المسجد الأقصى المبارك في 29/8/1969م إلى حفر الأنفاق تحته وقتل المصلين في رحابه والعمل الممنهج على تهويد مدينة القدس والتضييق على أهلها والعمل على تهجيرهم بمختلف الوسائل والإجراءات. وكانت الحكومة الصهيونية في كثير من هذه الجرائم تزعم جنون المجرم أو تتظاهر باعتقالهم وتدعي رفض هذه التصرفات، ولكن اليوم أصبح العدوان رسميًا بعد أن كان شعبيًا وصار قانونيًا بعد أن كان مخالفًا. فقد دخلت القدس في السنوات الأخيرة مرحلة مفصليّة من الصراع تواجه عدوانًا مفصليًا وغير مسبوق يسيرُ في اتجاهين اثنين؛ الأول: يستهدف المسجد الأقصى المبارك في العمل على تقسيمه زمانيًا ومكانيًا، وقد باءت المحاولات الصّهيونيّة حتّى الآن بالفشل بفضل الله تعالى أولًا وآخرًا ثمّ بهمّة وعزيمة أهلنا المرابطين الثّابتين في بيت المقدس، وكل ذلك كما أشرت أصبح بأيدي وزراء ونواب وحاخامات وليس مجرد أفراد مخالفين للقانون، بل أصبح يشرعن على طاولة الكنيس الصهيوني العدوان على الأقصى. والثّاني: هو العمل على تهجير المقدسيين وتهويد مدينة القدس من خلال الإجراءات العدوانيّة التي تشهدها مناطق متعددة من القدس كحيّ الشيخ جراح وحي سلوان وحي البستان، والعمل على هدم منازل المقدسيين أو الاستيلاء عليها وتسليمها للمستوطنين والمغتصبين الصّهاينة، ومعركة سيف القدس الأخيرة إنما جاءت في إطار نصرة المقاومة للمسجد الأقصى المبارك. إنّ ما يجري من استهداف ممنهج للقدس والمسجد الأقصى يهدف إلى تصفية قضيّة فلسطين برمّتها، فالقدس هي محور الصّراع والمسجد الأقصى مرتكزه واستهدافهما هو استهداف للقضيّة في أساس وجودها كما أنّه استهداف لملياري مسلم على وجه هذه البسيطة، وقد شكل رباط أهلنا في المسجد الأقصى المبارك وحراك أهلنا في كل فلسطين وعلى رأسها نصرة المقاومة في غزة خط دفاع قوي ومخيف للعدو الصهيوني، ولكن الحقيقة أن هذا العدو لن يتراجع باليسير عن مخططاته وما زال يجهز ويمارس كل أنواع العدوان والاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى المبارك ومحاولة الإفساد فيه، وما زال أهلنا في بيت المقدس وأكنافه يحاولون أن يذودوا عن المسجد الأقصى المبارك بما أوتوا من قوة وإمكانات، والحرب سجال، ومعاناة المسجد الأقصى وأهل المدينة المقدسة فوق الإحصاء والتقدير وكذلك الصمود فهو صمود عظيم وثقتنا بالله تعالى أنه ناصر الحق وقاهر الباطل. السّؤال الخامس: ما هي الخطط الكفيلة بالوقوف أمام محاولات تهويد بيت المقدس من وجهة نظرك؟ ما فتئت سلطات الاحتلال الصّهيوني تسعى بدأب إلى تكثيف جهود التهويد لمدينة القدس، وذلك من خلال اتباع سياسات وآليات واضحة، فبعد أن أحكمت القبضة الاحتلاليّة على الشطر الغربي لمدينة القدس، وتم تهويده بشكل كامل، سرّعت جهودها نحو إنجاز وتكثيف خطواتها، في تهويد الشطر الشرقي للمدينة، ولم تتوقف عمليات التهويد مطلقًا، بل كانت تنفذ بالتوازي، مع رصد موازنات ضخمة جدًا لتنفيذ مخططاتها، على المستويات المختلفة؛ فمن التهويد الديموغرافي إلى التهويد الديني والثقافي والعمراني وتكريس عزل القدس عن باقي مدن الضفة الغربية. وهذا السّعار الصّهيونيّ الممنهج في عمليّات تهويد مدينة القدس ينبغي أن تتمّ مواجهته بآليّات فاعلة ذات تأثير حقيقيّ في المدى القريب والمدى الاستراتيجي، ومن هذه الآليّات والخطط: أولًا: تعزيز صمود المقدسيين وتثبيتهم في أرضهم من خلال بناء الإنسان الفلسطينيّ إيمانيًّا وفكريًّا ودعمه ماديًّا مما يجعله يصمد أمام أعتى الرياح التي تحاول اقتلاعه من أرض القدس، وهنا أدعو إلى إنشاء صندوق خاص يعنى بتثبيت أهل القدس ودعمهم في مواجهة التضييق عليهم في أرزاقهم وأقواتهم ومنازلهم، فهذا من أوجب الواجبات على الأمة الإسلاميّة اليوم، فإذا كان المطلوب من الأمة بذل المال فإن أبناء بيت المقدس يبذلون المهج دفاعًا عن مقدسات الأمة كلها. ثانيًا: توحيد المرجعيّات والرؤى فيما يتعلّق بالقدس بين المكوّنات الفلسطينيّة، فالقدس يجب أن تكون مشروعًا جامعًا له مرجعيّته الواحدة المشتركة القادرة على توجيه الطاقات وإدارة مواجهة التهويد والتآمر الصّهيوني. ثالثًا: القدس ليست للفلسطينيين وحدهم، بل هي للأمة كلها وبالتالي فإنه لزامًا على الأمة تشكيل جبهة سياسيّة فلسطينيّة عربيّة إسلاميّة موحدة لمواجهة مشروع تهويد القدس، فعلى الجميع أن يكونوا شركاء في القرار شركاء في التنفيذ شركاء في الهم، فلعل ذلك يحدث أثرًا نوعيًا ونقلةً حقيقيّةً في التعامل مع قضيّة القدس، ويحمل كلًا مسؤوليته من حيث هو وبقدر إمكاناته. رابعًا: إنشاء منصات إعلاميّة متخصصة في مواكبة أعمال التهويد ومجريات الأحداث في القدس، وفضح الجرائم الصّهيونيّة وإساءة وجه الاحتلال البغيض، ويكون من مهامها أيضًا تفنيد الأكاذيب الصّهيونيّة حول الحقّ التاريخي والديني وسرقة التراث المقدسي، ومواجهة كل الشبهات التي تثار من الصهاينة ومن يدعمهم. خامسًا: العمل الجاد الممنهج لمواجهة التطبيع مع الكيان الصهيوني وفضح ممارسات المطبعين وشخوصهم وأعمالهم لا سيما تلك التي تتعلق بتسريب العقارات في القدس للصهاينة وتسهم بشكل مؤثّر في تهويد القدس والوصول إلى نبذ المطبعين دولًا ومؤسسات وشركات وأفرادًا واعتبارهم خائنين للأمة في أعز مقدساتها. سادسًا: وضع خطط وبرامج مشتركة لعلماء الامة ودعاتها على مستوى المؤسسات والأفراد لتفعيل المسجد والمنبر في التعريف بقضية القدس ومخاطر التهويد وبيان الواجبات الشرعيّة الملقاة على عاتق الأمة في مواجهة ذلك، إذ يقع على علماء الأمة بث الوعي والتحريض وتقدم صفوف المدافعين بكل السبل ابتداء من الجهاد القتالي إلى الجهاد بكل صوره وألوانه. سابعًا: البدء الجاد وبكل السبل بتشكيل جيش الأقصى والقدس في بلاد العالم الإسلامي وذلك بالتدريب والإعداد والتربية الإيمانية، حيث الشباب يتوق لهذا الأمر ويترقب شرف المشاركة في الجهاد دفاعًا عن أقصاها، ولا بد من الترتيب لإعطاء هذه الفرصة وإعداد الأجيال لهذه الساعة القريبة بإذن الله. السّؤال السّادس: ما هو واجب العلماء والمؤسسات العلميّة فيما يتعلق بفلسطين والقدس؟ عندما نتحدث عن العلماء إنما نقصد العلماء الصادقين فهم ملح الأرض وهم أنجم الهداية للأمة في أيّامها الحالكة، وهذا يحمّلهم مسؤوليّة مضاعفة لا سيما تجاه مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأرض البركة فلسطين المحتلة فهم ورثة رسول الله صلى الله عليه وسلم على مسراه وعلى ما ترك، ومن الواجبات المنوطة بهم في هذا الإطار: فالعلماء في القرآن الكريم وفي السنة النبوية يقع على عاتقهم مهام جسام منها التعليم والتبيين، والتحريض، والتذكير، والقدوة وتقدم الصفوف وتحويل النظري إلى عملي وفي هذا يلزمهم: أولًا: إعادة قضيّة فلسطين إلى عمقها الإسلامي ومرجعيّتها الإسلاميّة، وترسيخ أنّها قضيّة المسلمين جميعًا وليست قضيّة الفلسطينيين وحدهم. ثانيًا: توحيد الجهود العلمائيّة لبيان الموقف الشرعي الواجب على المسلمين جميعًا حكامًا ومحكومين تجاه فلسطين ودعمها بمختلف وسائل الدّعم. ثالثًا: التدخل العلمائي الحثيث لتمتين الجبهة الفلسطينيّة وتوحيد صفّها وحل الإشكالات عند حدوثها. رابعًا: التّأصيل الشرعي للمسائل المتعلقة بقضيّة فلسطين، وتقديم الدراسات والأبحاث المتعلقة بذلك ووضعها بين العاملين للقضيّة من أبناء فلسطين من جهة وأبناء الأمة الإسلاميّة عامة من جهة أخرى. خامسًا: إصدار الفتاوى في المسائل ذات الصلة بقضية فلسطين والقضايا المتعلقة بها ومنها التطبيع على سبيل المثال والابتعاد عن اللغة السياسية الدبلوماسيّة إيثارًا للسلامة، بل الواجب هو تبليغ رسالات الله وعدم خشية سواه. سادسًا: تقدم الصفوف في الفعاليات والأنشطة الجماهيريّة والشعبيّة المناصرة لقضيّة فلسطين والحثّ على المشاركة الفاعلة فيها. سابعًا: حثّ الجماهير عمومًا وأهل الخير والبذل على البذل المالي لا سيما في هذه المرحلة التي نشهد فيها تآمرًا عالميًا على تجفيف موارد الدعم المالي لأهلنا في فلسطين المحتلة. ثامنًا: إصدار المواقف الواضحة والداعمة للجهاد بكل أشكاله وصوره والبعد عن الحسابات السياسية فالعالم لا بد أن يقدم الموقف الشرعي جليًا بلا وجل ولا سيما في مثل هذه الحالات. تاسعًا: تحريض الشباب والبعد عن إلقاء الرعب في نفوس الأجيال تحت عنوان الحكمة وتشجيع أهل الجرأة والاقدام. عاشرًا: لا بد من أمثلة جهادية وفي ذروة السنام من العلماء فقد قال سعيد بن جبير لما رجاه الناس أن يتراجع حفظًا لدمه من الحجاج قال: إن الناس كما يحتاجون من يعلمهم أمور حياتهم يحتاجون من يعلمهم التضحية في سبيل الله. السّؤال السّابع: هل من كلمة أخيرة أستاذنا الدكتور؟ بالغ الشّكر لمجلّتكم الكريمة على إتاحة هذه الفرصة الطيّبة، وأودّ أنّ أؤكّد للإخوة والأخوات القراء أنّ يقيننا بانتصارنا في فلسطين والقدس وكنس الاحتلال الصّهيوني من ربوعنا المباركة هو يقين لا يتزعزع بفضل الله تعالى، وهو مفتاح انتصار الأمة في كل ساحة ظلمها والعدوان على كرامتها. فهذه قضيّةٌ رابحة، والرّابح الحقّ هو من انحاز لها وكان له سهمٌ في معركتها، وركب سفينة المدافعين عنها والباذلين في سبيل الله تعالى لأجل حريتها دماءَهم وأرواحهم وأموالهم وطاقاتهم وجهودهم، وإن من توفيق الله تعالى للعبد أن يختاره ويستعمله في نصرة هذه القضية ومن خان وانحرف عن الجادة فهو محروم. فحياتنا قصيرة وآجالنا محتومة وطوبى لمن أتاه أجله قابضًا على الحق ونصرته، ومواجهًا للباطل وأهله، والصّهاينة اليوم قد علوا في الأرض وأفسدوا إفسادًا كبيرًا فطوبى لمن كان من عباد الله الذين يرسلهم ليسوؤوا وجوه هؤلاء الصّهاينة المعتدين وليتبّروا ما علوا تتبيرا. وأقول لشباب الأمة إنه يمكنكم الكثير فلا تضعفوا وغلبوا خط أمتكم على خطوط ذواتكم، وتعارفوا وتآلفوا فيما بينكم فإن المؤمن قوي بإخوانه ضعيف ببعده عنهم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.